المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير آية أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم .



mm-bb
13-06-2003, 09:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد شجعني الأخ الكبير الفاضل ابن عربي بأبحاثه القيمة حول الولاية التكوينية على نشر هذا التحقيق المختصر الذي كنت قد كتبته قبل فترة عن آية ( أولي الأمر ) مستفيداً من تفسير الميزان للسيد الطباطبائي ( قده) ؛ فأقول مستعيناً بلله :
قال تعالى :" و أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم " ( النساء 59 )
يقول السيد الطباطبائي (قده) : لما فرغ الله تعالى من الندب إلى عباده و بث الإحسان عاد إلى أصل المقصود بلسان آخر يتفرع عنه فروع أخر هو الترغيب بالأخذ بالائتلاف و التوحيد و من الواضح أن الله سبحانه لا يريد بإطاعته هو سوى إطاعته فيما أوحاه من المعارف و الشرائع و أما الرسول فله حيثيتان :
الأولى : حيثية التشريع بما يوحيه إليه ربه من قرآن و سواه .
الثانية : ما يراه من صواب الرأي و هو الذي يرتبط بولايته من قيادة و حكومة و قضاء .
كما قال تعالى ." لتحكم بين الناس بما أراك الله " ( النساء 105) . (1)
و هذه هي المقصودة هنا كما سيظهر .
ثم يقول : فيتبين أن لإطاعة الله معنى و لإطاعة الرسول معنى آخر و هذا هو سبب التكرار حتى يتبين أن الطاعتين مختلفتان ، و أما أولوا الأمر كائناًَ من كانوا فلا نصيب لهم من الوحي ( لأن نبينا (ص) خاتم الأنبياء ) و إنما شأنهم الرأي الذي يستصوبونه أي القيادة و الحكومة فلهم افتراض الطاعة نظير ما للرسول (ص) في رأيهم و قولهم و لهذا لم يذكرهم عند حديثه عن وجوب الرد و التسليم عند المشاجرة إلى الله و الرسول بل اكتفى بالرد إلى الله و الرسول لأن التنازع في أحكام الدين و مصدر الأحكام هو الله (أصالة ) و الرسول( بالتبع ) و من هنا يظهر أنه ليسى لهم أن يضعوا حكماً جديداً أو ينسخوا حكماً ثابتاً .
فثبت من الآية وجوب إطاعة الله في التشريع و إطاعة الرسول و أولي الأمر في القيادة و الحكومة .
و يوضح السيد أن : هذه الإطاعة مطلقة غير مشروطة بشرط و لا مقيدة بقيد ، و هو الدليل على أن الرسول لا يأمر بشيء و لا ينهى عن شيء يخالف حكم الله في الواقعة و إلا كان فرض طاعته تناقضاً منه تعالى و لا يتم ذلك إلا بعصمة فيه و هذا الكلام بعينه جار في أولي الأمر (أي أن ذلك هو الدليل على أن أولي الأمر لا يأمرون بشيء و لا ينهون عن شيء يخالف حكم الله في الواقعة و إلا كان فرض طاعتهم تناقضاً منه تعالى و لا يتم ذلك إلا بعصمة فيهم .)
ثم يرد السيد على بعض شبهات المفسرين في الآية ، و منها
قول من قال إن أولي الأمر غير معصومين و الآية تأمر بطاعتهم إذا لم يأمروا بمعصية إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، و يقول السيد أنه من الممكن أن يجعل شرعاً نظير هذه الحجية الظاهرة المذكورة كفرض طاعة ولاة الرسول (ص) و حجية قول المجتهد على مقلده فكل هذا – كما يقول – لا يوجب تقييد الآية فكون مسألة من المسائل صحيحة هو أمر و كونها مدلولاً عليها بظاهر آية قرآنية أمر آخر
فالآية تدل على افتراض طاعة أولي الأمر هؤلاء و لم تقيده بقيد و لا شرط و ليسى في الآيات القرآنية ما يقيد الآية في مدلولها حتى يصبح معناها : أطيعوا أولي الأمر منكم إذا لم يأمروا بمعصية أو لم تعلموا بخطأهم و إلا فلا بل قوموهم فما هذا معنى
و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم ، مع أن الله سبحانه أبان ما هو أوضح من هذا القيد دون هذه الطاعة فقال :" و وصينا الإنسان بوالديه حسناً و إن جاهداك لتشرك بي ما ليسى لك به علم فلا تطعهما " ( العنكبوت – 8 ) فما باله لم يظهر شيئاً من القيود في آية تشتمل على أس أساس الدين و إليها تنتهي عامة الفروع للسعادة الإنسانية ، على أن الآية جمع فيها بين الرسول و أولي الأمر و ذكر لهما طاعة واحدة و لا يجوز على الرسول أن يأمر بمعصية أو يغلط في حكم فلو جاز شيء من ذلك عليه جاز على أولي الأمر فلازم المسألة اعتبار العصمة في كلا الجانبين دون فرق .
كما يرد السيد ( رحمه الله ) على شبهة أخرى مفادها أن كلمة (منكم ) تدل على أن أولي الأمر هم بشر عاديون مثلنا دون عصمة و يقول السيد أن الآيات القرآنية الكريمة قد وصفت الرسول (ص) بأنه منهم فقال : ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم ) (الجمعة – 2 ) و
( ربنا و ابعث فيهم رسولاً منهم ) ( البقرة – 129 ) و ( رسلاً منكم يقصون عليكم آياتي ) (الأعراف –35 ) .
فهل هذا يدل على عدم عصمة الرسول و الأنبياء (ع) ؟ ؟!! .
و هناك رأي لبعض المشككين لم يتعرض له السيد بالتفصيل بل أشار إليه عرضاً و هو أن الآية تدل على الحجية و لا تدل على العصمة كقول مرجع التقليد الذي أمرنا بطاعته ، و هذا مدفوع أولاً بكل ما قدمناه و ثانياً لأنه قياس لحالة عامة على حالة شاذة ( كأن نستدل على إباحة الميتة لأنها أبيحت عند الضرورة ) و ثالثاً نحن لم نؤمر بطاعة مرجع التقليد بل رخّص لنا فيه لصعوبة تحصيل الاحتياط و إلا فالاحتياط هو الأفضل عند جميع الفقهاء (2).
و تطرق السيد أخيراً إلى التفسير الشائع بأن أولي الأمر هم أهل الحل و العقد حيث أشار إلى ما ذكره صاحب تفسير المنار عند حديثه عن هذه الآية حيث قال أنهم الذين تثق بهم الأمة من العلماء و الرؤساء في الجيش و المصالح العامة كالتجارة و الصناعة و الزراعة و كذا رؤساء العمال و الأحزاب و مديرو الجرائد المحترمة و رؤساء تحريرها و أضاف إليهم في موضوع آخر قواد الجيش كوزيري الحربية و البحرية و أركان الحرب لهما .
و هناك أقوال أخرى في المسألة و الجدير بالذكر أن خلاف أصحاب رأي ( الحل و العقد ) ليسى منحصراً في ماهيتهم بل في عددهم أيضاً فمنهم من يرى أنهم جمهور أهل الحل و العقد ، و منهم من يرى أنه يكتفي بخمسة كما حصل في السقيفة و هو مذهب أهل البصرة و منهم من يرى الاكتفاء بثلاثة كعقد الزواج الذي يحصل بولي و شاهدين و هو مذهب الكوفة و منهم من يرى أنه يكتفي بواحد لقول العباس لعلي (ع) ابسط يدك أبايعك .
و قد أورد هذه الآراء كلها الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية ذكرها بالتفصيل و الجواب على ذلك كلّه أن هذا المصطلح ليسى قرآنياً و لا سنتيّاً فأول ذكر له ورد في القرن الرابع الهجري عند الباقلاني ( 3) .
و يقول السيد متسائلاً : لماذا لم يبين لنا الرسول ما هي هذه الهيئة و ما حدودها و ما عددها . كما يستغرب رحمه الله كيف أنه إذا جمعنا عدداً من غير المعصومين صار المجموع معصوماً و بعبارة أوضح كيف يتصور اتصاف موضوع اعتباري (هيئة الحل و العقد ) بصفة حقيقية ( العصمة ) ، كما يفند السيد الاستدلال بحديث (لا تجتمع أمتي على ضلالة) في هذا المجال فهو أجنبي عن البحث لأن الحديث يشير إلى أمة لا إلى أهل الحل و العقد
فاتضح من كل ما سبق أن الآية تخص أئمة معصومين هم أهل البيت (ع) حيث لم يُدَّع ذلك لغيرهم و يورد السيد اشكالات ذكرت على هذا التفسير و يرد عليها و منها
1- أن ذلك يحتاج إلى تعريف صريح بهم : و الجواب أنه ما أكثر السور و الآيات و الأحاديث التي تحدثت عنهم.
2- إن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم فإذا لم نعرفهم فلا طاعة لهم و هذا معكوس على القائل .
3- إننا عاجزون عن الوصول إلى الإمام في هذا الزمان فلا يكون هو مفروض الطاعة : و الجواب أن هذا راجع إلى فعل الأمة لا إلى فعل أولي الأمر.
و يتطرق السيد في الحديث الروائي إلى عدد من الروايات لدى السنة و الشيعة تؤكد النتيجة التي وصل إليها و تفسر أولي المر بأئمة أهل البيت (ع) ، فمن ذلك عند الشيعة ما في تفسير البرهان عن جابر عن الرسول (ص) حيث سمى له الأئمة الاثنا عشر عندما سأله عن أولي الأمر في هذه الآية و في العياش عن الإمام الباقر (ع) قال :" الأوصياء ،و في شهر آشوب عن الصادق (ع) قال الأئمة من أهل بيت رسول الله (ص) ، و في الصدوق عن الباقر قال : الأئمة من ولد علي و فاطمة إلى أن تقوم الساعة ، و من الروايات السنية يذكر رواية ينابيع المودة عن أمير المؤمنين (ع) أنه فسر الآية بالحج من أهل البيت .
هذا و نذكر من الروايات السنية أيضاً ما في تفسير البحر المحيط حيث ذكر نزول الآية في حقد علي (ع) و الأئمة من أهل البيت و ما في شواهد التنزيل حيث أورد نزول الآية في الأئمة (ع) من أهل البيت (4)
بقيت مسألة و هي تفسير كلمة الأمر في ( و أولي الأمر منكم ) حيث يرى السيد أن معناها هو الشأن الراجع إلى دين المؤمنين المخاطبين بهذا الخطاب أو دنياهم على ما يؤيده قوله تعالى :" و شاورهم في الأمر " ( آل عمران 159 ) و " و أمرهم شورى بينهم " ( الشورى 38) .
انتهى ما ذكره السيد في المقام و لكن الملاحظ أن الآية تتحدث عن أولي الأمر فإذا فتشنا عن الأمر في القرآن الكريم الذي ( يفسر بعضه بعضاً ) سنجده يصف الأئمة بأنهم ( و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ) ( الأنبياء 73) و ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ) ( الأحزاب 24) ثم فتشنا عن( أمرنا)
في القرآن الكريم فوجدناها في قوله تعالى ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر )
( القمر 50) و الأمر هنا تكويني مما قد يشير إلى أن المقصود في آية أولي الأمر و آية الجعل هي الولاية التكوينية .
و الحقيقة ؛ لقد فتشت عن كلمة أمرنا في القرآن الكريم منسوبة إلى الله تعالى فوجدتها في طائفة من الآيات كقوله تعالى ( و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر )
( القمر 50) و (أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً) (يونس 24) و
( حتى إذا جاء أمرنا و فار التنور ) (هود 40 ) و ( لما جاء أمرنا نجينا هوداً ) (هود 58) و ( فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً ) ( هود66) و ( فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ) ( هود82 ) و ( لما جاء أمرنا نجينا شعيباً ) ( هود 94 ) و ( فإذا جاء أمرنا و فار التنور ) ( المؤمنون 27 ) و (كذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ) ( الشورى 52 ) و ( من يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير )
( سبأ 12 ) و هذه الآيات ، الأمر فيها - عدا الأخيرة – تكويني و بشكل عام فإذا وردت كلمة ( أمر الله ) أو ( أمره ) في القرآن الكريم فهي غالباً تكوينية و هذا مما يقوي الظن إلى حد كبير أن المقصود بالأمر في آية الجعل هي الولاية التكوينية و لكي نقطع بأنها تكوينية ؛ وبالعودة إلى تفسير تلك الآية في تفسير الميزان نجد السيد ( قده ) يرى أن هذه الهداية بالأمر المجعولة من شؤون الإمامة ليست بمعنى اراءة الطريق لأن الله سبحانه جعل إبراهيم إماماً بعدما جعله نبياً ( قال إني جاعلك للناس إماماً قال و من ذريتي ) ( البقرة 124 ) و لا تنفك النبوة عن الهداية بمعنى إراءة الطريق فلا يبقى للإمامة إلا الهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب و هي نوع تصرف تكويني في النفوس بتسييرها في سير الكمال و نقلهما إلى موقف معنوي من موقف آخر و إذا كانت تصرفاً تكوينياً و عملاً باطنياً فالمراد بالأمر ليسى الأمر التشريعي الاعتباري بل هو عائد إلى مثل قوله تعالى ( إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ) ( البقرة 117 ) و ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) (يس 82 ) ، و إذا كان الإمام يهدي بالأمر فهو متلبّس بذلك الأمر أولاً و منه ينتشر في الناس على اختلاف مقاماتهم فالإمام هو الرابط بين الناس و بين ربهم في إعطاء الفيوضات الباطنية و أخذها كما أن النبي رابط في أخذ الفيوضات الظاهرية و هي الشرائع النازلة بالوحي بين الناس و ربهم فالإمام هاد للنفوس إلى مقاماتها و النبي هاد لهم إلى الاعتقادات الحقة و الأعمال الصالحة و من هنا نفهم الفرق بين منزلتي النبي و الإمام ، و قد جمع نبينا (ص ) كلا الأمرين معاً فهو خير خلق الله إطلاقاً .
و ما تقدم يعتبر دليلاً قرآنياً على مسألة الولاية التكوينية للأئمة فإذا قلنا عن الإمام أنه ولي الأمر أو صاحب الأمر ( كما هو لقب مولانا المهدي (عج) . ) فلأنَّ له الولاية التكوينية فضلاً عن القيادة ، و بناءً على ما سبق يكون معنى الآية الكريمة :
أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أطيعوا الأئمة الذين أعطاهم الله الولاية التكوينية
وهذا المعنى هو باطن الآية و حقيقتها كما أن معنى الأمر الذي نقله السيد في تفسيرها هو ظاهر الآية و الحمد لله رب العالمين ……

(1) و ما بعده ؛ عن تفسير الميزان باختصار .
(2) و قد جاء في الرواية : (فللعوام أن يقلدوه ) و ليس ( فعلى العوام أن يقلدوه ) !!
(3) مجلة المنطلق 77 موضوع الجماعة .
(4) نهج الحق للعلامة الحلي ص 204.

no way
19-06-2003, 10:43 PM
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


أخي السيد mm-bb سلمت يداك على هذا الموضوع و نتمنى منك المزيد ...

و السلام عليكم ..

mm-bb
20-06-2003, 09:15 PM
باسمه تعالى
شكراً لكم أخي العزيز ؛ و وفقكم الله

الولاية العظمى
21-06-2003, 07:42 AM
كرا يا الطيب على الموضوع