المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثمانون حديثا عن الحسين (ع) من كتب الفريقين



الصفحات : [1] 2

بنت العمران
05-04-2006, 11:28 AM
ثمانون حديثا عن الحسين (ع) من كتب الفريقين

أربعون رواية من كتب الإمامية وأربعون أخرى من كتب السنة

وبَعْدُ فهذه أربعون رواية، كل رواتها ثقات متصلة السند بالمعصوم عليه السلام، في فضل زيارة سيد الشهداء عليه السلام، اخترْتُها من كتاب وسائل الشيعة للحر العاملي -رضي الله عنه- بمناسبة ذكرى أربعينية الإمام الحسين عليه السلام.
وتليها أربعون رواية أخرى من كتب السنة، كل رواتها ثقات في فضل سيد الشهداء، وما جرى عليه بعد مقتله صلوات الله وسلامه عليه.

نبدأ بروابات الإمامية بحول الله:
1. روى الصدوق في (ثواب الأعمال) عن أبيه، عن سعد بن عبدالله، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن وهب قال: استأذنت على أبي عبدالله (عليه السلام) فقيل لي: ادخل، فدخلت فوجدته في مصلاه، فجلست حتى قضى صلاته فسمعته وهو يناجي ربه وهو يقول:«يا من خصنا بالكرامة، وخصنا بالوصية، ووعدنا الشفاعة، وأعطانا علم ما مضى وما بقي، وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا!.. اغفر لي ولإخواني، ولزوار قبر أبي الحسين صلوات الله عليه، الذين أنفقوا أموالهم، وأشخصوا أبدانهم؛ رغبة في برنا، ورجاء لما عندك في صلتنا، وسرورا أدخلوه على نبيك صلواتك عليه وآله، وإجابة منهم لأمرنا، وغيظا أدخلوه على عدونا، أرادوا بذلك رضاك.. فكافهم عنا بالرضوان، وأكلأهم بالليل والنهار، واخلف على أهاليهم وأولادهم الذين خلفوا بأحسن الخلف، وأصبحهم وأكفهم شر كل جبار عنيد، وكل ضعيف من خلقك أو شديد، وشر شياطين الجن والإنس!.. وأعطهم أفضل ما أملوا منك في غربتهم عن أوطانهم، وما آثرونا به على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم!.. اللهم إن أعداءنا عابوا عليهم خروجهم، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا، وخلافا منهم على من خالفنا.. فارحم تلك الوجوه التي قد غيرتها الشمس، وارحم تلك الخدود التي تقلبت على حفرة أبي عبدالله (عليه السلام)، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وارحم الصرخة التي كانت لنا!.. اللهم إني أستودعك تلك الأنفس، وتلك الأبدان حتى توافيهم على الحوض يوم العطش»..فما زال وهو ساجد يدعو بهذا الدعاء، فلما انصرف قلت: جعلت فداك، لو أن هذا الذي سمعت منك كان لمن لا يعرف الله؛ لظننت أن النار لا تطعم منه شيئا، والله لقد تمنيت أني كنت زرته ولم أحج، فقال لي:ما أقربك منه، فما الذي يمنعك من زيارته؟!..ثم قال:يا معاوية لم تدع ذلك، قلت: لم أدر أن الامر يبلغ هذا كله، قال:يا معاوية من يدعو لزواره في السماء، أكثر ممن يدعو لهم في الأرض.. يا معاوية لا تدعه، فمن تركه رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده، أما تحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والأئمة (عليهم السلام)؟.. أما تحب أن تكون غدا ممن ينقلب بالمغفرة لما مضى، ويغفر له ذنوب سبعين سنة؟.. أما تحب أن تكون غدا ممن تصافحه الملائكة؟.. أما تحب أن تكون غدا فيمن يخرج وليس له ذنب فيتبع به؟.. أما تحب أن تكون غدا ممن يصافح رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟..

2.محمد بن الحسن بإسناده عن محمد بن أحمد بن داود، عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن الحسن بن متيل الدقاق وغيره من الشيوخ، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين (عليه السلام) فإن إتيانه يزيد في الرزق، ويمد في العمر، ويدفع مدافع السوء.. وإتيانه مفترض على كل مؤمن يقر له بالامامة من الله. ورواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن علي بن فضال نحوه، إلا أنه قال: (وزيارته مفترضة)، ورواه في (المجالس) عن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن أحمد ابن أبي عبدالله.

3. وبإسناده عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول:ليس شيء في السماوات إلا وهم يسألون الله أن يؤذن لهم في زيارة الحسين (عليه السلام)، ففوج ينزل وفوج يعرج.

4.محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن علي بن أبي حمزة:وكل بالحسين سبعون ألف ملك شعثا غبرا، يصلون عليه منذ يوم قتل إلى ما شاء الله -يعني قيام القائم- ويدعون لمن زاره، ويقولون: يا رب هؤلاء زوار الحسين افعل بهم، وافعل بهم!..بإسناده عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:ما بين قبر الحسين (عليه السلام) إلى السماء مختلف الملائكة.

6.وعنه، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:موضع قبر أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) منذ يوم دفن فيه روضة من رياض الجنة.

7.وعنه قال: وقال (عليه السلام):موضع قبر الحسين (عليه السلام) ترعة من ترع الجنة.

8. وفي (المجالس) و(عيون الاخبار) عن محمد بن علي ماجيلويه، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن الريان بن شبيب، عن الرضا (عليه السلام) في حديث أنه قال له:يا بن شبيب، إن سرك أن تلقى الله ولا ذنب عليك فزر الحسين!.. يا بن شبيب، إن سرك أن تسكن الغرف المبنية في الجنة مع النبي (صلى الله عليه وآله) فالعن قتلة الحسين!.. يا بن شبيب، إن سرك أن يكون لك من الثواب مثلما لمن استشهد مع الحسين (عليه السلام) فقل متى ذكرتهم: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما!..

9.وعن حمزة بن محمد العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن عتيبة بياع القصب، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من أتى قبر الحسين (عليه السلام) عارفا بحقه؛ كتبه الله في أعلى عليين.

10.وعن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:من زار قبر أبي عبدالله (عليه السلام) عارفاً بحقه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

11. وعن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: زيارة الحسين (عليه السلام) تعدل عمرة مقبولة مبرورة.

12.وعن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن موسى بن القاسم، عن الحسن بن الجهم قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): ما تقول في زيارة قبر الحسين (عليه السلام)؟.. فقال لي:ما تقول أنت فيه؟..فقلت: بعضنا يقول حجة، وبعضنا يقول: عمرة.. فقال:هي عمرة مبرورة.

13.وعن محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبدالله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن داود الرقي قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: ما خلق الله خلقا أكثر من الملائكة، وإنه لينزل من السماء كل مساء سبعون ألف ملك، يطوفون بالبيت ليلهم، حتى إذا طلع الفجر انصرفوا إلى قبر النبي (صلى الله عليه وآله) فسلموا عليه، ثم يأتون قبر أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فيسلمون عليه، ثم يأتون قبر الحسن فيسلمون عليه، ثم يأتون قبر الحسين (عليه السلام) فيسلمون عليه، ثم يعرجون إلى السماء قبل أن تطلع الشمس.. ثم تنزل ملائكة النهار سبعون ألف ملك، فيطوفون بالبيت الحرام نهارهم، حتى إذا دنت الشمس للغروب انصرفوا إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيسلمون عليه، ثم يأتون قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) فيسلمون عليه، ثم يأتون قبر الحسن فيسلمون عليه، ثم يأتون قبر الحسين (عليه السلام) فيسلمون عليه، ثم يعرجون إلى السماء قبل أن تغيب الشمس.

14.وعن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن العباس بن معروف، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبدالله قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) بالمدينة: أين قبور الشهداء؟.. فقال: أليس أفضل الشهداء عندكم الحسين (عليه السلام)؟..أما والذي نفسي بيده!.. إن حول قبره أربعة آلاف ملك شعث غبر، يبكونه إلى يوم القيامة.

15.وعن محمد بن موسى بن المتوكل، عن السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن أبيه، عن ابن مسكان، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:قال الحسين بن علي (عليهما السلام):أنا قتيل العبرة، قتلت مكروبا، وحقيق على الله أن لا يأتيني مكروب؛ إلا رده وقلبه إلى أهله مسرورا.

16. وفي (عيون الاخبار) بأسانيد تقدمت في إسباغ الوضوء عن الرضا (عليه السلام) عن أبيه، قال: سئل جعفر بن محمد (عليه السلام) عن زيارة قبر الحسين (عليه السلام)، فقال: أخبرني أبي (عليه السلام)أن من زار قبر الحسين بن علي (عليهما السلام) عارفا بحقه؛ كتبه الله في عليين.. ثم قال: إن حول قبره سبعين ألف ملك شعثا غبرا، يبكون عليه إلى يوم القيامة.

17. وعن علي بن الحسين، عن سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمد، عن علي بن أحمد بن أشيم، عن صفوان بن يحيى قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن زيارة الحسين (عليه السلام)؟.. قال:تعدل عمرة.

18.وعن محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن (عليه السلام) في زيارة الحسين (عليه السلام) قال:تعدل عمرة.

19.محمد بن علي بن الحسين في (ثواب الاعمال) عن أبيه، عن سعد، عن محمد بن إسماعيل، عن حنان بن سدير قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): زوروه -يعني الحسين- ولا تجفوه، فإنه سيد الشهداء، وسيد شباب أهل الجنة.

20.وبالإسناد عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان، عن عبد الملك الخثعمي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:لا تدع زيارة الحسين بن علي (عليهما السلام) ومر أصحابك بذلك: يمد الله في عمرك، ويزيد في رزقك، ويحييك الله سعيداً، ولا تموت إلا شهيداً، ويكتبك سعيدا.

21.وعن محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبدالله، عن الفضيل بن يسار قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام):ما أجفاكم -يا فضيل- لا تزورون الحسين!.. أما علمت أن أربعة آلاف ملك شعثا غبرا، يبكونه إلى يوم القيامة؟..

22. وبالإسناد عن حماد، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:كم بينكم وبين قبر الحسين (عليه السلام)؟.. قال: قلت:ستة عشر فرسخاً، قال:ما تأتونه؟..قلت: لا، قال:ما أجفاكم!..

23.الحسن بن محمد الطوسي في (الآمالي) عن أبيه، عن المفيد، عن جعفر بن محمد بن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) -في حديث- قال:ومن زار قبر الحسين (عليه السلام) عارفا بحقه، كتب الله له ثواب ألف حجة مقبولة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

24.وعن أبيه، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن النضر النخعي، عن شهاب بن عبد ربه -أو عن رجل، عن شهاب- عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألني فقال:يا شهاب كم حججت من حجة؟.. قال: قلت: تسع عشرة، قال: فقال لي:تممها عشرين حجة، تكتب لك بزيارة الحسين (عليه السلام).

25.وعن الحسن بن عبدالله بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:لو يعلم الناس ما في زيارة الحسين (عليه السلام) من الفضل لماتوا شوقا، وتقطعت أنفسهم عليه حسرات، قلت: وما فيه؟.. قال: من زاره تشوقا إليه كتب الله له ألف حجة متقبلة، وألف عمرة مبرورة، وأجر ألف شهيد من شهداء بدر، وأجر ألف صائم، وثواب ألف صدقة مقبولة، وثواب ألف نسمة أريد بها وجه الله، ولم يزل محفوظا... الحديث. وفيه ثواب جزيل، وفي آخره: أنه ينادي مناد: هؤلاء زوار الحسين شوقا إليه.

26.وعن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن عبدالله بن المغيرة، عن عبدالله بن ميمون، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له: ما لمن زار قبر الحسين (عليه السلام) عارفاً بحقه، غير مستكبر ولا مستنكف؟.. قال:يكتب له ألف حجة مقبولة، وألف عمرة مقبولة.. وإن كان شقيا كتب سعيدا، ولم يزل يخوض في رحمة الله.

27.محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن داود الرقي قال: سمعت أبا عبدالله جعفر بن محمد وأبا الحسن موسى بن جعفر، وأبا الحسن علي بن موسى (عليهم السلام) يقولون: من أتى قبر الحسين بن علي (عليه السلام) بعرفة، قلبه الله ثلج الوجه.

28.وعن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن موسى بن عمر، عن علي بن النعمان، عن عبدالله بن مسكان قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى يتجلى لزوار قبر الحسين (عليه السلام) قبل أهل عرفات (فيفعل ذلك بهم) ويقضي حوائجهم، ويغفر ذنوبهم ويشفعهم في مسائلهم، ثم يثني بأهل عرفات يفعل ذلك بهم.

29. محمد بن الحسن بإسناده عن سعد بن عبدالله، عن الحسن بن علي الزيتوني، عن أحمد بن هلال، عن محمد بن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من أحب أن يصافحه مائتا ألف نبي، وعشرون ألف نبي؛ فليزر قبر الحسين بن علي (عليه السلام) في النصف من شعبان، فإن أرواح النبيين تستأذن الله في زيارته فيؤذن لهم.

30. جعفر بن محمد بن قولويه في (المزار) عن جعفر بن محمد بن عبدالله الموسوي، عن عبدالله بن نهيك، عن ابن أبي عمير، عن زيد الشحام، عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: من زار الحسين (عليه السلام) ليلة النصف من شعبان؛ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.. ومن زاره يوم عرفة؛ كتب الله له ألف حجة متقبلة، وألف عمرة مبرورة.. ومن زاره يوم عاشورا؛ فكأنما زار الله فوق عرشه.

31.وعن محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن زيد الشحام، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من زار قبر الحسين (عليه السلام) في النصف من شعبان؛ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

32. محمد بن الحسن بإسناده عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن زيد الشحام، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:من زار قبر أبي عبدالله (عليه السلام) يوم عاشوراء عارفا بحقه؛ كان كمن زار الله تعالى في عرشه.

33. ورواه الصدوق في (ثواب الاعمال) عن أبيه، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح، عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: إن لله ملائكة موكلين بقبر الحسين (عليه السلام) فإذا همّ الرجل بزيارته فاغتسل؛ ناداه محمد (صلى الله عليه وآله): يا وفد الله، أبشروا بمرافقتي في الجنة!.. وناداه أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا ضامن لقضاء حوائجكم، ودفعة البلاء عنكم في الدنيا والآخرة.. ثم اكتنفهم النبي صلى الله عليه وآله، وعلي (عليه السلام) عن أيمانهم وعن شمائلهم، حتى ينصرفوا إلى أهاليهم.

34.محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن الحسين بن ثوير قال: كنت أنا ويونس بن ظبيان عند أبي عبدالله (عليه السلام) وكان أكبرنا سناً، فقال له: إني كثيرا ما أذكر الحسين (عليه السلام) فأي شيء أقول؟.. قال:قل: «صلّى الله عليك يا أبا عبدالله» تعيد ذلك ثلاثا، فإن السلام يصل إليه من قريب ومن بعيد... الحديث.

35.وعن محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن أبي أسامة زيد الشحام قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول:من أتى قبر الحسين (عليه السلام) تشوقا إليه؛ كتبه الله من الآمنين يوم القيامة، وأعطى كتابه بيمينه، وكان تحت لواء الحسين بن علي (عليه السلام) حتى يدخل الجنة؛ فيسكنه في درجته إن الله سميع عليم.

36.وعن الحسن بن عبدالله بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من أتى قبر الحسين (عليه السلام) شوقاً إليه؛ كان من عباد الله المكرمين، وكان تحت لواء الحسين (عليه السلام) حتى يدخلهما الجنة جميعا.

37.وبالإسناد عن ابن محبوب، عن أبي المغرا، عن ذريح، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:والله!.. إن الله يباهي بزائر الحسين والوافد إليه، الملائكة المقربين وحملة عرشه، فيقول لهم: أما ترون زوار قبر الحسين (عليه السلام) أتوه شوقا إليه وإلى فاطمة؟!.. وعزتي وجلالي وعظمتي!.. لأوجبن لهم كرامتي، (ولأُحبنهم لمحبتي)... الحديث.وفيه ثواب جزيل.

38.وعنه، عن أبيه، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن أبيه، عن محمد بن سنان عن حذيفة بن منصور قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام):من زار قبر الحسين (عليه السلام) لله، وفي الله؛ أعتقه الله من النار، وآمنه يوم الفزع الاكبر، ولم يسأل الله حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا أعطاه.

39.وعن محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم البزاز، عن أبي سلمة وهو أبوخديجة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:إن زيارة الحسين (عليه السلام) من أفضل ما يكون من الأعمال.

40.وعن محمد بن موسى المتوكل، عن عبدالله بن جعفر الحميري، عن أحمد وعبدالله -ابني محمد بن عيسى- عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان علي بن الحسين (عليه السلام) يقول:أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين (عليه السلام) حتى تسيل على خديه؛ بوّأه الله بها غرفا يسكنها أحقابا.. وأيما مؤمن دمعت عيناه، حتى تسيل على خده، فيما مسنا من الأذى من عدونا في الدنيا؛ بوّأه الله مبوأ صدق.. وأيما مؤمن مسّه أذى فينا، فدمعت عيناه، حتى تسيل على خده من مضاضة ما أُوذي فينا؛ صرف الله عن وجهه الأذى، وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار.

انتهت الأربعون رواية من كتب الامامية، بفضل من الله سبحانه وتعالى.

**************

وهذه الأخرى من كتب أهل السُنة، في فضل الإمام الحسين عليه السلام، وما جرى من حوادث بعد استشهاده عليه السلام:

1. صحيح البخاري: حدثني محمد بن الحسين بن إبراهيم، قال: حدثني حسين بن محمد، حدثنا جرير عن محمد، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين عليه السلام، فجعل في طست، فجعل ينكت، وقال في حسنه شيئا.. فقال أنس:كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مخضوبا بالوسمة.

2. سنن الترمذي: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا علي بن جعفر بن محمد بن علي، أخبرني أخي موسى بن جعفر بن محمد، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذ بيد حسن وحسين فقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما؛ كان معي في درجتي يوم القيامة.. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث جعفر بن محمد، إلا من هذا الوجه.

3. سنن الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.. حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا جرير ومحمد بن فضيل، عن يزيد نحوه.. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وابن أبي نعم، هو عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي الكوفي، ويكنى أبا الحكم.

4. سنن الترمذي: حدثنا سفيان بن وكيع، وعبد بن حميد قالا: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا موسى بن يعقوب الزمعي، عن عبد الله بن أبي بكر بن زيد بن المهاجر، أخبرني مسلم بن أبي سهل النبال، أخبرني الحسن بن أسامة بن زيد، أخبرني أبي أسامة بن زيد قال: طرقت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو، فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟.. قال: فكشفه، فإذا حسن وحسين على وركيه فقال:هذان ابناي، وابنا ابنتي.. اللهم!.. إني أحبهما؛ فأحبهما، وأحب من يحبهما..قال: هذا حديث حسن غريب.

5. سنن الترمذي: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا إسمعيل بن عياش، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن راشد، عن يعلى بن مرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا.. حسين سبط من الأسباط).. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وإنما نعرفه من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم، وقد رواه غير واحد عن عبد الله بن عثمان بن خثيم.

6. سنن الترمذي:حدثنا خلاد بن أسلم أبو بكر البغدادي، حدثنا النضر بن شميل، أخبرنا هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين قالت: حدثني أنس بن مالك قال: كنت عند ابن زياد، فجيء برأس الحسين، فجعل يقول بقضيب له في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسنا.. قال: قلت: أما إنه كان من أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم.. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.

7. سنن الترمذي: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل عن أبي إسحق، عن هانئ بن هانئ، عن علي قال:الحسن أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم، ما بين الصدر إلى الرأس.. والحسين أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم، ما كان أسفل من ذلك.. هذا حديث حسن صحيح غريب.

8. سنن الترمذي:حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، وإسحق بن منصور قالا: أخبرنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش، عن حذيفة قال: سألتني أمي: متى عهدك -تعني بالنبي صلى الله عليه وسلم- فقلت: ما لي به عهد منذ كذا وكذا، فنالت مني.. فقلت لها: دعيني آتي النبي صلى الله عليه وسلم، فأصلي معه المغرب، وأسأله أن يستغفر لي ولك.. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فصليت معه المغرب، فصلى حتى صلى العشاء، ثم انفتل فتبعته، فسمع صوتي فقال:من هذا حذيفة؟!.. قلت: نعم، قال:ما حاجتك غفر الله لك ولأمك؟!.. قال:إن هذا ملك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم عليَّ، ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.. قال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل.

9. سنن الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو أسامة، عن فضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن البراء: أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر حسنا وحسينا فقال: اللهم!.. إني أحبهما؛ فأحبهما.. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

10. سنن ابن ماجة: حدثنا علي بن محمد، حدثنا وكيع عن سفيان، عن داود بن أبي عوف أبي الجحاف -وكان مرضيا- عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب الحسن والحسين؛ فقد أحبني.. ومن أبغضهما؛ فقد أبغضني.. صححه الأباني انظر حديث رقم: 5963 في صحيح الجامع.

11. مستدرك الحاكم: حدثني محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا الحسين بن الفضل البجلي، حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى العامري: أنه خرج مع رسول الله (ص) إلى طعام دعوا له، قال: فاستقبل رسول الله (ص) إمام القوم، وحسين مع الغلمان يلعب.. فأراد رسول الله (ص) أن يأخذه، فطفق الصبي يفر ها هنا مرة وها هنا مرة، فجعل رسول الله (ص) يضاحكه حتى أخذه.. قال: فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه، فوضع فاه على فيه يقبله فقال:حسين مني وأنا من حسين؛ أحب الله من أحب حسينا.. حسين سبط من الأسباط.. هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وصححه الذهبي في التلخيص.

12. مستدرك الحاكم: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي من أصل كتابه، حدثنا محمد بن شداد المسمعي، حدثنا أبو نعيم، وحدثني أبو محمد الحسن بن محمد السبيعي الحافظ، حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية، حدثنا حميد بن الربيع، حدثنا أبو نعيم، وأخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن أخي طاهر العقيقي العلوي في كتاب النسب، حدثنا جدي، حدثنا محمد بن يزيد الآدمي، حدثنا أبو نعيم، وأخبرني أبو سعيد أحمد بن محمد بن عمرو الأخمسي من كتاب التاريخ، حدثنا الحسين بن حميد بن الربيع، حدثنا الحسين بن عمرو العنقزي، والقاسم بن دينار قالا: حدثنا أبو نعيم، وأخبرنا أحمد بن كامل القاضي، حدثني يوسف بن سهل التمار، حدثنا القاسم بن إسماعيل العزرمي، حدثنا أبو نعيم، وأخبرنا أحمد بن كامل القاضي، حدثنا عبد الله بن إبراهيم البزار، حدثنا كثير بن محمد أبو أنس الكوفي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:أوحى الله تعالى إلى محمد (ص): إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا، وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا، وسبعين ألفا.. هذا لفظ حديث الشافعي، وفي حديث القاضي أبي بكر بن كامل: إني قتلت على دم يحيى بن زكريا، وإني قاتل على دم ابن ابنتك.. هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص: على شرط مسلم.

13. مستدرك الحاكم: حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، حدثنا الحسن بن علي بن شبيب المعمري، حدثنا أبو عبيدة بن الفضيل بن عياض، حدثنا مالك بن سعير بن الخمس، حدثنا هشام بن سعد، حدثنا نعيم بن عبد الله المجمر، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما رأيت الحسين بن علي إلا فاضت عيني دموعا، وذاك أن رسول الله (ص) خرج يوما فوجدني في المسجد، فأخذ بيدي واتكأ عليَّ فانطلقت معه حتى جاء سوق بني قينقاع، قال: وما كلمني، فطاف ونظر ثم رجع ورجعت معه، فجلس في المسجد واحتبى، وقال لي:ادع لي لكاع!.. فأتى حسين يشتد حتى وقع في حجره، ثم أدخل يده في لحية رسول الله (ص)، فجعل رسول الله (ص) يفتح فم الحسين فيدخل فاه في فيه ويقول:اللهم!.. إني أحبه؛ فأحبه.. هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وصححه الذهبي في التلخيص.

14. المستدرك على الصحيحين:أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمد السكوني بالكوفة،حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي،حدثنا أبو كريب،حدثنا أبو خالد الأحمر، حدثني زريق، حدثني سلمان قال: دخلت على أم سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟.. قالت:رأيت رسول الله في المنام يبكي، وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟.. قال: شهدت قتل الحسين آنفا.

15. مسند أبي يعلى: حدثنا يعقوب بن عيسى جار أحمد بن حنبل، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن عبد العزيز بن المطلب، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله، عن زيد بن علي بن حسين، عن أبي، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:من قتل دون حقه، فهو شهيد.. قال الشيخ حسين أسد محقق الكتاب: إسناده حسن.

16. مجمع الزوائد: وعن محمد بن الضحاك بن عثمان الحزامي، قال:كان جسد الحسين شبه جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. رواه الطبراني، ورجاله ثقات، وقد تقدمت أحاديث نحو هذا.

17. وعن جابر قال:من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى الحسين بن علي؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله.. رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، ما عدا الربيع بن سعد.. وقيل: ابن سعيد، وهو ثقة.

18. عن أنس بن مالك: أن ملك القطر استأذن أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن له.. فقال لأم سلمة: املكي علينا الباب، لا يدخل علينا أحد.. قال: وجاء الحسين بن علي ليدخل، فمنعته، فوثب فدخل، فجعل يباع على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى منكبه، وعلى عاتقه.. قال: فقال الملك للنبي صلى الله عليه وسلم:أتحبه؟.. قال:نعم، قال: إن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل به.. فضرب بيده، فجاء بطينة حمراء، فأخذتها أم سلمة فصرتها في خمارها..قال ثابت: بلغنا أنها كربلاء.. رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني بأسانيد.. وفيها عمارة بن زاذان، وثقه جماعة.. وفيه ضعف، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح.

19. وعن نجي الحضرمي: أنه سار مع علي رضي الله عنه، وكان صاحب مطهرته، فلما حاذى نينوى، وهو منطلق إلى صفين، فنادى علي: اصبر أبا عبدالله!.. اصبر أبا عبدالله بشط الفرات!.. قلت: وما ذاك؟.. قال:دخلت علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، وإذا عيناه تذرفان، قلت: يا نبي الله!.. أغضبك أحد، ما شأن عينيك تفيضان؟.. قال: بل قام من عندي جبريل عليه السلام..قيل: فحدثني: أن الحسين يقتل بشط الفرات..قال: فقال: هل لك أن أشمك من تربته؟.. قلت: نعم، قال: فمد يده، فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا.. رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني، ورجاله ثقات، ولم ينفرد نجي بهذا.

20. وعن عائشة أو أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأحداهما: لقد دخل علي البيت ملك، فلم يدخل علي قبلها قال:إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها.. قال: فأخرج تربة حمراء.. رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.

21. وعن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، جالسا ذات يوم في بيتي قال: لا يدخل عليَّ أحد.. فانتظرت فدخل الحسين، فسمعت نشيج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي، فاطلعت فإذا حسين في حجره، والنبي صلى الله عليه وسلم يمسح جبينه وهو يبكي.. فقلت: والله ما علمت حين دخل!.. فقال: إن جبريل عليه السلام في البيت، قال:أفتحبه؟.. قلت: أما في الدنيا فنعم، قال: إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء، فتناول جبريل من تربتها، فأراها النبي صلى الله عليه وسلم.. فلما أحيط بحسين حين قتل قال: ما اسم هذه الأرض؟.. قالوا: كربلاء، فقال:صدق الله ورسوله، كرب وبلاء..وفي رواية: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرض كرب وبلاء..رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها ثقات.

22. وعن أبي الطفيل قال: استأذن ملك القطر أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة، فقال: لا يدخل علينا أحد، فجاء الحسين بن علي رضي الله عنهما فدخل، فقالت أم سلمة: هو الحسين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعيه!.. فجعل يعلو رقبة النبي صلى الله عليه وسلم، ويعبث به، والملك ينظر.. فقال الملك: أتحبه يا محمد؟.. قال: إي والله إني لأحبه!.. قال: أما إن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان؟.. فقال بيده، فتناول كفا من تراب، فأخذت أم سلمة التراب فصرته في خمارها، أن ذلك التراب من كربلاء..رواه الطبراني، وإسناده حسن.

23. وعن علي قال:ليقتلن الحسين، وإني لأعرف التربة التي يقتل فيها قريبا من النهرين.. رواه الطبراني، ورجاله ثقات.

24. وعن شيبان بن محرم -كان عثمانيا- قال:إني لمع علي رضي الله عنه، إذ أتى كربلاء،فقال: يقتل بهذا الموضع شهيد، ليس مثله شهداء، إلا شهداء بدر.. فقلت: بعض كذباته، وثم رجل حمار ميت، فقلت لغلامي: خذ رجل هذا الحمار، فأوتدها في مقعده، وغيبها، فضرب الظهر حصول.. فلما قتل الحسين بن علي، انطلقت ومعي أصحابي، فإذا جثة الحسين بن علي على رجل ذلك الحمار، وإذا أصحابه ربضة حوله.. رواه الطبراني، وفيه عطاء بن السائب، وهو ثقة؛ ولكنه اختلط، وبقية رجاله ثقات.. وعن أبي هريمة قال: كنت مع علي رضي الله عنه بنهر كربلاء، فمر بشجرة تحتها بعر غزلان، فأخذ منه قبضة فشمها، ثم قال: يحشر من هذا الظهر سبعون ألفا، يدخلون الجنة بغير نجاسة..رواه الطبراني، ورجاله ثقات.

25. وعن المسيب بن نجية، قال: قال علي رضي الله عنه: ......وأما أنا وحسين: فأنا منكم، وأنتم منا، والله لقد خشيت أن يدال هؤلاء القوم بصلاحهم في أرضهم، وفسادكم في أرضكم.. وبأدائهم الأمانة، وخيانتكم.. وبطواعيتهم إمامهم، ومعصيتكم له.. واجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم.. تطول دولتهم، حتى لا يدعون لله محرما إلا استحلوه، ولا يبقى بيت مدر ولا وبر، إلا دخله ظلمهم.. وحتى يكون أحدكم تابعا لهم، وحتى تكون نصرة أحدكم منهم، كنصرة العبد من سيده: إذا شهد أطاعه، وإذا غاب سبه.. وحتى يكون أعظمكم فيها غناء، أحسنكم بالله ظنا.. فإن أتاكم الله بالعافية، فاقبلوا!.. فإن ابتليتم، فاصبروا!.. فإن العاقبة للمتقين.. رواه الطبراني، ورجاله ثقات.

26. وعن ابن وائل، أو وائل بن علقمة: أنه شهد ما هناك، قال: قام رجل فقال: أفيكم حسين؟.. قالوا: نعم، قال: أبشر بالنار!.. قال: أبشر برب رحيم، وشفيع مطاع.. قالوا: من أنت؟.. قال: أنا ابن جويرة-أو جويزة- قال:(اللهم جره إلى النار)!.. فنفرت به الدابة، فتعلقت رجله في الركاب.. قال: فوالله ما بقي عليها منه إلا رجله.. رواه الطبراني، وفيه عطاء بن السائب، وهو ثقة؛ ولكنه اختلط.

27. وعن ابن عباس قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، بنصف النهار: أشعث، أغبر، معه قارورة فيها دم ينتقطه -أو يبيع فيها شيئا- فقلت: ما هذا؟.. قال:(دم الحسين وأصحابه)..فلم أزل أتتبعه منذ اليوم.. رواه أحمد والطبراني، ورجاله أحمد رجال الصحيح.

28. وعن الشعبي قال: رأيت في النوم كأن رجالا من السماء نزلوا، معهم حراب يتتبعون قتلة الحسين، فما لبثت أن نزل المختار فقتلهم..رواه الطبراني، وإسناده حسن.

29. وعن دويد الجعفي، عن أبيه، قال: لما قتل الحسين، انتهبت جزور من عسكره، فلما طبخت إذا هي دم..رواه الطبراني، ورجاله ثقات.

30. وعن عمرو بن بعجة، قال:أول ذل دخل على العرب، قتل الحسين بن علي، وادعاء زياد.. رواه الطبراني، ورجاله ثقات.

31. وعن أبي رجاء العطاردي،قال: لا تسبوا عليا، ولا أحدا من أهل البيت.. فإن جارا لنا من بلهجيم قال: ألم تروا إلى هذا الفاسق، الحسين بن علي قتله الله.. فرماه الله بكوكبين في عينيه؛ فطمس الله بصره..رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.

32. وعن الزهري، قال:ما رفع بالشام حجر يوم قتل الحسين بن علي، إلا عن دم.. رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.

33. وعن أم حكيم، قالت:قتل الحسين، وأنا يومئذ جويرية، فمكثت السماء أياما مثل العلقة.. رواه الطبراني، ورجاله إلى أم حكيم رجال الصحيح.

34. وعن أبي قبيل، قال:لما قتل الحسين بن علي؛ انكسفت الشمس كسفة حتى بدت الكواكب نصف النهار، حتى ظننا أنها هي.. رواه الطبراني، وإسناده حسن.

35. وعن سفيان، قال: حدثتني جدتي أم أبي، قالت:شهد رجلان من الجعفيين قتل الحسين بن علي: فأما أحدهما فطال ذكره، حتى كان يلفه.. وأما الآخر فكان يستقبل الراية بفيه، حتى يأتي على آخرها.. قال سفيان: رأيت ولد أحدهما كان به خيل وكأنه مجنون.. رواه الطبراني، ورجاله إلى جده سفيان ثقات.

36. وعن الأعمش، قال:خرى رجل على قبر الحسين؛ فأصاب أهل ذلك البيت: خبل، وجنون، وجذام، وبرص، وفقر.. رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.

37. وعن أم سلمة، قالت:سمعت الجن تنوح على الحسين بن علي..رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.

38. عن ميمونة، قالت: سمعت الجن تنوح على الحسين بن علي..رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.

39. وعن أبي هريمة، قال: كنت مع علي رضي الله عنه بنهر كربلاء، فمر بشجرة تحتها بعر غزلان؛ فأخذ منه قبضة فشمها، ثم قال: يحشر من هذا الظهر سبعون ألفا، يدخلون الجنة بغير نجاسة.. رواه الطبراني، ورجاله ثقات.

40. وعن حاجب عبيدالله بن زياد، قال: دخلت القصر خلف عبيدالله بن زياد، حين قتل الحسين.. فاضطرم في وجهه نارا، فقال: هكذا بكمه على وجهه!.. فقال: هل رأيت؟.. قلت: نعم، وأمرني أن أكتم ذلك.. رواه الطبراني.. وحاجب عبيدالله لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.. وعن الزهري قال: قال لي عبدالملك: أي واحد أنت، إن أعلمتني أي علامة كانت يوم قتل الحسين، فقال: قلت:لم ترفع حصاة ببيت المقدس، إلا وجد تحتها دم عبيط.. فقال لي عبدالملك: إني وإياك في هذا الحديث لقرينان!.. رواه الطبراني، ورجاله ثقات.


__________________

أختكم : بنت العمران

omda-omda
05-04-2006, 11:49 AM
اختي بنت العمران بارك الله وفيك وفي اجتهادك من الصدف الجميله والتي تدل علي روح المحبه في الله ان اول من يعقب علي موضوعك سني اختي بارك الله فيك وهل انكر احد فضل الامام الحسين لا والله لا ينكر فضله الا جاحد او حاقد وشكرا لهذا المبحث الجيد

بنت العمران
05-04-2006, 11:52 AM
شكراً لك اخي
وشكراً على مرورك

يالثارات فاطمة
05-04-2006, 01:25 PM
لو قرأ اخواننا اهل السنة هذه الاحاديث ووعوها لكن خيرا لهم

ولو انهم قرأوا الاحاديث الموجودة في سلسة الاحاديث الصحيحة للألباني في الجزء الثاني والثالث وكيف انه يورد احاديث صحيحة تتحدث عن كربلاء وعن تربة كربلاء وعن دم الحسين وعن القارورة التي اعطاها الرسول الى ام سلمة وكيف اخبرها بانها سوف تتحول الى دم عبيط واحاديث اخرى كثيرة تتحدث بالتفصيل عن مصاب الحسين في نفس الكتاب ، لعرفوا الحق

ولكن ماذا تقول على من نصب العداء لأهل البيت

كيف تزعمون بانكم تحبون الحسين وانتم تحبون يزيد سبحان الله كيف يكون القاتل والمقتول في الجنه اي عقول ايها السنة انتم تحملونها في رؤوسكم الا تفكرون الا تقرأون القرأن وتستمعون الى آياته التي تطالب المؤمنين بالتفكر

انكم اجللتم مقام يزيد واجللتم قدر ابيه وهم في الدرك الاسفل من النار

انني اتعجب من شدة ضعف بصركم في الامور كيف تأتون الى ائمة الكفر وتقولون انهم ائمة الاسلام

ان عقولكم الضعيفة هي التي لم تمنعكم من اتباع ائمة الكفر وتركتم عبيدا وليس اسياد

ان من لم يعرف الحسين ابن علي لا يكون حراً ابدا
انك ولدت سني ولكن فيك عقل يميز الخطأ من الصواب
هل هذا العقل الذي في رأسك هو للتفكير ؟
اذا لماذا لاتفكر به ، انا لايهمني اتبعتني ام لم تتبعني هذا امر يهمك انت ولن ينفعك عنادك يوم القيامة انت مقبل على امر خطير جداً لامزح فيه ولالعب

كيف تقابل الله سبحانه وتعالى وانت تابع لأعداء الله والرسول

ليهلك من هلك عن بينه ولينجوا من نجى عن بينه
يجب ان تتخلى عن عنادك وتعصبكوتقبل الى الله تعالى بقلب صافي مخلص وتطلب منه هدايتك ثم تبحث بالعقل ، نعم ابحث عن الحقيقة

ماذا لوكان الحق مع الشيعة ؟

ثم لوبحثت وكان الحق مع الشيعة وهو كذلك واتبعتهم لنجيت معهم ولو كان الحق مع السنه وهو غير ذلك نجيت

انت تقبل في هذا المنتدى وفي كل مناظرة لتهاجم وتدافع عن مذهب السنه وتتعصب اليه وهذا خطأ
ينبغي منك ان تذهب الى الحوار كي ترى ادلة الاخرين ، هل ادلتهم تدل على الحق ام لا من اجل ان تقذ نفسك من نار وقودها الناس والحجارة


والحمد لله بالغ امره

ابوالحسن الاحسائي

الخاشع
05-04-2006, 02:20 PM
بارك الله بك اختي

بنت العمران
05-04-2006, 03:10 PM
شكراً لكم على مروركم واتمنى ان يفهم السنه هذه الاحاديث
وشكراً لك اخي يالثارات فاطمة على الرد الرائع ..

أخيتكم بنت العمران

يالثارات فاطمة
06-04-2006, 08:34 AM
يابنت العمران اكتبي واكثري من كتابة المواضيع ماستطعتي في حق اهل البيت عليهم السلام واجركي عند الله والرسول

وانا اطلب من كل شعة أهل البيت عليهم السلام ان يدعموا كل من يكتب في محمد وآل محمد ولو بكلمة الشكر

ولايحزنكِ ماتقول الوهابية من تعقيب ، الم تسمعي الى قول الله تعالى وهو يواسي نبيه صلى الله عليه وآله من اشكال هؤالاء

يقول تعالى

{وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (65) سورة يونس

لبيك ياعلي
06-04-2006, 08:39 AM
سمعنا وأطعنا يالثارات فاطمة

واني اشكر ابنت العمران على ايراد هذه الاحاديث واتمنى من الكل ان يقرأها ليتعرف على الامام الحسين عليه السلام

بنت العمران
06-04-2006, 11:41 AM
شكراً اخي يالثارت فاطمة وعلى كلامك النير والمعاني الروحانية

وكذلك اشكر لبيك ياعلي
وشكرراً على مروركم

فنحن لن نقصر بكتاباتنا لأهل البيت عليهم السلام
نحن لهم الفداء ومهما كتبنا
او عبرنا فلن توفي كلماتنا بحقهم

الهبر
06-04-2006, 11:48 AM
............................... بسمه تعالى

احسن الله اليك يا بنت العمران وجزاك الله خير جزاء على هذا المجهود
المبارك .. انه بحق اجتهاد وعمل ونحن اليوم بامس الحاجة لمثله
بوركت
......................... الهبر

بنت العمران
06-04-2006, 12:00 PM
شكرا لك اخي الهبر
وتسلم على مرورك
وردك الجميل
اخيتك : بنت العمران

omda-omda
06-04-2006, 12:36 PM
يا خواني الهدوء ليس كل سني وهابي وليس كل سني يحب يزيد بل بعضنا يكره فعله وعمله ليست هكذا تكون الدعوه لله اخي يا لثاراث فاطمه حنانيك اخي ولنجعل دعوانا بالحكمه والموعظه الحسنه وشكرا علي هذا الموضوع الرائع مره اخري

بنت العمران
07-04-2006, 03:07 PM
شكرا لك اخي عمده على مرورك
اخي نحن لا نقول انه كل سني وهابي ولايحب اهل البيت عليهم السلام لاكن الوهابي من السنه يكره الشيعه واهل البيت عليهم السلام ..

حجة الله
07-04-2006, 05:50 PM
صراحة أختي (بنت العمران) مجهود رائع....
والإخوة أثنوا عليه بما لا يدع لي مجالا" لقول أي تعقيب...
الله يعطيك العافية يجعله خالص في ميزان أعمالك ويقويك لنشر علوم أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام...



أخي العمدة.. كما قالت الأخت ..نحن لاننكر أن من أهل السنة المنصفين والمحبين لأهل البيت.. أبدا" فالسنة إخواننا في الدين كما نحن إخوانهم..

ولكننا نأخد موقفا" من النواصب أخي.. وليس كل سني ناصبي.. يعني أن الأمر محصور في الفئة التي تعادي أهل البيت فقط..
شكرا" لغيرتك.. وفقنا الله وإياكم لمرضاته...

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سيد حسن سيد عباس
07-04-2006, 06:47 PM
مجهود رائع تشكرين عليه يا بنت العمران
وإلى الأمام .................................................. ...

بنت العمران
08-04-2006, 07:26 PM
تسلمون اخواني
وشكراً على مروركم
وعلى ردودكم التي انارت
الموضوع ..
وجعلكم الله من خدام المهدي عجل الله فرجه الشريف ونحن معكم انشألله ..

أختكم : بنت العمران

يالثارات فاطمة
13-04-2006, 01:17 PM
ليتعرف أهل السنه على الامام الحسين

بنت العمران
13-04-2006, 03:37 PM
ياليت يعرفون منزلته عند الله عز وجل ..

يالثارات فاطمة
17-04-2006, 01:04 PM
ليبقى هذا الموضوع في الصفحة الأولى من هذا المنبر او ليقم المشرف العقائدي بتثبيته


ليتعرف الناس على كثرة الأحاديث التي قالها رسول الله صلى الله عليه وآله في الحسين عليه السلام .

وهل رسول الله يقول كل هذه الاحاديث في الحسين لأنه ابن بنته فقط ، أوَ ينبغي لنبي فعل ذلك


أيعقل هذا


أم ان للحسين حراره في قلوب المؤمنين لاتنطفىء أبداً


أن كثرة الاحاديث التي قيلت في الحسين تذهل العقول وتشد كل انسان لتَعرف على هوية هذا الرجل الذي أشغل فكر وروح وعقل وبصر وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله


وأجركم عند رسول الله

ابوالحسن الاحسائي

يالثارات فاطمة
17-04-2006, 01:31 PM
{وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (107) سورة الصافات

فداك روحي يا أبا الاحرار

عاشق القائم
17-04-2006, 01:56 PM
ليتعرف أهل السنه على الامام الحسين

يالثارات فاطمة
17-04-2006, 05:05 PM
{وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (107) سورة الصافات

فداك روحي يا أبا الاحرار

يالثارات فاطمة
17-04-2006, 07:27 PM
{وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} (33) سورة الإسراء

القتيل المظلوم هو الامام الحسين عليه السلام


ووليه المنصور هو الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف


سَلَامٌ عَلَى آلْ يَاسِينَ

بنت العمران
17-04-2006, 10:46 PM
شكراً لك اخي يالثارات فاطمة
بكلماتك النيرة ..

ليتعرف الكل عن حب الحسين ولتبقى هذه الصفحه الصفحة الاولى كي يارها كل موالي يعشق الحسين .. وناصبي لا يعرف الحسين (عليه السلام)

يالثارات فاطمة
18-04-2006, 10:12 AM
{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (35) سورة النــور


السلام على الحسين ابن علي

بنت العمران
18-04-2006, 11:54 AM
السلام على الحسين وعلى علي ابن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين .........

اليد الغيبية
18-04-2006, 12:09 PM
اللهـــــم صـــل عــــــــلى محـــــمد وآل محــــــــمد الطيـــــبين الطـــاهرين وعجــــــل فرجــهم الكريــــم والعـــــن اعـــدائهم اجمعـــــــين من اليــــــــــوم الـــــــــى قيـــــــــــــام يـــــــــوم الــــــديــــن


احسنتم كثيراً سيدتي الزينبية بنت عمران وجعلها الله في ميزان اعمالكم وحسناتكم
وبكل حرف منها نور لكم في الدنيا والاخرة وتتشفع لك عن جد الحسين رسول الله محمد عليه وعلى اهل بيته افضل الصلاة والسلام

بارك الله بكم سيدتي الفاضلة الكريم واحسنتم على هذة الانوار في حق مولانا الامام الحسين عليه السلام


نســــــــــــألكم الدعاء

الفقير الى الله

يالثارات فاطمة
18-04-2006, 01:31 PM
أختي بنت العمران

لنشحن هذا الموضوع بكل مانستطيع من التراث الحسيني وليكن هذا الموضوع أكثرالمواضيع زيارة وأكثر المواضيع ردوداً لأنه باسم الحسين ولأنه كذلك فيجب ان يكون الاكثر والأطول بقاءاً على السطح

وبارك الله فيكِ على هذا الموضوع



زيارة الناحية المقدسة

السلام على آدم صفوة الله من خليقته ، السلام على شيث ولي الله وخيرته ، السلام على إدريس القائم لله بحجته ، السلام على نوح المجاب في دعوته ، السلام على هود الممدود من الله بمعونته ، السلام على صالح الذي توّجه لله بكرامته ، السلام على إبراهيم الذي حباه الله بخلته ، السلام على إسماعيل الذي فداه الله بذبح عظيم من جنته ، السلام على إسحاق الذي جعل الله النبوة في ذريته ، السلام على يعقوب الذي رد الله عليه بصره برحمته ، السلام على يوسف الذي نجّاه الله من الجب بعظمته ، السلام على موسى الذي فلق الله البحر له بقدرته ، السلام على هارون الذي خصه الله بنبوّته ، السلام على شعيب الذي نصره الله على أمّته ، السلام على داود الذي تاب الله عليه من خطيئته ، السلام على سليمان الذي ذلت له الجن بعزته ، السلام على أيوب الذي شفاه الله من علته ، السلام على يونس الذي أنجز الله له مضمون عدته ، السلام على عزير الذي أحياه الله بعد موتته ، السلام على زكريا الصابر في محنته ، السلام على يحيى الذي أزلفه الله بشهادته ، السلام على عيسى روح الله وكلمته.

السلام على محمد حبيب الله وصفوته ، السلام على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب المخصوص بإخوته ، السلام على فاطمة الزهراء ابنته ، السلام على أبي محمد الحسن وصي أبيه وخليفته ، السلام على الحسين الذي سمحت نفسه بمهجته ، السلام على من أطاع الله في سره وعلانيته ، السلام على من جعل الله الشفاء في تربته ، السلام على من الإجابة تحت قبته ، السلام على من الأئمة من ذريته .

السلام على ابن خاتم الأنبياء ، السلام على ابن سيد الأوصياء ، السلام على ابن فاطمة الزهراء ، السلام على ابن خديجة الكبرى ، السلام على ابن سدرة المنتهى ، السلام على ابن جنة المأوى ، السلام على ابن زمزم والصفا .

السلام على المرمل بالدماء ، السلام على المهتوك الخباء ، السلام على خامس أصحاب أهل الكساء ، السلام على غريب الغرباء ، السلام على شهيد الشهداء ، السلام على قتيل الأدعياء ، السلام على ساكن كربلاء ، السلام على من بكته ملائكة السماء ، السلام على من ذريته الأزكياء ، السلام على يعسوب الدين ، السلام على منازل البراهين .

السلام على الأئمة السادات ، السلام على الجيوب المضرجات ، السلام على الشفاه الذابلات ، السلام على النفوس المصطلمات ، السلام على الأرواح المختلسات ، السلام على الأجساد العاريات ، السلام على الجسوم الشاحبات ، السلام على الدماء السائلات ، السلام على الأعضاء المقطعات ، السلام على الرؤوس المشالات ، السلام على النسوة البارزات .

السلام على حجة رب العالمين ، السلام عليك وعلى آبائك الطاهرين ، السلام عليك وعلى أبنائك المستشهدين ، السلام عليك وعلى ذريتك الناصرين ، السلام عليك وعلى الملائكة المضاجعين ، السلام على القتيل المظلوم ، السلام على أخيه المسموم .

السلام على علي الكبير ، السلام على الرضيع الصغير ، السلام على الأبدان السليبة ، السلام على العترة القريبة ، السلام على المجدلين في الفلوات ، السلام على النازحين عن الأوطان ، السلام على المدفونين بلا أكفان ، السلام على الرؤوس المفرقة عن الأبدان .

السلام على المحتسب الصابر ، السلام على المظلوم بلا ناصر ، السلام على ساكن التربة الزاكية ، السلام على صاحب القبة السامية ، السلام على من طهره الجليل ، السلام على من افتخر به جبرئيل ، السلام على من ناغاه في المهد ميكائيل .

السلام على من نكثت ذمته ، السلام على من هتكت حرمته ، السلام على من أريق بالظلم دمه ، السلام على المغسل بدم الجراح ، السلام على المجرع بكاسات الرماح ، السلام على المضام المستباح ، السلام على المنحور في الورى ، السلام على من دفنه أهل القرى .

السلام على المقطوع الوتين ، السلام على المحامي بلا معين ، السلام على الشيب الخضيب ، السلام على الخد التريب ، السلام على البدن السليب ، السلام على الثغر المقروع بالقضيب ، السلام على الرأس المرفوع ، السلام على الأجسام العارية في الفلوات ، تنهشها الذئاب العاديات ، وتختلف إليها السباع الضاريات ، السلام عليك يا مولاي وعلى الملائكة المرفوفين حول قبتك ، الحافين بتربتك ، الطائفين بعرصتك ، الواردين لزيارتك .

السلام عليك ، فإني قصدت إليك ، ورجوت الفوز لديك ، السلام عليك سلام العارف بحرمتك ، المخلص في ولايتك ، المتقرب إلى الله بمحبتك ، البري‏ء من أعدائك ، سلام من قلبه بمصابك مقروح ، ودمعه عند ذكرك مسفوح ، سلام المفجوع الحزين ، الواله المستكين ، سلام من لو كان معك بالطفوف ، لوقاك بنفسه حد السيوف ، وبذل حشاشته دونك للحتوف ، وجاهد بين يديك ، ونصرك على من بغى عليك ، وفداك بروحه وجسده وماله وولده ، وروحه لروحك فداء ، وأهله لأهلك وقاء .

فلئن أخرتني الدهور ، وعاقني عن نصرك المقدور ، ولم أكن لمن حاربك محاربا ، ولمن نصب لك العداوة مناصبا ، فلأندبنك صباحا ومساء ، ولأبكين لك بدل الدموع دما ، حسرة عليك ، وتأسفا على ما دهاك ، وتلهفا حتى أموت بلوعة المصاب ، وغصة الاكتياب.

أشهد أنك قد أقمت الصلاة ، وآتيت الزكاة ، وأمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر والعدوان ، وأطعت الله وما عصيته ، وتمسكت به وبحبله فأرضيته ، وخشيته وراقبته واستجبته ، وسننت السنن ، وأطفأت الفتن .

ودعوت إلى الرشاد ، وأوضحت سبل السداد ، وجاهدت في الله حق الجهاد ، وكنت لله طائعا ، ولجدك محمد ( ص ) تابعا ، ولقول أبيك سامعا ، وإلى وصية أخيك مسارعا ، ولعماد الدين رافعا ، وللطغيان قامعا ، وللطغاة مقارعا ، وللأمة ناصحا ، وفي غمرات الموت سابحا ، وللفساق مكافحا ، وبحجج الله قائما ، وللإسلام والمسلمين راحما ، وللحق ناصرا ، وعند البلاء صابرا ، وللدين كالئا ، وعن حوزته مراميا .

تحوط الهدى وتنصره ، وتبسط العدل وتنشره ، وتنصر الدين وتظهره ، وتكف العابث وتزجره ، وتأخذ للدني من الشريف ، وتساوي في الحكم بين القوي والضعيف ، كنت ربيع الأيتام ، وعصمة الأنام ، وعز الإسلام ، ومعدن الأحكام ،وحليف الإنعام ، سالكا طرائق جدك وأبيك ، مشبها في الوصية لأخيك ، وفي الذمم رضي الشيم ، ظاهر الكرم ، متهجدا في الظلم ، قويم الطرائق ، كريم الخلائق ، عظيم السوابق ، شريف النسب ، منيف الحسب ، رفيع الرتب ، كثير المناقب ، محمود الضرائب ، جزيل المواهب .

حليم رشيد ، منيب جواد ، عليم شديد ، إمام شهيد ، أواه منيب ، حبيب مهيب ، كنت للرسول (ص) ولدا ، وللقرآن منقدا ، وللأمة عضدا ، وفي الطاعة مجتهدا ، حافظا للعهد والميثاق ، ناكبا عن سبل الفساق ، وباذلا للمجهود ، طويل الركوع والسجود ، زاهدا في الدنيا ، زهد الراحل عنها ، ناظرا إليها بعين المستوحشين منها ، آمالك عنها مكفوفة ، وهمتك عن زينتها مصروفة ، وإلحاظك عن بهجتها مطروفة ، ورغبتك في الآخرة معروفة ، حتى إذا الجور مد باعه ، وأسفر الظلم قناعه ، ودعا الغي أتباعه .

وأنت في حرم جدك قاطن ، وللظالمين مباين ، جليس البيت والمحراب ، معتزل عن اللذات والشهوات ، تنكر المنكر بقلبك ولسانك ، على حسب طاقتك وإمكانك .

ثم اقتضاك العلم للإنكار ، ولزمك أن تجاهد الفجار ، فسرت في أولادك وأهاليك وشيعتك ومواليك ، وصدعت بالحق والبينة ، ودعوت إلى الله بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وأمرت بإقامة الحدود ، والطاعة للمعبود ، ونهيت عن الخبائث والطغيان ، وواجهوك بالظلم والعدوان ، فجاهدتهم بعد الإيعاز لهم ، وتأكيد الحجة عليهم ، فنكثوا ذمامك وبيعتك ، وأسخطوا ربك وجدك ، وبدؤوك بالحرب ، فثبت للطعن والضرب .

وطحنت جنود الفجار ، واقتحمت قسطل الغبار ، مجاهدا بذي الفقار ، كأنك علي المختار ، فلما رأوك ثابت الجأش ، غير خائف ولا خاش ، نصبوا لك غوائل مكرهم ، وقاتلوك بكيدهم وشرهم ، وأمر اللعين جنوده ، فمنعوك الماء ووروده ، وناجزوك الفتال وعاجلوك النزال ، ورشقوك بالسهام والنبال ، وبسطوا إليك أكف الاصطلام ، ولم يرعوا لك ذماما ، ولا راقبوا فيك أثاما ، في قتلهم أولياءك ، ونهبهم رحالك .

وأنت مقدم في الهبوات ، ومحتمل للأذيات ، قد عجبت من صبرك ملائكة السماوات ، فأحدقوا بك من كل الجهات ، وأثخنوك بالجراح ، وحالوا بينك وبين الرواح ، ولم يبق لك ناصر ، وأنت محتسب صابر ، تذب عن نسوتك وأولادك ، حتى نكسوك عن جوادك ، فهويت إلى الأرض جريحا ، تطئوك الخيول بحوافرها ، أو تعلوك الطغاة ببواترها ، قد رشح للموت جبينك ، واختلفت بالانقباض والانبساط شمالك ويمينك ، تدير طرفا خفيا إلى رحلك وبيتك ، وقد شغلت بنفسك عن ولدك وأهاليك .

وأسرع فرسك شاردا إلى خيامك ، قاصدا محمحما باكيا ، فلما رأين النساء جوادك مخزيا ، ونظرن سرجك عليه ملويا ، برزن من الخدور ناشرات الشعور ، على الخدود لاطمات الوجوه سافرات ، وبالعويل داعيات ، وبعد العز مذللات ، وإلى مصرعك مبادرات ، والشمر جالس على صدرك ، ومولغ سيفه على نحرك ، قابض على شيبتك بيده ، ذابح لك بمهنده ، قد سكنت حواسك ، وخفيت أنفاسك ، ورفع على القناة رأسك .

وسبي أهلك كالعبيد ، وصفدوا في الحديد ، فوق أقتاب المطيات ، تلفح وجوههم حر الهاجرات ، يساقون في البراري والفلوات ، أيديهم مغلولة إلى الأعناق ، يطاف بهم في الأسواق .

فالويل للعصاة الفساق ، لقد قتلوا بقتلك الإسلام ، وعطلوا الصلاة والصيام ، ونقضوا السنن والأحكام ، وهدموا قواعد الإيمان ، وحرفوا آيات القرآن ، وهملجوا في البغي والعدوان ، لقد أصبح رسول الله ( ص ) موتورا ، وعاد كتاب الله عز وجل مهجورا ، وغودر الحق إذ قهرت مقهورا ، وفقد بفقدك التكبير والتهليل ، والتحريم والتحليل ، والتنزيل والتأويل ، وظهر بعدك التغيير والتبديل ، والإلحاد والتعطيل ، والأهواء والأضاليل ، والفتن والأباطيل .

فقام ناعيك عند قبر جدك الرسول ( ص ) ، فنعاك إليه بالدمع الهطول ، قائلا يا رسول الله ، قتل سبطك وفتاك ، واستبيح أهلك وحماك ، وسبيت بعدك ذراريك ، ووقع المحذور بعترتك وذويك ، فانزعج الرسول وبكى قلبه المهول ، وعزاه بك الملائكة والأنبياء ، وفجعت بك أمك الزهراء ، واختلف جنود الملائكة المقربين ، تعزي أباك أمير المؤمنين ، وأقيمت لك المأتم في أعلى عليين ، ولطمت عليك الحور العين .

وبكت السماء وسكانها ، والجنان وخزانها ، والهضاب وأقطارها ، والبحار وحيتانها ، والجنان وولدانها ، والبيت والمقام ، والمشعر الحرام ، والحل والإحرام .

اللهم فبحرمة هذا المكان المنيف ، صل على محمد وآل محمد ، واحشرني في زمرتهم ، وأدخلني الجنة بشفاعتهم ، اللهم إني أتوسل إليك ، يا أسرع الحاسبين ، ويا أكرم الأكرمين ، ويا أحكم الحاكمين ، بمحمد خاتم النبيين ، ورسولك إلى العالمين أجمعين ، وبأخيه وابن عمه الأنزع البطين ، العالم المكين ، علي أمير المؤمنين ، وبفاطمة سيدة نساء العالمين ، وبالحسن الزكي عصمة المتقين ، وبأبي عبد الله الحسين أكرم المستشهدين ، وبأولاده المقتولين ، وبعترته المظلومين ، وبعلي بن الحسين زين العابدين ، وبمحمد بن علي قبلة الأوابين ، وبجعفر بن محمد أصدق الصادقين ، وبموسى بن جعفر مظهر البراهين ، وبعلي بن موسى ناصر الدين ، وبمحمد بن علي قدوة المهتدين ، وبعلي بن محمد أزهد الزاهدين ، وبالحسن بن علي وارث المستخلفين ، وبالحجة على الخلق أجمعين ، أن تصلي على محمد و آل محمد الصادقين الأبرين ، آل طه وياسين ، وأن تجعلني في القيامة من الآمنين المطمئنين ، الفائزين الفرحين المستبشرين .

اللهم اكتبني في المسلمين ، وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ، وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ، وانصرني على الباغين ، واكفني كيد الحاسدين ، واصرف عني مكر الماكرين ، واقبض عني أيدي الظالمين ، واجمع بيني وبين السادة الميامين ، في أعلى عليين ، مع الذين أنعمت عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ، وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ ، برحمتك يا أرحم الراحمين .

اللهم إني أقسم عليك بنبيك المعصوم ، وبحكمك المحتوم ، ونهيك المكتوم ، وبهذا القبر الملموم ، الموسد في كنفه الإمام المعصوم ، المقتول المظلوم ، أن تكشف ما بي من الغموم ، وتصرف عني شر القدر المحتوم ، وتجيرني من النار ذات السموم .

اللهم جللني بنعمتك ، ورضني بقسمك ، وتغمدني بجودك وكرمك ، وباعدني من مكرك ونقمتك .

اللهم اعصمني من الزلل ، وسددني في القول والعمل ، وافسح لي في مدة الأجل ، وأعفني من الأوجاع والعلل ، وبلغني بموالي وبفضلك أفضل الأمل .

اللهم صل على محمد وآل محمد ، واقبل توبتي ، وارحم عبرتي ، وأقلني عثرتي ، ونفس كربتي ، واغفر لي خطيئتي ، وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي .

اللهم لا تدع لي في هذا المشهد المعظم ، والمحل المكرم ، ذنبا إلا غفرته ، ولا عيبا إلا سترته ، ولا غما إلا كشفته ، ولا رزقا إلا بسطته ، ولا جاها إلا عمرته ، ولا فسادا إلا أصلحته ، ولا أملا إلا بلغته ، ولا دعاء إلا أجبته ، ولا مضيقا إلا فرجته ، ولا شملا إلا جمعته ، ولا أمرا إلا أتممته ، ولا مالا إلا كثرته ، ولا خلقا إلا حسنته ، ولا إنفاقا إلا أخلفته ، ولا حالا إلا عمرته ، ولا حسودا إلا قمعته ، ولا عدوا إلا أرديته ، ولا شرا إلا كفيته ، ولا مرضا إلا شفيته ، ولا بعيدا إلا أدنيته ، ولا شعثا إلا لممته ، ولا سؤالا إلا أعطيته .

اللهم إني أسألك خير العاجلة ، وثواب الآجلة ، اللهم أغنني بحلالك عن الحرام ، وبفضلك عن جميع الأنام ، اللهم إني أسألك علما نافعا ، وقلبا خاشعا ، ويقينا شافيا ، وعملا زاكيا ، وصبرا جميلا ، وأجرا جزيلا .

اللهم ارزقني شكر نعمتك عليّ ، وزد في إحسانك وكرمك إليّ ، واجعل قولي في الناس مسموعا ، وعملي عندك مرفوعا ، وأثري في الخيرات متبوعا ، وعدوي مقموعا .

اللهم صل على محمد وآل محمد الأخيار ، في آناء الليل وأطراف النهار ، واكفني شر الأشرار ، وطهرني من الذنوب والأوزار ، وأجرني من النار ، وأحلني دار القرار ، واغفر لي ولجميع إخواني وأخواتي المؤمنين والمؤمنات ، برحمتك يا أرحم الراحمين .

الريــــــــح
18-04-2006, 01:55 PM
كيف تدعون علينا النصب وتوردون أحاديث من كتبنا عن فضلهم ؟؟؟!!!!

أنا احترت معكم ، ألا تعرفون تستقرون على رأي ؟

يالثارات فاطمة
18-04-2006, 06:22 PM
الريح

الزموهم بما ألزموا أنفسهم به

يالثارات فاطمة
18-04-2006, 06:26 PM
قصيدة الجواهري في الامام الحسين عليه السلام




فِدَاءً لمثواكَ من مَضْــجَعِ تَنَـوَّرَ بالأبلَـجِ الأروَعِ
بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنـانِ رُوْحَاً ومن مِسْكِها أَضْـوَعِ
وَرَعْيَاً ليومِكَ يومِ "الطُّفوف" وسَقْيَاً لأرضِكَ مِن مَصْـرَعِ
وحُزْناً عليكَ بِحَبْسِ النفوس على نَهْجِكَ النَّيِّـرِ المَهْيَـعِ
وصَوْنَاً لمجدِكَ مِنْ أَنْ يُذَال بما أنتَ تأبـاهُ مِنْ مُبْـدَعِ
فيا أيُّها الوِتْرُ في الخالدِينَ فَـذَّاً ، إلى الآنَ لم يُشْفَـعِ
ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ للاهينَ عن غَـدِهِمْ قُنَّـعِ
تعاليتَ من مُفْزِعٍ للحُتوفِ وبُـورِكَ قبـرُكَ من مَفْـزَعِ
تلوذُ الدُّهورُ فَمِنْ سُجَّدٍ على جانبيـه ومـن رُكَّـعِ
شَمَمْتُ ثَرَاكَ فَهَبَّ النَّسِيمُ نَسِيـمُ الكَرَامَـةِ مِنْ بَلْقَـعِ
وعَفَّرْتُ خَدِّي بحيثُ استراحَ خَـدٌّ تَفَرَّى ولم يَضْـرَعِ
وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُّغَاةِ جالتْ عليـهِ ولم يَخْشَـعِ
وَخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ بِروحي إلى عَالَـمٍ أرْفَـعِ
وطُفْتُ بقبرِكَ طَوْفَ الخَيَالِ بصومعـةِ المُلْهَـمِ المُبْـدِعِ
كأنَّ يَدَاً مِنْ وَرَاءِ الضَّرِيحِ حمراءَ " مَبْتُـورَةَ الإصْبَـعِ"
تَمُدُّ إلى عَالَـمٍ بالخُنُـوعِ وَالضَّيْـمِ ذي شَرَقٍ مُتْـرَعِ
تَخَبَّطَ في غابـةٍ أطْبَقَـتْ على مُذْئِبٍ منـه أو مُسْبِـعِ
لِتُبْدِلَ منهُ جَدِيـبَ الضَّمِيرِ بآخَـرَ مُعْشَوْشِـبٍ مُمْـرِعِ
وتدفعَ هذي النفوسَ الصغارَ خوفـاً إلى حَـرَمٍ أَمْنَـعِ

تعاليتَ من صاعِقٍ يلتظي فَإنْ تَـدْجُ داجِيَـةٌ يَلْمَـعِ
تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ لم تُنْءِ ضَيْـراً ولم تَنْفَـعِ
ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ وقـد حَرَّقَتْـهُ ولم تَـزْرَعِ
ولم تُخْلِ أبراجَها في السماء ولم تأتِ أرضـاً ولم تُدْقِـعِ
ولم تَقْطَعِ الشَّرَّ من جِذْمِـهِ وغِـلَّ الضمائـرِ لم تَنْـزعِ
ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُـمُ عليهِ مِنَ الخُلُـقِ الأوْضَـعِ
تعاليتَ من "فَلَـكٍ" قُطْـرُهُ يَدُورُ على المِحْـوَرِ الأوْسَـعِ
فيابنَ البتـولِ وحَسْبِي بِهَا ضَمَاناً على كُلِّ ما أَدَّعِـي
ويابنَ التي لم يَضَعْ مِثْلُها كمِثْلِكِ حَمْـلاً ولم تُرْضِـعِ
ويابنَ البَطِيـنِ بلا بِطْنَـةٍ ويابنَ الفتى الحاسـرِ الأنْـزَعِ
ويا غُصْنَ "هاشِـمَ" لم يَنْفَتِحْ بأزْهَـرَ منـكَ ولم يُفْـرِعِ
ويا واصِلاً من نشيدِ الخُلود خِتَـامَ القصيـدةِ بالمَطْلَـعِ
يَسِيرُ الوَرَى بركابِ الزمانِ مِنْ مُسْتَقِيـمٍ ومن أظْلَـعِ
وأنتَ تُسَيِّرُ رَكْبَ الخلـودِ مـا تَسْتَجِـدُّ لـهُ يَتْبَـعِ

تَمَثَّلْتُ يومَكَ في خاطـرِي ورَدَّدْتُ صوتَكَ في مَسْمَعِـي
وَمَحَّصْتُ أمْرَكَ لم أرْتَهِـبْ بِنَقْلِ " الرُّوَاةِ " ولم أُُخْـدَعِ
وقُلْتُ: لعـلَّ دَوِيَّ السنين بأصـداءِ حادثِـكَ المُفْجِـعِ
وَمَا رَتَّلَ المُخْلِصُونَ الدُّعَاةُ من " مُرْسِلِينَ " ومنْ "سُجَّـعِ"
ومِنْ "ناثراتٍ" عليكَ المساءَ والصُّبْحَ بالشَّعْـرِ والأدْمُـعِ
لعلَّ السياسةَ فيما جَنَـتْ على لاصِـقٍ بِكَ أو مُدَّعِـي
وتشريدَهَا كُلَّ مَنْ يَدَّلِي بِحَبْلٍ لأهْلِيـكَ أو مَقْطَـعِ
لعلَّ لِذاكَ و"كَوْنِ" الشَّجِيّ وَلُوعَاً بكُـلِّ شَـجٍ مُوْلـعِ
يداً في اصطباغِ حديثِ الحُسَيْن بلونٍ أُُرِيـدَ لَـهُ مُمْتِـعِ
وكانتْ وَلَمّا تَزَلْ بَـــرْزَةً يدُ الواثِـقِ المُلْجَأ الألمعـي
صَناعَاً متى ما تُرِدْ خُطَّةً وكيفَ ومهما تُـرِدْ تَصْنَـعِ
ولما أَزَحْتُ طِلاءَ القُرُونِ وسِتْرَ الخِدَاعِ عَنِ المخْـدَعِ
أريدُ "الحقيقةَ" في ذاتِهَـا بغيرِ الطبيعـةِ لم تُطْبَـعِ
وجَدْتُكَ في صورةٍ لـم أُرَعْ بِأَعْظَـمَ منهـا ولا أرْوَعِ
وماذا! أأرْوَعُ مِنْ أنْ يَكُون لَحْمُكَ وَقْفَاً على المِبْضَـعِ
وأنْ تَتَّقِي - دونَ ما تَرْتَئـِي- ضميرَكَ بالأُسَّـلِ الشُّـرَّعِ
وأن تُطْعِمَ الموتَ خيرَ البنينَ مِنَ "الأَكْهَلِيـنَ" إلى الرُّضَّـعِ
وخيرَ بني "الأمِّ" مِن هاشِمٍ وخيرَ بني " الأب " مِنْ تُبَّـعِ
وخيرَ الصِّحابِ بخيرِ الصُّدُورِ كَانُـوا وِقَـاءَكُ ، والأذْرَعِ
وقَدَّسْتُ ذِكراكَ لم انتحِـلْ ثِيَـابَ التُّقَـاةِ ولم أَدَّعِ
تَقَحَّمْتَ صَدْرِي ورَيْبُ الشُّكُوكِ يِضِـجُّ بِجُدْرَانِـهِ الأَرْبَـعِ
وَرَانَ سَحَابٌ صَفِيقُ الحِجَاب عَلَيَّ مِنَ القَلَـقِ المُفْـزِعِ
وَهَبَّتْ رِياحٌ من الطَّيِّبَـاتِ و" الطَّيِّبِيـنَ " ولم يُقْشَـعِ
إذا ما تَزَحْزَحَ عَنْ مَوْضِعٍ تَأَبَّى وعـادَ إلى مَوْضِـعِ
وجَازَ بِيَ الشَّـكُّ فيما مَعَ " الجدودِ " إلى الشَّكِّ فيما معي
إلى أن أَقَمْتُ عَلَيْهِ الدَّلِيـلَ مِنْ " مبدأٍ " بِدَمٍ مُشْبَـعِ
فأسْلَمَ طَوْعَا ً إليكَ القِيَـادَ وَأَعْطَاكَ إذْعَانَـةَ المُهْطِـعِ
فَنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِنْ فِكْرَتِي وقَوَّمْتَ ما اعْوَجَّ من أضْلُعِـي
وآمَنْتُ إيمانَ مَنْ لا يَـرَى سِوَى العَقْل في الشَّكِّ مِنْ مَرْجَعِ
بأنَّ (الإباءَ) ووحيَ السَّمَاءِ وفَيْضَ النُّبُوَّةِ ، مِـنْ مَنْبَـعِ
تَجَمَّعُ في (جوهرٍ) خالِصٍ تَنَزَّهَ عن ( عَرَضِ ) المَطْمَـعِ

بنت العمران
18-04-2006, 10:52 PM
سميتك الجنوب
يا لابسا عباءة الحسين
وشمس كربلاء
يا شجر الورد الذي يحترف الفداء
يا ثورة الارض التقت بثورة السماء
يا جسدا يطلع من ترابه
قمح وأنبياء

* * * * * *
سميتك الجنوب
يا قمر الحزن الذي يطلع ليلا من عيون فاطمة
يا سفن الصيد التي تحترف المقاومة
يا أيام عاشوراء،
ويا مآذن الله التي تدعو إلى المقاومة
يا لعلعة الرصاص في الأعراس
يا فصائل النمل التي
تهرب السلاح للمقاومة.

* * * * * *
نزار قباني

يالثارات فاطمة
19-04-2006, 09:23 AM
زيــارة الإمام الحسين (ع) في يوم عاشــوراء (http://www.holykarbala.net/books/tarikh/ashora/index.html)


السَّلأمُ عَلَيْكَ يَا أبَا عَبْدِاللهِ ، السَّلأمُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ ، السَّلأمُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ أمِيرِ المُؤْمِنينَ ، وَابْنَ سَيِّدِ الوَصِيِّينَ ، السَّلأمُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ فاطِمَةَ الزّهراءِ سَيِّدَةِ نِساءِ العالَمِينَ ، السَّلأمُ عَلَيْكَ يَا ثَارَ اللهِ وابْنَ ثارِهِ وَالْوِتْرَ المَوْتُورَ ، السَّلأمُ عَلَيْكَ وَعَلَى الارْواحِ الّتي حَلّتْ بِفِنائِكَ ، وَأنَاخَتْ بِرحْلِك عَلَيْكُمْ مِنّي جَميعاً سَلامُ اللهِ أبَداً ما بَقِيتُ وَبَقِيَ الليْلُ وَالنَّهارُ.



يَا أبَا عَبْدِ اللهِ ، لَقَدْ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ ، وجَلّتْ وعَظُمَتْ المُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلَى جَمِيعِ أهْلِ الاسْلام ، وَجَلَّتْ وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ فِي السَّمَوَاتِ عَلَى جَمِيعِ أهْلِ السَّمَوَاتِ ، فَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً أسَّسَتْ أساسَ الظُّلْمِ وَالجَوْرِ عَلَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ ، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيها ، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً قَتَلَتْكُمْ ، وَلَعَنَ اللهُ الْمُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ ، بَرِئْتُ إلى اللهِ وَإلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ أشْياعِهِمْ وَأتْباعِهِمْ وَأوْلِيائِهِمْ.



يَا أبَا عَبْدِاللهِ ، إنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ وَوليٌ لِمَنْ والاكُم وعدوٌّ لِمَنْ عَاداكُمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ، وَلَعَنَ اللهُ آل زِيَاد وَآلَ مَرْوانَ ، وَلَعَنَ اللهُ بَنِي اُمَيَّةَ قاطِبَةً ، وَلَعَنَ اللهُ ابْنَ مَرْجانَةَ ، وَلَعَنَ اللهُ عُمَرَ بْنَ سَعْد ، وَلَعَنَ اللهُ شِمْراً ، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً أسْرَجَتْ وَألْجَمَتْ وَتَهيّأتْ وَتَنَقَّبَتْ لِقِتالِكَ ، بِأبِي أنْتَ وَاُمِّي لَقَدْ عَظُمَ مُصابِي بِكَ ، فَأسْالُ اللهَ الّذِي أكْرَمَ مَقامَكَ ، وَأكْرَمَنِي بِكَ ، أنْ يَرْزُقَني طَلَبَ ثارِكَ مَعَ إمام مَنْصُور مِنْ أهْلِ بَيْتِ مُحَمَّد صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ.



اللهمّ اجْعَلْني عِنْدَكَ وَجِيهاً بِالحُسَيْنِ عَلَيهِ السَّلأم فِي الدُّنْيا وَالاخِرَةِ مِنَ المقَرّبينْ.
يَا أبَا عَبْداللهِ ، إنِّي أتَقَرَّبُ إلى اللهِ تعالى ، وَإلَى رَسُولِهِ ، وَإلى أمِيرِ المُؤْمِنينَ ، وَإلَى فاطِمَةَ ، وإلى الحَسَنِ وَإلَيْكَ بِمُوالاتِكَ ، ومُوالاةِ أَوليائِك وَبِالْبَرَاءَةِ مِمَّنْ قَاتَلَكَ وَنَصبَ لَكَ الحَربَ ، وبالْبَرَاءةِ مِمَّنْ أسَّسَ أساسَ الظُّلْمِ وَالجَوْرِ عَلَيْكُمْ ، وَعلى أشياعِكُم وَأبْرَأُ إلى اللهِ وَإلى رَسُولِهِ وَبِالبراءِةِ مِمَّنْ أسَّسَ أساسَ ذلِكَ ، وَبَنى عَلَيْهِ بُنْيانَهُ ، وَجَرَى في ظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ عَلَيْكُمْ وَعَلَى أشْياعِكُمْ ، بَرِئْتُ إلى اللهِ وَإلَيْكُمْ مِنْهُمْ ، وَأتَقَرَّبُّ إلى اللهِ وَإلى رَسولِهِ ثُمَّ إلَيْكُمْ بِمُوالاتِكُم وَمُوالاةِ وَلِيِّكُمْ ، وَبِالْبَرَاءَةِ مِنْ أعْدائِكُمْ ،وَالنَّاصِبِينَ لَكُم الحَرْبَ ، وَبِالبَرَاءَةِ مِنْ أشْياعِهِمْ وَأتْباعِهِمْ ، يا أبا عَبدِ الله إنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ ، وَوَلِيٌّ لِمَنْ والاكُمْ ، وَعَدُوٌّ لِمَنْ عاداكُمْ ، فَأسْألُ اللهَ الّذِي أكْرَمَني بِمَعْرِفَتِكُمْ ، وَمَعْرِفَةِ أوْلِيائِكُمْ ، وَرَزَقَني البَراءَةَ مِنْ أعْدائِكُمْ ، أنْ يَجْعَلَني مَعَكُمْ في الدُّنْيا وَالاخِرَةِ ، وَأنْ يُثَبِّتَ لي عِنْدَكُمْ قَدَمَ صِدْق في الدُّنْيا وَالاخِرَةِ ، وَأسْألُهُ أنْ يُبَلِّغَنِي الْمقامَ الْمَحْمُودَ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ ، وَأنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثَارِي مَعَ إمَام مَهْدِيٍّ ظَاهِر نَاطِق بالحقِّ مِنْكُمْ ، وَأسْألُ اللهَ بِحَقِّكُمْ وَبِالشَّأنِ الَّذِي لَكُمْ عِنْدَهُ أنْ يُعْطِيَنِي بِمُصابِي بِكُمْ أفْضَلَ ما يُعْطِي مصاباً بِمُصِيبَتِهِ ، يا لَها منْ مُصِيبَة مَا أعْظَمَها وَأعْظَمَ رَزِيّتهَا فِي الاسْلامِ وَفِي جَمِيعِ أهلِ السَّموَاتِ وَالارْضِ.


اللهُمَّ اجْعَلْني في مَقامِي هذا مِمَّن تَنالُهُ مِنْكَ صَلَواتٌ وَرَحْمَةٌ وَمَغْفِرَةٌ.



اللهُمَّ اجْعَلْ مَحْيايَ مَحْيا مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد ، وَمَماتي مَماتَ مُحَمَّد وَآل ِمُحَمَّد.
اللهُمَّ إنَّ هَذا يَوْمٌ تَبَرَّكَتْ بِهِ بَنُو اُمَيَّةَ وَابْنُ آكِلَةِ الاكْبادِ ، اللعِينُ بْنُ ال لعِينِ عَلَى لِسانِكَ وَلِسانِ نَبِيِّكَ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ في كُلِّ مَوْطِن وَمَوْقِف وَقَفَ فِيهِ نَبيُّكَ ـ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ ـ.
اللهُمَّ الْعَنْ أبَا سُفْيانَ وَمُعَاوِيَةَ وَيَزيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وآلَ مَرْوَانَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ اللعْنَةُ أبَدَ الابِدِينَ ، وَهذا يَوْمٌ فَرِحَتْ بِهِ آلُ زِيَاد وَآلُ مَرْوانَ عَليهِمُ اللَّعْنةُ بِقَتْلِهِمُ الحُسَيْنَ عَلَيْهِ السَّلأم. اللهُمَّ فَضاعِفْ عَلَيْهِمُ اللعْنَ وَالعَذابَ الالِيم.



اللهُمَّ إنِّي أتَقَرَّبُّ إلَيْكَ في هذَا اليَوْمِ ، وَفِي مَوْقِفِي هَذا ، وَأيَّامِ حَيَاتِي بِالبَرَاءَةِ مِنْهُمْ ، وَاللعْنَةِ عَلَيْهِمْ ، وَبِالْمُوالاةِ لِنَبِيِّكَ وَآلِ نَبِيِّكَ عَلَيِه وعَلَيْهِمُ السَّلأمُ.

ثمّ يقول :
اللهُمَّ الْعَنْ أوّلَ ظالِم ظَلَمَ حَقَّ مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد ، وَآخِرَ تَابِع لَهُ عَلَى ذلِكَ ، اللهُمَّ الْعَنِ العِصابَةَ الَّتِي جاهَدَتِ الْحُسَيْنَ عَلَيْهِ السَّلأم وَشايَعَتْ وَبايَعَتْ وَتابَعَتْ عَلَى قَتْلِهِ. اللهُمَّ الْعَنْهم جَميعاً ( يقول ذلك مائة مرّة).

ثمّ يقول :



السَّلأمُ عَلَيْكَ يَا أبا عَبْدِاللهِ وَعلَى الارْواحِ الّتي حَلّتْ بِفِنائِكَ ، وَأنَاخَت برَحْلِك عَلَيْكَ مِنِّي سَلامُ اللهِ أبَداً مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ الليْلُ وَالنَّهارُ ، وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ العَهْدِ مِنِّي لِزِيَارَتِكُمْ ، أهْلَ البَيتِ السَّلأمُ عَلَى الحُسَيْن ، وَعَلَى عَليِّ بْنِ الحُسَيْنِ ، وَعَلَى أوْلادِ الحُسَيْنِ ، وَعَلَى أصْحابِ الحُسَينِ الذينَ بَذَلُوا مُهَجَهُم دُونَ الحُسين ( يقول ذلك مائة مرّة ).



ثمّ يقول :



اللهمَّ خُصَّ أنْتَ أوّلَ ظالم بِاللّعْنِ مِنِّي ، وَابْدَأْ بِهِ أوّلاً ، ثُمَّ الثَّانِي ، وَالثَّالِثَ وَالرَّابِع.
اللهُمَّ الْعَنْ يزِيَدَ خامِساً ، وَالْعَنْ عُبَيْدَاللهِ بْنَ زِيَاد وَابْنَ مَرْجانَةَ وَعُمَرَ بْنَ سَعْد وَشِمْراً وَآلَ أبي سُفْيانَ وَآلَ زِيَاد وآلَ مَرْوانَ إلَى يَوْمِ القِيامَةِ.



ثم تسجد وتقول :



اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ حَمْدَ الشَّاكِرينَ لَكَ عَلَى مُصابِهِمْ ، الحَمْدُ للهِ عَلَى عَظِيمِ رَزِيّتي.
اللهُمَّ ارْزُقْني شَفاعَةَ الحُسَيْن عَلَيهِ السَّلأم يَوْمَ الوُرُودِ ، وَثَبِّتْ لي قَدَمَ صِدْق عِنْدَكَ مَعَ الحُسَيْنِ وَأصْحابِ الحُسَيْن الّذِينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الْحُسَيْن عَلَيْهِ السَّلأم.
قال علقمة : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) وإن استطعت أن تزوره في كل يوم بهذه الزيارة من دارك فافعل فلك ثواب جميع ذلك.

يالثارات فاطمة
19-04-2006, 09:25 AM
|| بالطف لو جنت موجود ||





بالطف لو جنت موجود يوم العاشر بعاشور
تلقى الغايبالموعود يم حسين جده يزور

--------------------
كل عام بمثل هاليوم لجدهيعتني لقبره
ويوقف بالمكان البيه بالسيف انقطع نحره
يلطم ويه زواره ويبجيويسجب العبره

لمصاب الغريب ينوح
وينادي بقلب مجروح
ويلي عليك يا مذبوح

من مثلك يا بو اليمه عطشان الجبد منحور

بالطف لو جنت موجود يومالعاشر بعاشور
تلقى الغايب الموعود يم حسين جده يزور

--------------------
قبرك من بعيد يلوح وتشع بالسما أنواره
قاصد لكيا جدي زاير ويه زواره
بجاهك اندعي الباري اظهر وآخذ بثاره

يحسين وخبرمنقول
عن جدنه الرسول يقول
بجاهك كل دعا مقبول

وليك اليعتني بحاجه منعندك يرد مسرور

بالطف لو جنت موجود يوم العاشر بعاشور
تلقى الغايبالموعود يم حسين جده يزور

--------------------
يمك شيعتك يا حسين كلعام اليجي اقصدون
يعرفونك يا بو السجاد فضل زيارتك مضمون
وآنا اتعنى وياهمولطم ويه للي لطمون

وآنه ابنه يا بو السجاد
من عنده اريد مراد
وانتهمقصد الوفاد

يا يوم الفرج يا يوم انخاك بقلب مجمور

بالطف لو جنتموجود يوم العاشر بعاشور
تلقى الغايب الموعود يم حسين جده يزور

--------------------
عندي ويه العدا ثارات مو بس واحد لمطلوب
نحركخنصرك جبدك شيبك بالدما مخضوب
صدرك قلبك العطشان جسمك سيد المسلوب

قبلكما حصل مفجوع
نحره من القفا مقطوع
وراسه على الرمح مرفوع

ومن ديرة لعدديرة راسك يا بو اليمة يدور

بالطف لو جنت موجود يوم العاشر بعاشور
تلقىالغايب الموعود يم حسين جده يزور

--------------------
من امصيبته شنسىجم حالة تشيب الراس
انسى ظهرك المسكور من طاح القمر عباس
انسى زينب الظلتفرجة بين كل الناس

انسى خيام متوجرة
انسى عيال متيسرة
انسى اجساد علىالغبرة

لو انسى طفل مذبوح بعده بعمر ست شهور

بالطف لو جنت موجود يومالعاشر بعاشور
تلقى الغايب الموعود يم حسين جده يزور

--------------------
لمن انشد العدوان شتقدم عذر شتقول
ظل بلا دفنمطروح قبل حسين يا مجتول
وليش مسلبه ثيابه والخيل على صدره تجول

ظاميينازع الوحده
وقطعة من الجمر جبده
جان هذا الجزى لجده

لو قلكم عزيزحسين بدمه بيا ذنب مهدور

بالطف لو جنت موجود يوم العاشر بعاشور
تلقىالغايب الموعود يم حسين جده يزور

يالثارات فاطمة
19-04-2006, 09:30 AM
قصة استشهاد الإمام الحسين عليه السلام




الجزء الأول


لمّا قتل الحسنُ بنُ عليٍّ عليهما السّلامُ بالسم تحرّكتِ الشِّيعةُ بالعراقِ وكتبوا إِلى الحسينِ عليهِ السّلامُ في خلعِِ معاويةَ والبيعةِ له ، فامتنعَ عليهم وذكرَ أنّ بينَه وبينَ معاويةَ عهداً وعقداَ لا يجوزُ له نقضُه حتّى تمضِيَ المُدّةُ، فإِن ماتَ معاويةُ نظرَ في ذلكَ.
فلمّا ماتَ معاويةُ - وذلكَ للنِّصفِ من رجب سنة ستِّينَ منَ الهجرةِ - كتبَ يزيدُ إِلى الوليدِ بنِ عُتْبة بن أبي سفيانَ - وكانَ على المدينةِ من قِبَلِ معاويةَ - أن يأْخذَ الحسينَ عليهِ السّلامُ بالبيعةِ له، ولا يُرخِّصَ له في التأخر عن ذلكَ.
فأنفذَ الوليدُ إِلى الحسينِ عليهِ السّلامُ في الليلِ فاستدعاه ، فعَرفَ الحسينُ الّذي أرادَ فدعا جماعةً من مواليه وأمرَهم بحملِ السِّلاحِ ، وقالَ لهم : «إِنّ الوليدَ قد استدعاني في هذا الوقتِ ، ولستُ آمَنُ أن يُكلِّفني فيه أمراً لا أُجيبُه !ليه، وهو غيرُ مأْمونٍ ، فكونوا معي ، فإِذا دخلتُ إِليه فاجلِسوا على البابِ ، فإِن سمعتم صوتي قد علا فادخُلوا عليه لتمنعوه منِّي.
فصارَ الحسينُ عليهِ السّلامُ إلى الوليدِ فوجدَ عندَه مروانَ بنَ الحكمِ ، فنعى الوليدُ إِليه معاويةَ فاسترجعَ الحسينُ عليهِ السّلامُ ، ثم قرأ كتابَ يزيدَ وما أمرَه فيه من أخذِ البيعةِ منه له ، فقالَ له الحسينُ : «إِنِّي لا أراكَ تَقنعُ ببيعتي ليزيدَ سرّاً حتّى أُبايعَه جهراً ، فيعرف الناسُ ذلكَ » فقالَ الوليدُ له : أجل ، فقالَ الحسينُ عليهِ السَّلامُ : «فتصبحُ وترى ريكَ في ذلكَ » فقالَ له الوليدُ: انصرفْ على اسمِ اللّهِ حتّى تأْتينا معَ جماعةِ النّاسِ.
فقالَ له مروانُ : واللهِ لئن فارقَكَ الحسينُ السّاعةَ ولم يُبايعْ لا قَدرت منه على مثلِها أبداً حتّى يكثرَ القتلى بينَكم وبينَه ، احبسِ الرّجلَ فلا يخرج من عندِكَ حتّى يبايعَ أوتضربَ عنقَه.
فوثبَ عندَ ذلكَ الحسينُ عليهِ السّلامُ وقالَ : «أنتَ - يا ابنَ الزّرقاءِ- تَقتلني أو هو؟! كذبتَ واللّهِ وأثمتَ » وخرجَ (يمشي ومعَه) مواليه حتّى اتى منزلَه.
فقالَ مروان للوليد ِ: عصيتَني ،لا واللهِ لا يُمكِّنكَ مثلَها مِن نفسِه أبداً، فقالَ الوليدُ : (الويح لغيرك) يا مروانُ إِنَّكَ اخترتَ لي الّتي فيها هلاكُ ديني ، واللّهِ ما أُحِبُّ أنّ لي ما طلعتْ عليه الشّمسُ وغربتْ عنه من مالِ الدُّنيا وملكِها وأنّي قتلتُ حسيناً، سبحانَ اللهِّ ! أقتلُ حسيناً أنْ قالَ لا أُبايعُ ؟! واللهِ إنَي لأظنُّ أنّ امراً يُحاسبُ بدمِ الحسينِ خفيفُ الميزانِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ.
فقالَ له مروانُ : فإِذا كانَ هذا رأيك فقد أصبتَ فيما صنعتَ ؟ يقولُ هذا وهوغيرُ الحامدِ له في رأْيِه.
فأقامَ الحسينُ عليهِ السّلامُ في منزلهِ تلكَ الليلَة، وهي ليلةُ السبتِ لثلاثٍ بَقِيْنَ من رجبِ سنةَ ستَينَ.
واشتغلَ الوليدُ بنُ عُتْبةَ بمراسلةِ ابنِ الزُّبيرِ في البيعةِ ليزَيدَ وامتناعِه عليه.
وخرجَ ابنُ الزُبيرِمن ليلتِه عنِ إلمدينةِ متوجِّهاً إِلى مكّةَ ، فلمّا أصبحَ الوليدُ سرّحَ في أثرِه الرِّجالَ ، فبعثَ راكباً من موالي بني أُمّيةَ في ثمانينَ راكباً، فطلبوه فلم يُدرِكوه فرجعو.
فلمّا كانَ آخر (نهارِ يوم) السّبتِ بعثَ الرِّجالَ إِلى الحسينِ بنِ عليِّ عليهما السّلامُ ليحضرَ فيبايعِ الوليدَ ليزيد بن معاويةَ، فقالَ لهم الحسَينُ : «أصبِحوا ثمّ تَرَوْن ونرَى» فكفُّوا تلكَ الليلةَ عنه ولم يُلِحُّوا عليه.
فخرجَ عليهِ السّلامُ من تحتِ ليلتِه - وهي ليلةُ الأحدِ ليومين بَقِيا من رجبٍ - متوجِّهاً نحوَمكّةَ ومعَه بنوه واخوتُه وبنوأخيه وجُلُّ أهلِ بيتهِ إلأ محمّدَ بنَ الحنفيّةِ - رضوان اللهِ عليه - فإِنّه لمّا علمَ عزمَه على الخروجِ عنِ المدينةِ لَم يدْرِ أينَ يتوجّهُ ، فقالَ له : يا أخي أنتَ أحبُّ النّاس إِليَّ وأعزُّهم عليَّ ولستُ أَدّخِرُ النّصيحةَ لأحدٍ منَ الخلقِ إِلا لكَ وأَنتَ أحقُّ بها، تَنَحَّ ببيعتِكَ عن يزيد بن معاويةَ وعنِ الأمصارِ ما استطعتَ ، ثمّ ابعثْ رُسُلَكَ إِلى النّاسِ فادعُهم إِلى نفسِكَ ، فإِن تابَعَكَ النّاسُ وبايَعوا لكَ حمدتَ اللهَّ على ذلكَ ، وإن أجمعَ النّاسُ على غيرِكَ لم يَنْقُصِ اللّهُ بذلكَ دينَكَ ولا عقلَكَ ولا تَذْهَب به مروءتُكَ ولا فضلُكَ ؛ إِنّي أخافُ أن تَدخلَ مصراً من هذه الأمصارِ فيختلف النّاسُ بينَهم فمنهم طائفةٌ معَكَ وأُخرى عليكَ ، فيقتَتِلونَ فتكونُ أنتَ لأوّلِ الأسِنَّةِ، فإِذا خيرُهذه الأُمّةِ كلِّها نفساً وأباً وأُمّاً أضيعُها دماً وأذلُّها أهلاً، فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : «فأينَ أذهبُ يا أخي ؟» قالَ : انزلْ مكّةَ فإِنِ اطمأنّتْ بكَ الدّارُ بها فسبيلُ ذلكَ ، وِإن (نَبَت بك) لحقتَ بالرِّمالِ وشَعَفِ الجبالِ وخرجتَ من بلدٍ إِلى بلدٍ ، حتّى تنظرَ(ما يصيرُأمرُ النّاسِ إِليه)، فإِنّكَ أصوبُ ما تكونُ رأياً حينَ تستقبَلُ الأمرَ استقبالا. فقالَ : «يا أخي قد نصحتَ وأشفَقْتَ ، وأرجو أن يكونَ رأْيُكَ سديداً موفّقاً».
فسارَ الحسينُ عليهِ السّلامُ إلى مكّةَ وهو يقرأ: ( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفَاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّني مِنَ الْقَوْم الظَالِميْنَ ) ولزمَ الطّريقَ الأعظمَ ، فقالَ له أهلُ بيتِه : لوتنكّبْتَ الطَّريقَ الأَعظمَ كما صنعَ اَبنُ الزُّبيرِلئلاّ يلحقَكَ الطّلبُ ، فقالَ : «لا واللّهِ لا أُفارقُه حتّى يقضيَ اللّهُ ما هوقاضٍ ».
ولمّا دخلَ الحسينُ مكّةَ كانَ دُخُولُه إِليها ليلةَ الجمعةِ لثلاث مَضَيْنَ من شعبانَ ، دخلهَا وهو يقرأُ: ( وَلَمِّا تَوَجَّههَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسَى رَبِّيْ أنْ يَهْدِيَنيْ سَوَاءَ السَّبِيْل )ثمّ نزلَهاوأقبلَ أهلُها يختلفونَ إِليه ، ومن كانَ بها من المعتمرينَ وأَهل الآفَاقِ ، وابنُ الزُّبيرِ بها قد لزمَ جانبَ الكعبةِ فهو قائمٌ يصلِّي عندَها ويطوفُ ، وياْتي الحسينَ عليهِ السّلامُ فيمن ياْتيه، فيأْتيه اليومينِ المتواليينِ وياْتيه بينَ كلِّ يومينِ مرّةً، وهو أثقلُ خلقِ اللهِّ على ابنِ الزُبيرِ، قد عرفَ أنّ أهلَ الحجازِ لا يُبايعونَه ما دامَ الحسينُ عليهِ السّلامُ في البلدِ، وأنّ الحسينَ أطوعُ في النّاس منه وأجلُ.
وبلغَ أهل الكُوفةِ هلاك معاويةَ فأرجفوا بيزيدَ، وعَرفوا خبرَ الحسينِ عليهِ السّلامُ وامتناعَه من بيعتهِ ، وما كانَ من ابنِ الزُّبيرِ في ذلكَ ، وخروجهما إِلى مكّةَ، فاجتمعتِ الشِّيعةُ بالكوفةِ في منزلِ سُليمان ابن صُرَد، فذكروا هلاكَ معاويةَ فحمدوا اللهَ عليه ، فقالَ سليمانُ : إِنّ معاويةَ قد هلكَ ، وانّ حُسَيناً قد تَقَبَّضَ على القوم ببيعتِه ، وقد خرجَ إِلى مكّةَ، وأنتم شيعتُه وشيعةُ أبيه ، فإِن كنتم تعَلمونَ أنّكم ناصِروه ومجاهِدو عَدوِّه (فاعلموه ، وان خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل في نفسه ، قالوا : لا، بل نقاتل عدوه ، ونقتل انفسنا دونه ، قال : )؛ فكَتَبُوا :
بسمَ اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمِ للحسينِ بنِ عليٍّ عليهما السّلامُ من سُليمان بن صُرد،والمسَيَّبِ ابن نَجَبَةَ، ورِفاعة بن شدّادٍ ، وحبيبِ بنِ مُظاهِر، وشيعتِه من المؤمنينَ والمسلمينَ من أهلِ الكوفةِ : سلامٌ عليك ، فإِنّا نحمدُ إِليكَ اللهَ الّذي لا إِلهَ إلا هو. أمّا بعدُ : فالحمدُ للّهِ الّذي قصمَ عدوَّكَ الجبّارَ العنيدَ، الّذي انتزى على هذهِ الأمّةِ فابتَزَها أمرَها، وغصبَها فيئَها، وتأمّرَ عليها بغيرِ رضىً منها، ثمّ قتلَ خيارَها واستبقى شِرارَها، وجعلَ مالَ اللّهِ دُوْلةً بينَ (جبابرتِها وأغنيائها)، فبعُداً له كما بَعدَتْ ثمودُ.
إِنّه ليسَ علينا إِمامٌ ، فأقبِلْ لعلّ اللّهَ أن يجمعَنا بكَ على الحقِّ ؛ والنُّعمانُ بنُ بشيرٍ في قصرِ الأمارة لسْنا نجَمِّعُ معَه في جمعةٍ ولا نخرجُ معَه إِلى عيدٍ ، ولوقد بَلَغَنا أنّكَ أَقبلتَ إِلينا أخرَجْناه حتّى نُلحقَه بالشّامِ إِن شاءَ اللّهُ.
ثمّ سرّحوا الكتابَ معَ عبدِاللهِ بنِ مِسْمَعٍ الهَمْدانيّ وعبدِاللّهِ ابنِ والٍ ، وأمروهما بالنّجاءِ، فخرجا مُسرِعَيْنِ حتّى قدما على الحسينِ عليهِ السّلامُ بمكّةَ، لعشرٍ مَضَيْنَ من شهرِ رمضانَ.
(ولبثَ أهلُ الكُوفةِ يومينِ بعدَ تسريحِهم) بالكتاب ، وأنفذوا قيسَ بنَ مُسْهِرٍ الصَّيْداويّ و (عبدَ الرّحمن بن عبدِ الله الأرحبّي ) وعمارةَ ابنَ عبدٍ السّلوليّ إِلى الحسينِ عليهِ السّلام ومعَهم نحوٌ من مائةٍ وخمسينَ صحيفةً منَ الرّجلِ والاثنينِ والأربعةِ.
ثمّ لبثوا يومينِ آخرينِ وسرّحوا إِليه هانئ بنَ هانئ السّبيعيّ وسعيدَ بنَ عبدِاللهِّ الحنفيّ ، وكتبوا إِليه : بسمِ اللهِّ الرّحمنِ الرّحيمِ ، للحسينِ بنِ عليٍّ من شيعتهِ منَ المؤمنينَ والمسلمينَ.
أمّا بعدُ: فحيَّ هلا، فإِنّ النّاسَ ينتظرونَكَ ، لا رأيَ لهم غيركَ ، فالعجلَ العجلَ ، ثمّ العجلَ العجلَ ،والسلامُ.
وكتبَ شَبَثُ بنُ رِبعيّ وحجَّارُ بنُ أبجرَ ويزيدُ بنً الحارثِ بنِ رُوَيمٍ و(عروةُ بنُ قيسٍ) ، وعمروبنُ الحجّاجِ الزّبيديّ و(محمّد بنُ عمرو التّيميّ): أمّا بعدُ : فقد اخضرَّ الجَناب وأينعتِ الثِّمارُ، فإِذا شئتَ فاقدمْ على جُندٍ لكَ مجنَّدٍ ، والسّلامُ.
وتلاقتِ الرُسّلُ كلًّها عندَه ، فقرأ الكُتُبَ وسألَ الرّسلَ عنِ النّاسِ ، ثمّ كتبَ معَ هانئ بنِ هانئ وسعيدِ بنِ عبدِاللّهِ وكانا آخرَ الرُّسُلَ : « بسمِ اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمِ منَ الحسينِ بنِ عليٍّ إِلى الملإِ منَ المسلمينَ والمؤمنينَ.
أمّا بعد : فإِنّ هانئاً وسعيداً قَدِما عليَّ بكتبكم ، وكانا آخرَ من قدمَ عليَّ من رسلِكم ، وقد فهمت كلَّ الّذي اقتصصتم وذكرتم ، ومقالة جُلِّكم : أنّه ليسَ علينا إِمامٌ فأقبلْ لعلّ اللّهَ أن يجمعَنا بكَ على الهدى والحقِّ.
وإِنِّي باعثٌ إِليكم أخي وابنَ عمِّي وثقتي من أهلِ بيتي ، فإِن كتبَ إِليَّ أنّه قدِ اجتمعَ رأيُ مَلَئِكم وذوي الحِجا والفضلِ منكم على مثلِ ما قدمتْ به رُسُلُكم وقرأتُ في كُتُبِكم ، أقدم عليكم وشيكاً إِن شاءَ اللّهُ.
فَلعَمري ما الأمامُ إلأ الحاكمُ بالكتاب ، القائمُ بالقسطِ ، الدّائنُ بدينِ الحقِّ ، الحابسُ نفسَه على ذَاتِ اللّهِ ، والسّلامُ ».
ودعا الحسينُ بنُ عليٍّ عليهما السّلامُ مسلمَ بنَ عقيلِ بنِ أَبي طالبِ رضيَ اللهُّ عنه فسرَّحَه معَ قيسِ بنِ مُسْهِرِ الصّيداويّ وعُمارة بن عبدٍ السَّلوليّ وعبدِ الرّحمنِ بنِ عبدِاللّهِ الأَرحبي ، وأَمرَه بتقوى اللهِّ وكتمانِ أمرِه واللطفِ ، فإِنْ رأَى النّاسَ مجتمعينَ مُسْتوسِقِينَ عَجَّلَ إِليه بذلكَ.
فأقبلَ مسلمٌ حتّى أَتى المدينةَ فصلّى في مسجدِ رسولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ والهِ وودعِ من أَحبَّ من أَهلِه ثمّ استأْجرَ دليلينِ من قيس ، فأقبلا به يتنكّبانِ الطّريقَ ، فضلاّ وأصابَهم عطشٌ شديدٌ فعجزا عنِ السّيرِ، فأومئا له إِلى سَنَنِ الطّريقِ بعدَ أنْ لاحَ لهما ذلكَ ، فسلكَ مسلمٌ ذلكَ السَّنَنَ وماتَ الدّليلانِ عطشاً. فكتبَ مسلم بنُ عقيلٍ - رحمهَ اللّهُ - منَ الموضعِ المعروفِ بالمضيقِ معَ قيسِ بنِ مُسْهِرٍ : أمّا بعدُ: فإِنّني أقبلتُ منَ المدينةِ معَ دليلينِ لي فجارَا عنِ الطّريقِ فضلاّ واشتدَّ علينا، العطشُ فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلْنا حتّى انتهينا إِلى الماءِ فلم نَنْجُ إلاّ بحُشاشةِ أَنفسِنا، وذلكَ الماءُ بمكانٍ يدعى المضيقَ من بطنِ الخَبْتِ ، وقد تطيَّرتُ من وجهي هذا ، فإِنْ رأَيتَ أَعفيتَني منه وبعثتَ غيري ، والسّلامُ.
فكتبَ إِليه الحسينُ بنُ عليٍّ عليهما السّلام :
«أمّا بعدُ : فقد خَشيتُ أن لا يكونَ حَمَلَكَ على الكتابِ إِليَّ في الاستعفاءِ منَ الوجهِ الّذي وجّهتُك له إلاّ الجُبْنُ ، فامضِ لوجهِكَ الّذي وجّهتُكَ له ، والسّلامُ ».
فلمّا قرأَ مسلمٌ الكتابَ قالَ : أَمّا هذا فلستُ أتخوّفُه على نفسي.
فأَقبلَ حتّى مرَّ بماءٍ لِطَيءٍ فنزلَ به ثمّ ارتحلَ منه ، فإِذا رجلٌ يرمي الصّيدَ فنظرَ إِليه قد رمى ظَبْياً حينَ أشرفَ له فصرعَه ، فقالَ مسلمٌ : نقتلُ عدوَّنا إِن شاءَ اللهُّ.
ثمّ أَقبلَ حتّى دخلَ الكوفةَ، فنزلَ في دار المختارِ بنِ أَبي عُبَيْدٍ ، وهي الّتي تدعى اليومَ دارَ سَلْمِ بنِ المسيَّب.
وَأَقبلتِ الشِّيعةُ تختلفُ إِليه ، فكلما اجتمعَ إِليه منهم جماعةٌ قرأَ عليهَم كتابَ الحسينِ بنِ عليٍّ عليهما السّلامُ وهم يبكونَ ، وبايعَه النّاسُ حتّى بايَعَه منهم ثمانيةَ عشرَ أَلفاً، فكتبَ مسلمٌ رحمه اللّه إِلى الحسينِ عليهِ السّلامُ يُخبرهُ ببيعةِ ثمانيةَ عشرَأَلفاً ويأْمرُه بالقدوم.
وجعلت الشِّيعةُ تختلفُ إِلى مسلمِ بنِ عقيلٍ رضيَ اللهَّ عنه حتّى عُلِمَ مكانُه ، فبلغَ النُّعمانَ بنَ بشيرٍ ذلكَ - وكانَ والياً على الكوفةِ من قِبَلِ معاويةَ فأقرَّه يزيدُ عليها - فصعدَ المنبرَ فحمدَ اللّهَ وأثنى عليه ثمّ قالَ : أمّا بعدُ: فاتّقوا اللّهَ - عبادَ اللّه - ولا تُسارعوا إِلى الفتنةِ والفُرقةِ، فإِنّ فيها يَهْلِك الرِّجالُ ، وتُسْفَكُ الدِّماءُ ، وتُغْتَصَبُ الأَموالُ ، إِنّي لا أُقاتلُ من لا يُقاتلني ، ولا آتي على من لم يأْتِ عليَّ ، ولا أُنبِّهُ نائمَكم ، ولا أتحرّشُ بكم ، ولا آخُذُ بالقَرْفِ ولا الظِّنّةِ ولا التُّهمةِ، ولكنَّكم إِن أبديتم صفحتَكم لي ونكثتم بيعتَكم وخالفتم إِمامَكم ، فوَاللّهِ الّذي لا إِلهَ غيرُه ، لأضربَنَّكم بسيفي ما ثبتَ قائمهُ في يدي ، ولو لم يكنْ لي منكم ناصرٌ.
أما إِنِّي أرجو أن يكونَ من يعرفً الحقَّ منكم أَكثرَ ممّن يُرديه الباطلُ.
فقامَ إِليه عبدُاللّه بن مسلمِ بن ربيعةَ الحضرميّ ، حليف بني أُميّةَ، فقالَ : إِنَّه لا يُصلحُ ما ترى إِلاّ الغَشْمُ ؛ إنَّ هذا الّذي أَنتَ عليه فيما بينَكَ وبينَ عدوِّكَ رأيُ المستضعفينَ.
فقالَ له النُّعمانُ : أَكون من المستضعفينَ في طاعةِ اللهِّ ، أَحبّ إِليَّ من أَن أكونَ من الأَعزِّينَ في معصيةِ اللّهِ.
ثمّ نزلَ.
وخرجَ عبداللهِّ بن مسلمٍ فكتبَ إِلى يزيد بن معاويةَ : أَمّا بعدُ : فإِنّ مُسلمَ بنَ عقيلٍ قد قدمَ الكوفَة، فبايعَتْه الشِّيعةُ للحسينِ بنِ عليِّ ، فإِنْ يَكُ لكَ في الكوفةِ حاجة فابعثْ إِليها رجلاً قويّاً، يُنَفِّذُ أَمرَكَ وَيعملُ مثلَ عملِكَ في عدوِّكَ ، فإِنّ النُّعمانَ بنَ بشيرٍ رجلٌ ضعيفٌ أو هو يَتَضعَّفُ.
ثمّ كتبَ إِليه عُمارةُ بنُ عُقْبَةَ بنحوٍ من كتابه ؟ ثمّ كتبَ إِليه عُمَرُ ابنُ سعدِ بنِ أَبي وقّاصٍ مثلَ ذلكَ.
فلمّا وصلتِ الكتبُ إِلى يزيدَ دعا سَرْجُونَ مولى معاويةَ فقالَ : ما رأْيُكَ ؟ إِنَّ حسيناً قد وجّهَ إِلى الكوفةِ مسلمَ بنَ عقيل يُبايِعُ له ، وقد بَلَغَني عنِ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ ضعفٌ وقولٌ سَيئ، فمَنْ تَرى أَن أَستعملَ على الكوفةِ؟ وكانَ يزيدُ عاتباً على عُبيدِاللهِّ بن زيادٍ ؟ فقالَ له سَرْجُون : أرأيتَ معاويةَ لو نُشِرَ لكَ حيّاً أَما كنتَ اخَذاً برأْيه ؟ قالَ : نعم.
قال : فأخرجَ سرجُونُ عهدَ عبيدِاللهِّ بنِ زيادٍ على الكوفةِ وقاَلَ : هذا رأْيُ معاويةَ، ماتَ وقد أمرَ بهذا الكتاب ، فضُمَّ المِصرينِ إِلى عُبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ ، فقالَ له يزيدُ : أفْعَلُ ، ابعثْ بعهدِ عَبيدِاللهِّ إِليه.
ثمّ دعا مسلمَ بنَ عَمرو الباهليّ وكتبَ إِلى عبيدِاللّهِ بن زيادٍ معَه : أَمّا بعدُ : فإِنّهَ كَتَبَ إِليَّ شيعتي من أَهلِ الكُوفةِ ، يُخبروني أنّ ابن عقيلٍ بها يَجمعُ الجمُوعَ ويشقُّ عصا المسلمينَ ، فسِرْحينَ تقرأ كتابي هذا حتّى تأْتيَ الكوفةَ، فتطلب ابنَ عقيلٍ طَلَبَ الخرزَةِ حتّى تَثْقَفَهُ فتُوثقَهُ أَو تَقْتُلَهُ أَو تَنْفِيَهُ ، والسّلامُ.
وسلّمَ إِليه عهدَه على الكوفةِ.
فسارَ مسلمُ بنُ عمرو حتّى قدمَ على عُبيدِاللّهِ بالبصرةِ ، فأوصلَ إِليه العهدَ والكتابَ ، فأمَرَ عُبيدُاللهِّ بالجهازِ من وقتهِ ، والمسيرِ والتّهيًّؤ إِلى الكوفةِ منَ الغدِ، ثمّ خرجَ منَ البصرةِ واستخلفَ أَخاه عًثمانَ ، وأَقبلَ إلى الكوفةِ ومعَه مسلمُ بنُ عمرو الباهليّ وشريكُ بنُ أَعْوَرَ الحارثيّ وحَشَمُه وأَهلُ بيتهِ ، حتّى دخلَ الكوفةَ وعليه عمامةٌ سوداءُ وهو متَلثِّمٌ ، والنّاسُ قد بلغَهم إِقبالُ الحسينِ عليهِ السّلامُ إِليهم فهم ينتظرونَ قدومَه ، فظنُّوا حينَ رأوا عُبيدَاللّهِ أَنّه الحسينُ ، فأَخذَ لا يَمُرُّ على جماعةٍ منَ النّاسِ إلاّ سلَّموا عليهِ وقالوا: مرحباً بابنِ رسولِ اللهِّ ، قدمتَ خيرَ مقدم.
فرأَى من تَباشرُهم بالحسينِ ما ساءه ، فقالَ مسلمُ بنُ عمرو لمّا أَكثروا : تَأخَّرُوا ، هذا الأَميرُ عبيدُاللّه بن زيادٍ.
وسارَ حتّى وافى القصرَ في الليلِ ، ومعَه جماعةٌ قدِ التفُّوا به لا يَشُكُّون أَنّه الحسينُ عليهِ السّلامُ ، فأَغلقَ النًّعمانُ بنُ بشيرٍ عليه وعلى حامّتهِ ، فناداه بعضُ من كانَ معَه ليفتح لهم البابَ ، فأطّلعَ إِليه النُّعمانُ وهو يظنُّه الحسين فقالَ : أَنْشُدُكَ اللهَّ إلاّ تَنَحَّيْتَ ، واللهِّ ما انا مُسلمٌ إِليكَ أمانتي ، وما لي في قتالِكَ من أَرَبٍ ، فجعلَ لا يُكلّمُه ، ثمّ إِنّه دنا وتدلّى النُّعمانُ من شَرَفٍ فجعلَ يُكلِّمُه ، فقالَ : افتحْ لا فَتَحْتَ ، فقد طالَ ليلكَ.
وسمعَها إِنسانٌ خلفَه فنكصَ إِلى القوم الّذينَ اتّبعوه من أهلِ الكوفةِ على أَنّه الحسينُ فقالَ : أيْ قوم ! ابن مَرْجَانةَ والّذي لا إِلهَ غيرهُ.
ففتحَ له النُّعمانُ ودخلَ وضربوا البابَ في وُجوهِ النّاسِ فانْفَضُّوا. وأصبحَ فنادى في النّاسِ : الصّلاةُ جامعةٌ.
فاجتمعَ النّاسُ ، فخرجَ إِليهم فحمدَ اللهَّ وأثنى عليه ثمّ قالَ : أَمّا بعدُ : فإِنّ أَميرَ المؤمنينَ وَلاَّني مِصرَكم وثَغْرَكم وفيئكم ، وأمرَني بإِنصافِ مظلومِكم وإِعطاءِ محرومكم ، والأحسانِ إِلى سامعِكم ومُطيعِكم كالوالدِ البر، وسوطي وسيفي على من تركَ أمري وخالفَ عهدي، فليُبقِ امرؤٌ على نفسِه؛ الصِّدقُ يُنبي عنك، لا الوعيدُ.
ثمّ نزلَ فأَخذَ العُرَفاءَ والنّاسَ أخذاً شديداً فقالَ : اكتُبوا إِلى العُرفاءِ ومَنْ فيكم من طلبةِ أمير المؤمنين ، ومَنْ فيكم منَ الحَرُورِية وأَهلِ الرّيب ، الّذين رأيُهم الخلافُ والشِّقاق ، (فمن يجئ بهم لنا فبرئ) ، ومن لم يكتب لنا أحداً فليضمنْ لنا ما في عِرافتِه ألاّ يخالفَنا منهم مخالفٌ ، ولا يبغِ علينا منهم باغٍ ، فمن لم يفعلْ برئتْ منه الذِّمّةُ وحلالٌ لنا دمُه ومالُه ، وأيّما عريفٍ وُجدَ في عرافتِه مِن بُغيةِ أميرِ المؤمنينَ أحدٌ لم يرفعْه إِلينا، صلِبَ على باب داره ، واُلغيتْ تلكَ العرافةُ منَ العطاءِ.َ ولمّا سمعَ مسلمُ بنُ عقيلٍ رحمَه اللهُّ بمجيءِ عبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ الكوفةَ، ومقالتهِ الّتي قالَها، وما أخذَ به العُرفاءَ والنّاسَ ، خرجَ من دارِ المختارِ حتّى انتهى إِلى دارِ هانئ بنِ عُروةَ فدخلَها، وأخذتِ الشِّيعةُ تختلفُ إِليه فِى دارِ هانئ على تستُّرٍ واستخفاف من عبيدِاللهِّ ، وتواصَوْا بالكتمانِ.
فدعا ابنُ زيادٍ مولىً له يُقالُ له مَعْقلٌ ، فقالَ : خُذْ ثلاثةَ آلافِ دِرهمٍ ، ثمّ اطلبْ مسلمَ بنَ عقيلٍ والتمسْ أَصحابَه ، فإِذا ظفرتَ بواحدٍ منهم أو جماعةٍ فأعطِهم هذهِ الثّلاثةَ آلاف درهمٍ ، وقلْ لهم : استعينوا بها على حرب عدوِّكم ، وأعلِمْهم أنّكَ منهم ، فإِنّكَ لو قد أعطيتَها إِياهم لقدِ اَطمأنوا إِليكَ ووثقوا بكَ ولم يكتموكَ شيئاً من أخبارِهم ، ثمّ اغدُ عليهم ورُح حتّى تعرفَ مستقرَّمسلم بن عقيلٍ ، وتدخلَ عليه.
ففعلَ ذلكَ وجاءَ حتّى جلسَ إِلى مسلمِ بنِ عَوْسَجةَ الأسديّ في المسجدِ الأعظمِ وهو يصلِّي ، فسمعِ قوماً يقولونَ : هذا يبايعُ للحسينِ ، فجاءَ فجلسَ إِلى جنبهِ حتّى فرغ من صلاتِه ، ثمّ قالَ : ياعبدَ اللهِّ ! إِنِّي امرؤٌ من أهلِ الشّامِ ، أنعمَ اللهُّ عليَّ بحبِّ أهلِ هذا البيتِ وحبِّ مَنْ أحبَّهم ؛ وتَباكى له وقالَ : معي ثلاثة آلافِ درهمٍ ، أردتُ بها لقاءَ رجلٍ منهم بلغَني أنّه قدمَ الكوفةَ يبايعُ لابنِ بنتِ رسولِ اللّهِ ، فكنتُ أُريدُ لقاءه فلم أجدْ أَحداً يدلُّني عليه ولا أعرفُ مكانَه ، فإِنِّي لجالسٌ في المسجدِ الان إِذْ سمعتُ نفراً منَ المؤمنينَ يقولونَ : هذا رجلٌ له علمٌ بأَهلِ هذا البيتِ ، ِوانِّي أتيتُكَ لتقبضَ منَي هذا المالَ وتُدخِلني على صاحبكَ ، فإِنما أنا أَخٌ من إِخوانِكَ وثقةٌ عليكَ ، وِان شئتَ أخذتَ بيعتي له قبَلَ لقائه.
فقالَ له مسلمُ بنُ عوسجة رحمه اللّه : احمد اللهَّ على لقائكَ إِيّايَ فقد سرَني ذلكَ ، لتنال الّذي تحبُّ ، ولينصر اللّهُ بكَ أهلَ بيتِ نبيِّه عليه والهِ السّلامُ ، ولقد ساءَني معرفةُ النّاسِ إِيّايَ بهذا إلأَمر قبلَ أَن يتمَّ ، مخافةَ هذا الطاغيةِ وسطوته ؛ فقالَ له معقلٌ : لا يكون إلأ خيراً، خُذِ البيعةَ عليَّ ، فأَخذَ بيعتَه وأَخذَ عليه المواثيقَ المغلَّظةَ لَيُناصِحَنَّ ولَيَكْتُمَنَّ ، فأَعطاه من ذلكَ ما رضيَ به ، ثمّ قال له : اختلفْ إِليَّ أيّاماً في منزلي فأنا طالبٌ لكَ الأذنَ على صاحبكَ.
فأَخذَ يختلفُ مع النّاسِ ، فطلبَ له الأذنَ فأُذِنَ له ، فأَخذَ مسلمُ بنُ عقيلٍ رضيَ اللّه عنه بيعتَه ، وأمرَ أَبا ثُمامةَ الصائديَّ فقبضَ المالَ منه ، وهو الّذي كانَ يَقبضُ أموالَهمِ وما يُعينُ به بعضُهم بعضاً، ويشتري لهم السِّلاحَ ، وكانَ بصيراًَ ومن فرسانِ العربِ ووُجوهِ الشِّيعةِ.
وأَقبل ذلكَ الرّجلُ يختلفُ إِليهم ، وهو أَوّلُ داخلٍ وآخرُ خارج ، حتّى فَهِمَ ما احتاجَ إِليه ابنُ زيادٍ من أَمرِهم ، وكانَ يُخبرهُ به وقتاً فوقتاَ. وخافَ هانئً بنُ عُروةَ عبيدَاللهّ بن زيادٍ على نفسِه فانقطعِ من حضور مجلسِه وتمارضَ ، فقالَ ابنُ زيادٍ لجلسائه : ما لي لا أَرى هانئاً؟ فقالوا : هو شاكٍ ، فقالَ : لو علمتُ بمرضِه لَعُدْته ، ودعا محمّدَ بنَ الأشعثِ وأسماءَ بنَ خارجةَ وعمرو بنَ الحجّاجِ الزُّبيديّ ، وكانتْ رُوَيحةُ بنتُ عمرو تحتَ هانئ بنِ عُروةَ وهي أُمُّ يحيى بن هانئ ، فقالَ لهم : ما يمنعُ هانئ بنَ عُروةَ من إِتيانِنا؟ فقالوا : ما نَدري وقد قيلَ إِنّه يشتكي ؟ قالَ : قد بلغَني أنّه قد بَرِىءَ وهو يجلسُ على بابِ دارِه ، فالْقَوْه ومروه ألاّ يَدَعَ ما عليه من حقِّنا، فإِنِّي لا أحبُّ أن يَفسدَ عندي مثلُه من أشرافِ العرب.
فأتَوْه حتّى وقفوا عليه عشيّةً وهو جالسُ على بابه ، فقالوا : ما يمنعُكَ من لقاءِ الأمير؟ فإِنّه قد ذكرَكَ وقالَ : لو أعلمُ أَنّه شاكٍ لَعُدْته ، فقالَ لهم : الشّكوى تَمنعُني ، فقالوا له : قد بلغَه انّكَ تجلسُ كلَّ عشيّةٍ على باب دارِكَ ، وقدِ استبطأكَ ، والإبطاءُ والجَفاءُ لا يحتملُه السًّلطانُ ، أقسَمْنَا عليكَ لمّا ركبتَ معَنا. فدعا بثيابه فلبسَها ثمّ دعا ببغلتِه فركبَها، حتّى إِذا دنا منَ القصرِ كأنّ نفسهَ أحسّتْ ببعضِ الّذي كانَ ، فقالَ لحسّان بن أسماء بن خارجة : يا ابن أخي إِنِّي واللّهِ لهِذا الرّجلِ لَخائفٌ ، فما تَرى؟ قال : أيْ عمّ ! واللهِّ ما أَتخوّفُ عليكَ شيئاً، ولَمْ تَجعلْ على نفسِك سبيلاً، ولم يكنْ حسّان يعلمُ في أَيِّ شيءٍ بعثَ إِليه عبيدُاللّهِ.
فجاءَ هانئ حتّى دخلَ على ابنِ زيادٍ ومعَه القومُ ، فلمّا طلعَ قالَ ابنُ زيادٍ : أتَتْكَ بحائنٍ رِجلاه.
فلمّا دنا من ابنِ زيادٍ - وعندَه شُريحٌ القاضي - التفتَ نحوَه فقالَ : أُريدُ حِبَاءهُ وَيُرِيْدُ قَتْلي عَذِيْرَكَ مِنَ خَلِيْلِكَ مِنْ مُرَادِ وقد كانَ أوّل (مادخلَ)عليه مُكرِماً له مُلطِفاً، فقالَ له هانئ : وما ذلكَ أيًّها الأَميرُ؟ قالَ : إٍ يهٍ يا هانئ بنَ عُروِةَ، ما هذهِ الأمورُ الّتي تَرَبّصُ في دارِكَ لأَميرِ المؤمنين وعامّةِ المسلمين ؟ جئتَ بمسلم بنِ عقيلٍ فأَدخلتَه دارَك وجمعتَ له السِّلاحَ والرجالَ في الدُّورِ حولَكَ ، وظننتَ أَنّ ذلكَ يخفى عليّ ، فقالَ : ما فعلتُ ، وما مسلم عندي ، قالَ : بلى قد فعلتَ.
فلمّا كثرَ ذلكَ بينَهما، وأَبى هانئ إلاّ مجاحَدَتَه ومنُاكَرتَه ، دعا ابنُ زيادٍ مَعْقِلاً - ذلكَ العَيْنَ - فجاءَ حتّى وقفَ بين يديه ، فقالَ : أَتعرفُ هذا؟ قالَ : نعم ، وعلمَ هانئ عندَ ذلكَ أَنّه كانَ عيناً عليهم ، وأَنه قد أَتاه بأَخبارِهم ، فأُسقطَ في يدِه ساعةً ثم راجعتْه نفسه فقالَ : اسمعْ مني وصدَقْ مقالتي ، فواللهِّ لا كذبتُ ، واللهِ ما دعوتُه إِلى منزلي ، ولا علمتُ بشيءٍ من أَمرِه حتّى جاءَني يسأَلني النُزولَ فاستحيَيْتُ من ردِّه ، ودخلنَي من ذلكَ ذمامٌ فضيَّفْتُه واويتُه ، وقد كانَ من أَمرِه ما كانَ بلغَكَ ، فإِن شئتَ أن أعطيَكَ الآنَ مَوْثقاً مُغَلَّظاً ألاّ أَبغيَكَ سوءاً ولا غائلةً، ولآتِيَنَّكَ حتّى أَضعَ يدي في يدِكَ ، ِوان شئتَ أَعطيتُكَ رهينةً تكونُ في يدِكَ حتّى آتيَكَ ، وأَنطلق إِليه فآمره أن يخرجَ من داري إِلى حيثُ شاءَ منَ الأَرضِ ، فأَخرج من ذمامِه وجوارِه.
فقالَ له ابنُ زيادٍ : واللهِّ لا تفارقني أبداً حتّى تَأْتِيَني به ، قالَ : لا واللهِ لا آتيكَ به أبداً، أجيئُكَ بضيفي تَقتلُه ؟ ! قالَ : واللّهِ لَتَأْتِيَنَّ به ، قالَ : لا واللّهِ لا آتيكَ به.
فلمّا كثرَ الكلامُ بينَهما قامَ مسلمُ بنُ عمرو الباهليّ - وليسَ بالكوفةِ شاميٌ ولا بصريٌّ غيره - فقالَ : أصلحَ اللهُّ الأميرَ، خلِّني وِايّاه حتّى أُكَلِّمَه ، فقامَ فخلا به ناحيةً من ابنِ زيادٍ ، وهما منه بحيثُ يَراهما ، وِاذا رفعا أصواتَهما سمعَ ما يقولانِ ، فقالَ له مسلمٌ : يا هانئ إِنِّي أنْشُدُكَ اللهَ أن تقتلَ نفسَكَ ، وأنْ تُدخِلَ البلاءَ على عشيرتِكَ ، فواللّهِ إِنّي لأنْفَسُ بكَ عنِ القتلِ ، إِنّ هذا الرّجلَ ابنُ عمِّ القوم وليسوا قاتِليه ولا ضائريه ، فادفعْه إِليه فإِنّه ليسَ عليكَ بذلكَ مَخزاةٌ ولا مَنقصةٌ ، إِنّما تَدفعُه إِلى السُّلطانِ.
فقالَ هانئ : واللهِّ إِنّ عليَّ في ذلكَ للخزي والعار، أنا أدفعُ جاري وضيفي وأنا حيٌّ صحيحٌ أسمعُ وأرى، شديدُ السّاعدِ، كثيرُ الأعوانِ ؟ ! واللهِّ لو لم أكن إلاّ واحداَ ليسَ لي ناصرٌ لم أدفعْه حتّى أموتَ دونَه.
فأخذَ يُناشدُه وهو يقولُ : واللّهِ لا أدفعُه أبد.
فسمعَ ابنُ زيادٍ ذلكَ فقالَ : أدْنُوه منِّي ، فادْنيَ منه فقالَ : واللّهِ لَتَأْتِيَنِّي به أو لأضْربَنَ عُنقَكَ ، فقالَ هانئ : إِذاً واللّهِ تكثر البارِقة حولَ دارِكَ فقالَ ابنُ زيادٍ : والهفاه عليكَ ! أبالبارِقةِ تُخوِّفُني ؟ وهو يظنُّ أنّ عشيرتَه سيمنعونه ؛ ثّم قالَ : أدْنُوه منيِّ ، فادنِيَ ، فاعترضَ وجهَه بالقضيبِ فلم يَزَلْ يَضربُ وجهَه وأنفَه وجبينَه وخدَّه حتّى كَسرَ أَنفَه وسَيَّلَ الدِّماءَ على ثيابِه ، ونثرَلحمَ خدِّه وجبينهِ على لحيتهِ ، حتّى كسرَ القضيب.
وضربَ هانئ يدَه إِلى قائم سيفِ شُرَطِيٍّ ، وجاذبَه الرّجلُ ومنَعه ، فقالَ عبيدُاللّهِ : أَحَرُوْرِيٌّ سائرَ اليوم ؟ قد حلَّ لنا دمُكَ ، جرُّوه ، فَجرَّوه فألقَوْه في بيتٍ من بيوتِ الدّارِ، وأَغلقوا عليه بابَه ، فقالَ : اجعلوا عليه حَرَساً، ففُعِلَ ذلكَ به ، فقام إِليه حسّانُ بنُ أَسماء فقالَ له : أرُسُلُ غَدْرٍ سائرَ اليوم ؟ أَمرْتَنا أَن نجيئكَ بالرّجلِ ، حتّى إِذا جئناك به هَشَمْت وجهَه وسيَّلتَ دماءه على لحيتِه ، وزعمتَ أَنّكَ تقتلُه.
فقالَ له عُبيدُاللهِّ : ِوانّكَ لَهاهنا، فأَمَرَ به فلُهِز وتُعْتِعَ ثمّ أُجلسَ ناحيةً.
فقالَ محمّدُ بنُ الأشعثِ : قد رَضِيْنا بما راه الأَميرُ، لنا كانَ أَو علينا ، إِنّما الأميرُ مؤدِّبٌ. وبلغَ عمرو بنَ الحجّاجِ أَنّ هانئاً قد قُتِلَ ، فأَقبلَ في مَذْحِج حتّى أَحاطَ بالقصرِ ومعَه جمعٌ عظيمٌ ، ثمّ نادى : أَنا عمرو بنُ الحجّاجِ ، وهذه فُرسانُ مَذْحِج ووُجوهُها ، لم تَخلعْ طاعةً ، ولم تُفارقْ جماعةً ، وقد بلغَهم أَنّ صاحبَهم قد قُتِلَ فأَعظَموا ذلكَ.
فقيلَ لعبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ : هذه مَذْحِج بالباب ، فقال لشريحٍ القاضي : ادخلْ على صاحبهم فانظُرْ إِليه ، ثمّ اخرُجْ وأَعلِمْهم أَنّه حيٌّ لم يُقتَلْ.
فدخلَ فنظرَ شُريحٌ إِليه ، فقالَ هانئ لمّا رأَى شُريحاً : يا للهِّ ! يا للمسلميمنَ ! أَهَلَكَتْ عشيرتي ؟ ! أَينَ أَهلُ الدِّين ؟ ! أَينَ أَهلُ البَصَر؟ ! والدِّماءُ تَسيلُ على لحيتِه ، إِذ سمعَ الرّجّةَ على باب القصرِ فقالَ : إِنِّي لأَظنُّها أَصواتَ مَذْحِج وشيعتي منَ المسلمينَ ،َ إِنّه إِن (دَخَلَ عليّ) عشرةُ نفرٍ أَنقذوني.
فلمّا سمعَ كلامَه شُريحٌ خرجَ إِليهم فقالَ لهم : إِنّ الأميرَ لمّا بلغَه مكانُكم ومقالتُكم في صاحبكم ، أَمرَني بالدُّخولِ إِليه فأتيتُه فنظرت إِليه ، فأَمرَني أَن أَلقاكم وأَن أًّعلمَكم أنّه حيٌ ، وأَنّ الّذي بلغَكم من قتلِه باطل ، فقالَ عمرُو بنُ الحجّاجِ وأَصحابُه : أَمّا إِذْ لم يُقْتَلْ فالحمدُ للّهِ ، ثمّ انصرفو.
وخَرجَ عبيدُاللّهِ بن زيادٍ فصعدَ المنبرَ، ومعَه أَشرافُ النّاس وشُرَطهُ وحَشَمُه ، فقالَ :
أَمّا بعدُ : أَيُّها النّاسُ فاعتصِمُوا بطاعةِ اللّهِ وطاعةِ أئمّتِكم ، ولا تَفرقوا فتَهلِكُوا وتَذِلُّوا وتُقْتَلوا وتُجْفَوا وتًحرَبوا، إِنَّ أَخاك منْ صَدَقَكَ ، وقد أَعذَرَ مَنْ أنذَرَ. ثمّ ذهبَ لِيَنزلَ فما نزلَ عنِ المنبرِحتّى دخلتِ النّظّارةُ المسجدَ من قِبَلِ باب التّمّارينَ يَشتدُّون ويَقولونَ : قد جاءَ ابنُ عقيلٍ !قد جاءَ ابنُ عقيلٍ !فدخل عبيدُاللّهِ القصرَمُسرِعاً وأَغلقَ أبوابَه.
قالَ عبدُاللّه بن حازمٍ : أنا واللهِّ رسولُ ابنِ عقيلٍ إِلى القصرِ لأنظرَ ما فعلَ هانئ، فلمّا حُبِسَ وضُرِبَ ركبتُ فرسي فكنتُ أَوّلَ أَهل الدَّارِ دخلَ على مسلمِ بنِ عقيلٍ بالخبرِ، فإِذا نِسوةٌ لِمُرَاد مُجتمعات يُنادِيْنَ : يا عَبرتاه ! يا ثُكلاه ! فدخلتُ على مسلمِ بنِ عقيلٍ فأخبرتُه فأَمرَني أَن أُناديَ في أصحابِه وقد ملأ بهم الدُّورَ حولَه ، وكانوا فيها أَربعةَ آلافِ رجلٍ ، فناديتُ : يا منصورُ أمِتْ ، فتَنادى أهل الكوفةِ واجتمعوا عليه ، فعقدَ مسلمٌ لرؤوسِ الأرباعِ على القبائل كِنْدَةَ ومَذْحِجَ وأسَدَ وتَمِيْمَ وهَمْدَانَ ، وتَداعى النّاسُ واجتمعوا، فما لبثْنا إلاّ قليلاً حتّى امتلأ المسجدُ منَ النّاسِ والسُّوقُ ، وما زالوا يَتَوَثَّبون حتّى المساءِ ، فضاقَ بعبيدِاللهّ أمرُه ، وكانَ أَكثر عملِه أن يُمسِكَ بابَ القصر وليسَ معَه في القصرِ إلاّ ثَلاثونَ رجلاً منَ الشُّرَطِ وعشرونَ رجلاً من أشرافِ النّاسِ وأهلِ بيتهِ وخاصّته ، وأقبلَ مَنْ نأَى عنه من أشرافِ النّاسِ يأْتونَه من قِبَل الباب الّذي يلي دارَ الرُّوميِّينَ ، وجعلَ مَنْ في القصرِ معَ ابن زيادٍ يُشرِفونَ عليهِمَ فينظرونَ إِليهم وهم يرمونَهم بالحجارةٍ ويَشتمونَهم ويَفترونَ على عبيدِاللهِّ وعلى أبيه. ودعا ابنُ زيادٍ كَثِيرَ بنَ شهابِ وأمرَه أن يَخرجَ فيمن أطاعَه من مَذْحِج ، فيسيرَ في الكوفةِ ويخذِّلَ النّاَسَ عنِ ابن عقيلٍ ويخوِّفَهم الحربَ ويحذِّرَهم عقوبةَ السُّلطانِ ، وأَمرَ محمّدَ بنَ الأشعثِ أن يَخرجَ فيمن أطاعَه من كِنْدةَ وحَضْرَمَوْتَ ، فيرفعَ رايةَ أمانٍ لمن جاءه منَ النّاسِ ، وقالَ مثلَ ذلكَ للقَعْقاعِ الذُّهْليِّ وشَبَثِ بنِ رِبعيٍّ التّميميِّ وحَجّارِبن أبجَر العِجليِّ وشمرِ بنِ ذي الجوشنِ العامريِّ ، وحبسَ باقيَ وجوهِ النّاسِ عندَه استيحاشاً إِليهم لقلّةِ عددِ من معَه منَ النّاس. فخرجَ كَثيرُبنُ شِهابٍ يُخذِّلُ النّاسَ عنِ ابنِ عقيلٍ ، وخرجَ محمّدُ ابنُ الأشعثِ حتّى وقفَ عندَ دُورِ بني عُمارةَ، فبعثَ ابنُ عقيلٍ إِلى محمّدِ ابن الأشعثِ منَ المسجدِ عبدَ الرّحمن بن شريحٍ الشِّباميّ ، فلمّا رأَى ابنُ الأشعثِ كثرةَ من أَتاه تأَخّرَ عن مكانِه ، جعلَ محمّدُ بنُ الأشعثِ وكثِيرُبنُ شِهابِ والقَعْقَاعُ بنُ شَوْر الذُّهليّ وشَبَثُ بنُ رِبعيٍ يَرُدُّونَ النّاسَ عنِ اللحوقِ بمسلمٍ ويخوِّفونَهمُ السُّلطانَ ، حتّى اجتمعَ اليهم عددٌ كثيرٌ من قومِهم وغيرهم ، فصاروا إِلى ابنِ زيادٍ من قِبَلِ دارِ الرُّومييّنَ ودخلَ القوم معَهم ، فقالَ له كَثِيرُبنُ شهابٍ : اصلح اللهُّ الأَميرَ، معَكَ في القصرِ ناسٌ كثيرٌ من أشرافِ النّاسِ ومن شُرَطِكَ واهلِ بيتِكَ ومَواليكَ ، فاخرُجْ بنا إِليهم ، فأبى عُبيدُاللّهِ ؟ وعقدَ لشَبَث بن رِبْعيٍّ لواءً فأَخرجَه.
وأقامَ النّاس معَ ابنِ عقيلٍ يَكثرونَ حتّى المساءِ وأَمرُهم شديدٌ ، فبعثَ عُبيدُاللهِّ إِلى الأَشرافِ فجمعَهم ، ثمّ أَشرفوا على النّاسِ فَمَنَّوا أَهلَ الطّاعةِ الزِّيادةَ والكرامةَ ، وخَوَّفوا أهلَ العصيانِ الحرمانَ والعقوبةَ ، وأَعلَموهم وصولَ الجندِ منَ الشّام إِليهم.
وتكلّمَ كَثِيرٌ حتّى كادتِ الشّمسُ ان تَجبَ ، فقالَ : أيُّها النّاسَُ الحقوا بأهاليكم ولا تَعَجَّلوا الشّرَّ، ولا تُعَرِّضواَ أنفسَكم للقتل ، فإِنَّ هذه جنودُ أميرِ المؤمنينَ يزيدَ قد أقبلتْ ، وقد أعطى اللهَّ الأميرُ عهدا ً: لئن تَمَّمْتًم على حربه ولم تَنصرِفوا من عشيّتِكم (أن يَحْرِم) ذُرِّيَّتَكم العطاءَ، ويُفرِّقَ مُقاتِلتًكم في مَغازي الشّامِ ، وأن يأخذَ البريءَ بالسّقيمِ والشّاهدَ بالغائبِ ، حتّى لا تبقى له بقيّةٌ من أَهلِ المعصيةِ إلاّ أذاقَها وبالَ ما جنتْ أيديه.
وتكلّمَ الأشرافُ بنحوٍ من ذلكَ.
فلمّا سمعَ النّاسُ مقالَهم أخذوا يتفرّقونَ ، وكانتِ المرأةُ تأْتي ابنَها أَو أَخاها فتقولُ : انْصَرِفْ ، النّاسُ يَكفونَكَ ؛ ويجيءُ الرّجلُ إِلى ابنهِ وأَخيه فيقولُ : غداً يأْتيكَ أَهلُ الشّام ، فما تَصنعُ بالحرب والشّرِّ؟ انْصَرِفْ ؛ فيذهبُ به فينصرفُ.
فما زالَوا يتفرّقون حتّى أمسَى ابنُ عقيلِ وصلّى المغربَ وما (معَه إلاّ ثلاثونَ) نَفْساً في المسجدِ، فلمّا رأى أَنّه قد أًمسى وما معَه إلاّ أُولئكَ النّفرُ، خرجَ منَ المسجدِ متوجِّهاً نحوَ أَبواب كِنْدةَ، فما بلغَ الأَبوابَ ومعَه منهم عشرة، ثمّ خرجِ منَ الباب فإذا لَيسَ معَه إِنسانٌ ، فالتفتَ فإِذا هو لا يُحِسُّ أَحداًَ يَدُلّه علىَ الطّريقِ ، ولا يَدُلًّه على منزلِه ، ولا يُواسيه بنفسِه إِن عرضَ له عدوّ. فمضى على وجهِه مُتَلدَداً في أَزِقّةِ الكوفةِ لا يدري أينَ يذهبُ ، حتّى خرجَ إِلى دورِ بني جَبَلَةَ من كنْدَةَ، فمشى حتّى انتهى إِلى بابِ امرأةٍ يُقالُ لها : طَوْعَةُ، أُمُّ ولدٍ كانتْ للأَشعثِ بنِ قيسٍ فأعتقَها، فتزوّجَها أسَيْدٌ الحضرميُّ فولدتْ له بِلالاً، وكان بِلالٌ قد خرجَ معَ النّاسِ فأُمُّه قائمةٌ تنتظرة ؛ فسلّمَ عليها ابنُ عقيلٍ فردّت عليه فقالَ لها: يا أَمةَ اللّهِ اسقيني ماءً، فسقتْه وجلسَ وأَدخلتِ ألإناءَ، ثمّ خرجتْ فقالتْ : يا عبدَاللّهِ ألم تشربْ ؟ قالَ : بلى، قالتْ : فاذهبْ إِلى أَهلِكَ ، فسكتَ ثمّ أعادتْ مثلَ ذلكَ ، فسكتَ ، ثمّ قالتْ له في الثّالثةِ : سُبحانَ اللهِّ ! يا عبدَ اللّهِ قُمْ عافاكَ اللّهُ إِلى أَهلِكَ فإِنّه لا يَصلحُ لكَ الجلوسُ على بابي ، ولا أُحِلُّه لكَ.
فقامَ وقالَ : يا أَمةَ اللهِّ ما لي في هذا المِصر منزلٌ ولا عشيرةٌ ، فهل لكِ في اجرٍ ومعروفٍ ، لعلِّي مُكافئًكِ بعدَ اليوم ، فقالتْ : يا عبدَاللّهِ وما ذاكَ ؟ قالَ : أَنا مسلمُ بنُ عقيلٍ كَذَبَني هؤَلاءِ القومُ وغَرُّوني وأَخرجوني ؟ قالتْ : أَنتَ مسلمٌ ؟ قالَ : نعم ؛ قالتْ : ادخُلْ ، فدخلَ بيتاً في دارِها غيرِ البيتِ الّذي تكونُ فيه ، وفرشتْ له وعرضتْ عليه العَشاءَ فلم يَتَعَش.
ولم يكنْ بأَسرعَ أَن جاءَ ابنها، فرآها تُكثِرُ الدُّخولَ في البيتِ والخروجَ منه ، فقالَ لها: واللّهِ إِنّه لَيَرِيبُني كثرةُ دخولكِ هذا البيتَ منذُ الليلةِ وخروجِكِ منه ؛ إِنّ لكِ لَشأناً؛ قالتْ : يا بُنَيَّ الْه عن هذا؛ قالَ : واللهّ لَتخبرينني ؛ قالتْ : أَقبلْ على شأْنِكَ ولا تسأَلنْي عن شيءٍ ، فَألح عليها فقالتْ : يا بُنَيّ لاَ تُخْبرَنَ أَحدآً منَ النّاسِ بشيءٍ مما أُخبركُ به ؛ قالَ : نعم ، فأَخذتْ عليه اَلأَيمانَ فحلفَ لها، فأَخبرتْه فاضطجعَ وسكتَ.
ولمّا تفرّقَ النّاسُ عن مسلمِ بنِ عقيلٍ طالَ على ابنِ زيادٍ وجعلَ لا يَسمعُ لأَصحاب ابن عقيل صوتاً كما كانَ يَسمع قبلَ ذلكَ ؛ قال لأصحابه : أشرِفُوا فانظُرُوا ، هل تَرَوْنَ منهم أحداًَ؟ فأشرفوا فلم يَرَوْا أَحداً ، قالَ : فانظُرُوا لعلّهم تحتَ الظلالِ وقد كَمنوا لكم ، فنزعوا تَخاتجَ المسجدِ وجعلوا يخفضونَ شُعَلَ النّارِ في أَيديهم ويَنظرونَ ، فكانتْ أَحيانا تُفيءُ لهم واحياناً تُضيءُ كما يُريدونَ ، فدلَّوُا القناديلَ (وأَطنانَ القصب تًشَدُّ) بالحبالِ ثمّ تُجعلُ فيها النيرانُ ثمّ تُدلّى حتّى تنتهيَ إِلى الأَرَض ، ففعلوا ذلكَ في أقصى الظَلال وأَدناها وأَوسطِها حتّىٍ فُعِلَ ذلكَ بالظُّلّةِ الّتي فيها المنبر، فلمّا لم يَرَوْا شيئاً أعلموا ابنَ زيادٍ بتفرّقِ القومِ ، ففتحَ بابَ السُّدّةِ الّتي في المسجدِ ثمّ خرجَ فصعدَ المنبرَ وخرجَ أَصحابهُ معَه ، فأمرَهم فجلسوا قُبَيل العَتَمةِ وأَمرَ عمرو بنَ نافع فنادى : أَلا بَرِئَتِ ألذِّمّةُ من رجلٍ منَ الشّرَطِ والعُرفَاءِ والمنَاكب أَو المقاتِلةِ صلّى العتمة إلاّ في المسجدِ، فلم يكنْ إلاّ ساعة حتى امتَلأ المسجدُ منَ النّاسِ ، ثمّ أَمرَ مناديَه فأَقامَ الصّلاةَ ، وأَقامَ الحرسَ خلفَه وأَمرَهم بحراسته من أَن يَدخلَ عليه أَحدٌ يَغتالهُ ، وصلىّ بالنّاس ثمّ صعدَ المنبرَ فحمدَ اللهَّ وأَثنى عليه ثمّ قالَ : أمَّا بعدُ : فإِنّ ابن عقيلٍ السّفيهَ الجاهلَ قد أَتى ما قد رأَيتم منَ الخلافِ والشِّقاقِ ، فبَرئَتْ ذمّةً اللهِّ من رجلٍ وجدناه في دارِه ، ومن جاءَ به فله دِيَتُه ، واتّقوا اللّهَ عبادَ اللّهِ والزموا طاعتَكم وبيعتَكم ، ولا تجعلوا على أنفسِكم سبيلاًَ. يا حُصَينَ بنَ نُميرٍ ، ثكلتْكَ أُمُّكَ إِن ضاعَ باب سكّةٍ من سككِ الكوفةِ، أوخرجَ هذا الرجلُ ولم تأْتِني به ، وقد سلّطتُكَ على دورِ أَهلِ الكوفةِ، فابعثْ مراصدَ على أهلِ السِّككِ ، وأصبحْ غداً فاسْتبِرِ الدُّورَ وجُسْ خلالَها حتّى تأْتيني بهذا الرّجلِ.
وكانَ الحُصينُ بنُ نُميرٍ على شرَطِه وهومن بني تميم.
ثمّ دخلَ ابنُ زيادٍ القصرَ، وقد عقدَ لعمرو بنِ حُرَيثٍ رايةً وأمَّره على النّاسِ.
فلمّا أصبحَ جلسَ مجلسَه وأَذنَ للنّاسِ فدخلوا عليه ، وأقبلَ محمّدُ بنُ الأَشعثِ ، فقالَ : مرحباً بمن لا يُسْتَغَشُّ ولا يُتَّهَمُ ، ثمّ أقعدَه إِلى جنبِه. وأصبحَ ابنُ تلكَ العجوز فغدا إِلى عبدِ الرحمنِ بنِ محمّدِ بن الأشعثِ فأخبره بمكانِ مسلمِ بنِ عقيلٍ عندَ أُمِّه ، فأَقبلَ عبدُ الرّحمنِ حَتّى أَتى أباه وهو عندَ ابنِ زيادٍ فسارَّه ، فعرفَ ابنُ زيادٍ سِراره فقالَ له ابنُ زيادٍ بالقضيب في جنبِه : قُمْ فائتني به السّاعةَ، فقامَ وبعثَ معَه قومه ، لأنّه قد علمَ أنَّ كلَّ قومٍ يَكرهونَ أن يصابَ فيهمِ (مسلمُ بنُ عقيل) ، فبعثَ معَه عبيدَاللّه بن عبّاسٍ السُّلميّ في سبعين رجلاً من قيسٍ ، حتّى أتَوُا الدّارَ الّتي فيها مسلمُ بنُ عقيلٍ رحمَه اللهًّ ، فلمّا سمعَ وَقْعَ حوافرِ الخيلِ وأَصواتَ الرِّجالِ علمَ أَنّه قد أُتيَ ، فخرجَ إِليهم بسيفِه ، واقتحموا عليه الدًارَ، فشدَّ عليهم يَضرِبُهم بسيفهِ حتّى أَخرجَهم منَ الدّارَ، ثمّ عادوا إِليه فشدَّ عليهم كذلكَ ، فاختلفَ هو وبكرُ بنُ حُمرانَ الأَحمريّ فضربَ فمَ مسلمٍ فشقً شفتَه العُليا وأَسرعِ السّيفُ فِى السًّفلى ونَصَلَتْ له ثَنِيَّتاه ، وضربَه مسلمٌ في رأسِه ضربةَ مُنكَرةً وثنّاه بأخرى على حبلِ العاتقِ كادتْ تَطلعُ على جوفِه ، فلمّا رأوا ذلكَ أشرفوا عليه من فوقِ البيتِ فأَخذوا يَرمونَه بالحجارةِ ، ويُلهِبونَ النّارَ في أطنانِ القصبِ ثمّ يُلقونَها عليه من فوقِ البيتِ ، فلمّا رأَى ذلكَ خرجَ عليهم مُصلِتاً بسيفِه في السِّكّةِ، فقالَ له محمّدُ بنُ الأشعثِ : لكَ الأمانُ ، لا تَقتلْ نفسَكَ ؟ وهو يُقاتِلهُم ويقولُ :
أقْسَمْــــتُ لا أُقـْـتَلُ إِلا حـــُرُّا إِنِّيْ رَأَيْتُ المْوَتَ شَيْئَاً نُكْرَاُ
ويجعَلُ الْبَارد َسُخْنَا ًمُرًا رُدَّ شُعَــاعُ الـشَّمْسِ فــاستقرَّا
كلّ امْرِىءٍ يَوْمَاً مُلاَقٍ شــرًّا أَخــَـافُ أَنْ أُكـــْذَبَ أَوْ أُغـــــَرَّا
فقالَ له محمّدُ بنُ الأَشعثِ : إِنّكَ لا تُكذَب ولا تُغَّرُ، فلا تَجزعْ ، إِنّ القومَ بنو عمِّكَ وليسوا بقاتِليكَ ولا ضائريكَ .
وكانَ قد أُثْخِنَ بالحجارةِ وعجزَ عنِ القتالِ ، فانبهرَ وأَسندَ ظهرَه إِلى جنب تلكَ الدّارِ، فأَعادَ ابنُ الأَشعثِ عليه القولَ : لكَ الأَمانُ ، فقالَ : آمِنٌ أَنا؟ قالَ : نعم.
فقالَ للقوم الّذينَ معَه : لي الأمانُ ؟ فقالَ القومُ له : نعم ، إلاّ عبيدَاللّه بن العبّاسَِ السُّلميّ فإِنّه قالَ : لا ناقةَ لي في هذا ولا جَمل ، وتنحّى؟ فقالَ مسلمٌ : أَما لو لم تُؤَمِّنوني ما وضعتُ يدي في أَيديكم.
وأُتِيَ ببغلةٍ فحُمِلَ عليها، واجتمعوا حولَه وانتزعوا سيفَه ، فكأَنّه عندَ ذلكَ أيِسَ من نفسهِ ودمعتْ عيناه ، ثمّ قالَ : هذا أوّلُ الغدرِ، قالَ له محمّدُ بنُ الأشعثِ : أَرجوألاّ يكونَ عليكَ باْسٌ ، فقالَ : وما هوإلاّ الرّجاءُ ، أَينَ أمانُكم ؟ إِنّا للهِّ وِانّا إِليه راجعونَ ! وبكى ، فقالَ له عبيدُاللّه ابن العبّاسِ السُّلمي :إنّ من يَطلبُ مثلَ الّذي تطلبُ ، إِذا نزلَ به مثلُ الّذي نزلَ بكَ لم يبك.
قالَ : إنِّي واللّهِ ما لنفسي بكيت ، ولا لها منَ القتل أرثي ، ِوان كنتُ لم أحبّ لها طرفةَ عينٍ تلفاً، ولكنْ أبكي لأهلي المُقبِلينَ إِليّ ، أَبكي للحسينِ عليه السّلامُ والِ الحسين.
ثمّ أقبلَ على محمّدِ بنِ الأشعثِ فقالَ : يا عبدَاللّهِ إِنِّي أَراكَ واللّهِ ستعجزُ عن أَماني ، فهل عندَكَ خيرٌ ؟ تَستطيعُ أَن تَبعثَ من عندِكَ رجلاً على لساني أَن يُبلِّغَ حسيناً؟ فإنِّي لا أَراه إِلاّ قد خرجَ إِليكمُ اليومَ مقبلاً أو هو خارجٌ غداً وأَهل بيتهِ ، ويقولَ له : إِنّ ابنَ عقيلٍ بعثَني إِليكَ وهو أسيرٌ في أيدي القوم ، لا يرى أَنّه يمسي حتّى يُقتَل ، وهو يقولُ : ارجعْ فداكَ أبي وأُمِّي بأهلِ بيتِكَ ولا يَغُرَّكَ أهلُ الكوفةِ، فإِنّهم أصحابُ أَبيكَ الّذي كانَ يتمنّى فراقَهم بالموتِ أوِ القتلِ ، إِنّ أهلَ الكوفة قد كَذَبوكَ وليسَ لمكذوب رأْيٌ.
فقالَ ابنُ الأشعثِ : واللّهِ لأفعلَنَ ولأعْلِمَنَّ ابنَ زيادٍ أنِّي قد آمنْتُكَ. وأقبلَ ابنُ الأشعثِ بابنِ عقيلٍ إِلى باب القصرِ، فاستاْذنَ فأُذِنَ له فدخلَ على ابنِ زيادٍ فأَخبرَه خبرَ ابنِ عقيلٍَ وضَرْبَ بَكْرٍ إِيّاه وما كانَ من أَمانِه له ، فقالَ له عبيدُاللهِّ : وما أنتً والأمانَ ، كأنّا أرسلناكَ لِتُؤمنَه ! إِنمّا أرسلناكَ لتأْتينا به ، فسكتَ ابن الأَشعثِ ، وانتُهِيَ بابنِ عقيلٍ إِلى بابِ القصرِ وقدِ اشتدَّ به العطشُ ، وعلى باب القصرِ ناسٌ جلوسٌ ينتظرونَ الإذنَ ، فيهم عُمارةُ بنُ عقبة بن أبي مُعَيْطٍ ، وعمرُو بن حُرَيثٍ ، ومسلمُ بنُ عمرو، وكثيرُ بنُ شهابِ ؛ ِواذا قُلّةٌ باردةٌ موضوعة على الباب ، فقالَ مسلمٌ : اسقوني من هذا المَاء ِ، فقالَ له مسلمُ بنُ عمرو: أتَراها؟َ ما أبردَها! لا واللّهِ لا تذوقُ منها قطرةً أبداً حتّى تذوقَ الحميمَ في نار ِجهنّمَ.
فقالَ له ابنُ عقيلٍ رضيَ اللّهُ عنه : ويلَكَ مَنْ أنت ؟ قالَ : أنا مَنْ عَرفَ الحقَّ إِذ أنكرتَه ، ونصحَ لإمامِه إِذ غَشَشْتَه ، وأطاعَه إِذ خالفتَه ، أنا مسلمُ ابنً عمرو الباهليّ ، فقالَ له مسلمُ بنُ عقيلٍ : لأمِّكَ الثّكلُ ، ما أجفاكَ وأفظَّكَ وأقسى قلبَكَ ! أنتَ يا ابنَ باهلةَ أولى بالحميمِ والخلودِ في نارِ جهنّمَ منِّي.
ثمّ جلسَ فتساندَ إِلى حائطٍ. وبعثَ عمرُو بنُ حُرَيثٍ غلاماً له فجاءه بقُلّةٍ عليها مِنديلٌ وقدح ، فصبَّ فيه ماءً فقالَ له : اشربْ ، فأخذَ كلما شَربَ امتلأ القدحُ دماً مِنْ فيه فلا يقدر أن يشربَ ، ففعلَ ذلكَ مرّةً ومرّتينِ ، فلمّا ذهبَ في الثّالثةِ ليشربَ سقطتْ ثَنِيَّتاه في القدحِ ، فقالَ : الحمدُ للّهِ ، لوكانَ لي مِنَ الرِّزقِ المقسوم شربتهُ.
وخرجَ رسول ابَنِ زيادٍ فأمرَ بإِدخالهِ إِليه ، فلمّا دخلَ لم يستَمْ عليه بالأمرةِ، فقالَ له الحَرسِيُّ : ألا تُسلَمُ على الأميرِ؟ فقالَ : إِن كانَ يُريدُ قتلي فما سلامي عليه ؟ وِان كانَ لا يُريدُ قتلي لَيَكثُرَنَ سلامي عليه.
فقال له ابنُ زيادٍ : لَعَمْري لَتُقْتَلَنَّ ؛ قالَ : كذلكَ ؟ قالَ : نعم ؛ قالَ : فدَعنْي أُوصِ إِلى بعضِ قومي ؛ قالَ : افعلْ ، فنظرَ مسلمٌ إِلى جُلَسائه وفيهم عُمَرُ بن سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ فقالَ : يا عمر، إِنّ بيني وبينَكَ قرابةً، ولي إِليكَ حاجة، وقد يَجِبُ لي عليكَ نُجْحُ حاجتي وهي سِر؛ فامتنعَ عُمَرُ أن يَسمعَ منه ، فقالَ له عُبيدُاللّهِ :ِ لمَ تَمتنعُ أن تنظرَ في حاجةِ ابنِ عمِّكَ ؟ فقامَ معَه فجلسَ حيثُ يَنظرُ إِليهما ابنُ زيادٍ ، فقالَ له : إِنَ عليَّ ديناً بالكوفةِ استدنتُه منذُ قَدمتُ الكوفةَ سبعمائةِ دِرهمٍ » فاقْضِها عنِّي ، ِواذا قُتِلْتُ فاستوهِبْ جُثّتي من ابنِ زيادٍ فوارِها ، وابعثْ إِلى الحسينِ من يَرُدُّه ، فإِنِّي قد كتبتُ إِليه أُعْلِمُه أنّ النّاسَ معَه ، ولا أراه إلاّ مُقبلاًَ؟ فقالَ عُمَرُ لابنِ زيادٍ : أتَدري أيُّها الأميرُ ما قالَ لي ؟ إِنّه ذَكرَ كذا وكذا، فقالَ له ابنُ زيادٍ : إِنّه لا يَخونُكَ الأمين ولكنْ قد يؤتَمَنُ الخائنٌ ! أمّا مالُكَ فهو لكَ ولسنا نَمْنَعُكَ أن تَصنعَ به ما أحببتَ ، وأمّا جُثّتًه فإِنّا لا نُبالي إِذا قتلْناه ما صُنِعَ بها، وأمّا حسينٌ فإِنْ هو لم يُرِدْنا لم نرده.
ثمّ قالَ ابنُ زيادٍ.
إِيهٍ يا ابنَ عقيلٍ ، أَتيتَ النّاسَ وهم جميعٌ فشتَّتَّ بينَهم ، وفرّقتَ كلمتَهم ، وحملتَ بعضَهم على بعضٍ.
قالَ : كلاّ، لستُ لذلكَ أتيتُ ، ولكنّ أهلَ المصرِ زعموا أنّ أباكَ قتلَ خيارَهم وسفكَ دماءهم ، وعملَ فيهم أعمالَ كِسرىَ وقَيْصَر، فأتيْناه لنأْمرَ بالعدلِ ، وندعوَ إِلى حكمِ الكتابِ.
فقالَ له ابن زيادٍ : وما أنتَ وذاكَ يا فاسقَ ؟ِ َلم لَمْ تَعملْ فيهم بذاك إِذ أَنتَ بالمدينةِ تشربُ الخمرَ؟ قالَ : أنا أَشربُ الخمرَ؟! أَمَ واللّهِ إِنّ اللهَّ لَيَعلم أَنّكَ تَعلمُ أَنّكَ غيرُ صادقٍ ، وأنَّكَ قد قلتَ بغيرعلمٍ ، وانِّي لستُ كما ذكرتَ ، وانّكَ أحقُّ بشرب الخمرِ منِّي ، وأَوَلى بها من يَلِغُ في دماءِ المسلمينَ وَلْغاً، فيقتلُ النّفس الّتي حرّمَ اللّه قتلَها، ويسفكُ الدّم الحرامَ على الغصب والعداوةِ وسوء الظّنِّ ، وهو يلهو ويلعبُ كأَنْ لم يصنعْ شيئ.
فقالَ له ابنُ زيادٍ : يا فاسقُ ، إِنّ نفسَكَ تُمنِّيكَ ما حالَ اللّه دونَه ، ولم يرك الله له أهلاً. فقالَ مسلمٌ : فمَنْ أَهلُه إِذا لم نكنْ نحن أَهلَه ؟! فقالَ ابنُ زيادٍ : أَميرُ المؤمنينَ يزيدُ.
فقالَ مسلمٌ : الحمدُ للّهِ على كلِّ حالٍ ، رضيْنا باللّهِ حَكَم.
بينَنا وبينَكم. فقالَ له ابنُ زيادٍ : قتلَني اللّه إن لم أَقتلْكَ قِتلةً لم يُقتَلْها أحدٌ في الإسلام منَ النّاسِ. قالَ له مسلمٌ : أَما إِنّك أَحقًّ مَنْ أَحدثَ في الإسلام ما لم يكنْ ، وِانّك لاتَدَعُ سوءَ القِتلةِ وقُبحَ المُثلةِ وخبثَ السِّيَرةِ ولُؤْمَ الغلبةِ. فأَقبل ابن زيادٍ يشتمُه ويشتمُ الحسين وعليّاً وعقيلاً عليهم الصّلاةُ والسّلامُ ، وأَخذَ مسلمٌ لا يُكَلِّمُه.
ثمّ قالَ ابنُ زيادٍ : اصعدوا به فوقَ القصرِ فاضربوا عُنقَه ، ثم أتبعوه جسدَه.
فقالَ مسلمُ بنُ عقيلٍ رحمة اللهِ عليهِ : لو كانَ بيني وبينَكَ قرابةٌ ما قَتَلْتَني ؛ فقالَ ابنُ زيادٍ : أَينَ هذا الّذي ضَربَ ابنُ عقيلٍ رَأْسَه بالسّيفِ ؟ فدًعِيَ بكرُ بنُ حُمرانَ الأحمريّ فقالَ له : اصعدْ فلتكنْ أنتَ الّذي تضربُ عُنقَه.
فصُعِدَ به وهو يُكبِّرُ ويَستغفرُ اللهَ ويُصلِّي على رسولِه ويقولُ : اللّهمّ احكمْ بينَنا وبينَ قومٍ غَرُّونا وكَذَبونا وخَذَلونا. وأَشرفوا به على موضع الحَذّائيينَ اليومَ ، فضُرِبتْ عُنقُه وأتبعَ (جسدُه رَأُسَه).
وقامَ محمّدُ بنُ الأشعثِ إِلى عُبيدِاللهِّ بنِ زيادٍ فكلّمهَ في هانئ بنِ عُروةَ فقالَ : إِنّكَ قد عرفتَ منزلةَ هانئ في المصرِ وبيته في العشيرةِ، وقد علمَ قومُه أنِّي أنا وصاحِبَيَّ سُقناه إِليكَ ، فأَنْشُدُكَ اللّهَ لمّا وهبتَه لي ، فإِنَي أكرهُ عداوةَ المصرِ وأَهلِه.
فوعدَه أَن يفعلَ ، ثمّ بدا له فأَمرَ بهانئ في الحالِ فقالَ : أَخرِجوه إِلى السُّوقِ فاضربوا عنقَه.
فأخرِجَ هانئ حتّى انتهِيَ به إِلى مكانٍ منَ السُّوقِ كانَ يُباعً فيه الغنمُ ، وهو مكتوفٌ ، فجعلَ يقولُ : وامَذْحِجَاه ! ولا مَذْحِجَ لي اليومَ ، يا مَذْحِجَاه ! يا مَذْحِجَاه ! وأَينَ مَذْحِجُ ؟! فلمّا رأَى أنّ أحداً لا ينصرُه جَذبَ يدَه فنزعَها مِنَ الكِتافِ ، ثمّ قالَ : أَما من عصاً أَوسِكِّين أوحجرٍ أَو عظمٍ يُحاجِزُ به رجلٌ عن نفسِه ؟ وَوثبوا إِليه فشدُّوه وَثاقاً، ثمّ قيلَ له امدُدْ عُنقَكَ ، فقالَ : ما أَنا بها سخيٌّ ، وما أَنا بمُعِينكم على نفسي ، فضربَه مولىً لعُبيدِاللّهِ - تركيٌ يقُالُ له رُشَيد - بالسّيفِ فلم يَصنعْ شيئاً، فقالَ هانئ : إِلى اللهِ المعَادُ، اللّهمّ إِلى رحمتِكَ ورضوانِكَ ؟ ثمّ ضربَه أُخرى فقتلَه.
وفي مسلمِ بنِ عقيلٍ وهانئ بن عروة ـ رحمة الله عليهما ـ يقولُ عبدُاللهّ بن الزّبيرِ الأَسديّ :
إِنْ كُنْتِ لا تَدْرِيْنَ مَا اْلمَوْتُ فَانْظُري إِلى هانئ فِيْ السُّوْقِ وَابْنِ عَقِيْلْ
إِلــى بــــَطَلٍ قَدْ هَشَّمَ السَّيــْفُ وَجْهَه وآخَــرَ يَهْوِيْ مِنْ طَمَارِ قَتِيْلُ
أصـابـَهما أَمـْــرُ الأَمِيــرِ فأَصْبَـحَــا أحَــادِيْثَ مــَنْ يـَسْرِيْ بكُلِّ سَبِيْلِ
تَرَيْ جَسَدَاً قَدْ غَيَّرَاْلموتُ وَجْههُ ونَضــْحَ دَم قــَد ْسَـالً كُـلَّ مَسِيْلِ
فـَتَىً هـُوَ أَحْيــَا مــــِنْ فَتــَاةٍ حَــــيِيّة وأقْطَـع مِـنْ ذًيْ شـَفْرَتَيْنِ صَقِيْلٍِ
أيَرْكَبُ أسْمَاءُ الْهَمَالِيْجَ امِنَا وَقــَــدْ طَلـَبَـتْهُ مَذحــِجٌ بِذُحـُــوْلًِ
تُطِيْفُ حَوَالَيْهِ مُرَادٌ وكلهُمْ عَلَى رِقْبَةٍ مِنْ سَائِلٍ وَمَسُوْلِ
فَإِنْ أَنـْتُمُ لَمْ تَثْـأَرُوْا بِأَخِيْكُمُ فَكُوْنُــوْا بَغَــايَــا أُرْضـِيـَتْ بِقَلِيْل
ولمّا قُتِلَ مسلمٌ وهانئ - رحمةُ اللّهِ عليهما- بعثَ عُبيدُاللّهِ بن زيادٍ برؤوسِهما معَ هَانئ بنِ أبي حيَّةَ الوادعيّ والزُّبير ِبنِ الأرْوَحِ التّميميّ إِلى يزيد ابن معاويةَ، وأمرَ كاتبَه أن يكتبَ إلى يزيدَ بما كانَ من أمرِ مسلمٍ وهانئ ، فكتبَ الكاتبُ - وهو عمرو بنُ نافعٍ - فأطالَ ، وكانَ أوّلَ من أطالَ في الكَتْب ، فلمّا نظرَ فيه عُبيدُاللهِ تكرّهَه وقالَ : ما هذا التّطويلُ ؟ وما هذه الفُصَول ؟ اكتبْ : أَمّا بعدُ: فالحمدُ للّهِ الّذي أَخذَ لأميرِ المؤمنينَ بحقِّه ، وكفاه مُؤْنةَ عدوه ؛ أخبرُ أميرَ المؤمنينَ أنّ مسلمَ بنَ عقيلٍ لجأ إِلى دارِ هانئ بنِ عروةَ المراديِّ ، وأَنّي جعلتْ عليهما العيونَ ودسستُ إِليهما الرِّجالَ وكِدتُهما حتّى استخرجتُهما ، وأمكنَ اللّهُ منهما ، فقدّمتُهما وضربتُ أعناقَهما ، وقد بعثتُ إِليكَ برؤوسِهما معَ هانئ بنِ أَبي حَيَّةَ والزُّبيربنِ الأَرْوَحِ التّميمِّي ، وهما من أهلِ السّمعِ والطّاعةِ والنّصيحةِ، فليسأَلْهما أَميرُ المؤمنينَ عمّا أحب من أمرِهما ، فإِنّ عندَهما علماً وصدقاً وورعاً ، والسّلامُ.
فكتبَ إِليه يزيدُ : أمّا بعدُ: فإِنّكَ لم تَعْدُ أن كنتَ كما أُحبُّ ، عملتَ عملَ الحازمِ ، وصُلْتَ صَوْلةَ الشُّجاعِ الرّابطِ الجَأْشِ ، وقد أغنيتَ وكفيت وصدّقْت ظنِّي بك ورأْيي فيك، وقد دعوتُ رسولَيْكَ فسألتهما وناجيتهما، فوجدتُهما في رأْيهما وفضلِهما كما ذكرتَ ، فاستوصِ بهما خيراً، وِانّه قد بلغني أنّ حسيناً قد توجّهَ إِلى العراقِ فضَعِ المنَاظِرَ والمسَالحَ واحترِسْ ، واحبسْ على الظِّنّةِ واقتُلْ على التُّهمةِ ، واكتُبْ إِليَّ فيما يَحدثُ من خبرٍ إن شاءَ اللّهُ.
وكانَ خروجُ مسلمِ بنِ عقيلٍ - رحمةُ اللّهِ عليهما- بالكوفةِ يومَ الثُّلاثاءِ لثمانٍ مضينَ من ذي الحجّةِ سنةَ سِتِّينَ ، وقَتْلُه يَومَ الأربعاءِ لتسعٍ خلونَ منه يومَ عرفة؛ وكانَ توجُّهُ الحسينِ عليه السّلامُ من مكّةَ إِلى العراقِ في يومِ خروجِ مسلمٍ بالكوفةِ- وهو يومُ التّرويةِ- بعدَ مُقامِه بمكّةَ بقيّةَ شعبانَ وشهرَ رمضانَ وشوّالاً وذا القعدةِ وثمانيَ ليالٍ خلونَ من ذي الحجّةِ سنةَ سِتِّينَ ، وكانَ قدِ اجتمعَ إِليهِ مدّةَ مُقامِه بمكّةَ نفرٌ من أهلِ الحجازِ ونفرٌ من أَهلِ البصرة، انضافوا إِلى أهلِ بيتهِ ومَواليه.
ولمّا أرادَ الحسينُ عليه السّلامُ التّوجُّهَ إلى العراقِ ، طافَ بالبيتِ وسعى بينَ الصّفا والمروةِ، وأحلَّ من إِحرامِه وجعلَها عُمرةً، لأنّه لم يتمكّنْ من تمامِ الحجِّ مخافةَ أن يُقبَضَ عليه بمكّةَ فيُنفَذَ إِلى يزيد بن معاويةَ، فخرجَ عليه السّلامُ مُبادِراً بأهلِه وولدِه ومنِ انضمَّ إِليه من شيعتِه ، ولم يكنْ خبرُ مسلمٍ قد بلغَه لخروجِه يومَ خروجِه على ما ذكرْنا ه.
فروِيَ عن الفَرَزْدَقِ الشّاعرِ أنّه قالَ : حَجَجْتُ بأُمِّي في سنةِ سِتِّينَ ، فبينا أنا أسوقُ بعيرَها حينَ دخلتُ الحرمَ إِذ لقيتُ الحسينَ بنَ عليٍّ عليهما السّلامُ خارجاً من مكّةَ معَه أسيافُه وتِراسُه فقلتُ : لمن هذا القِطارُ؟ فقيلَ : للحسينِ بنِ عليٍّ ، فأتيتُه فسلّمتُ عليه وقلتُ له : أعطاكَ اللّهُ سُؤْلَكَ وأمَلَكَ فيما تُحبُّ ، بأبي أنتَ وأُمِّي يا ابنَ رسولِ اللّهِ ، ما أعجلَكَ عنِ الحجِّ ؟ فقالَ : « لو لم أعْجَلْ لأخِذْتُ» ثمّ قالَ لي : «مَنْ أنتَ ؟» قلتُ : امرؤٌ منَ العربِ ، فلا واللّهِ ما فتّشَني عن أكثرَ من ذلكَ ، ثمّ قالَ لي : «أخبِرْني عنِ النّاسِ خلفَكَ» فقلتُ : الخبيرَسألْتَ ، قلوبُ النّاسِ معَكَ وأسيافُهم عليكَ ، والقضاءُ ينزلُ منَ السّماءِ، واللهُّ يفعلُ ما يشاءُ، فقالَ : «صدقتَ ، للّهِ الأمرُ، وكلَّ يومٍ ربنُّا هو في شَأْنٍ ، (إِنْ نزلَ القضاءُ) بما نُحِبُ فنحمدُ اللّهَ على نعمائه ، وهو المُستعان على أداءِ الشُّكرِ،وان حالَ القضاءُ دونَ الرّجاءِ، فلم يُبْعِدْ مَنْ كانَ الحقُّ نيّتَه والتّقوى سريرتَه» فقلتُ له : أجل ، بلّغَكَ اللّهُ ما تُحبُّ وكفاكَ ما تحذرُ، وسألتُه عن أشياء من نذورٍ ومناسكَ فأخبرَني بها، وحرّكَ راحلتَه وقالَ : «السّلامُ عليكَ» ثمّ افترقْن.
وكانَ الحسينُ بنُ عليٍّ عليهما السّلامُ لمّا خرجَ من مكّةَ اعترضَه يحيى بن سعيدِ بن العاص ، ومعَه جماعةٌ أرسلهم عمرُو بنُ سعيدٍ إِليه ، فقالوا له : انصرف ، إِلى أَينَ تذهبُ ، فأبى عليهم ومضى وتدافعَ الفريقانِ واضطربوا بالسِّياطِ ، وامتنعَ الحسينُ وأصحابُه منهم امتناعاً قوي.
وسارَ حتّى أتى التّنعيمَ فلقيَ عِيراً قد أقبلتْ منَ اليمن ، فاستأْجرَ من أهلِها جمالاً لرحلِه وأصحابِه ، وقالَ لأصحابِها : «من احبَّ أن ينطلقَ معَنا إِلى العَراقِ وفيناه كراءه وأحسنّا صحبتَه ، ومن أحبَّ أن يفارقَنا في بعضِ الطرّيقِ أعطيناه كراءً على قدرِ ما قطعَ منَ الطّريقِ» فمضى معَه قومٌ وامتنعَ اخرون.
وألَحقَه عبدُاللهّ بن جعفرٍ رضيَ اللهّ عنه بابنيه عونٍ ومحمّدٍ ، وكتبَ على أيديهما إِليه كتاباً يقولُ فيه : أمّا بعدُ : فإِنِّي أسألكَ بالله لمّا انصرفتَ حينَ تنظرُ في كتابي ، فإِنِّي مشفقُ عليكَ منَ الوجهِ الّذي توجّهتَ له أن يكونَ فيه هلاكُكَ واستئصال أهلِ بيتِكَ ، إِن هلكتَ اليومَ طفئَ نورُ الأرضِ ، فإِنّكَ عَلَمُ المهتدينَ ورجاءُ المؤمنينَ ، فلا تعجلْ بالمسير فإِنِّي في أثر كتابي ، والسّلامُ.
وصارَ عبدُاللهّ بن جعفرِ إِلى عمرو بن سعيدٍ فسألَه أن يكتبَ للحسينِ أماناً ويُمنيه ليرجعَ عن وجهه ، فكتبَ إليه عمرو بنُ سعيدٍ كتاباً يُمنِّيه فيه الصِّلةَ ويؤُمِنهُ على نفسِه ، وأنفذَه معَ أخيه يحيى بن سعيدٍ ، فلحقَه يحيى وعبدُاللّه ابن جعفرٍ بعدَ نفوذِ ابنيه ودفعا إِليه الكتابَ وجهدا به في الرُّجوعِ فقالَ : «إِنِّي رأيت رسولَ اللّهِ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ في المنام ، وأمرَني بما انا ماضٍ له » فقالا له : فما تلكَ الرُّؤيا؟ قالَ :»ما حدّثتُ أحداً بها، ولا أنا مُحدِّثٌ أحداً حتّى ألقى ربِّي جلّ وعزَّ« فلما أيسَ منه عبدُاللهّ بن جعفرٍ أمرَ ابنيه عوناً ومحمّداً بلزومهِ والمسيرِمعَه والجهادِ دونَه ، ورجعَ معَ يحيى بن سعيدٍ إِلى مكّةَ.
وتوجّهَ الحسينُ عليهِ السّلامُ نحوَ العراقِ مُغِذّاً لا يلوي على شيءٍ حتى نزلَ ذاتَ عِرق.
ولمّا بلغَ عبيدَاللهّ بن زيادٍ إِقبالُ الحسينِ عليهِ السّلامُ من مكّةَ إِلى الكوفةِ، بعثَ الحُصينَ بنَ نُمَيرٍ صاحبَ شُرَطِهِ حتّى نزلَ القادسيّةَ ، ونظمَ الخيلَ بينَ القادسيّةِ إِلى خفّانَ ، وما بينَ القادسيّةِ إِلى القُطْقُطانَةِ. وقالَ النّاسُ : هذا الحسينُ يُريدُ العراقَ.
ولمّا بلغَ الحسين عليهِ السّلامُ الحاجرَ من بطنِ الرُّمةِ، بعثَ قيسَ بنَ مُسْهرٍ الصّيداويّ ، - ويُقالُ : بل بعثَ أخاه منَ الرّضاعةِ عبدَاللّه بن يَقْطُر- إِلى أهلِ الكوفةِ، ولم يكن عليهِ السّلامُ عَلِمَ بخبرِمسلمِ ابنِ عقيلٍ رحمةُ اللهِّ عليهما وكتبَ معه إِليهم :
«بسمَ اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمِ منَ الحسينِ بنِ عليٍّ إِلى إِخوانِه منَ المؤمنينَ والمسلمينَ ، سلامٌ عليكم ، فإِنِّي أحمدُ إِليكم اللّهَ الّذي لا إِلهَ إلأ هو. أمّابعدُ: فإِنّ كتابَ مسلمِ بنِ عقيلِ جاءَني يُخبرُ فيه بحسنِ رأيِكم واجتماعِ مَلَئكم على نصرِنا والطّلب بحقِّنا، فسألتُ اللّهَ أن يُحسنَ لنا الصّنيعَ ، وأن يُثيبَكم على ذلكً أعظمَ الأجرِ، وقد شخصتُ إِليكم من مكّةَ يومَ الثُلائاءِ لثمانٍ مضينَ من ذي الحجّةِ يومَ التّرويةِ، فإِذا قدمَ عليكم رسولي فانكمِشوا في أمرِكم وجِدُّوا ، فإِنِّي قادمٌ عليكم في أيّامي هذه ، والسّلامُ عليكم ورحمةُ اللّهِ».
وكانَ مسلمٌ كتبَ إِليه قبلَ أن يُقتلَ بسبعٍ وعشرينَ ليلةً، وكتبَ إِليه أهلُ الكوفةِ : انّ لكَ هاهنا مائةَ ألفِ سيف فلا تتأخّرْ. فأقبلَ قيسُ بنُ مُسْهرٍ إلى الكوفةِ بكتابِ الحسينِ عليهِ السّلامُ حتّى إِذا انتهى إِلى القادسيّةِ أخذَه الحُصينُ بن نُمَيرٍ فأنفَذَه إِلى عُبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ ، فقالَ له عُبيدُاللّهِ : اصعدْ فسُبَّ الكذّابَ الحسينَ بنَ عليٍّ ؛ فصعدَ قيسٌ فحمدَ اللهَّ وأثنى عليه ثمّ قالَ : أيُّها النّاسُ ، إِنّ هذا الحسينَ بنَ عليٍّ خيرُ خلقِ اللّهِ ابنُ فاطمةَ بنتِ رسولِ اللّهِ وأنا رسولهُ إليكم فاجيبوه ، ثمّ لعنَ عُبيدَاللهّ بن زيادٍ وأباه ، واستغفرَ لعليّ بنِ أبي طالبِ عليه السّلامُ وصلّى عليه.
فأمرَ به عُبيدُاللهِ أن يُرمى به من فوقِ القصرِ، فرَمَوا به فتقطّعَ.
ورُوِيَ : أنّه وقعَ إِلى الأرضِ مكتوفاً فتكسّرَتْ عظامُه وبقيَ به رمقٌ ، فجاءَ رجلٌ يُقالُ له عبد الملك بن عُميرٍ اللخميّ فذبحَه ، فقيلَ له في ذلكَ وعِيِبَ عليه ، فقالَ : أردتُ أن أُريحَه.
ثمّ أقبلَ الحسينُ عليهِ السّلامُ منَ الحاجرِ يسيرنحوَالكوفةِ فانتهى إِلى ماءٍ من مياهِ العرب ، فإِذا عليه عبدُاللّه بن مُطيعٍ العَدويّ وهو نازلٌ به ، فلمّا راى الحسينَ عليهِ السّلام قامَ إِليه فقالَ : بأبي أنتَ وأُمِّي - يا ابنَ رسولِ اللّهِ - ما أقدَمَكَ ؟ واحتملَه وأنزلَه ، فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : «كانَ من موتِ معاويةَ ما قد بلغَكَ ، فكتبَ إِليَّ أهلُ العراقِ يدعونَني إِلى أنفسِهم» فقالَ له عبدُاللّهِ بنِ مُطيعٍ : أُذكرُكَ اللهَّ يا بنَ رسولِ اللهِّ وحرمةَ الأسلامِ أن تُنتَهَكَ ، أنْشُدُكَ اللهَّ في حرمةِ قُريشٍ ، أنشُدُكَ اللّهَ في حرمةِ العرب ، فواللّهِ لئن طلبتَ ما في أيدي بني أُمّيةَ لَيَقْتُلُنَّكَ ، ولئن قتلوكَ لا يهابوَا بعدَكَ أحَداً أبداً، واللّهِ إِنّها لحُرمةُ الأسلام تُنْتَهَك ، وحرمةُ قريشٍ وحرمةُ العرب ، فلا تَفعلْ ، ولا تأْتِ الكوَفَة، ولا تُعرِّضْ نفسَكَ لبني أُميّةَ.
فأبى اَلحسينُ عليهِ السّلامُ إلاّ أن يَمضيَ.
وكانَ عُبيدُاللّه بن زيادٍ أمرَ فأُخِذَ ما بينَ واقِصَةَ إِلى طريقِ الشّام إِلى طريقِ البصرةِ ، فلا يَدَعونَ أحداً يَلِجُ ولا أحداً يخرجُ ، وأقبلَ الحسينُ عليهِ السّلامُ لا يَشعرُ بشيءٍ حتّى لقيَ الأعرابَ ، فسألهَم فقالوا: لا واللّهِ ما ندري ، غيرإنّا لا نستطيعُ أن نَلِجَ (أو نَخرج) .
فسارَ تِلقاءَ وجهِه عليهِ السّلامُ.
وحدَّثَ جماعةٌ من فَزارةَ ومن بَجيلة قالوا : كُنّا معَ زُهَيرِ بنِ القَيْنِ البَجَليِّ حينَ أقبلنْا من مكّةَ، فكنّا نُسايرُ الحسينَ عليهِ السّلام فلم يكَنْ شيءٌ أبغضَ إِلينا من أن نُنَازلَه في منزلٍ ، فإِذا سارَ الحسينُ عليهِ السّلامُ ونزلَ منزلاً لم نجدْ بُدّاً من أن نُنازلَه، فنزلَ الحسينُ في جانبِ ونزلْنا في جانبٍ ، فبينا نحن جُلوس نتغذّى من طعامٍ لنا إِذْ أقبلَ رَسولُ الحسينِ عليهِ السّلامُ حتّى سلّمَ ثمّ دخلَ ، فقالَ : يا زُهيرَبنَ القَيْنِ إِنَّ أبا عبدِاللّهِ الحسينَ بعثَني إِليكَ لتأْتِيَه.
فطرحَ كلُّ إِنسانٍ منّا ما في يدِه حتّى كأنّ على رُؤُوسنا الطّيرَ، فقالتْ له امرأتهُ : سبحانَ اللّهِ ، أيبعثُ إِليكَ ابنُ رسولِ اللّهِ ثمّ لا تأْتيه ، لو أتيتَه فسمعتَ من كلامِه ، ثمّ انصرفتَ.
فأتاه زُهيرُ بنُ القينِ ، فما لبثَ أن جاءَ مُستبشراً قد أشرقَ وجهُه ، فأمرَبفسطاطِه وثقله ورحلِه ومتاعِه فقُوِّضَ وحُمِلَ إِلى الحسينِ عليهِ السلامُ ، ثمّ قالَ لامرأَتِه : أنتِ طالقٌ ، الحقي بأهلِكَ ، فإنِّي لا أُحبُّ أن يًصيبَكِ بسببي ألاٌ خيرٌ ، ثمّ قالَ لأصحابه : من أحَبَّ منكم أن يتبعَني ، وإلاّ فهو آخرُ العهدِ، إِنيِّ سأُحدِّثُكم حديثا ً: إِنّا غَزَوْنا البحر ، ففتحَ اللّهُ علينا وأصبْنا غنائمَ ، فقالَ لنا سلمان الفارسيُّ رضيَ اللهُّ عنه : أفرِحْتُم بما فتحَ اللهُ عليكم ، وأصبْتم منَ الغنائم ؟ فقلنا : نعم ، فقال : إِذا أدركْتُم شباب آلِ محمّدٍ فكونوا أشدَّ فرحاً بقتالِكم معَهم ممّا أصبتُمُ اليومَ منَ الغنائم.
فامّا أنا فأستودعُكمُ اللّه.
قالوا : ثمّ واللهِّ ما زالَ في القومِ معَ الحسينِ عليهِ السّلامُ حتّى قُتِلَ رحمةُ اللّهِ عليه.
وروى عبدُاللهّ بن سليمانَ والمُنْذِرُ بنُ المُشْمَعِلِّ الأسَدِيّانِ قالا: لمّا قَضَيْنا حجَّنا لم تكنْ لنا همةٌ إلاّ اللحاق بالحسينِ عليهِ السّلامُ في الطّريقِ ، لننظرَ ما يكونُ من أمرِه ، فأقبلْنا تُرْقِلُ بنا نِياقنا مُسرِعَيْنِ حتّى لحقْنا بِزَرُوْدَ، فلمّادنونا منه إِذا نحن برجلٍ من أهلِ الكوفةِ قد عدلَ عنِ الطّريقِ حينَ رأى الحسينَ عليهِ السّلام ، فوقفَ الحسينُ كأنّه يُريدُه ثمّ تركه ومضى ، ومضينا نحوَه ، فقالَ أحدُنا لصاحبه : اذهب بنا إِلى هذا لنسألَه فإِنّ عندَه خبرَ الكوفةِ، فمضينا حتَّى انتهينا إِليه فقلنا: السّلامُ عليكَ ، فقالَ : وعليكم السّلامُ ، قلنا : ممّنِ الرّجلُ ؟ قالَ : أسَدِيٌّ ، قلنا : ونحن أسَدِيّانِ ، فمن أنتَ ؟ قالَ : أنا بكرُ بنُ فُلانٍ ، وانتسبْنا له ثمّ قلنا له : أخبِرْنا عنِ النّاسِ وراءَك ؛ قالَ : نعم ، لم أخرجْ منَ الكوفةِ حتّى قُتِلَ مسلمُ بنُ عقيلٍ وهانئُ بنُ عُروةَ، ورأَيتُهما يُجَرّانِ بأرجلِهما في السُّوقِ.
فأقبلْنا حتّى لحقْنا الحسينَ صلوات اللهِّ عليه فسايرْناه حتّى نزلَ الثَّعْلَبيَّةَ مُمْسِياً، فجئناه حينَ نزلَ فسلّمْنا عليه فردَّ علينا السّلامَ ، فقلناَ له : رحمَكَ اللّه ، إِنّ عندَنا خبراً إِن شئتَ حدّثْناكَ علانيةً، وِانْ شئتَ سِرّاً ؛ فنظرَ إِلينا ِ والى أصحابِه ثمّ قالَ : «ما دونَ هؤلاءِ سترٌ» فقلنا له : رأيتَ الرّاكبَ الّذي استقبلتَه عشيَّ أمسِ ؟ قالَ : «نعم ، وقد أردتُ مسألَتَه» فقلنا : قد واللّهِ استبرأْنا لكَ خبرَه ، وكفيناكَ مسألَتَه ، وهو امِرؤٌ منّا ذو رأْي وصدقٍ وعقلٍ ، وِانّه حدّثَنا أنّه لم يخرجْ منَ الكوفةِ حتّى قُتِلَ مسلمٌ وهانئ، ورَآهما يُجَرّانِ في السُّوقِ بأرجلِهما : فقالَ : «إِنّا للهِّ وِانّا اليه راجعونَ ، رحمةُ اللهِّ عليهما» يكرِّر ذلكَ مِراراً، فقلنا له : نَنْشُدُكَ اللّهَ في نفسِكَ وأهلِ بيتِكَ إلأ انصرفتَ من مكانِكَ هذا، فإِنّه ليسَ لكَ بالكوفةِ ناصرٌ ولا شيعةٌ ، بل نَتخوّفُ أن يكونوا عليكَ.
فنظرَإِلى بني عقيلٍ فقالَ : «ماتَرَوْنَ ؟ فقد قتِلَ مسلمٌ» فقالوا : واللهِّ لا نَرجعُ حتّى نُصيبَ ثأْرَنا أَو نذوقَ ما ذاقَ ، فأقبلَ علينا الحسينُ عليهِ السّلامُ وقالَ : «لا خيرَ في العيشِ بعدَ هؤلاءِ» فعلمْنا أنّه قد عزمَ رأْيَه على المسيرِ، فقلنا له : خارَ اللّهُ لكَ ، فقالَ : «رحمَكُما اللّهُ».
فقالَ له أصحابُه : إِنّكَ واللّهِ ما أَنتَ مثل مسلمِ ابن عقيل ، ولو قدمتَ الكوفةَ لكانَ النّاسُ إِليكَ أسرعَ.
فسكتَ ثمّ انتظرَ حتّى إِذا كانَ السّحرُ قالَ لفتيانِه وغلمانِه : «اكْثِرُوا منَ الماءِ» فاسْتَقَوْا وأكْثَرُوا ثمّ ارتحلوا، فسارَ حتّى انتهى إِلى زُبالةَ فأَتاه خبرُ عبدِاللّهِ بنِ يَقْطُرَ ، فأخرجَ إِلى النّاسِ كتاباً فقرأه عليهم : «بسم اللّهِ الرّحمنِ الرّحميمِ أمّا بعدُ: فإِنّه قد أتانا خبرٌ فظيعٌ قَتْلُ مسلمِ بنِ عقيلٍ ، وهانيِ بنِ عُروةَ، وعبدِاللّهِ بنِ يَقْطُرَ، وقد خَذَلَنا شيعتُنا، فمن أحبَّ منكم الانصرافَ فلينصرفْ غيرَحَرِجٍ ، ليسَ عليه ذمامُ» فتفرّقَ النّاسُ عنه وأخذوا يميناً وشمالاً، حتّى بقيَ في أصحابِه الّذينَ جاؤوا معَه منَ المدينةِ ، ونفرٍ يسيرٍ ممّنِ انضَوَوْا إِليه.
ِوانّما فعلَ ذلكَ لأنّه عليه السلام علمَ أنّ الأعرابَ الّذينَ اتّبعوه إِنّما اتّبعوه وهم يظنُّون أنّه يأتي بلداً قدِ استقامتْ له طاعةُ أهلهِ ، فكرهَ أن يسيروا معَه إلاّ وهم يعلمونَ على ما يقدمونَ.
فلمّا كانَ السّحرُ أمرَ أصحابَه فاستقَوْا ماءً وأكثروا، ثمّ سارَ حتّى مرَّ ببطنِ العَقَبةِ (فنزلَ عليها)، فلقيَه شيخٌ من بني عِكْرِمةَ يقالُ له عمرُو بن لوذانَ ، فسألهَ : أينَ تريدُ؟ فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : «الكوفةَ» فقال الشّيخُ : أنشدُك اللّهَ لمّا انصرفتَ ، فواللهِّ ما تقدمُ إلاٌ على الأسنّةِ وحدِّ السُّيوفِ ، وِانّ هؤلاءِ الّذينَ بعثوا إِليكَ لو كانوا كَفَوْكَ مؤونةَ القتالِ ووطّؤوا لكَ الأَشياءَ فقدمتَ عليهم كانَ ذلكَ رأْياً، فأمّا على هذه الحالِ الّتي تَذْكُرُ فإنّي لا أرى لكَ أن تفعلَ.
فقالَ له : «يا عبدَاللّهِ ، ليس يخفى عليَّ الرأْيُ ، ولكنَّ اللّهَ تعالى لا يُغلَبُ على أمرِه ، ثمّ قالَ عليهِ السّلامُ : واللّهِ لا يَدَعُوني حتّى يستخرجوا هذه العلقةَ من جوفي ، فإِذا فعلوا سلّطَ اللهُّ عليهم من يُذلُّهم حتّى يكونوا أذلَّ فِرَقِ الأممَ». ثمّ سارَعليهِ السّلام من بطنِ العَقَبةِ حتّى نزلَ شَراف ، فلمّا كانَ في السّحرِ أمرَ فتيانَه فاسْتَقَوْا منَ الماءِ فأكْثَروا، ثمّ سارَ منها حتّى انتصفَ النّهارُ، فبينا هو يسيرُ إِذ كبّرَ رجلٌ من أصحابه فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : «اللهُّ أكبرُ، لِمَ كَبَّرت ؟» قالَ : رأيت النّخلَ ، فقالَ له جماعةٌ من أصحابه : واللهِّ إِنّ هذا المكانَ ما رأينا به نخلةً قطّ ، فقالَ الحسينُ عليهِ السَّلامُ : «فما تَرَوْنَه ؟» قالوا : نراه واللّهِ آذانَ الخيلِ ، قالَ : «أنا واللهِ أرى ذلكَ» ثمّ قالَ عليهِ السلامُ : «ما لنا ملجأُ نلجأ إِليه فنجعله في ظهورِنا، ونستقبل القومَ بوجهٍ واحدٍ ؟» فقلنا: بلى ، هذا ذو حُسمى إِلى جنبِكَ ، تميلُ إِليه عن يسارِكَ ، فإِن سبقتَ إِليه فهوكما تُريدُ.
فأخذَ إِليه ذاتَ اليسارِ ومِلْنا معَه ، فما كانَ بأسرعَ من أن طلعتْ علينا (هوادي الخيل) فتبيّنّاها وعدلْنا ، فلمّا رأوْنا عدلْنا عن الطريقِ عدلوا إِلينا كأنّ أسنّتَهم اليعاسيبُ ، وكأنّ راياتِهم أجنحةُ الطّيرِ، فاستبقْنا إِلى ذي حسمى فسبقْناهم إِليه ، وأمرَ الحسينُ عليهِ السّلامُ بابنيتهِ فضربَتْ.
وجاءَ القومُ زُهاءَ ألفِ فارسٍ معَ الحُرِّبن يزيدَ التّميميّ حتّى وقفَ هو وخيلُه مُقابلَ الحسينِ عليهِ السّلامُ في حَرًّ الظّهيرةِ، والحسينُ وأصحابُه معتمُّونَ متقلِّدوأسيافِهم ، فقالَ الحسينُ عليهِ السّلامُ لفتيانِه : «اسقوا القومَ وأرْوُوْهُم منَ الماءِ ، ورَشِّفُوا الخيلَ ترشيفاً» ففعلوا وأقبلوا يملؤون القِصاعَ والطّساسَ منَ الماء ثمّ يُدنونَها منَ الفَرَسِ ، فإِذا عبَّ فيها ثلاثاً أوأربعاً أَو خمساً عُزِلَتْ عنه وسَقَوا آخرَ، حتّى سَقَوْها كلَّها. فقالَ عليُّ بنُ الطعَّانِ المُحاربي : كنتُ معَ الحُرِّ يومئذٍ فجئتُ في اخرِ من جاءَ من أصحابِه ، فلمّا رأى الحسينُ عليهِ السّلامُ ما بي وبفرسي منَ العطشِ قالَ : «أنَخِ الراويةَ» والراويةُ عندي إلسِّقاءُ، ثمّ قالَ : «يا ابنَ أخي أنِخِ الجملَ» فأنَخْتُه فقالَ : «اشربْ» فجعلتُ كلَّما شربتُ سالَ الماءُ منَ السِّقاءِ، فقالَ الحسين عليه السّلامُ : «اخنِثِ السِّقاءَ» أي اعطفْه ، فلم أدْرِ كيفَ أفعل ، فقامَ فخنثَه فشربتُ وسقيتُ فرسي.
وكانَ مجيءُ الحُرِّ بن يزيدَ منَ القادسيّةِ، وكَانَ عُبيدُاللّه بن زيادٍ بعثَ الحُصينَ بنَ نمُيرٍ وأًمرَه أن ينزلَ القادسيّة، وتقدّمَ الحُرُّ بينَ يديه في ألفِ فارسٍ يستقبلُ بهم حسيناً، فلم يَزَلِ الحُرًّ مُواقِفاً للحسينِ عليهِ السّلامُ حتّى حضرتْ صلاةُ الظُّهرِ، وأمرَ الحسينُ الحجّاجَ بنَ مسرورٍ أن يُؤَذِّنَ، فلمّا حضرتِ الأقامةُ خرجَ الحسينُ عليهِ السّلامُ في إِزارٍ ورداءٍ ونعلينِ ، فحمدَ اللّهَ وأثنى عليه ثمّ قالَ : «أيًّها النّاسُ ، إِنِّي لم آتِكم حتّى أتَتْني كتبُكم وقدمتْ عليَ رسلُكم : أنِ اقدمْ علينا فإِنّه ليس لنا إِمام ، لعلَّ اللهَّ أن يجمعَنا بكَ على الهدى والحقِّ ؛ فإِن كنتم على ذلكَ فقد جئتُكم فاعطوني ما أطمئنًّ إِليه من عهودِكم ومواثيقِكم ، وِان لم تفعلوا وكنتم لمَقدمي كارهينَ انصرفتُ عنكم إِلى المكانِ الّذي جئتُ منه إِليكم» فسكتوا عنه ولم يتكلّم أحدٌ منهم بكلمةٍ. فقالَ للمؤذِّنِ : «أقِمْ» فأقامَ الصّلاةَ فقالَ للحُرِّ: «أتُريدُ أن تُصليَ بأصحابكَ ؟» قالَ : لا، بل تُصلِّي أنتَ ونُصلِّي بصلاتِكَ.
فصلّى بهم الحسينَُ بن عليٍّ عليهما السّلامُ ثمّ دخلَ فاجتمعِ إِليه أصحابُه وانصرفَ الحُرُّ إِلى مكانِه الّذي كانَ فيه ، فدخلَ خيمةَ قد ضُرِبَتْ له واجتمعَ إِليه جماعةٌ من أصحابِه ، وعادَ الباقونَ إِلى صفِّهم الّذي كانوا فيه فأعادوه ، ثمّ أخذَ كلُّ رجلٍ منهم بعنانِ دابّتهِ وجلسَ في ظلِّه.
فلمّا كانَ وقتُ العصرِ أمرَ الحسينُ بنُ عليِّ عليهِ السّلامُ أن يتهيّؤوا للرّحيلِ ففعلوا ، ثمّ أمرَ مناديَه فنادى بالعصرِ وَأقامَ ، فاستقامَ الحسينُ عليه السّلام فصلّى بالقومِ ثمّ سلّمَ وانصرفَ إِليهم بوجهه ، فحمدَ اللّهَ وأَثنى عليه ثمّ قالَ : «أمّا بعدُ : أيُّها النّاس فإِنّكم إِن تتّقوا اللّهَ وتعرفوا الحقَّ لأهلهِ يكنْ أرضى للهِ عنكم ، ونحن أهلُ بيتِ محمّدٍ ، وأولى بولايةِ هذا الأمرِعليكم من هؤلاءِ المدَعينَ ما ليسَ لهم ، والسّائرينَ فيكم بالجورِ والعدوانِ ؟ واِن أبيتم إلاٌ كراهيةً لنا والجهلَ بحقِّنا، فكانَ رأْيُكم الان غيرَ ما أتتني به كتبُكم وقَدِمَتْ به عليَّ رسلُكم ، انصرفتُ عنكم». فقالَ له الحُرُّ: أنا واللّهِ ما أدري ما هذه الكتب والرُّسل الّتي تَذْكرُ، فقالَ الحسينُ عليهِ السّلامُ لبعضِ أصحابِه : «يا عُقْبَةَ بنَ سِمْعانَ ، أخرِج الخُرْجَينِ اللَذينِ فيهما كتبُهم إِليَ» فأخرجَ خُرْجَينِ مملوءَينِ صحفاً فنُثرتْ بينَ يديه ، فقالَ له الحُرُ: إِنّا لسنا من هؤلاءِ الّذينَ كتبوا إِليكَ ، وقد أُمِرْنا إِذا نحن لقيناكَ ، ألاّ نفارِقَكَ حتّى نُقْدِمَكَ الكوفةَ على عُبيدِاللّهِ.
فقالَ له الحسينُ عليه السّلامُ : «الموتُ أدنى إِليكَ من ذلكَ» ثمّ قالَ لأصحابه : «قوموا فاركبوا» فركبوا وانتظرَ حتّى رَكِبَ نساؤهم ، فقالَ لأَصَحابه : «انصرفوا» فلمّا ذهبوا لينصرفوا حالَ القومُ بينَهم وبينَ الانصرافِ ،َ فقالَ الحسينُ عليهِ السّلامُ للحُرِّ: «ثكلتْكَ أُمُّك ، ما ترُيدُ؟» فقالَ له الحرًّ: أما لو غيرُك منَ العرب يقولهُا لي وهو على مثلِ الحالِ الّتي أنتَ عليها، ما تركتُ ذكرَأُمِّه بالثُّكَلِ كائناً من كانَ ، ولكنْ واللّهِ ما لي إِلى ذكرِ أُمِّكَ من سبيلٍ إلاّ بأحسنِ ما يقْدَرُ عليه ؟ فقالَ له الحسين عليه السّلامُ : «فما تُريدُ؟» قالَ : أُريدُ أن أنطلقَ بكَ إِلى الأميرعُبيدِاللهِّ بنِ زيادٍ ؛ قالَ : «إِذاً واللهِّ لا أتبعكَ» قالَ : إِذاً واللّهِ لا أدعكَ.
فترادَّا القول ثلاثَ مرّاتٍ.
فلمّا كثر الكلامُ بينهَما قالَ له الحُرُّ: إِنِّي لم اُؤمَرْ بقتالِكَ ، إِنّما أُمِرْتُ ألاّ أُفارِقَكَ حتّى أُقدمَكَ الكوفَة، فإِذ أبيتَ فخذْ طريقاً لا يُدخلُكَ الكوفةَ ولا يَردُّكَ إِلى المدينةِ، تكونَ بيني وبينَكَ نصفاً، حتّى أكتبَ إِلى الأميرِ وتكتَب الى يزيدَ أو إِلى عُبيدِاللّهِ فلعلّ اللهَّ إِلى ذلكَ أن يأْتيَ بأمرٍ يرزقُني فيه العافيةَ من أَن أُبتلى بشئ من امرك ، فخذ هاهنا ، فتياسر عن طريق العذيب والقادسية، وسار الحسين عليه السلام وسار الحر في أصحابه يسايره وهو يقول له : يا حسين اني اذكرك الله في نفسك ، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن ، فقال له الحسين عليه السلام : ( أفبالموت تخوفني ؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ؟ وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمه ، وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله فخوفه ابن عمه وقال :أين تذهب ؟ فانك مقتول ؛ فقال :
سأمضي فما بالموت عار على الفتى إذا مــا نوى حـقـا وجــاهد مسلما
وآسى الرجــال الصـــالحين بنـفــسه وفارق مثبورا وباعد مجرما
فإن عشـت لــم انـدم وان مت لم ألم كفى بك ذلا ان تعيش وترغما »
فلما سمع ذلك الحر تنحى عنه ، فكان يسير بأصحابه ناحية ، والحسين عليه السلام في ناحية أخرى ، حتى انتهوا الى عذيب الهجانات ثم مضى الحسين عليه السلام حتى انتهى الى قصر بني مقاتل فنزل به ، فاذا هو بفسطاط مضروب فقال : ( لمن هذا ؟) فقيل : لعبيد الله بن الحر الجعفي ، فقال :( ادعوه الي) فلما أتاه الرسول قال له : هذا الحسين بن علي يدعوك ، فقال عبيد الله : انا لله وانا اليه راجعون ، والله ماخرجت من الكوفة الا كراهية أن يدخلها الحسين وانا بها ، والله ما اريد ان اراه ولا يراني ؛ فأتاه الرسول فأخبره فقام الحسين عليه السّلامُ فجاءَ حتّى دخلَ عليه فسلّمَ وجلسَ ، ثمّ دعاه إِلى الخروج معَه ، فأعادَ عليه عُبيدُ اللهِّ بن الحرِّ تلكَ المقالةَ واستقاله ممّا دعاه إِليه ، فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : « فإِن لم تنصرْنا فاتّقِ اللّهَ أن تكونَ ممّن يُقاتلُنا؛ واللّهِ لا يسمعُ واعيتَناأحدٌ ثمّ لا ينصرُنا إلاّ هلكَ » فقالَ : أمّا هذا فلا يكونُ أبداً إِن شاءَ اللّهُ ؛ ثمّ قامَ الحسينُ عليهِ السّلامُ من عندِه حتّى دخلَ رحله.
ولمّا كانَ في اخرِ ألليلِ أمرَ فتيانَه بالاستقاءِ منَ الماءِ، ثمّ أمرَ بالرّحيلِ ، فارتحلَ من قصرِ بني مُقاتلٍ ، فقالَ عُقبةُ بنُ سمعانَ : سِرْنا معَه ساعةً فخفقَ وهوعلى ظهرِفرسِه خفقةً ثمّ انتبهَ ، وهو يقولُ : «إِنّا للّهِ وإنّا إِليه راجعونَ ، والحمدُ للّهِ ربِّ العالمينَ » ففعلَ ذلكَ مرّتينِ أو ثلاثاً، فأقبلَ إِليه ابنُه علي بنُ الحسينِ عليهما السّلامُ على فرسٍ فقالَ : ممَّ حمدتَ الله واسترجعتَ ؟ فقاَل : «يا بُنَيَّ ، إِنِّي خفقتُ خَفقةً فعَنَّ لي فارسٌ علىَ فرسٍ وهو يقولُ : القومُ يسيرونَ ، والمنايا تسيرُ إِليهمِ ، فعلمتُ أَنّها أَنفسُنا نُعِيَتْ إِلينا» فقالَ له : يا أبَتِ لا أراكَ اللهُّ سوءاً، ألسنا على الحقِّ ؟ قالَ : «بلى، والّذي إِليه مرجعُ العبادِ » قال : فإِنّنا إِذاً لا نبالي أَن نموتَ مُحِقِّينَ ؛ فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : «جزاكَ اللّه من ولدٍ خيرَ ما جزى وَلداً عن والدِه ».
يزالوا يتياسرونَ كذاك حتّى انتهَوا إِلى نينَوى - المكانِ الّذي نزلَ به الحسينُ عليهِ السّلامُ - فإِذا راكبٌ على نجيبِ له عليه السِّلاحُ متنكِّبٌ قوساً مقبلٌ منَ الكوفةِ، فوَقَفُوا جميعاً ينتظَرونَه فلمّا انتهى إِليهم سلّمَ على الحرِّ وأصحابِه ولم يسلِّمْ على الحسينِ وأصحابِه ، ودفعَ إِلى الحرِّ كتاباً من عُبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ فإِذا فيه : أمّا بعدُ فَجَعْجِعْ بالحسينِ حينَ يَبلُغُكَ كتابي ويقدمُ عليكَ رسولي ، ولا تُنْزِلْه إِلاّ بالعراءِ في غيرِ حصنٍ وعلى غيرِماءٍ ، فقد أمرتُ رسولي أن يَلزَمَك ولا يفُارِقَكَ حتّى يأْتيني بإِنفاذِكَ أمري ، والسّلامُ.
فلمّا قرأ الكتابَ قالَ لهم الحرُ: هذا كتابُ الأَميرِ عُبيدِاللهِّ يأْمرُني أَن أُجَعْجِعَ بكم في المكانِ الّذي يأْتي كتابُه ، وهذا رسولُه وقد أمرَه أَلاّ يفارقَني حتّى أُنَفّذَ أَمْرَه.
فنظرَ يزيد بنُ المهاجرِ الكنانيّ - وكانَ معَ الحسينِ عليهِ السّلامُ - إلى رسولِ ابن زيادٍ فعرفَه فقالَ له يزيدُ : ثَكلَتْكَ أُمُّكَ ، ماذا جئتَ فيه ؟ قالَ : أَطعتُ إِمامي ووفيتُ ببيعتي ، فقالَ له ابنُ المهاجرِ: بل عصيتَ ربَّكَ وأطعتَ إِمامَكَ في هلاكِ نفسِكَ وكسبتَ العارَ والنّارَ، وبئسَ الإمامُ إِمامكَ ، قالَ اللّهُ عزَّ من قائلٍ ( وَجَعَلنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُوْنَ إِلىَ النًارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنْصرُوْنَ ) فإِمامُكَ منهم.
وأخذَهم الحرُّ بالنُّزولِ في ذلكَ المكانِ على غيرماءٍ ولا قريةٍ ، فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : « دَعْنا- ويحك - ننزل في هذه القريةِ أوهذه - يعني نينَوَى والغاضِريّةَ - أو هذه - يعني شِفْنَةَ - » قالَ : لا واللّهِ ما أستطيعُ ذلكَ ، هذا رجل قد بُعِثَ اليّ عيناً عليّ، فقالَ له زُهَيرُ بنُ القَيْنِ : إِنِّي واللّهِ ما أراه يكونُ بعدَ هذا الّذي تَرَوْنَ إِلا أَشدَّ ممّا تَرَوْنَ ، يا ابنَ رسولِ اللّهِ ، إِنّ قتالَ هؤلاءِ السّاعةَ أهونُ علينا من قتالِ من يأْتينا بعدَهم ، فلعَمْري لَيَاْتيَنا بعدَهم ما لا قِبلَ لنا به ، فقالَ الحسين عليهِ السّلامُ : «ما كنتُ لأَبدأهم بالقتالِ » ثمّ نزل ؛ وذلكَ يومَ الخميسِ وهو اليوم الثّاني منَ المحرّمِ سنةَ إِحدى وستَينَ.
فلمّا كانَ منَ الغدِ قدمَ عليهم عُمَرُبنُ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ منَ الكوفةِ في أربعةِ آلافِ فارسٍ ، فنزلَ بنينوى وبعثَ إِلى الحسينِ عليهِ السّلامُ (عُروةَ بنَ قَيْسٍ ) الأحمسيّ فقالَ له : ائتِهِ فسَلْه ما الّذي جاءَ بكَ ؟ وماذا تريدُ؟ وكانَ عُروةُ ممّن كتبَ إلى الحسينِ عليهِ السّلامُ فاستحيا منه أن ياْتيَه ، فعرضَ ذلكَ على الرؤَساءِ الّذينَ كاتبوه ، فكلّهم أبى ذلكَ وكرِهَه ، فقامَ إِليه كَثيرُبنُ عبدِاللهِّ الشَّعْبِيّ وكانَ فارساً شُجاعاً لا يَرُدُّ وجهَه لشيءٌ فقالَ : أنا أذهبُ إِليه ، وواللّهِ لئن شئتَ لأفْتكنَّ به ؛ فقالَ له عُمَرُ: ما أُريدُ أن تَفتكَ به ، ولكنِ ائتِه فسَلْه ما الّذي جاءَ بك ؟ فاقبلَ كثيرٌ إِليه ، فلمّا رآه أبو ثمامةَ الصّائديُّ قالَ للحسينِ عليهِ السّلامُ : أصلَحَكَ اللهّ يا أَبا عبدِاللهِّ ، قد جاءَكَ شرُّ أهلِ الأرضِ ، وأجرؤهم على دم ، وأفتكُهم.
وقامَ إِليه فقالَ له : ضَعْ سيفَكَ ، قالَ : لا ولا كرامة، إِنّما أنا رسولٌ ، فإِن سمعتم منِّي بلّغتُكم ما أرْسِلْتُ به إِليكم ، وان أبَيتم انصرفتُ عنكم ، قالَ : فإِنِّي آخذُ بقائِمِ سيفِكَ ، ثمّ تكلّم بحاجتِكَ ، قالَ : لا واللهِّ لا تمسَّه ، فقالَ له : أخبرْني بما جئتَ به وأَنا أُبلِّغهُ عنكَ ، ولا أدعُكَ تدنو منه فإِنّكَ فاجرٌ ؛ فاستَبّا وانصرفَ إِلى عمر بن سعدٍ فأخبرَه الخبرَ. فدعا عمرُقُرّةَ بنَ قيسٍ الحنظليّ فقالَ له : ويحَكَ يا قُرّةُ، القَ حسيناً فسَلْه ما جاءَ به وماذا يريد ؟ فأتاه قُرّةُ فلمّا رآه الحسينُ مقبلاً قالَ : «أتعرفونَ هذا؟» فقالَ له حبيبُ بنُ مُظاهِرِ: نعم ، هذا رجلٌ من حنظلةِ تميم ، وهو ابنُ أُختِنا، وقد كنتُ أعرَفه بحسنِ الرٌأي ، وما كنتُ أراه يشهَدُ هذا المشهدَ. فجاءَ حتّى سلَّمَ على الحسينِ عليهِ السّلامُ وأبلغَه رسالةَ عمرِ بنِ سعدٍ إِليه ، فقالَ له الحسينُ : «كَتبَ إِليَّ أهلُ مِصْرِكم هذا أن اقدم ، فأمّا إِذ كرهتموني فأنا أنصرفُ عنكم » ثمّ قالَ حبيبُ بنُ مُظاهِر: ويحَكَ يا قُرّةً أينَ ترجعُ ؟! إلى القوم الظّالمينَ ؟! انْصُرْ هذا الرّجلَ الّذي بآبائه أيّدَكَ اللّهُ بالكرامةِ ، فقالَ له قُرّةُ : أَرجعُ إِلى صاحبي بجواب رسالتِه ، وأرى رأيي.
قالَ : فانصرفَ إِلى عمر بن سعدٍ فأَخبرَه الخبرَ؛ فَقالَ عمرُ: أرجوأن يعافيَني اللهُ من حربه وقتالِه ؛ وكتبَ إِلى عُبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ : بسم اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمَ ، أمّا بعدُ : فإِنِّي حينَ نزلتُ بالحسينِ بعثتُ إِليه رسلي ، فسألتُه عمّا اقْدَمَه ، وماذا يطلبُ ؟ فقالَ : كتبَ إِليَّ أَهْلُ هذه البلادِ، واتتْني رُسُلُهم يسألونَني القدومَ ففعلتُ ، فأمّا إِذ كرهوني وبدا لهم غيرُما أتَتْني به رُسُلُهم ، فأَنا منصرفٌ عنهم.
قالَ حسّانُ بنُ قائدٍ العَبْسيّ : وكنتُ عندَ عُبيدِاللهِّ حينَ أَتاه هذا الكتابُ ، فلمّا قرأه قالَ :
ألآنَ إِذْ عَلِقَتْ مَخَالبنَا بِهِ يَرْجُو النَّجَاةَ وَلاَتَ حِيْنَ مَنَاصِ
وكتبَ إِلى عمربن سعدٍ : أمّا بعدُ: فقد بلغَني كتابُكَ وفهمتُ ما ذكرتَ ، فاعرِضْ على الحسينِ أَن يُبايعَ ليزيدَ هو وجميعُ أصحابه ، فإِذا فعلَ هو ذلكَ رأينا رأيَنا ، والسّلامُ.
فلمّا وردَ الجوابُ على عمر بن سعدٍ قالَ : قد خشيتُ ألاّ يَقبلَ ابنُ زيادٍ العافيةَ.
ووردَ كتابُ ابنِ زيادٍ في الأثرِ إلى عمر بن سعدٍ : أن حُلْ بينَ الحسينِ وأصحابه وبينَ الماءِ فلا يَذوقوا منه قطرةً، كما صُنعَ بالتّقيِّ الزّكيِّ عُثمان بن عفَّان.
فبعثَ عمرُبنُ سعدٍ في الوقتِ عَمْرَو بنَ الحجّاجِ في خمسمائةِ فارس ، فنزلوا على الشّريعةِ وحالوا بينَ الحسينِ وأصحابه وبينَ الماءِ أن يَستَقُوا منه قطرةً، وذلكَ قبلَ قتل الحسين بثلاثةِ أيّامٍ ، ونادى عبدُاللّه بن الحُصين الأزديّ - وكانَ عِدادُه في بَجيلةً - بأعلى صوته: يا حسينُ ، ألا تنظرُإِلى الماءِ كأنّه كَبدُ السّماءِ، واللّهِ لا تَذُوقونَ منه قطرةً واحدةً حتّى تموتوا عطشاً؛ فقالَ الحسينُ عليه السّلامُ : «اللّهمَّ اقْتًلْهُ عَطَشاً ولا تَغْفِرْله أبداً». قالَ حميدُ بنُ مسلمٍ : واللّهِ لَعُدْتُه بعدَ ذلكَ في مرضِه ، فواللّهِ الّذي لا إِلهَ غيرُه ، لقد رأيتُه يَشرَبُ الماءَ حتّى يَبغَرَ ثمّ يقيئه ،ويصيحُ : العطشَ العطش ، ثمّ يعودُ فيشرَبُ الماءَ حتّى يَبْغَرَثم يقيئه ويتلَظّى عَطَشاً، فما زالَ ذلكَ دأبه حتّى (لَفَظَ نفسَه). ولمّا رأى الحسينُ نزولَ العساكرِ مع عمرِ بن سعدٍ بنينوى ومدَدَهم لقتالِه أنفذَ إِلى عمر بن سعدٍ : «انِّي أُريدُ أن ألقاكَ » فاجتمعا ليلاً فتناجيا طويلاً، ثمّ رجعَ عمرُ بنُ سعدٍ إِلى مكانِه وكتبَ إِلى عُبيَدِاللهِّ بن زيادٍ : أمّا بعدُ: فإِنّ اللّهَ قد أطْفأ النّائرةَ وجَمَعَ الكلمةَ وأَصَلحَ أَمرَ الأمّةِ، هذا حسينٌ قد أَعطاني أن يرجِعَ إِلى المكانِ الّذي أتى منه أو أن يسيرَ إِلى ثَغرٍ منَ الثُّغورِ فَيكونَ رجلاًَ منَ المسلمينَ ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، أو أَن يأَتيَ أميرَ المؤمنينَ يزيدَ فيضعَ يدَه في يدِه ، فيرى فيما بينَه وبينَه رأيَه ، وفي هذا[لكم] رضىً وللأمّةِ صلاحٌ.
فلمّا قرأ عُبيدُاللّهِ الكتابَ قالَ : هذا كتابُ ناصحٍ مشفق على قومِه.
فقامَ إِليه شِمْرُ بنُ ذي الجَوْشنِ فقالَ : أتَقبلُ هذا منه وقد نزلَ بأرًضِكَ والى جنبكَ ؟ واللّهِ لئن رحلَ من بلادِكَ ولم يَضَعْ يدَه في يدِكَ ، لَيكونَنَّ أولى بالقَوّةِ ولتكونَنَّ أولى بالضَّعفِ والعجز، فلا تُعْطِه هذه المنزلةَ فإِنّها منَ الوَهْنِ ، ولكن لِينَزِلْ على حُكمِكَ هو وأصحابُه ، فان عاقبْتَ فأنت (أَولى بالعقوبةِ) وإن عفَوْتَ كانَ ذلكَ لك.
قالَ له ابنُ زيادٍ : نِعْمَ ما رأيتَ ، الرأيُ رأيُك ، اخْرجُ، بهذا الكتاب إِلى عُمَر بن سعدٍ فلْيَعْرِضْ على الحسينِ وأصحابه النًّزولَ على حُكْمِي ، فإِن فَعَلوا فليَبْعَثْ بهم إِليّ سِلماً، وأن هم أًبَوْا فليقاتلْهم ، فإِن فَعَلَ فاسمعْ له وأطِعْ ، واِن أبى أن يقاتِلَهم فأنتً أَميرُ الجيشِ ، واضرِبْ عُنقَه وابعثْ إِليَّ برأسِه.
وكتبَ إِلى عمر بن سعدٍ :انِّي لم أبعثْكَ إِلى الحسينِ لتكفَّ عنه ولا لتُطاوِلَه ولا لتمنّيَه السّلامةَ والبقاءَ ولا لتَعتَذِرَ له ولا لتكونَ له عندي شافعاً، انظرْ فإِن نزلَ حسينٌ وأصحابُه على حكمي واستسلموا فابعثْ بهم إِليَّ سِلْماً، وِان أبوْا فازحَفْ إِليهم حتّى تقتُلَهم وتُمثِّلَ بهم ، فإِنّهم لذلكَ مستحقُّونَ ، وِان قُتِلَ الحسينُ فأوْطئ الخيلَ صدرَه وظهرَه ، فإِنّه عاتٍ ظلومٌ ، وليس أَرى أنّ هذا يَضُرُّ بعدَ الموتِ شيئاً، ولكنْ عليّ قولٌ قد قلتُه : لوقتلتُه لفعلتُ هذا به ، فإِن أنتَ مضيتَ لأَمرِنا فيه جزَيْناكَ جزاءَ السّامعِ المطيعِ ، وإن أبيتَ فاعتزلْ عَمَلَنا وجُنْدَنا، وخلِّ بينَ شمرِ بنِ ذي الجوشنِ وبينَ العسكرِ فإِنّا قد أمرناه بأمرنا، والسّلام.
فأقبلَ شمرٌ بكتاب عًبيدِاللّهِ إِلى عمربن سعدٍ ، فلمّا قدمَ عليه وقرأَه قالَ له عمرُ: ما لَكَ ويْلَكَ ؟! لا قَرَّبَ اللّهُ دارَكَ ، قَبَّح اللهُ ما قَدِمْتَ به عليّ ، واللّهِ إِنِّي لاظنُّكَ أنّكَ نهيتَه أن يَقْبَلَ ما كتبتُ به إِليه ، وأفسدتَ علينا أمْرنَا، قد كنّا رَجَوْنا أن يصلحَ ، لا يستسلمُ واللّهِ حسينٌ ، إِنَّ نفسَ أبيه لبَيْنَ جنبَيْه.
فقالَ له شمرٌ : أخبِرني ما أَنتَ صانعٌ ، أتمضِي لأَمرِ أميرِكَ وتقاتلُ عدوٌه ؟ ِوألاّ فخلِّ بيني وبينَ الجندِ والعسكر؛ قالَ : لا، لا واللّهِ ولاكَرامةَ لكَ ، ولكنْ أنا أتولىّ ذلكَ ، فدونَكَ فكُنْ أنتَ على الرَّجّالةِ. ونهضَ عمرُبنُ سعدٍ إِلى الحسينِ عشيّةَ الخميسِ لتسعٍ مضَيْنَ منَ المحرّمِ.
وجاءَ شِمرٌ حتّى وقفَ على أصحاب الحسينِ عليهِ السّلامُ فقالَ : أينَ بَنُو أُختِنا؟ فخرجَ إِليه العبّاسُ وجَعْفَرٌ وعثمانُ بنوعليِّ بنِ أبي طالب عليه وعليهم السّلامُ فقالوا : ماتريدً؟ فقلَ : أنتم يابني أُختي امِنونَ ؛ فقالتْ له الفِتْيةُ : لَعَنَكَ اللهّ ولَعَنَ أمانَكَ ، أتؤمِنُنَا وابنُ رسولِ اللّهِ لا أمانَ له ؟ ! ثمّ نادى عمرُ بنُ سعدٍ : يا خيلَ اللّهِ اركبي وأبشري ، فركِبَ النّاس ثمّ زحفَ نحوَهمِ بعد العصرِ، وحسينٌ عليهِ السّلامُ جالسٌ أمامَ بيتِه مُحتب بسيفِه ، إِذ خفقَ برأسِه على ركبتَيْه ، وسمعَتْ أُختُه الصّيحةَ فدنَتْ من أَخيها فقالت : يا أخي أما تسمعُ الأصواتَ قدِ اقتربتْ ؟ فرفعَ الحسينُ عليهِ السّلامُ رأسَه فقالَ : «إِنِّي رأيتُ رسولَ اللّهِ صلّى اللهُّ عليهِ والهِ السّاعةَ في المنام فقالَ لي : إِنّكَ تَرُوحً إِلينا» فلطمتْ أُختُه وجهَها ونادتْ بالويلِ ، فقَالَ لها : «ليسَ لكِ الويلُ يا أُخيَّةُ، اسكتي رحمَكِ اللّهُ » وقالَ له العبّاسُ بنُ عليٍّ رحمةُ اللّهِ عليه : يا أخي أتاكَ القومُ ، فنهضَ ثمّ قالَ : «يا عبّاسُ ، اركَبْ - بنفسي أنتَ يا أخي - حتّى تَلْقاهم وتقولَ لهم : ما لكم وما بَدا لكم ؟ وتسألَهم عمّا جاءَ بهم ». فأتاهم العبّاسُ في نحوٍ من عشرينَ فارساً، منهم زُهَيرُ بن القَيْنِ وحبيبُ بنُ مظاهِرٍ ، فقالَ لهم العبّاسُ : ما بدا لكم وما تريدونَ ؟ قالوا: جاءَ أًمرُ الأميرِأَن نَعْرضَ عليكم أن تنزلوا على حكمِه أَو نناجِزَكم ؛ قالَ : فلا تعجلوا حتّىَ أَرجعَ إِلى أبي عبدِاللهِّ فأعرِضَ عليه ما ذكرتم ، فوقفوا وقالوا: الْقَه فأعْلِمْه ، ثمّ الْقَنا بما يقولُ لكَ. فانصرفَ العباسُ راجعاً يركضُ إِلى الحسينِ عليهِ السّلامُ يخبرُه الخبرَ، ووقفَ أَصحابُه يخاطِبونَ القومَ ويَعِظُونَهم ويكفّونَهم عن قتاَلِ الحسينِ.
فجاءَ العبّاسُ إِلى الحسينِ عليه السّلامُ فأخبرَه بما قالَ القومُ ، فقالَ : «ارجعْ إِليهم فإِنِ استطعتَ أَن تُؤَخِّرَهم إِلى الغُدْوَةِ وتَدْفَعَهم عنّا العشيّةَ، لعلّنا نصلِّي لربِّنا الليلةَ وندعوه ونستغفرُه ، فهو يَعلمُ أَنَي قد أُحبُّ الصّلاةَ له وتلاوةَ كتابِه والدُّعاءَ والاستغفارَ».
فمضى العبّاسُ إِلى القوم ورجعَ من عندِهم ومعَه رسولٌ من قبَل عمر بن سعدٍ يقول : إِنّا قد أجَّلناكم إِلى غدٍ ، فإِنِ استسلمتم سرَّحْناكم إلى أميرِنا عُبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ ، وإِن أَبيتم فلسنا تاركيكم ، وانصرفَ.
فجمعَ الحسين عليهِ السّلامُ أَصحابَه عندَ قربِ المساءِ. قالَ عليُّ بنُ الحسينِ زينُ العابدينَ عليهِ السّلامُ : «فدنوتُ منه لأَسْمَعَ ما يقولُ لهم ، وأَنا إِذ ذاك مريضٌ ، فسمعتُ أَبي يقولُ لأصحابِه : أُثني على اللهِّ أَحسنَ الثّناءِ ، وأَحمده على السّرّاءِ والضّرّاءِ ، اللّهمَّ إِنِّي أحْمَدُكَ على أن أكرمْتَنا بالنُّبُوّةِ وعَلّمتنَا القرآنَ وفَقَّهْتَنَا في الدِّينِ ، وجعلت لنا أسماعاً

يالثارات فاطمة
19-04-2006, 09:33 AM
قصة استشهاد الإمام الحسين عليه السلام

الجزء الثاني

وأَبصاراً وأَفئدةً ، فاجعلْنا منَ الشّاكرينَ.
أَمّا بعدُ : فإِنِّي لا أَعلمُ أَصحاباً أَوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أَهلَ بيتٍ أَبرَّ ولا أوصلَ من أَهلِ بيتي فجزاكم اللّهُ عنَي خيراً، أَلا وإِنَي لأَظنَّ أَنّه اخرُ يومٍ لنا من هؤلاءِ،أَلا وإِنّي قد أَذنت لكم فانطلِقوا جميعاً في حِلٍّ ليس عليكم منِّي ذِمامٌ ، هذا الليلُ قد غشِيَكم فاتّخِذوه جَمل.
فقالَ له إِخوتُه وابناؤه وبنوأخيه وابنا عبدِاللهِّ بنِ جعفرٍ : لِمَ نفعلُ ذلكَ ؟! لنبقى بعدَكَ ؟! لا أَرانا اللهُّ ذلكَ أبد.
بدأهم بهذا القولِ العبّاس بنُ عليٍّ رضوانُ اللهِّ عليه واتّبعتْه الجماعةُ عليه فتكلّموا بمثله ونحوِه.
فقالَ الحسينُ عليه السّلامُ : يا بني عقيلٍ ، حَسْبُكم منَ القتلِ بمسلم ، فاذهبوا أنتم فقد اذِنْتُ لكم.
قالوا : سبحانَ اللهِ ، فما يقولُ النّاسُ ؟ ! يقولونَ إِنّا تركْنا شيخَنا وسيِّدَنا وبني عمومتنا - خيرِ الأعمامِ - ولم نرْمِ معَهم بسهِمٍ ، ولم نطعنْ معَهم برُمحٍ ، ولم نضْرِبْ معَهم بسيفٍ ، ولا ندري ما صنعوا،لا واللّهِ ما نفعلُ ذلكَ ، ولكنْ (تَفْدِيكَ أنفسُنا وأموالنُا وأهلونا)، ونقاتل معَكَ حتّى نَرِدَ موردَكَ ، فقَبحَ الله العيشَ بعدَكَ.
وقامَ إِليه مسلمُ بنُ عَوْسَجةَ فقالَ : أنُخلِّي عنكَ ولمّا نُعذِرْإِلى اللهِ سبحانَه في أداءِ حقِّكَ ؟! أما واللهِّ حتّى أطعنَ في صُدورِهم برمحي ، وأضربَهم بسيفي ما ثبتَ قائمهُ في يدي ، ولو لم يكنْ معي سلاحٌ أُقاتلُهم به لقَذَفْتهم بالحجارةِ، واللهِّ لا نُخلِّيكَ حتّى يعلمَ اللهُ أنْ قد حَفِظْنا غيبةَ رسولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وآلهِ فيكَ ، واللّهِ لوعلمتُ أنِّي أُقْتَلُ ثمّ أحيا ثم أُحرقُ ثم أحيا ثم أُذَرَّى، يُفعَلُ ذلكَ بي سبعينَ مرة ما فارقتُكَ حتّى ألقى حِمامي دونَكَ ، فكيفَ لا أفعلُ ذلكَ ِوانّما هي قَتْلةٌ واحدةُ ثمّ هي الكَرامةُ الّتي لا انْقِضاءَ لها أبد.
وقامَ زُهَيرُ بنُ القَيْن البجليّ -رحمةُ اللهِّ عليهِ - فقالَ : واللهِ لوَددْتُ أنِّي قُتِلْتُ ثمّ نُشِرْتُ ثمّ قُتِلْت حتّى أًقتلَ هكذا ألفَ مرّةٍ ، وأَنّ الله تعالى يدفعُ بذلكَ القتلَ عن نفسِكَ ، وعن أنفُسِ هؤلاء الفِتْيانِ من أهل بيتِكَ.
وتكلّمَ جماعةُ أصحابه بكلام يُشبهُ بَعضُه بعضاً في وجهٍ واحدٍ ، فجزاهم الحسينُ عَليهِ السلامُ خيراً وَانصرفَ إلى مضِربه ».
قالَ عليُّ بنُ الحسينِ عليهما السّلامُ : «اِنيّ لَجالسٌ في تلكَ العشيّةِ الّتي قُتِلَ أبي في صبيحتِها، وعندي عمّتي زينبُ تمرضني ، إِذِ اعتزلَ أبي في خباءٍ له وعندَه جُويْنٌ مولى أبي ذرٍّ الغفار وهويُعالجُ سيفَه ويُصلِحُه وأبي يقولُ :
يَادَهـْرُ أُفٍّ لَــكَ مِــنْ خَلِيْلِ كَمْ لكَ بالإشراقِ وَالأصِــــــيْلِ
مـــِنْ صَاحِبٍ أوْ طَالِبِ قَتِيْلِ وَالــدَّهْرُلايَــقْنــَ عُ بـالـْبَدِيــْل
وانـَّمَا الأمْرُ إِلــى الــجَلِيْلِ وَكلُّ حــَيٍّ سَـــــالِكٌ سَبِيْلــِيْ
فأعادَها مرّتينِ أو ثلاثاً حتّى فهِمْتُها وعَرفْتُ ما أرادَ، فخنقَتْني العَبْرةُ فردَدْتُها ولزمتُ السُّكوتَ ، وعلمتُ أنّ البلاءَ قد نزلَ ، وأمّا عمّتي فإنهّا سَمِعَتْ ماسَمِعْتُ وهيَ امرأةٌ ومن شاْنِ النساءِ الرّقّةُ والجَرعُ ، فلم تَملِكْ نفسَها أنْ وَثَبَتْ تجرُّثوبَها ِوأنّها لَحاسرة، حتّى انتهتْ إِليه فقالتْ : واثكْلاه ! ليتَ الموتَ أعدمَني الحياةَ، اليومَ ماتْتْ أُمِّي فاطمةُ وأبي عليّ وأخي الحسنُ ، يا خليفةَ الماضِي وثِمالَ الباقي.
فنظرَ إِليها الحسينُ عليهِ السّلام فقالَ لها : يا أُخيَّةُ لا يذْهِبَنَ حلمَكِ الشّيطانُ ، وتَرَقْرَقَتْ عيناه بالدُموعِ وقالَ : لو تُرِكَ القَطَا لَنامَ ؛فقالتْ : يا ويلتاه ! أفتُغتصبُ نفسُكَ اغتصاباً؟! فذاكَ أقْرَحُ لِقَلبي وأشدَّ على نفسي.
ثم لطمتْ وجهَها وهَوَتْ إلى جيبِها فشقّتْه وخرتْ مغشيّاً عليها. فقامَ إِليها الحسينُ عليهِ السّلامُ فصبّ على وجهها الماءَ وقالَ لها: يا أُختاه ! اتّقي اللهَّ وتعَزَيْ بعزاءِ اللّهِ ، واعْلمي أنّ أهَلَ الأرضِ يموتونَ وأهلَ السّماءِ لا يَبْقَوْنَ ، وأنَّ كلَّ شيءٍ هالكٌ إلاّ وجهَ اللهِّ الّذي خلقَ ألخلقَ بقدرتهِ ، ويبعثُ الخلقَ ويعودونَ ، وهو فردٌ وحدَه ، أبي خيرٌ منِّي ، وأُمِّي خيرٌ منِّي ، وأخي خيرٌ منِّي ، ولي ولكلِّ مسلمٍ برسولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ والهِ أُسوةٌ.
فعزّاها بهذا ونحوِه وقالَ لها : يا أُخيّةُ إِنِّي أقسمتُ فأبِرِّي قَسَمي ، لا تَشُقِّي عليَّ جيبأً ، ولا تَخْمشي عليَّ وجهاً، ولا تَدْعِي عليٌ بالويلِ والثّبورِ إِذا أنا هلكتُ.
ثمّ جاءَ بها حتّى أجلسَها عنديّ. ثمّ خرجَ إِلى أصحابه فأمرَهم أَن يُقَرِّبَ بعضُهم بيوتَهم من بعضٍ ، وأن يُدخِلوا الأطنابَ بعضها في بعضٍ ، وأن يكونوا بينَ البيوتِ ، فيستقبلونَ القومَ من وجهٍ واحدٍ والبيوتُ من ورائهم وعن أيْمانِهم وعن شمائِلهم قد حَفّتْ بهم إلاّ الوجهَ الّذي يأْتيهم منه عدوُّهم.
ورجعَ عليهِ السّلامُ إِلى مكانِه فقامَ الليلَ كلَّه يُصلّي ويستغفرُ ويدعو ويتضرّعُ ، وقامَ أصحابُه كذلكَ يُصَلًّونَ ويدعونَ ويستغفرونَ » .
قالَ الضحّاكُ بنُ عبدِاللهِّ : ومرَّ بنا خيلٌ لابنِ سعدٍ يحرسُنا، وِانَّ حسيناً لَيقرأ : ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا أنَّمَا نُمْليْ لَهُمْ خَيْرٌ لانفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْليْ لَهُمْ لِيَزْدَادُوْا إِثْمَاً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِين مَا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِيْن عَلَى مَا أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيْزَ الْخَبِيْثَ مِنَ الطَّيِّب ) فسمعَها من تلكَ الخيلِ رجلٌ يُقالُ له عبداللهّ بن سُميرٍ ، وكانَ مَضحاكاً وكانَ شجاعاً بطلاًَ فارساً فاتكاً شريفاً فقالَ : نحن وربِّ الكعبةِ الطّيِّبونَ ، مُيِّزْنا منكم.
فقالَ له بَرِيرُ بنُ خُضيرٍ : يا فاسقُ أَنتَ يجعلُكَ اللهُّ منَ الطّيِّبينَ ؟! فقالَ له : من أنتَ ويلَكَ ؟ قال : أنا بَرِيرُ بنُ خُضَيْرِ، فتسابّا. وأصبحَ الحسيُن بنُ عليّ عليهما السّلامُ فعبّأَ أصحابَه بعدَ صلاةِ الغداةِ ، وكانَ معَه اثنان وثلاثونَ فارساً واربعونَ راجلاًَ، فجعلَ زُهيرَ بنَ القينِ في مَيْمَنةِ أصحابِه ، وحبيبَ بنَ مُظاهِرٍ في مَيْسَرةِ أصحابه ، وأعطى رايتَه العبّاسَ أخاه ، وجعلوا البيوتَ في ظهورِهم ، وأمرَ بحَطًبِ وقَصَبٍ كانَ من وراءِ البيوتِ أَن يُتركَ في خَنْدَقٍ كانَ قد حُفِرَ هناكَ وَأن يُحرَقَ بالنّارِ، مخافةَ أن يأتوهم من ورائهم.
وأصبحَ عمرُ بنُ سعدٍ في ذلكَ اليوم وهو يومُ الجمعةِ وقيلَ يومُ السّبتِ ، فعبّأ أصحابَه وخرجَ فيمن معَه منً النّاسِ نحوَ الحسينِ عليه السّلامُ وكانَ على مَيْمَنَتهِ عَمرُو بنُ الحجّاجِ ، وعلى مَيْسَرتَه شِمرُ بنُ ذي الجوشنِ ، وعلى الخيلِ عُروةُ بنُ قَيْسٍ ، وعلى الرّجّالةِ شَبَثُ بنُ رِبعيّ ، واعطى الرّايةَ دُرَيداً مولاه.
فروِيَ عن عَليِّ بنِ الحسينِ زينِ العابدينَ عليهِ السّلامُ أنّه قالَ : «لمّا صبّحتِ الخيلُ الحسينَ رَفَعَ يديه وقالَ : اللهَم أنتَ ثِقَتي في كلِّ كَرْبِ ، ورجائي في كلِّ شدّةٍ وأنتَ لي في كلِّ أمر نزلَ بي ثقةٌ وعُدَّة، كمَ مِنْ هَمٍّ يَضْعُفُ فيه الفؤادُ، وتَقِلُّ فيه الحيلةُ، ويخذُلُ فيه الصّديقُ ، ويَشمَتُ فيه العدوُّ، أنزلتُه بكَ وشكوتُه إِليكَ رغبةً منِّي إِليكَ عمَّن سواكَ ، ففرَّجْتَه وكشفْتَه ، وأنتَ وليُّ كلِّ نعمةٍ ، وصاحبُ كلِّ حسنةٍ ، ومُنتهَى كلِّ رغبةٍ». قالَ : وأقبلَ القومُ يَجولونَ حولَ بيوتِ الحسينِ عليه السّلامُ فيَروْنَ الخندقَ في ظهورِهم والنّار تَضْطَرِمُ في الحَطَب والقَصب الّذي كانَ أُلقِيَ فيه ، فنادى شمرُ بنُ ذي الجوشنِ عليه الَلعنةُ بأعلَى صوته: يا حسينُ أتعجّلتَ النّارَ قبلَ يوم القيامةِ؟ فقالَ الحسينُ عليهِ السّلامُ : «مَنْ هذا؟ كأنّه شمرُ بنُ ذي الجَوشنِ » فقالوا له : نعم ، فقالَ له : «يا ابنَ راعيةِ المِعْزَى، أنتَ أولى بها صلِيّاً».
ورَامَ مسلمُ بنُ عَوسَجَةَ أنِ يرميَه بسهمٍ فمنعَه الحسينُ من ذلكَ ، فقالَ له : دعْني حتّى أرميَه فإنّ الفاسقَ من عظماءِ الجبّارينَ ، وقد أمكنَ اللّهُ منه.
فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : «لا تَرْمِه ، فإِنِّي أكرهُ أن أبدأهم ».
ثمّ دعا الحسينُ براحلتهِ فركبَها ونادى بأَعلى صوته : «يا أهلَ ألعراقِ » - وجُلّهم يسمعونَ - فقالَ : «أَيًّها النّاسُ اسمعَوا قَوْلي ولا تَعجَلوا حتّى أَعِظَكم بما يَحقُّ لكم عليّ وحتّى أعْذِرَ إِليكم ، فإِن أعطيتموني النّصفَ كنتم بذلكَ أسعدَ ،وان لم تُعْطُوني النّصفَ من أنفسِكم فأجمعوا رأيَكم ثمّ لا يَكنْ أمرُكم عليكم غُمّةً ثمّ اقضوا إِليَّ ولا تنظِرونَ ، إِنَّ وَلِيٍّ اللّهُ الّذي نزّلَ الكتابَ وهو يتولّى الصّالحينَ ».
ثم حَمدَ اللّهَ وأثنى عليه وذَكَرَ اللهَّ بما هو أهلُه ، وصَلّى على النّبيِّ صلّى اللهُّ عليهِ والهِ وعلى ملائكةِ اللّهِ وأَنبيائه ، فلم يُسْمَعْ متكلِّمٌ قطُّ قبلَه ولا بعدَه أبلغ في منطقٍ منه ، ثمّ قالَ : «أمّا بعدُ : فانسبوني فانظروا مَن أنا، ثمّ ارجِعوا إِلى أنفسِكم وعاتِبوها، فانظروا هل يَصلُح لكم قتلي وانتهاكُ حرمتي ؟ ألست ابنَ بنتِ نبيِّكم ، وابنَ وصيِّه وابن عمِّه وأَوّل المؤمنينَ المصدِّقِ لرسولِ اللّهِ بما جاءَ به من عندِ ربِّه ، أَوَليسَ حمزةً سيدُ الشُهداءِ عمِّي ، أَوَليسَ جعفر الطّيّارُ في الجنّةِ بجناحَيْنِ عَمِّي ، أوَلم يَبْلُغْكم ما قالَ رسولُ اللهِ لي ولأخي : هذان سيِّدا شبابِ أهلِ الجنّةِ؟! فان صدَّقتموني بما أقولُ وهو الحقُّ ، واللّهِ ما تعمّدْتُ كذِباً منذُ عَلِمْتُ أنّ اللهَّ يمقُتُ عليه أهلَهُ ، وإِن كذّبتموني فإِنّ فيكم (مَنْ لو) سأَلتموه عن ذلكَ أخْبَركم ، سَلوُا جابرَ بنَ عبدِاللّهِ الأَنصاريّ وأبا سعيدٍ الخُدْريّ وسَهْلَ بن سعدٍ الساعديّ وزيدَ بنَ أرقَمَ وأنسَ بنَ مالكٍ ، يُخْبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالةَ من رسولِ اللهِّ صلى اللّهُ عليهِ وآلهِ لي ولأخي ، أمَا في هذا (حاجز لكم) عن سَفْكِ دمي ؟ ! ».
فقالَ له شمرُ بنُ ذي الجوشن : هو يَعْبدُ اللّهَ على حَرْفٍ إِن كانَ يدري (ما تقولُ ) فقالَ له حبيبُ بنُ مُظاهِرٍ : واللّهِ إِنِّي لأراكَ تَعْبُدُ اللّهَ على سبعينَ حرفاً، وأنا أشهدُ أنّكَ صادقٌ ما تدري ما يقول ، قد طبَعَ اللّهُ على قلبِكَ.
ثمّ قالَ لهم الحسينُ عليهِ السّلامُ : «فإِن كنتم في شكٍّ من هدْا ، أفتشكّونَ أَنِّي ابن بنتِ نبيِّكمْ ! فواللّهِ ما بينَ المشرقِ والمغرب ابن بنتِ نبيٍّ غيري فيكم ولا في غيرِكم ، ويحكم أتَطلبوني بقتيلِ منكم قَتلتُه ، أومالٍ لكم استهلكتُه ، أو بقِصاصِ جراحةٍ ؟!» فأخَذوا لا يُكلِّمونَه ، فنادى : «يا شَبَثَ بنَ ربْعيّ ، يا حَجّارَ بنَ أَبجرَ، يا قيسَ بنَ الأشْعَثِ ، يا يزيدَ بن الحارثِ ، ألم تكتبوا إِليّ أنْ قد أيْنَعَتِ الثِّمارُ واخضَرَّ الجَنابُ ، ِوانمّا تَقدمُ على جُندٍ لكَ مُجَنَّدٍ ؟!» فقالَ له قيسُ بنُ الأَشعثِ : ما ندري ما تقولُ ، ولكنِ انْزِلْ على حُكمِ بني عمِّكَ ، فإِنّهم لن يُرُوْكَ إلا ما تُحِبُّ.
فقالَ له الحسينُ «لا واللهِّ لا أُعطيكم بيدي إعطاءَ الذّليل ، ولا أَفِرُّ فِرارَ العبيدِ».
ثمّ نادى : «يا عبادَ اللهِ ، إِنِّي عُذْتُ بربِّي وربِّكم أن ترجمون ، أعوذُ بربِّي وربِّكم من كلِّ مُتكبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بيومِ الحسابِ ».
ثمّ إنّه أناخَ راحلتَه وأمرَ عُقبةَ بنَ سَمْعانَ فعقلَها، وأَقبلوا يزحفونَ نحوَه ، فلمّا رأى الحرُّ بنُ يزيدَ أَنّ القومَ قد صمَمُوا على قتالِ الحسينِ عليهِ السّلامُ قالَ لعمر بن سعدٍ : أيْ عُمَر، أمُقاتِلٌ أنتَ هذا الرّجلَ ؟ قالَ : إِيْ واللّهِ قتالاً أيْسَرُه أَن تَسقطَ الرُّؤوسُ وتَطيحَ الأَيدي ، قالَ : أفما لكم فيما عرضه عليكم رضىً؟ قالَ عمر: أما لو كانَ الأمرُ إِليَّ لَفعلتُ ، ولكنَّ أميرَكَ قد أبى.
فأقبلَ الحرُّحتّى وقفَ منَ النّاسِ موقفاً، ومعَه رجلٌ من قومِه يُقالُ له : قُرّةُ بنُ قَيْسٍ ، فقالَ : يا قُرّةُ هل سقيتَ فرسَكَ اليومَ ؟ قالَ : لا، قالَ : فما تُريدُ أن تَسقِيَه ؟ قالَ قُرّةُ : فظننتُ واللّهِ أنّه يُريد أَن يَتنحّى فلا يشهدَ القتالَ ، ويكرهُ أن أَراه حينَ يَصنعُ ذلكَ ، فقلتُ له : لم أسقِه وأَنا منطلق فأسقيه ، فاعتزلَ ذلكَ المكان الّذي كانَ فيه ، فواللّهِ لوأَنّه أطْلَعَني على الّذي يُريدُ لخرجتُ معَه إِلى الحسينِ بنِ عليٍّ عليه السّلامُ ؛ فأخذَ يَدنو منَ الحسينِ قليلاً قليلاً، فقالَ له المهاجرُ بنُ أوسٍ : ما تُريدُ يا ابنَ يزيدَ، أتريدُ أن تَحملَ ؟ فلم يُجبْه وأخَذَهُ مثلُ الأفْكَلِ - وهي الرِّعدةُ - فقالَ له المهاجرُ: إِنّ أمْرَكَ لَمُريبٌ ، واللهِّ ما رأيتُ منكَ في موقفٍ قطُّ مثلَ هذا ، ولو قيلَ لي : مَنْ أشجعُ أَهلِ الكوفِة ما عَدَوْتُكَ ، فما هذا الّذي أرى منكَ ؟! فقالَ له الحرُّ: إِنِّي واللّه أُخيِّرُ نفسي بينَ الجنَّةِ والنّارِ، فواللّهِ لا أختارُ على الجنّةِ شيئاً ولو قُطًّعْتُ وحُرِّقْت.
ثمّ ضربَ فرسَه فلحِقَ بالحسينِ عليهِ السّلامُ فقالَ له : جُعِلْتُ فِداكَ - يا ابنَ رسولِ اللهِّ - أَنا صاحبُكَ الّذي حبستُكَ عنِ الرُّجوع ، وسايرْتُكَ في الطَريقِ ، وجَعْجَعْتُ بكَ في هذا المكانِ ، وما ظننتُ انَّ القومَ يَرُدُّونَ عليكَ ماعَرَضْتَه عليهم ، ولايَبلُغونَ منكَ هذه المنزلَة، واللهِّ لو علمتُ أنّهم يَنتهونَ بكَ إِلى ما أرى ما رَكِبْتُ منكَ الّذي رَكِبْتُ ، وِانِّي تائبٌ إِلى اللهِ تعالى ممّا صنعتُ ، فترى لي من ذلكَ توبةً؟ فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلام : «نَعَمْ ، يتوبُ اللّهُ عليكَ فانزِلْ » قالَ : فأنا لكَ فارساً خيرٌ منِّي راجلاً، أقُاتِلهُم على فرسي ساعةً، والى النُّزول ما يَصيرُ اخرُ أمري.
فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : «فاصنعْ - يَرحمَكَ اللهُّ - ما بدا لكَ ».
فاستقدمَ أمامَ الحسينِ عليهِ السّلامُ ثمّ أنشأ رجلٌ من أصحاب الحسينِ عليهِ السّلامُ يقولُ :
لَنِعْمََ الْحُرُّ حُرّ بَنِيْ رِيَـاح وَحُر عِنْد َمُخْتَلَفِ الرِّمَاحِ
وَنِعْمَ الْحُرُّ إِذْ نَادَى حُسَينٌ وَجَادَ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الصَّبَاحِ
ثمّ قالَ : يا أهلَ الكوفةِ، لأمِّكم الهَبَلُ والعَبَرُ، أدَعَوْتُم هذا العبدَ الصّالحَ حتّى إِذا أتاكم أسلمتموه ، وزعمتُم أنّكم قاتلو أنفسِكم دونَه ثمّ عَدَوْتُم عليه لِتقتلوه ، أمسكتم بنفسِه وأخذتم بكظمِه ، وأحَطْتم به من كلِّ جانبِ لتِمنعوه التّوجُّهَ في بلادِ اللّهِ العريضةِ، فصارَ كالأسير في أَيديكم لاَ يَملكُ لِنفسِه نفعاً ولا يَدفعُ عنها ضَرّاً، وحَلأتمُوه ونساءه وصِبْيتَه وأهله عن ماءِ الفراتِ الجاري يَشربهُ اليهودُ والنّصارىَ والمجوسُ وتَمرغُ فيه خنازيرُ السوادِ وكلابُه ، وها هم قد صرعهم العطشُ ، بئسَ ما خلفتم محمّداً في ذرِّيّتهِ ، لا سقاكم اللّهُ يومَ الظّمأ الأكبرِ. فحملَ عليه رجالٌ يَرمونَ بالنَّبلِ ، فأَقبلَ حتّى وقفَ أَمام الحسينِ عليهِ السّلام.
ونادى عمرُ بنُ سعدٍ : يا ذُوَيْدُ، أَدْنِ رايتَكَ؛ ‎ فأَدناها ثمّ وضعَ سهمَه في كَبدِ قوسِه ثمّ رمى وقالَ : اشهدُوا أَنِّي أَوّلُى من رمى، ثمّ ارتمى النّاسُ وتبارزوا ، فبرزَ يسارٌ مولى زيادِ بنِ أَبي سُفيانَ ، وبرزَ إِليه عبدُاللّه بن عُميرٍ ، فقالَ له يسارٌ : مَنْ أَنتَّ ؟ فانتسبَ له ، فقالَ : لستُ أعرفُكَ ، لِيَخْرُجْ إِليَّ زُهَيرَبنُ القَيْنِ أَو حَبيبُ بن مُظاهِرٍ ، فقالَ له عبدُاللّه بن عُمَيرٍ : يا ابنَ الفاعلةِ، وبكَ رغبةٌ عن مُبارَزَةِ أحدٍ منَ النّاسِ ؟! ثمّ شدَّ عليه فضربَه بسيفِه حتّى بَردَ، فإِنّه لَمُشتغلٌ بضربه إِذ شدَّ عليه سالمٌ مولى عُبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ ، فصاحُوا به : قدْ رَهقَكَ العبَدُ، فلم يَشعرْحتّى غشيَه فبدرَه ضربةً اتّقاها ابنُ عميرٍ بكفِّه اليُسرى فاطارتْ أَصابعَ كفِّه ، ثمّ شدّ عليه فضربَه حتّى قتله ، وأَقبلَ وقد قتلَهما جميعا ًوهو يرتجزُ ويقولُ :
إِنْ تُنْكِرُوْنيْ فأَنَا ابْنُ كَلْبِ إِنِّي امْرُؤٌ ذُوْ مِرَّةٍ وعَضْب
وَلَسْتُ بالْخَوَّارِ عِنْدَ النَّكْبِ
وحَمَل عمرُو بنُ الحجّاجِ على ميمنةِ أصحاب الحسينِ عليهِ السّلامُ فيمن كانَ معَه من أَهلِ الكوفةِ، فلمّا دنا من الحسَينِ عليهِ السّلامُ جَثَوْا له على الرُّكَب وأَشْرَعوا الرِّماحَ نحوَهم ، فلم تُقدِمْ خيلهُم على الرِّماحِ ، فذهَبتِ الخيلُ لِترجعَ فرشقَهم أَصحابُ الحسينِ عليهِ السّلامُ بالنَّبلِ فصرَعوا منهم رجالاً وجرَحوا منهم آخرينَ.
وجاء رجل من بني تَميم يُقالُ له : عبدُاللّهِ بن حَوْزةَ، فأَقدمَ على عسكرِ الحسينِ عليهِ السّلامُ فناداه القومُ : إِلى أَينَ ثكلتْكَ أُمُّكَ ؟! فقالَ : إِنِّي أَقدمُ على ربِّ رحيمٍ وشفيعٍ مُطاعٍ ، فقالَ الحسينُ عليهِ السّلامُ لأصحابه : «مَنْ هَذا؟» قيلَ : هذا ابنُ حَوْزةَ ، قالَ : «اللّهمَّ حُزْهُ إِلى النّارِ» فاضطرَبتْ به فرسُه في جَدْوَلٍ فوقعَ وَتعلّقتْ رِجْله اليُسرى بالرِّكاب وارتفعتِ اليُمنى، فشدَّ عليه مسلمُ بنُ عَوْسَجَةَ فضربَ رجلَه اليًمنىَ فطارتْ ، وعَدا به فرسُه يَضربُ برأسِه كلَّ حَجَرٍ وكلَّ شجرٍ حتّى ماتَ وعجّلَ اللّهُ بروحِه إِلى النّارِ. ونشبَ القتالُ فقُتِلَ منَ الجميعِ جماعةٌ.
وحمَلَ الحرُّ بنُ يزيدَ على أَصحاب عمربن سعدٍ وهويتَمثّلُ بقولِ عَنترةَ:
مَا زِلْتُ أرْمِيهِمْ بِغُرَّةِ وَجْهِهِ وَلَبَانِه حَتَّى تَسَربَلَ بِالدَّمِ
فبرزَ إِليه رجلٌ من بَلحارث يقالُ له : يزيدُ بنُ سُفيانَ ، فما لبّثه الحرًّ حتّى قتلَه ، وبرزَنافعُ بنُ هِلالٍ وهو يقولُ :
انا ابن هلال البجلي أنَا عَلَى دِيْنِ عَلِي
فبرزَ إِليه مُزاحِمُ بنُ حُرَيْثٍ فقالَ له : أنا على دينِ عُثمانَ ، فقالَ له نافعٌ : أَنتَ على دينِ شيطانٍ ، وحملَ عليه فقتلَه. فصاحَ عمرُو بنُ الحجّاجِ بالنّاسِ : يا حمقى ، أَتدرونَ من تقاتلونَ ؟ تقاتلونَ فرُسانَ أهلِ المصرِ، وتقاتلونَ قوماً مُستميتِينَ ، لا يَبرز إِليهم منكم أحدٌ ، فإِنّهم قليلٌ وقلّما يَبْقَوْن ، واللّهِ لو لم تَرمُوهم إلاّ بالحجارةِ لَقتلتموهم ؛ فقالَ عمرُ بنُ سعدٍ : صدقتَ ، الرّأيُ ما رأيت، فأرسِلْ في النّاسِ من يَعزِمُ عليهم ألاّ يُبارِزَ رجلٌ منكم رجلاً منهم.
ثمّ حملَ عمرُو بنُ الحجّاجِ في أَصحابِه على الحسينِ عليهِ السّلامُ من نحوِ الفراتِ فاضطربوا ساعةً، فصُرِعَ مسلمُ بن عَوْسَجةَ الأسديّ - رحمةُ اللهِّ عليه - وانصرفَ عمرٌو وأصحابُه ، وانقطعتِ الغَبَرةُ فوجدوا مُسلماً صريعاً، فمشى إِليه الحسينُ عليهِ السّلامُ فإِذا به رَمَقٌ ، فقالَ : « رحمَكَ اللّهُ يا مسلمُ ( مِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوْا تَبْدِيلاً ) » ودنا منه حبيبُ بنُ مُظاهِرٍ فقالَ : عزَّ عليَّ مصرعكَ يا مسلمُ ، أبشِرْ بالجنّةِ، فقالَ مسلمٌ قولاً ضعيفاً: بشّرَكَ اللهُّ بخيرٍ.
فقالَ له حبيبٌ : لولا أنِّي أعلمُ أَنِّي في أثرِكَ من ساعتي هذه ، لأَحببتُ أن تُوَصِّيَني بكلِّ ما أهمَّكَ.
ثمّ تراجعَ القومُ إِلى الحسينِ عليهِ السّلامُ فحملَ شمرُ بنُ ذي الجوشنِ لعنَه اللّهُ على أهلِ الميسرةِ فثبتوا له فطاعَنوه ، وحُمِلَ على الحسينِ وأصحابِه من كلِّ جانبِ ، وقاتلَهم أصحابُ الحسينِ قتالاً شديداً، فأخذتْ خيلهُم تَحملُ وَانّما هي اثنان وثلاثونَ فارساً، فلا تحملُ على جانبٍ من خيلِ الكوفةِ إلاّكشفتْه.
فلمّا رأى ذلكَ عروةُ بنُ قيس - وهوعلى خيلِ أهلِ الكوفة - بعثَ إِلى عمر بن سعدٍ : أما ترى ما تلقى خيلي منذ اليوم من هذه العِدّةِ اليسيرةِ، ابعثْ إِليهم الرِّجالَ والرُّماةَ.
فبعثَ عليهَم بالرُّماة ِ فعُقِرَ بالحرِّ بنِ يزيدَ فرسُه فنزلَ عنه وجعلَ يقولُ :
إِنْ تَعقِرُوْا بِيْ فأنَا ابْنُ الْحُرِّ أشْجَعُ مِنْ ذِيْ لِبَدٍ هِزبْرِ
ويضربهُم بسيفِه وتكاثروا عليه فاشتركَ في قتِله أيّوبُ بنُ مُسَرِّحٍ ورجلٌ آخرٌ من فُرسانِ أهلِ الكوفةِ.
وقاتلَ أصحابُ الحسينِ بنِ عليّ عليهِ السّلامُ القومَ أشدَّ قتالٍ حتّى انتصفَ النّهارُ.
فلمّا رأى الحصينَ بنُ نمَير- وكانَ على الرُّماةِ - صبرَ أصحاب الحسينِ عليهِ السّلامُ تقدّمَ إِلى أصحابه - وكانوا خمسمائةِ نابلٍ - أن يَرشُقوا أصحابَ الحسينِ عليهِ السّلاَمً بالنَّبْلِ فرشقوهم ، فلم يَلبثوا أن عقروا خيولَهم وجرحوا الرِّجالَ ، وأرجلوهم.
واشتدَّ القتالُ بينَهم ساعةً، وجاءهم شمرُبنُ ذي الجوشن في أصحابه ، فحملَ عليهم زُهَيرُ بنُ القَيْنِ رحمَه اللّهُ في عشرةِ رجالٍ من أَصحاب الحسينِ فكشفَهم عنِ البيوتِ ، وعطف عليهم شمرُ بنُ ذي الجَوشنِ فقتلَ منَ القوم وردَّ الباقينَ إِلى مواضعِهم ؛ وأَنشأَ زُهَيْرُ بن القَيْنِ يقولُ مُخاطِباً للحسينَِ عليهِ السّلامُ :
الْيَوْمَ نَلْقَى جَدَّكَ النَّبيَّا وَحَسَنَا ًوَاْلمُرْتَضَى عَلِيَّا
وَذَا الْجَنًاحَيْنِ الْفَتَى الْكَميا
وكانَ القتلُ يبينُ في أَصحابِ الحسين عليهِ السّلامُ لِقلّةِ عددِهم ، ولا يبينُ في أصحاب عمر بن سعدٍ لكثرتِهم ، واشتدَّ القتالُ والْتَحَمَ وكثُرَ القتلُ والجراحُ في أصَحاب أبي عبدِاللّهِ الحسينِ عليهِ السّلامُ إِلى أَن زالتِ الشّمسُ ، فصلّى الحسَينُ بأصحابِه صلاةَ الخوفِ.
وتقدّمَ حنظلةُ بنُ سعدٍ الشِّباميّ بينَ يَدَيِ الحسينِ عليهِ السّلامُ فنادى أهلَ الكوفةِ : يا قوم إِنِّي أَخافُ عليكم مثلَ يوم الأحزاب ، يا قوم إِنِّي أخافُ عليكم يومَ التّنادِ، يا قوم لا تقتلوا حسيناً فيُسْحِتكَم اللهُ بعذابٍ وقد خابَ منِ افترى؛ ثمّ تقدّمَ فقاتلَ حتّى قُتِلَ رحمَه اللهُّ.
وتقدّمَ بعدَه شَوْذَبٌ مولى شاكر فقالَ : السّلامُ عليكَ يا أبا عبدِاللّهِ ورحمةُ اللّهِ وبركاتُه ، أستودِعُكَ اللّهَ وأسًترعيكَ ؛ ثمّ قاتلَ حتّى قُتِلَ رحمَه اللّه.
وتقدّمَ عابسُ بنُ [أبي] شَبيبِ الشّاكري فسلّمَ على الحسينِ عليهِ السّلام وودّعَه وقاتلَ حتّى قُتِلَ رحَمَه اللهُ.
ولم يَزَلْ يتقدّم رجلٌ رجلٌ من أصحابه فيُقتَلُ ، حتّى لم يَبْقَ معَ الحسينِ عليهِ السّلامُ إلاّ أهلُ بيتهِ خاَصّةً. فتقدّمَ ابنُه عليُّ بنُ الحسينِ عليهِ السّلامُ - وأُمّهُ ليلى بنتُ أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثّقفيّ - وكانَ من أصبحِ النّاسِ وجهاً، وله يومئذٍ بضعَ عشرةَ سنةً، فشدَّ على النّاسِ وهو يقولَ :
أنَاعَليُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلي نَحْــنُ وَبَيْــتِ اللهِّ أوْلــَى بِالنَّبِي
تَاللهِّ لايَحْكُمُ فِيْنَا ابْنُ الدَّعِيَ أضْرِبُ بِالسَّيْفِ أُحامِيْ عَنْ أبِيْ
ضَرْبَ غلامٍ هَاشِمِيٍّ قُرَشِي
ففعلَ ذلكَ مِراراً وأهلُ الكوفةِ يَتَّقونَ قَتْلَه ، فبَصُرَ به مُرّةُ بنُ مُنقِذٍ العبديّ فقالَ : عَلَيَّ آثامُ العرب إِن مرَّ بي يَفعلُ مثلَ ذلكَ إِن لم اُثْكِلْه أباه ؛ فمرَّ يشتدُّ علَى النّاسِ كما مرَّ في الأوّلِ ، فاعترضَه مُرّةُ بنُ مُنقذٍ فطعنَه فَصُرعَ ، واحتواه القومُ فقطّعوه بأسيافِهم ، فجاءَ الحسينُ عليهِ السّلامُ حتّى وقفَ عليه فقالَ : «قتلَ اللهُّ قوماً قتلوكَ يا بُنَيَّ ، ما أجرأهم على الرّحمنِ وعلى انتهاكِ حرمةِ الرّسولِ ****!*» وانهملت عيناه بالدُّموعِ ثمّ قالَ : «على الدُّنيا بعدَك العفاء» وخرجتْ زينبُ أخُتُ الحسينِ مُسرِعةً تُنادي : يا أُخيّاه وابنَ أُخيّاه ، وجاءَتْ حتّى أكبّتْ عليه ، فأخذَ الحسينُ برأْسِها فردَّها إِلى الفسطاطِ ، وأمرَ فتيانَه فقالَ : «احمِلوا أخاكم» فحملوه حتّى وضعوه بينَ يَدَيِ الفسطاطِ الّذي كانوا يُقاتلونَ أَمامَه.
ثمّ رمى رجلٌ من أصحاب عمر بن سعدٍ يُقالُ له : عَمرُو بنُ صَبِيْحٍ عبدَاللّه بن مسلم بنِ عقيلٍ رحمَه اللّهُ بسهمٍ ، فوضعَ عبدُاللّهِ يدَه على جبهتِه يتّقيه ، فأصابَ السّهمُ كفَّه ونفذَ إِلى جبهتِه فسمّرهَا به فلم يستطعْ تحريكَها، ثمّ انتحى عليه آخر ُبرمحهِ فطعنَه في قلبه فقتلَه.
وحملَ عبدُاللّه بن قُطبةَ الطّائيّ على عونِ بنِ عبداللهِ بن جعفرِ ابنِ أَبي طالبٍ رضيَ اللّهُ عنه فقتلَه.
وحملَ عامرُبنُ نَهْشَلٍ التّيميّ على محمّدِ بنِ عبدِاللّهِ بنِ جعفرِبنِ أَبي طالبٍ رضيَ اللّهُ عنه فقتلهَ.
وشدَّ عثمانُ بنُ خالدٍ الهَمْدانيّ على عبدِ الرّحمنِ بنِ عقيلِ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللّهُ عنه فقتلهَ.
قالَ حُمَيدَ بنُ مُسْلمٍ : فإنّا لَكذلكَ إِذ خرجَ علينا غلامٌ كأَنَّ وجهَه شِقَّةُ قمرٍ ، في يدِه سيفٌ وعليه قَميصٌ وإزار ونعلانِ قدِ انقطعَ شِسْعُ إِحداهما، فقالَ لي عُمَر بنُ سعيدِ بنِ نُفيلٍ الأَزْديّ : واللّهِ لأشدَّنَّ عليه ، فقلتُ : سبحانَ اللّهِ ، وما تريدُ بذلكَ ؟! دَعْه يكفيكه هؤلاءِ القومُ الّذينَ ما يُبقونَ على أحدٍ منهم ؛ فقالَ : واللّهِ لأشدَّنَّ عليه ، فشدَّ عليه فما ولّى حتّى ضربَ رأسَه بالسّيفِ ففلقَه ، ووقعَ الغلامُ لوجهِه فقالَ : يا عمّاه ! فجلّى الحسينُ عليهِ السّلامُ كما يُجلِّي الصّقرُثمّ شدَّ شدّةَ ليثٍ أُغْضِبَ ، فضربَ عُمَرَبنَ سعيدِ بني نُفيلٍ بالسّيفِ فاتّقاها بالسّاعدِ فأطنَّها من لَدُنِ المِرفقِ ، فصاحَ صيحة سمعَها أهلُ العسكرِ، ثمّ تنحّى عنه الحسينُ عليهِ السّلامُ.
وحملتْ خيلُ الكوفةِ لتسنقِذَهُ فتوطّأتْه بأرجُلِها حتّى ماتَ.
وانجلتِ الغبرةُ فرأيتُ الحسينَ عليهِ السّلام قائماً على رأْس الغلامِ وهويَفحصُ برجلِه والحسينُ يَقولُ : «بعْداً لقومٍ قتلوكَ ومَنْ خَصْمُهُم يومَ القيامةِ فيكَ جدُّكَ» ثمّ قالَ : «عَزَّ- واللّهِ - على عمِّكَ أن تدعوَه فلا يجيبكَ ، أو يجيبكَ فلا ينفعكَ ، صوتٌ - واللّهِ - كثرَ واتروه وقلَّ ناصروه» ثمّ حملَه على صدرِه ، فكأنِّي أنظرُ إِلى رِجْلَيِ الغلام تخطّانِ الأرضَ ، فجاءَ به حتّى ألقاه معَ ابنهِ عليِّ بنِ الحسينَِ والقتلى من أهلِ بيتهِ ، فسألْتُ عنه فقيلَ لي : هوالقاسمُ ابنُ الحسنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ عليهم السّلامُ.
ثمّ جلسَ الحسينُ عليهِ السّلامُ أمامَ الفُسطاطِ فاُتِيَ بابنِه عبدِاللهِ ابن الحسينِ وهو طفلٌ فأجلسَه في حجرِه ، فرماه رجلٌ من بني أسد بسهمٍ فذبحَه ، فتلقّى الحسينُ عليهِ السّلامُ دمَه ، فلمّا ملأ كفَّه صبَّه في الأرضِ ثمّ قالَ : «رَبّ إِن تكنْ حبستَ عنّا النّصرَمنَ السّماءِ، فاجعلْ ذلكَ لما هوخيرٌ ، وانتقِمْ لنا من هؤلاءِ القوم الظّالمينَ» ثمّ حملَه حتّى وضعَه معَ قتلى أهلِه.
ورمى عبدُاللهّ بن عُقْبةَ الغَنويّ أبا بكر بن الحسنِ بنِ عليِّ بن أبي طالبٍ عليهم السّلامُ فقتلَه.
فلمّا رأى العبّاسُ بنُ عليٍّ رحمة اللّهِ عليه كثرةَ القتلى في أهلِه قالَ لإخوته من أُمِّه - وهم عبدُاللهِّ وجعفر وعُثمانُ - يا بَني أُمِّي ، تقدّموا حتّى أراكم قد نصحتم للهِّ ولرسولهِ ، فإِنّه لا ولدَ لكم.
فتقدّمَ عبدُاللّهِ فقاتلَ قتالاً شديداً، فاختلفَ هو وهانئ بنُ ثُبَيتٍ الحَضْرميّ ضربتينِ فقتلَه هانئ لعنَه اللّهُ. وتقدّمَ بعدَه جعفرًبنُ عليٍّ رحمَه اللهُّ فقتلَه أيضاً هانئ. وتعمّدَ خوليُّ بنُ يزيدَ الأصبحيّ عثمانَ بنَ عليِّ رضيَ اللهُّ عنه وقد قامَ مقامَ إِخوته فرماه بسهمٍ فصرعَه ، وشدَّ عليه رَجلٌ من بني دارم فاحتزَّ رأسَه.
وحملتِ الجماعة على الحسينِ عليهِ السّلامُ فغلبوه على عسكرِه ، واشتدَّ به العطشُ ، فركبَ المُسنّاةَ يريدُ الفراتَ وبينَ يديه العبّاسُ أخوه ، فاعترضتْه خيل ابنِ سعدٍ وفيهم رجلٌ من بني دارم فقالَ لهم : ويلَكم حُولُوا بينَه وبينَ الفراتِ ولا تمكَنوه منَ الماءِ، فقالَ الحسينُ عليهِ السّلامُ : «اللّهمّ أظْمِئْه» فغَضِبَ الدّارميُ ورماه بسهمٍ فأثبتَه في حَنَكهِ ، فانتزعَ الحسينُ عليهِ السّلامُ السّهمَ وبسطَ يدَه تحتَ حَنَكهِ فامتلأتْ راحتاه بالدَّم ، فرمى به ثمّ قالَ : «اللّهمَّ إِنِّي أشكو إِليكَ ما يُفعلُ بابنِ بنتِ نبيِّك» ثمّ رجعَ إِلى مكانهِ وقدِ اشتدَّ به العطشُ. وأحاطَ القومُ بالعبّاسِ فاقتطعوه عنه ، فجعلَ يُقاتلُهم وحدَه حتّى قُتِلَ - رضوانُ اللّهِ عليه - وكانَ المتولِّي لقتلِه زيد بن وَرْقاءَ الحنفيّ وحَكِيم بن الطُّفَيلِ السِّنْبِسيّ بعدَ أن أُثخِنَ بالجراحِ فلم يستطعْ حراكاً. ولمّا رجعَ الحسينُ عليه السّلامُ منَ المُسنّاةِ إِلى فسطاطِه تقدّمَ إِليه شمرُبنُ ذي الجوشنِ في جماعةٍ من أصحابه فاحاطَ به ، فأسرعَ منهم رجلٌ يُقالُ له مالكُ بنُ النّسرِ الكِنديّ ، فشَتمَ الحسينَ وضربَه على رأسِه بالسّيف ، وكانَ عليه قلنسوةٌ فقطعَها حتّى وصلَ إِلى رأْسه فأدماه ، فامتلأتَ القلنسوةُ دماً، فقالَ له الحسينُ : «لا أكلتَ بيَمينِكَ ولا شربتَ بها، وحشرَكَ اللّهُ معَ الظّالمينَ» ثمّ ألقى القلنسوةَ ودعا بخرقةٍ فشدَّ بها رأسَه واستدعى قلنسوةً أُخرى فلبسَها واعتمَّ عليها، ورجعَ عنه شمرُ بنُ ذي الجوشنِ ومن كانَ معَه إِلى مواضعِهم ، فمكثَ هُنيهةً ثّم عادَ وعادُوا إِليه وأحاطُوا به.
فخرجَ إِليهم عبدُاللهّ بن الحسنِ بنِ عليٍّ عليهما السّلامُ - وهو غلامٌ لم يُراهِقْ - من عندِ النّساءِ يشتدٌُ حتّى وقفَ إِلى جنب الحسينِ فلحقتْه زينبُ بنتُ عليٍّ عليهما السّلامُ لتحبسه ، فقالَ لها الحَسينُ : «احبسيه يا أُختي» فأَبى وامتنعَ عليها امتناعاً شديداً وقالَ : واللّهِ لا أفُارقُ عمِّي.
وأهوى أَبجر بنُ كَعْبِ إِلى الحسين عليهِ السّلامُ بالسّيف ، فقالَ له الغلامُ : ويلَكَ يا ابنََ الخبيثةِ أتقتل عمِّي ؟! فضربَه أبْجَرُ بالسّيفِ فاتّقاها الغلامُ بيدهِ فأطنَّها إِلى الجلدةِ فإِذا يده معلّقةٌ ، ونادى الغلامُ : يا أُمّتاه ! فأخذَه الحسينُ عليهِ السّلامُ فضمَّه إِليه وقالَ : «يا ابنَ أخي ، اصبرْعلى ما نزلَ بكَ ، واحتسِبْ في ذلكَ الخيرَ، فإِنّ اللهَّ يُلحقُكَ بآبائكَ الصّالحينَ».
ثمّ رفعَ الحسينُ عليهِ السّلامُ يدَه وقالَ : «اللّهمَّ إِن متّعتَهم إِلى حينٍ ففرِّقْهم فِرَقاً، واجعلْهم طَرَائقَ قدَداً، ولا تُرْضِ الولاةَ عنهم أبداً، فإِنّهم دَعَوْنا ليَنصُرونا، ثمّ عَدَوْا علينا فقتلونا». وحملتِ الرّجّالةُ يميناً وشمالاً على من كانَ بقيَ معَ الحسينِ فقتلوهم حتّى لم يَبقَ معَه إلاّ ثلاثةُ نفر أو أربعةٌ ، فلمّا رأى ذلكَ الحسينُ دعا بسراويلَ يمانيّةٍ يُلمَعُ فيها البصرُففَزَرَها ثمّ لبسَها، ِوانّما فَزَرَها لكي لا يُسْلَبَها بعدَ قتلِه.
فلمّا قُتِلَ عَمَدَ أبجر بنُ كعبِ إِليه فسلبَه السّراويلَ وتركَه مُجَرَّداً ، فكانتْ يدا أبْجر بن كعبِ بعدَ ذلَكَ تَيْبسانِ في الصّيفِ حتّى كأنّهما عُودَانِ ، وتترطّبانِ في الشِّتاَءِ فتنضحانِ دماً وقيحاً إِلى أن أهلكَه اللهُ.
فلمّا لم يبقَ معَ الحسينِ عليهِ السّلامُ أَحدٌ إلاّ ثلاثةُ رهطٍ من أَهلهِ ، أَقبلَ على القومِ يدفعهُم عن نفسِه والثلاثةُ يَحْمونَه ، حتّى قُتِلَ الثلاثةُ وبقيَ وحدَه وقد أُثْخِنَ بالجراحِ في رأسِه وبدنِه ، فجعلَ يُضارِبُهم بسيفِه وهم يتفرّقونَ عنه يميناً وشمالاً. فقالَ حُمَيدُ بنُ مسلم : فواللّهِ ما رأَيْتُ مَكثوراً قطُّ قد قُتِلَ ولدُه وأَهلُ بيتِه وأَصحابُه أَربطَ جأْشاً ولا أَمضى جَناناً منه عليهِ السّلامُ ، إِنْ كانت الرّجّالةُ لَتشدُّ عليه فيشدُّ عليها بسيفِه ، فتنكشِفُ عن يمينهِ وشمالهِ انكشافَ المِعزى إِذا شدَّ فيها الذِّئبُ.
فلمّا رأَى ذلكَ شمرُ بنُ ذي الجوشنِ استدعى الفرسانَ فصاروا في ظهورِ الرّجّالةِ، وأَمرَ الرُّماةَ أَن يَرموه ، فرشقوه بالسِّهام حتّى صارَ كالقُنفُذِ فأَحجَمَ عنهم ، فوقفوا بإِزائه ، وخرجتْ أُختُه زينبُ إِلى باب الفسطاطِ فنادتْ عمرَبنِ سعدِ بن أبي وقّاصٍ : ويحَكَ يا عمرُ! أيقْتَلُ أبوعبدِاللهِ وأَنتَ تَنظُرُ إِليه ؟ فلم يُجبْها عمرُ بشيءٍ ، فنادتْ : َويحْكم أَما فيكم مسلمٌ ؟! فلم يُجبْهاَ أَحدٌ بشيءٍ ؛ ونادى شمرُبنُ ذي الجوشنِ الفرسانَ والرَّجَّالةَ فقالَ : ويحكم ما تَنتظِرونَ بالرّجلِ ؟ ثكلتْكم أُمّهاتُكم ! فَحُمِلَ عليه من كلِّ جانبٍ فضربه زُرْعَةُ بنُ شَرِيكٍ على كفه اليسرى فقطعَها، وضربَه آخرُ منهم على عاتِقه فكَبا منها لوجهه ، وطعنَه سِنانُ بنُ أَنسٍ بالرُّمح فصرعَه ، وبَدرَإِليه خَوليّ بنً يزيدَ الأصبحيّ لعنه اللّهُ فنزلَ ليحتز رأسْه فأرعِدَ، فقالَ له شمرٌ : فَتَّ اللهُ في عَضدِكَ ، ما لَكَ تُرْعَدَ؟ ونزلَ شمرٌ إِليه فذبحَه ثمّ دفعَ رأسَه إِلى خوليِّ بنِ يزيدَ فقالَ : احملْه إِلى الأميرعمر بن سعدٍ ، ثمّ أَقبلوا على سَلب الحسينِ عليهِ السّلامُ فاَخذَ قميصه إِسحاقُ بنُ حَيْوَةَ الحضرميّ ، وَأَخذَ سراويلَه أبْجرُ بنُ كعبِ ، وأَخذَ عمامتَه أَخنَسُ بنُ مَرْثَدٍ ، وأَخذَ سيفَه رجل من بني دارم ،َ وانتهبوا رَحْلَه ِوابلَه وأَثقالَه وسلبوا نِساءه.
قال حمَيدُ بنُ مسلمٍ : فواللهِ لقد كنتُ أَرى المرأَةَ من نسائه وبناتِه وأَهلِه تُنَازعُ ثوبها عن ظهرِها حتّى تُغلَبَ عليه فيُذهَب به منها، ثمّ انتهينا إِلى عليِّ بنِ الحسينِ عليهِ السّلامُ وهومُنْبَسِطٌ على فراشٍ وهو شديدُ المرضِ ، ومعَ شمر جماعةٌ منَ الرَّجّالةِ فقالوا له : ألا نقتلُ هذا العليلَ ؟ فقلتُ : سبحانَ اللهِ ! أَيُقتَلُ الصِّبيانُ ؟ إِنّما هوصبيّ وانه لمِا به ، فلم أَزلْ حتّى رددتُهم عنه.
وجاءَ عمرُبنُ سعدٍ فصاحَ النِّساءُ في وجهِه وبكَيْن فقالَ لأصحابه : لا يَدخلْ أَحدٌ منكم بيوتَ هَؤلاءِ النِّسوةِ، ولا تَعَرَّضوا لهذا الغُلامِ المريضِ ، وساَلتْه النِّسوةُ لِيسترجعَ ما أُخِذَ منهنَ لِيتستّرنَ به فقالَ : مَنْ أَخذَ من متاعِهنّ شيئاً فليردَه عليهنّ ؛ فواللهِ ما ردَّ أَحدٌ منهم شيئاً، فوَكّلَ بالفسطاطِ وبيوتِ النِّساءِ وعليِّ بن الحسين جماعة بمّن كانوا معَه وقالَ : احفظوهم لئلا يخرج منهم أحدُ، ولا تُسِيئن إليهم.
ثمّ عادَ إِلى مضرِبه ونادى في أصحابه : من يَنتدِبُ للحسينِ فيوُطِئه فرسَه ؟ فانتدَبَ عشرةٌ منهم : إِسحَاقُ بنُ حَيْوَةَ، وأخنسُ بنُ مَرْثَدٍ ، فداسوا الحسينَ عليهِ السّلامُ بخيولهم حتّى رَضُّوا ظهرَه.
وسرّحَ عمرُ بن سعدٍ من يومِه ذلكَ - وهو يومُ عاشوراءَ - برأسِ الحسينِ عليهِ السّلامُ معَ خوليِّ بنِ يزيدَ الأصبحيّ وحُمَيدِ بنِ مُسلمٍ الأزْديّ إِلى عُبيدِاللهِ بنِ زيادٍ ، وأمرَ برؤوسِ الباقينَ من أصحابِه وأهلِ بيتهِ فَنُظِّفَتْ ، وكانتِ اثنين وسبعينَ رأساً، وسرّحَ بها معَ شمرِ بنِ ذي الجَوْشَنِ وقَيْسٍ بنِ الأشْعَثِ وعَمْرِو بنِ الحجّاجِ ، فأقبلوا حتّى قَدِموا بها على ابنِ زيادٍ.
وأقامَ بقيّةَ يومِه واليومَ الثّانيَ إِلى زوالِ الشّمس ، ثمّ نادى في النّاسِ بالرّحيلِ وتوجّهَ إِلى الكوفةِ ومعَه بناتُ الحسينِ وَأخواتُه ، ومن كانَ معَه منَ النِّساءِ والصِّبيانِ ، وعليُّ بنُ الحسينِ فيهم وهو مريضٌ بالذِّرَبِ وقد أشْفَى .
ولمّا رحلَ ابنُ سعدٍ خرجَ قومٌ من بني أسد كانوا نُزولاً بالغاضريّةِ إِلى الحسينِ وأصحابِه رحمة اللهِ عليهم ، فصلَّوا عليهم ودفنوا الحسينَ عليهِ السّلامُ حيثُ قبرُه الآنَ ، ودفنوا ابنَه عليَّ بنَ الحسينِ الأصغرَ عندَ رجليه ، وحفروا للشًّهداءِ من أهلِ بيتهِ وأصحابِه الّذينَ صُرِعوا حولَه مما يلي رِجلَيِ الحسينِ عليهِ السّلامُ وجمعوهم فدفنوهم جميعاً معاً، ودفنوا العبّاسَ بن عليٍّ عليهِما السّلامُ في موضعِه الّذي قُتِلَ فيه على طريقِ الغاضريّةِ حيثُ قبرُه الآنَ.
ولمّا وَصلَ رأسُ الحسينِ عليهِ السّلامُ ووَصلَ ابنُ سعدٍ - لعنَه اللهُ - من غدِ يوم وصوله ومعَه بناتُ الحسينِ وأهلُه ، جلسَ ابنُ زيادٍ للنّاسِ في قصرَ الإمارةِ وأذِنَ للنّاسِ إِذناً عامّاً، وأمرَ بإحضارِ الرّأسِ فوُضِعَ بينَ يديه ، فجَعلَ يَنظرُ إِليه ويبتسّمُ وفي يدِه قضيبٌ يَضربُ به ثناياه ، وكانَ إِلى جانبِه زيدُ بنُ أرقمَ صاحبُ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ - وهوشيخٌ كبيرٌ - فلمّا رآه يَضربُ بالقضيبِ ثناياه قالَ له : ارفَع قضيبَكَ عن هاتين الشّفتينِ ، فوَاللهِ الّذي لا إِلهَ غيرُه لقد رأيتُ شَفَتيْ رسولِ اللهِ صلّى الله عليهِ وآلهِ عليهما ما لا أُحصيه كثرةً تُقَبِّلُهما ؛ ثمّ انتحبَ باكي.
فقالَ له ابنُ زيادٍ : أبكى اللهُ عينيكَ ، أتبكي لفتحِ اللهِ ؟ واللهِ لولا أنّكَ شيخٌ قد خَرِفتَ وذهبَ عقلكَ لَضَربت عُنقَكَ ؛ فنهضَ زيدُ بنُ أرقمَ من بينِ يديه وصارَ إِلى منزلهِ.
وأُدخِلَ عيالُ الحسينِ عليهِ السّلامُ على ابنِ زيادٍ ، فدخلتْ زينبُ أُختُ الحسينِ في جُملتِهم مُتنكِّرةً وعليها أرذلُ ثيابها، فمَضَتْ حتّى جلستْ ناحيةً منَ القصرِ وحفَّتْ بها إِماؤها، فَقالَ ابنُ زيادٍ : مَنْ هذه الّتي انحازتْ ناحيةً ومعَها نساؤها؟ فلم تجُبْه زينبُ ، فأعادَ ثانية وثالثةً يَسألُ عنها ، فقالَ له بعضُ إمائها : هذه زينبُ بنتُ فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ ؛ فأقبلَ عليها ابنُ زيادٍ وقالَ لها : الحمدُللهِ الّذي فضَحَكم وقتلَكم وأكْذَبَ أحْدُوثَتَكم.
فقالتْ زينبُ : الحمدُللهِ الّذي أكرمَنا بنبيِّه محمّدٍ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وطهَّرَنا منَ الرِّجْسِ تطهيراً، واِنّما يفْتَضحُ الفاسِقُ ويكذبُ الفاجرُ، وهو غيرُنا والحمد لله.
فقالَ ابنُ زيادٍ : كيفَ رأَيتِ فعْلَ اللهِ بأهلِ بيتِكِ ؟ قالتْ : كتبَ اللهُّ عليهم القتلَ فبرزوا إِلى مضاجعِهم ، وسيجمعُ اللّهُ بينَكَ وبينَهم فتحاجُّونَ إِليه وتختصمُونَ عندَه.
فغضبَ ابنُ زيادٍ واستشاطَ ، فقالَ عمْرُو بنُ حُريثٍ : أيُّها الأميرُ، إِنّها امرأةٌ والمراة لا تؤاخذُ بشيءٍ من مَنطقِها، ولا تُذَمُّ على خطابها. فقالَ لها ابنُ زيادٍ : لقد شفى اللهُ نفسي من طاغيتِكِ والعُصَاةِ من أهلِ بيتِكِ.
فَزَقَت ، زينبُ عليها السّلامُ وبكَتْ وقالتْ له : لَعمري لقد قَتَلْتَ كَهْلي ، وأبَدْتَ أهلي ، وقَطَعْتَ فرعي ، واجْتَثَثْتَ أصلي ، فإنْ يَشْفِكَ هذا فقدِ اشْتَفَيْتَ.
فقالَ ابنُ زيادٍ : هذه سجّاعةٌ ، ولَعمري لقد كانَ أبوها سجّاعاً شاعر.
فقالتْ : ما لِلمرأةِ والسجاعةَ؟ إِنّ لي عن السجاعةِ لَشغلاّ، ولكن صدري نفثَ بما قلتُ.
وعُرِضَ عليه عليُّ بنُ الحسينِ عليهما السّلامُ فقالَ له : مَنْ أنْتَ ؟ فقالَ : «أنا عليُّ بنُ الحسينِ».
فقالَ : أليسَ قد قَتَلَ الله عليَّ بنَ الحسينِ ؟. فقالَ له عليّ عليهِ السّلامُ : «قد كان لي أخٌ يسمّى عليّاً قتلَه النّاسُ». فقالَ له ابنُ زيادٍ :بلِ اللهُ قتلَه.
فقالَ عليُّ بنُ الحسين عليهِ السلامُ : «( اللهُ يَتَوَفّىَ الأنفُسَ حيْنَ مَوْتِهَا )».
فغضبَ ابنُ زيادٍ وقالَ : وبكَ جُرأةُ لجوابي وفيكَ بقيّةْ للرّدَ علي؟! اذهبوا به فاضربوا عُنقَه.
فَتعلّقتْ به زينبُ عمتُه وقالتْ : يا ابنَ زيادٍ ، حَسْبُكَ من دمائنا؟ واعْتَنَقَتْه وقالتْ : واللهِ لا أُفارِقُه فإنْ قتلتَه فاقتلْني معَه ؛ فنظرَ ابنُ زيادٍ إليها واليه ساعة ثمّ قالَ : عجباً للرّحمِ ! واللهِّ إِنِّي لأظنُّها ودّتْ أنِّي قتلتُها معَه ، دَعُوه فإِنِّي أراه لمِا به.
ثمّ قامَ من مجلسِه حتّى خرجَ منَ القصرِ، ودخلَ المسجدَ فصَعدَ المنبرَ فقالَ : الحمدُ للهِّ الّذي أظهر الحقَّ وأهلَه ، ونصرَ أميرَ المؤمنينَ يزيدَ وحزبَه ، وقتلَ الكذّابَ ابن الكذّابِ وشيعتَه.
فقامَ إليه عبدُالله بن عفيفٍ الأزديّ - وكانَ من شيعة أميرِ المؤمنينَ عليهِ السّلامُ - فقالَ : ياعدوَّ اللهِّ ، إنّ الكذّابَ أنتَ وأَبوكَ ، والّذي ولاّكَ وأبوه، يا ابنَ مرجانَة ، تَقتلُ أولادَ النّبيِّينَ وتقومُ على المنبرِ مَقامَ الصِّدِّيقينَ ؟ ! فقالَ ابنُ زيادٍ : عليَّ به ؛ فأخذتْه الجلاوِزةُ ، فنادى بشِعارِ الأزْدِ، فاجتمعَ منهم سبعمائةِ رجلٍ فانتزعوه منَ الجلاوزةِ، فلمّا كانَ الليلُ أرسلَ إِليه ابنُ زيادٍ مَنْ أخرجَه من بيتهِ ، فضَرَبَ عُنقَه وصلبَه في السَّبَخةِ رحمَه اللهُ.
ولمّا أصبحَ عُبيدُاللّه بن زيادٍ بعثَ برأسِ الحسينِ عليهِ السّلامُ فدِيْرَ به في سِكَكِ الكوفةِ كلِّها وقبائلِها. فرُوِيَ عن زيدِ بنِ أرقمَ أنّه قالَ : مُر َّبه عليَّ وهوعلى رمحً وأنا في غُرفةٍ ، فلمّا حاذاني سمعتهُ يَقرأُ : ( أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيْمِ كَانُوْا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبَاً ) فَقَفَّ - واللهِّ - شَعري وناديتُ : رأسُكَ واللهِ - يا ابنَ رسولِ اللهِّ - أعجبُ وأعجبُ .
ولمّا فَرغَ القوم منَ التّطوافِ به بالكوفةِ، ردّوه إِلى بابِ القصر، فدفعَه ابنُ زيادٍ إِلى زَحْرِ بنِ قيْسٍ ودَفعَ إِليه رؤوسَ أصحابِه ، وسرّحَه إِلى يزيد بن معاويةَ عليهم لعائنُ اللّهِ ولعنةُ اللاعنينَ في السّماواتِ والأرضينَ ، وأنفذَ معَه أبا بُردةَ بنَ عَوْفٍ الأزديّ وطارِقَ بنَ أبي ظَبيانَ في جماعةٍ من أهلِ الكوفةِ، حتّى وردوا بها على يزيدَ بدمشقَ.
فروى عبدُالله بن ربيعةَ الحِميريّ فقالَ : إِنِّي لَعندَ يزيد بن معاويةَ بدمشقَ ، إذ أقبلَ زَحْرُ بنُ قيسٍ حتى دخلَ عليه ، فقالَ له يزيدُ: ويلكَ ما وراءَكَ وما عندَكَ ؟ قالَ : أبشِرْيا أميرَالمؤمنينَ بفتح اللّهِ ونصرِه ، وَرَدَ علينا الحسينُ بن عليٍّ في ثمانيةَ عشرَمن أهلِ بيتهِ وستينَ من شيعتهِ ، فسِرْنا إِليهم فسألْناهم أن يستسلموا أو ينزلوا على حكمِ الأميرِ عُبيدِاللهِّ بنِ زيادٍ أو القتال ، فاختاروا القتالَ على الاستسلام ، فغَدَوْنا عليهم معَ شروق الشّمسِ ، فأحَطْنا بهم من كلِّ ناحيةٍ ، حتّى إِذا أخذتِ السُّيوفُ مآخِذَها من هام القوم ، جعلوا يهربونَ إِلى غيرِ وَزَرٍ ، ويلوذونَ منّا بالاكام والحُفر لواذاً كَما لاذَ الحمائمُ من صقرٍ ، فواللّهِ يا أميرَالمؤمنينَ ما كانوَا إلاّ جَزْرَ جَزُورٍ أو نومةَ قائلٍ ، حتّى أتينا على آخرِهم ، فهاتيكَ أجسادُهم مجرَّدَةً ، وثيابُهم مُرَمَّلةً ، وخدودُهم معفَّرةً، تَصْهَرُهم الشّمسُ وتَسْفِي عليهم الرِّياحُ ، زُوّارُهم العقبانُ والرّخمُ.
فأطرقَ يزيدُ هُنيهةً ثمّ رفعَ رأسَه فقالَ : قد كنتُ أرضى من طاعتِكم بدونِ قتلِ الحسينِ ، أما لوأنّي صاحبُه لَعَفَوْتُ عنه.
ثمّ إنّ عُبيدَاللّه بن زيادٍ بعدَ إِنفاذِه برأس الحسينِ عليهِ السّلامُ أمرَ بنسائه وصبيانِه فَجُهِّزُوا، وأمرَ بعليِّ بنِ الَحسينِ فَغلَّ بِغُلٍّ إِلى عُنقِه ، ثمّ سرّحَ بهم في أثرِ الرّأسِ معَ مُجْفِرِبنِ ثعلبةَ العائذي وشمرِ بنِ ذي الجوشنِ ، فانطلقوا بهم حتّى لحقوا بالقوم الّذينَ معَهم الرّأسُ ، ولم يكن عليُّ بنُ الحسينِ عليهِ السّلامُ يُكلًّمُ أحداً منَ القومِ في الطّريقِ كلمةً حتّى بلغوا، فلمّا انتهَوْا إِلى باب يزيدَ رفعَ مُجْفِرُ بنُ ثعلبةَ صوتَه فقالَ : هذا مُجْفِرُ بنُ ثعلبةَ أتى أميرَ المؤمنينَ باَللئام الفَجَرةِ ، فأجابَه عليُّ بنُ الحسينِ عليهما السّلامُ : «ما وَلَدَتْ أُمًّ مجْفِرٍ أشرُّ وألأمُ».
قالَ : ولمّا وُضِعَتِ الرُّؤوسُ بينَ يَدَيْ يزيدَ وفيها رأس الحسينِ عليهِ السّلامُ قالَ يزيدُ :

نفَلِّقُ هَامَاً مِنْ رِجَالٍ أعِزَّةٍ عَلَيْنَا وَهمْ كَانُوْا أعَقَّ وَأظْلَمَا
فقالَ يحيى بن الحكمِ - أخو مروان بن الحكمِ - وكانَ جالساً معَ يزيدَ :
لَهَــامٌ بأدْنَى الــطَّفِّ أدْنـــَى قَــرَابَةً من ابْنِ زيدِالْعَبْدِ ذِي الحسَب الرَّذْلِ
أمَيِّةُ أمْسَى نَسْلُهَا عَدَدَ الحَصَــى وَبِنــتُ رسًــــولِ اللهِّ لَيْسَ لَـهَا نَسْلُ
فضربَ يزيدُ في صدِر يحيى بن الحكمِ وقالَ : اسكتْ ؟ ثمّ قالَ لعليِّ بنِ الحسينِ : يا ابنَ حسينٍ ، أبوكَ قطعَ رَحِمي وجهلَ حقَي ونازعَني سلطاني ، فصنعَ اللّهُ به ما قد رأيتَ.
فقالَ عليُّ بنُ الحسينِ : «( مَا أصَابَ مِنْ مصُيبةٍ في الأرْضِ وَلاَ فِيْ أنْفُسِكُمْ إلاَّ فِيْ كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ علَىَ اللّهِ يَسِيْر ) ». فقالَ يزيدُ لابنهِ خالدٍ : اردُدْ عليه ؛ فلم يَدْرِ خالدٌ ما يردُّ عليه.
فقالَ له يزيدُ : قلْ ( مَا أصَابَكمْ مِنْ مُصِيْبَةٍ فَبمَا كَسَبَتْ أيْدِيْكُمْ وَيعْفُوْ عَنْ كَثِيْرِ ).
ثمّ دعا بالنِّسَاءِ والصِّبيانِ فاُجلسوا بينَ يديه ، فرأى هيئةً قبيحةً فقالَ : قبّحَ اللهُّ ابنَ مرجانَة، لو كانتْ بينكَم وبينَه قرابةُ رحمٍ ما فعلَ هذا بكم ، ولا بعثَ بكم على هذه الصُّورةِ.
قالتْ فاطمةُ بنتُ الحسينِ عليهما السّلامُ : فلمّا جلسنا بينَ يَدَيْ يزيدَ رقَّ لنا، فقامَ إِليه رجلٌ من أَهلِ الشّام أحمرُ فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ، هَبْ لي هذه الجاريةَ - يَعنيني - وكنتُ جَاريةً وَضيئةَ فأُرْعِدْتُ وظَنَنْتُ أنّ ذلكَ جائزٌ لهم ، فأَخذتُ بثيابِ عمّتي زينبَ ، وكانتْ تعلمُ أنّ ذلكَ لا يكونُ.
فقالتْ عمتي للشاميِّ : كَذبْتَ واللّهِ ولؤُمْتَ ، واللهِّ ما ذلكَ لكَ ولا له. فغَضِبَ يزيد وقالَ : كذبتِ ، إِنَّ ذلكَ لي ، ولو شئتُ أن أفعلَ لَفعلتُ.
قالتْ : كلاٌ واللهِّ ما جعلَ اللّهُ لكَ ذلكَ إلاّ أن تَخرجَ من ملّتنا وتدينَ بغيرها. فاستطارَ يزيدُ غضباً وقالَ : إِيّاي تَستقبلينَ بهذا؟ ! إِنما خرجَ منَ الدِّينِ أَبوكِ وأَخوكِ.
قالتْ زينبُ : بدينِ اللهِّ ودينِ أبي ودينِ أخي اهتديتَ أنتَ وجدًّكَ وأَبوكَ إِن كنتَ مسلماً. قالَ : كذبتِ يا عدوّةَ اللهِّ.
قالتْ له : أنتَ أميرٌ ، تَشتمُ ظالماً وتَقهرُ بسلطانِكَ ؛ فكأنّه استحيا وسكتَ.
فعادَ الشّاميُّ فقالَ : هَبْ لي هذه الجاريةَ.
فقالَ له يزيدُ: اغرُبْ ، وَهَبَ اللّهُ لكَ حَتْفاً قاضياً. ثمّ أَمرَ بالنِّسوةِ أَن يُنْزَلْنَ في دارٍ على حِدَةٍ معهنّ أَخوهُنَ ُ علي بنُ الحسينِ عليهم السلامُ ، فأُفرِدَ لهم دارٌ تتّصلُ بدارِ يزيدَ ، فأَقاموا أَيّاماً ، ثمّ ندبَ يزيدُ النُّعمانَ بنَ بشيرٍ وقالَ له : تجهّزْلتخرجَ بهؤلاءِ النِّسوانِ إِلى المدينةِ.
ولمّا أَرادَ أَن يُجهِّزَهم ، دعا عليَّ بن الحسين عليهما السّلامُ فاستخلاه ثمّ قالَ له : لعنَ اللهُّ ابنَ مرجانةَ، أَمَ واللهِّ لو أَنَي صاحبُ أَبيكَ ما سأَلني خَصلةً أَبداً إلاٌ أَعطيتُه إِيّاها، ولَدفعتُ الحَتْفَ عنه بكلِّ ما استطعتُ ، ولكنً اللّهَ قضى ما رَأَيتَ ؛ كاتِبْني منَ المدينةِ وَأنهِ كلَّ حاجةٍ تكونُ لكَ.
وتقدّمَ بكسوته وكسوةِ أَهلِه ، وأَنفذَ معَهم في جملةِ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ رسولاً تَقدّمَ إِليه أن يسيرَبهم في الليلِ ، ويكونوا أَمامَه حيثُ لا يفوتونَ طَرْفَه ، فإِذا نزلوا تنحّى عنهم وتفرّقَ هو وأَصحابُه حولَهم كهيئةِ الحَرَسِ لهم ، وينزل منهم حيثُ إِذا أَرادَ إِنسانٌ من جماعتِهم وضوءاً أَو قضاءَ حاجةٍ لم يَحتشِمْ.
فسارَ معَهم في جملةِ النُّعمانِ ، ولم يَزَلْ يُنازلهُم في الطّريقِ ويَرفقُ بهم - كما وصّاه يزيدُ - ويرعونهم حتّى دخلوا المدينةَ.
ولمّا أَنفذَ ابنُ زيادٍ برأسِ الحسينِ عليهِ السّلام إِلى يزيدَ، تقدّمَ إِلى عبدِ الملكِ بنِ أَبي الحُدَيثِ السُّلَميِّ فقالَ : انطلقْ حتّى تأْتيَ عَمَرَو بنَ سعيدِ ابنِ العاصِ بالمدينةِ فبَشِّرْه بقتلِ الحسينِ ، فقالَ عبد الملكِ : فركبتُ راحلتي وسرتُ نحوَ المدنيةِ، فلقيَني رجلٌ من قُريشٍ فقالَ : ما الخبرُ؟ فقلتُ : الخبرُ عندَ الأميرِتسمعُه ، فقالَ : إِنّا للّهِ وإنّا إِليه راجعونَ ، قُتِلَ -واللهِ -الحسينُ.
ولمّا دخلتُ على عمرِو بنِ سعيدٍ قالَ : ما وراءَكَ ؟ فقلتُ : ما سَر الأميرَ، قُتِلَ الحسينُ بنُ عليٍّ ؛ فقالَ : اخرجْ فنادِ بقتلهِ ؛ فناديتُ ، فلم أَسمعْ واللهِّ واعيةً قطًّ مثلَ واعيةِ بني هاشمٍ في دورِهم على الحسينِ ابنِ عليٍّ عليهِما السّلامُ حينَ سمعوا النِّداءَ بقتلهِ ، فدخلت على عَمرِو بنِ سعيدٍ ، فلمّا رآني تبسّمَ إِليَّ ضاحكاً ثمّ أَنشأَ متمثلاً بقولِ عمرِو بنِ مَعدي كرب :
عَجَّتْ نِسَاءُ بَنِيْ زِيَادٍ عَجَّةً كَعَجِيْجِ نِسْوَتنَاغَدَاةَ الأرْنَبِ
ثمّ قالَ عَمرٌو: هذه واعيةٌ بواعيةِ عُثمانَ.
ثمّ صعدَ المنبرَ فأَعلمَ النّاسَ قَتْلَ الحسينِ بنِ عليّ عليهما السّلامُ ودعا ليزيد بن معاويةَ ونزلَ.
ودخلَ بعضُ موالي عبدِاللهِّ بن جعفر بن أَبي طالبٍ عليهِ السّلامُ فنعى إليه ابنيه فاسترجعَ ، فقالَ أبوالسلاسِلِ مولى عبدِاللهِّ : هذا ما لَقِيْنا منَ الحسينِ بنِ عليِّ ؛ فحذَفه عبدُاللهّ بن جعفرٍ بنعلِه ثمّ قالَ : يا ابنَ اللَخْناءِ ، أَلِلحسيَنِ تقولُ هذا؟ ! واللهِّ لو شَهِدْتُه لأحببْتُ ألا أفارقَه حتّى أُقتلَ معَه ، واللّهِ إِنّه لَمِمّا يُسَخِّي بنفسي عنهما ويُعَزِّيني عنِ المُصاب بهما أَنّهما أُصِيبا معَ أَخي وابنِ عمِّي مواسِيَيْنِ له ، صابرَينِ معَه.
ثمّ أَقبلَ عَلى جُلسائه فقالَ : الحمدُ للهِّ ، عز عليّ مصرع الَحسين ، إنْ لا أكُنْ آسيتُ حسيناً بيدي فقد آساه ولدي.
وخرجتْ أمًّ لُقمانَ بنتُ عقيلِ بنِ أبي طالبٍ حينَ سمعتْ نَعْيَ الحسينِ عليهِ السلامُ حاسرة ومعَها أخواتُها : أمُّ هانئ ، وأَسماءُ ، ورملةُ، وزينبُ ، بناتُ عقيلِ بنِ أبي طالبٍ رحمة اللّهِ عليهنّ تبكي قتلاها بالطّفِّ ، وهي تَقولُ :
مـَاذَا تَقُوْلُوْنَ إذْقَالَ النَّبِيُّ لَكُمْ : مــَاذَا فَعَلــْتُــمْ وَأنتُــمْ اخــِــرُ الأمــــــُمِ
بِعِتْرَتيْ وَبِأَهْلـيْ بَعْــــدَ مــُفْتَقَـدِيْ مِنْــــهُمْ اسَـــارَى ومِنــْهُمْ ضُرِّجُوْا بـِدَمِ
مَاكَــانَ هَذَا جَزَائي إذْنَصَحْتُ لَكُمْ أَنْ تَخْلُفُوْنِيْ بِسُوءٍ فِيْ ذَوِيْ رَحِمِي
فلمّا كانَ الليلُ منْ ذلكَ اليومِ الّذي خَطَبَ فيه عَمروبنُ سعيدٍ بقتلِ الحسينِ بنِ عليٍّ عليهما السّلامُ بالمدينةِ، سَمِعَ أَهلُ المدينةِ في جوف الليل مُنادياً ينُادي ، يَسمعونَ صوتَه ولا يَرَوْنَ شخصَه :
ايهــــا القـــاتلون جــَــهْلاً حُسَيـْن أَبــْشِرُوا بِالـــْعَذَاب وَالتَنْكِيْلِ
(كُلُّ أَهْلِ ) السَّمَاءِ يَدْعُوْعَلَيْكُمْ مِنْ نَبي وَمــَلاك وَقــبيْلِ
قَدْ لُعــِنْتُمْ عــَـلى لِسَــانِ ابْـنِ دَاوُوْ دَ وَمـُوسَى وَصَاحِبِ الإنْجِيْل
هذه القصة نقلا عما ورد في كتاب الارشاد

يالثارات فاطمة
19-04-2006, 11:09 AM
{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} (31) سورة الرعد

يالثارات فاطمة
19-04-2006, 11:10 AM
{وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} (4) سورة الزخرف

يالثارات فاطمة
19-04-2006, 11:15 AM
زيــارةوارث (http://www.holykarbala.net/books/tarikh/ashora/index.html)






السَّلامُ عـَلَيـْكَ يا وارِثَ آدَمَ صـَفـُوةِ اللهِ السَّلامُ عـَلَيْكَ يا وارِثَ نـوُحٍ نَبــِيِ اللهِ السَّلامُ عـَلَيـْكَ يـا وارِثَ إبـراهيـمَ خـَليـلِ اللهِ السَّلامُ عـَلَيـْكَ يا وارِثَ موســى كـَليِم اللهِ السَّلامُ عـَلَيـْكَ يـا وارِثَ عـيـسى روُحِ الله السَّلامُ عـَلَيْكَ يا وارِثَ مـُحـَمـّدٍ حـَبـيبِ اللهِ السَّلامُ عـَلَيـْكَ يـا وارِثَ اَميرِ المُؤمِنينَ وَلَيِ اللهِ السَّلامُ عـَلَيـْكَ يَابـنَ مـُحـَمـّدٍ المـُصـطـَفـى السَّلامُ عـَلَيْكَ يَابـن عـلي المرتـضـى السَّلامُ عَلَيْكَ يَابـن فاطـمة الزهراء السَّلامُ عَلَيْكَ يَابـنَ خَديجَةَ الكُبـرى السَّلام عَلَيْكَ يا ثارَ اللهِ وابـنَ ثارِِهِ والوِتـرَ المَوتـوُرَ اَشـهَدُ اَنَّكَ قَد اَقَمتَ الصَّلاةَ وَآتَيتَ الزَّكاة وَاَمَرتَ بـاُلمِعروف ِوَنَهَيتَ عـَنِ المُنكرِ وَاَطـَعـتَ اللهَ وَرَسـولَهُ حـَتّى اَتيكَ اليَقـينُ فـَلَعـَنَ اللهُ اُمَةً قَتـَلَتـكَ وَلَعَنَ اللهُ اُمَةً ظَلَمَتكَ وَلَعَنَ اللهُ اُمَةً سَمِعت بـِذلك فَرَضِيَت بـه يا مَولاي يا ابا عَبدِ اللهِ اَشهَدُ اَنّك كُنتَ نوُرا في الأصلابِ الشّامِخَةِ وَالأرحـامِ المُطَهَرَةِ لم تـُنَجـِسـكَ الجـاهِليَّةُ بـاَنِجـاسـِها وَلَم تـُلبـِسكَ مِن مُدلَهِمّاتِ ثـِيابـِها وَاَشـهَدُ أنَكَ مِن دَعائِم الدّين وَاَركانِ المُؤمِنينَ وَاَشهَدُ اَنّكَ الإمـام البَّرُ التَّقـيُ الرَّضـيُ الزَّكيّ الهادِي المَهدِيُ وَاَشـهَدُ اَنَّ الأَئمّة مِن وُلْدِكَ كَلِمةُ التَّقـوى وَاَعـلامُ الهُدى وَالعـُروةُ الوُثـقى وَالحـُجَّةُ عـَلى اَهل الدُنيـا وَاُشـهِدُ اللهَ وَمـلائكـَتـَهُ وَاَنبـِيائَهُ وَرُسـُلَهُ اَنّي بـِكـمُ مُؤمِنٌ وَبـِايِابـِكم مُوقنٌ بـَشَرائِع ديني وخواتيِم عَمَلي وقَلبي لقَلبِكم سِلمٌ وَاَمري لِامْرِكـمُ مُتَّبـع صـَلَوات الله عَلَيكم وَعَلى اَرواحـِكم وَعَلى اَجـسـادِكُم وعـَلَى اَجـسـامِكُم وَعـَلى شـاهِدِكم وَعـَلَى غـائِبـِكم وَعـَلَى ظـاهركم وعـلى بــاطـِنـِكـم بـاَبـي أَنـت وَ اُمي يَا بْن رَسـُولِ اللهِ بِاَبي اَنتَ وَاَمّي يا ابـا عـَبـدِ اللهِ لَقَد عَظـُمتِ الرَّزيَّةُ و جـَلَتِ المُصـيبـَةُ بـِكَ عَلَينا وَعَلى جــَمــيعِ اَهل السَّمــواتِ والأرض فــَلَعَنَ اللهُ اُمـةً أَسرجَت و َاَلجمـَتْ وَتـَهَيَأت و تنـقـبـت لِقـِتالِك يامـَولايَ ياابـا عـَبـدِ اللهِ قـَصـَدتُ زيارتك اَسـئَلُ اللهَ بـالِشـأن الذَي لَكَ عِندَهُ وَ بـِالمَحَل الَّذي لَكَ لَدَيهِ اَن يُصـَليَعَلَى مُحـَمّدٍ وَآلِ مُحـَمّدٍ وَاَن يَجعَلَني مَعَكم في الدُنيا وَالآخـِرة السّلامُ عـَلَيكَ يابــنَ رَسـوُلِ اللهِ السـّلامُ عـَلَيكَ يابـنَ نَبـِيِ اللهِ السـّلامُ عـَلَيـكَ يابـنَ اَمير المُؤمِنينَ السـّلامُ عَلَيكَ يابـنَ الحـُسـينِ الشـهيدِ السـّلامُ عَلَيكَ ايُّها الشـَهيدُ وابـن الشـهيد السـّلامُ عـَلَيكَ ايُّها المـَظـلومُ وَابـنُ المَظـلوُمِ لَعَنَ اللهُ اُمةً قَتـَلَتـك وَلَعَنَ الله اُمةً ظَلَمَتـكَ وَلَعَن اللهُ اُمةً سـَمِعت بـِذلِك فَرَضِيت بـِهِ السـّلامُ عَلَيكَ يا ياوَليَّ اللهِ وَابـنَ وَلِيهِ لَقَد عَظُمتِ المُصـيبـَةُ وَجـَلّتِ الرَزِيةُ بـِكَ عـَلينا وَعـَلَى جـَميعِ المُسـلِمينَ فَلَعَنَ اللهُ اُمةً قَتَلَتك وَاَبـرءُ اِلى اللهِ وَاِليكَ مـِنهم السَّلامُ عـَلَيكُم يااَولياءَ اللهِ وَاَحـِبـائَهُ السَّلام ُعـَلَيكُم يا اصـفـِياءَ اللهِ وَاوِدّائَهُ السَّلامُ عـَلَيكُم يا اَنصـارَ دينِ اللهِ السَّلامُ عـَلَيكُم يا اَنـصـارَ رَسـُولِ اللهِ السَّلامُ عـَلَيـكُم يـا اَنـصـارَ اَميرِ المُؤمِنـين السَّلامُ عـَلَيكُم يا اَنـصـارَ فـاطـِمةَ الزهراء سَيدةِ نِساءِ العـالَمينَ السَّلامُ عـَلَيكُم يا اَنـصـارَ اَبـي مُحـَمَّدٍ الحـَسـَنِ بـن عـليٍّ الوَلي الناصِح السَّلامُ عَلَيكُم يا اَنصارَ اَبـي عَبـدِ اللهِ الحـسـين بـاَبـي اَنتُم وَاُمي طِبـتُم وطابـَتِ الأرضُ الّتـي فـيها دُفـِنـتُم وَفـُزتُم فـَوزاً عـَظـيماً فـَيالَيتَني كـُنتُ مَعـَكُم فَاَفوُز فوزاً عَظيما.

يالثارات فاطمة
19-04-2006, 11:19 AM
قصيدة دعبل الخزاعي



تجــــاوبن بالأرنــــان والــــزفــــرات * نــــوائــــح عجــــم اللفـــظ والنطقات


يخبرن بالأنفــــاس عـــــن سر أنفس * أســــارى هــــوى مــــاض وآخر آت

فأسعدن أو أسعفن حتى تقوضت (1) * صــــفوف الدجــــا بالفجـر منهزمات

على العـــــرصات الخاليات من المها * سلام شـج صب على العرصـات(2)

فعهــــدي بها خــــضر المعاهــد مألفا * من العطرات البيض والخفرات (3)

ليــــالي يعــــدين الـــوصال على القلا * ويعــــدى تــــدانينا عــــلى الغــربات

وإذ هن يلحظــــن العــــيون ســـوافرا * ويستــــرن بالأيدي عــــلى الوجنات

وإذ كــــل يوم لي بلحــــظــــي نشــــوة * يــــبــــيت بــــها قـــلبي على نشوات

فــــكم حــــسرات هـاجها بمحسر (4) * وقــــوفي يوم الجــــمع مــن عرفات

ألــــم تر للأيام مــــا جــــر جــــــورها * على الناس من نقص وطول شتات؟!

ومــــن دول المستهزئيــــن ومـن غدا * بهــــم طالبــــا للنــــور فــي الظلمات

فكيــــف ومــــن أنــــى بطــــالب زلـفة * إلى الله بعد الصوم والصلوات ؟ ! ؟!

سواحــــب أبــــناء النــــبي ورهــــطـه * وبغــــض بنــــي الـــزرقاء والعبلات

وهنــــد ومــــا أدت سمــــية وابــــنــها * أولــــوا الكفر في الاسلام والفجرات

هــــم نــــقضوا عهــــد الكتاب وفرضه * ومحكــــمــــه بالــــزور والشبهـــات

ولــــم تــــك إلا محــــنة قــــد كــشفتهم * بدعــــوى ظــــلال مــــن هن وهنات

تــــراث بلا قــــربى ومــــلك بـــلا هدى * وحــــكم بــــلا شــــورى بغـير هدات

تجــــاوبن بالأرنــــان والــــزفــــرات * نــــوائــــح عجــــم اللفـــظ والنطقات

يخبرن بالأنفــــاس عـــــن سر أنفس * أســــارى هــــوى مــــاض وآخر آت

فأسعدن أو أسعفن حتى تقوضت (1) * صــــفوف الدجــــا بالفجـر منهزمات

على العـــــرصات الخاليات من المها * سلام شـج صب على العرصـات(2)

فعهــــدي بها خــــضر المعاهــد مألفا * من العطرات البيض والخفرات (3)

ليــــالي يعــــدين الـــوصال على القلا * ويعــــدى تــــدانينا عــــلى الغــربات

وإذ هن يلحظــــن العــــيون ســـوافرا * ويستــــرن بالأيدي عــــلى الوجنات

وإذ كــــل يوم لي بلحــــظــــي نشــــوة * يــــبــــيت بــــها قـــلبي على نشوات

فــــكم حــــسرات هـاجها بمحسر (4) * وقــــوفي يوم الجــــمع مــن عرفات

ألــــم تر للأيام مــــا جــــر جــــــورها * على الناس من نقص وطول شتات؟!

ومــــن دول المستهزئيــــن ومـن غدا * بهــــم طالبــــا للنــــور فــي الظلمات

فكيــــف ومــــن أنــــى بطــــالب زلـفة * إلى الله بعد الصوم والصلوات ؟ ! ؟!

سواحــــب أبــــناء النــــبي ورهــــطـه * وبغــــض بنــــي الـــزرقاء والعبلات

وهنــــد ومــــا أدت سمــــية وابــــنــها * أولــــوا الكفر في الاسلام والفجرات

هــــم نــــقضوا عهــــد الكتاب وفرضه * ومحكــــمــــه بالــــزور والشبهـــات

ولــــم تــــك إلا محــــنة قــــد كــشفتهم * بدعــــوى ظــــلال مــــن هن وهنات

تــــراث بلا قــــربى ومــــلك بـــلا هدى * وحــــكم بــــلا شــــورى بغـير هدات

مــــدارس آيــــات خــــلت مــن تلاوة * ومنــــزل وحــــي مقــــفـر العرصات

لآل رســــول الله بالخــــيف من منى * وبالبــــيت والتعــــريف والجــــمرات

ديــــار عــــلي والحــــسين وجعـــفر * وحــــمزة والسجــــاد ذي الثفــــنــات

قــــفا نســــأل الـدار التي خف أهلها * متــى عهدها بالصوم والصلوات ؟ !

وأين الأولى شطت بهم غربة النوى * أفــــانيــــن فــي الآفاق مفترقات ؟ !

أحــــب قــــصي الدار من أجل حبهم * وأهجــــر فيــــهم أســــرتي وثــقاتي

ألم تر أني مذ ثـــلاثين حجــــة * أروح وأغـــدو دائم الحسرات

أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيــــديهم مــن فيئهم صفرات

فآل رسول الله نحف جسومهم * وآل زياد غــــلظ القــــصــرات

بنات زياد في الخدور مصونة * وبنت رسول الله فــــي الفلوات

إذا وتــــروا مــــدوا إلى واتريهم * أكفــــا عــــن الأوتـــار منقبضات

فلو لا الذي أرجوه في يوم أوغد * تقــــطع نفــــسي إثـــرهم حسرات

نفوس لدى النهرين من أرض كربلا * معــــرسهــــم فيهــــا بشــــط فـــرات

مـدارس آيــــات خــــلت مــــن تلاوة * ومنــــزل وحــــي مقــــفــر العرصات

لآل رســــول الله بالخـــيف من منى * وبالركــــن والتعــــريف والجــــمرات

ديــــار عــــلي والحــــسين وجــعفر * وحــــمزة والسجــــاد ذي الثــــفـــنات

ديــــار عــــفاهــــا كـــل جون مبادر * ولم تعــــف للأيــــام والــــســنــــوات

قــــفا نســــأل الدار التي خف أهلها * متى عهـــدها بالصوم والصلوات ؟ !

وأين الأولى شطت بهم غربة النوى * أفــــانين فــــي الآفــاق مفترقات ؟ !

هــــم أهــل ميراث النبي إذا اعتزوا * وهــــم خــــير قــــادات وخـــير حماة

ومــــا النــــاس إلا حـــــاسد ومكذب * ومضطغــــن ذو إحــــنة وتـــــــــرات

إذا ذكــــروا قتــــلى بــــبدر وخيــــبر * ويــــوم حنــــيــــن أسبـــلوا العبرات

قبــــور بكــــوفان وأخــــرى بطـــيبة * وأخــــرى بفــــخ نالــــها صــــلواتي

وقبــــر ببغــــداد لنــــفس زكــــيـــــة * تضمــــنها الــــرحمن فــــي الغرفات

فأمــــا المصــــمات الـتي لست بالغا * مبالغهــــا منــــي بكــــنه صفـــــــات

إلــــى الحــــشر حتى يبعث الله قائما * يــــفرج مــــنها الهــــم والكـــــربات

نفوس لدى النهرين من أرض كربلا * معــــرسهــــم فيــــهــــا بشــط فرات

تقــسمهم ريــب الزمان كما تـــرى * لهــــم عــــقرة مغـشية الحجرات

ســـوى أن منهم بالمدينة عـــصبة * مــــدى الدهر أضناه من الأزمات

قليلــــة زوار ســوى بعـــض زور * مــــن الضبع والعقبان والرخمات

لهــــم كل حــــين نومة بمضاجـــع * لهم فـــي نواحي الأرض مختلفات

وقــــد كان منهم بالحجاز وأهلهـــا * مغــــاوير يخـتارون في السروات

تنكــــب لأواء السنـــين جوارهـــم * فــــلا تصطــــليهم جمرة الجمرات

إذا وردوا خــــيلا تشـــمس بالقـــنا * مساعــــر جمر الموت والغمرات

وإن فخــــروا يـــوما أتوا بمحمـــد * وجــــبريل والفرقان ذي السورات

مــــلامك في أهــــل النــبي فإنهـــم * أحــــباي مــــا عاشوا وأهل ثقاتي

تخــــيرتهم رشــــدا لامـري فإنهـــم * عــــلى كــــل حــال خيرة الخيرات

فيــــا رب زدني من يقيني بصيـــرة * وزد حبــــهم يــــا رب في حسناتي

بنــــفسي أنتــــم من كهول وفتـــية * لفــــك عــــناة أو لحــــمل ديـــــات

أحـب قصي الرحم من أجل حـــبكم * وأهجــــر فيــــكم أســــرتي وبناتي

وأكتــــم حبــــكم مخــــافة كـــاشح * عــــتيــــد لأهـــل الحق غير موات

لقــــد حفــت الأيام حولي بشرهـــا * وإنــــي لأرجـــــو الأمن بعد وفاتي

ألــــم تــــــر إني مذ ثلاثين حجـــة * أروح وأغــــدو دائم الحـــسرات؟!

أرى فيـــئهم في غيرهم متقسمـــا * وأيــــديهم مــــن فيــــئهم صـفرات

فـــآل رسول الله نحف جسومهـــم * وآل زيــــاد حفــــل القــصرات (1)

بنـــات زياد في القصور مصونـــة * وآل رســــول الله فــــي الفــــلوات

إذا وتـروا مدوا إلى أهل وترهـــم * أكــــفا مــــن الأوتــــار منقــبضات

فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد * لقطــــع قــــلبي إثـــرهم حـسراتي

خــــروج إمــــام لا محـــالة خارج * يقــــوم عــــلى اسم الله والبركات

يميــــز فــــينا كــــل حـــــق وباطل * ويجـــــزي على النعماء والنقمات

سأقـصر نفسي جاهدا عن جدالهم * كــــفاني مــــا ألــــقى من العبرات

فيـا نفس طيبي ثم يا نفس أبشري * فغــــير بعــــيد كــــل مــــا هــو آت

فــإن قرب الرحمن من تلك مدتي * وأخــــر مــــن عمري لطول حياتي

شفــــيت ولـــم أترك لنفسي رزية * ورويــــت منهــــم منــصلي وقناتي

أحـاول نقل الشمس من مستقرها * وأســــمع أحـــــجارا من الصلدات

فمــــن عــــارف لـم ينتفع ومعاند * يمــــيل مــــع الأهــواء والشبهات

قصــــاراي منهم أن أموت بغصة * تــــردد بــــين الصــــدر واللهـوات

كأنــــكوآل رسـول الله تــــدمى نــــحورهــم * وآل زيــــاد زيــــنــــوا الحــــجــــلات

وآل رســــول الله تسبــــى حــريمهم * وآل زيــــاد آمنــــوا الســـــــــريــــات

وآل زيــــاد فــــي القـــصور مصونة * وآل رســــول الله فــــي الفــــلــــوات

فيــــا وارثــــي عــــلــــم النـبي وآله * عــــليكم ســــلام دائــــم النــــفـــحات

لقــــد آمنــــت نــفسي بكم في حياتها * وإنــــي لأرجــو الأمن من بعد مماتي

بالأضلاع قـد ضاق رحبها * لمــــا ضمنــــت مـن شدة الزفرات

خـروج إمام لا محالة خارج * يــــقوم على اسم الله والبركات

يميـــز فيـــنا كـل حق وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات

بنت العمران
19-04-2006, 11:21 AM
الف شكر لك مولاي يالثارات فاطمة
على هذه الكلمات العابرة من عشاق الحسين

بنت العمران
19-04-2006, 11:25 AM
هجرتان من اجل الإسلام ورسالة الإسلام ، الأولى منهما كانت فراراً من الموت الذي استهدف رسالة محمد بشخصه ، وقد نفذها الرسول الأعظم بأمر من ربه ليتابع رسالته وينقذها من مشركي مكة وجبابرة قريش كأبي سفيان وأمثاله والثانية قام بها سبطه الحسين بن علي (ع) ولكنها كانت للشهادة بعد أن ادرك ان الاخطار المحدقة برسالة جده لا يمكن تفاديها وتجاوزها إلا بشهادة .


لقد هاجر رسول الله من مكة إلى يثرب لأجل رسالته بعد أن تآمرت قريش على قتله لتتخلص منها ، لأن بقاءها ونتشارها مرهون بحياته ، وبعد أن وجدت ان جميع وسائل العنف التي استعملتها معه على اختلاف اصنافها وأنواعها خلال ثلاثة عشر عاماً لم تغير من موقفه شيئاً كما لم تجدها جميع الاغراءات والعروض السخية ، وكان رده الأخير على عروض ابي سفيان وأبي جهل ومغرياتهما ، والله لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا الأمر أو أموت دونه .


وعادت قريش بعد جميع تلك المراحل التي مرت بها معه تخطط من جديد للقضاء على رسالته لاسيما بعد ان أحست بأن يثرب ستكون من اعظم معاقلها وستنطلق منها إلى جميع انحاء الحجاز وإلى العالم بأسره ، فاجتمع قادتها في مكان يعرف بدار الندوة وراحوا يتبادلون الآراء للتخلص منه فاقترح بعضهم ان يضعوه في احدى البيوت مكبلاً بالحديد بعيداً عن أعين الناس ومجالسهم إلى أن يأتيه الموت ، كما اقترح آخرون ان يطرد من مكة حتى لا يتحملوا مسؤولية قتله ، واتفقوا اخيراً على ان يباشروا قتله على ان تشترك فيه جميع القبائل المكية ويتولى ذلك من كل قبيلة فتى من أشد فتيانها واتفقوا على الزمان والمكان الذي يتم فيه التنفيذ وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في الآية :


واذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك او يقتلوك او يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ، والذي تعنيه الآية ان الله قد فوت عليهم هذا التخطيط وأخبر رسوله بما كان من أمرهم ، وأمره بالخروج من مكة ليلاً وأن يأمر عليا في المبيت على فراشه قبيل خروجه .


وحينما عرض الأمر على علي (ع) لم يتردد لحظة واحدة في التضحية بنفسه في سبيله وقال له : أو تسلم انت يا رسول الله ان فديتك بنفسي ، فرد عليه النبي (ص) بقوله : بذلك وعدني ربي ، فطابت نفسه عند ذلك وتبدد ما كان يساوره من خوف وقلق على النبي ، وتقدم إلى فراشه مطمئن النفس رابط الجأش ثابت الفؤاد واتشح ببيرد الحضرمي الذي اعتاد ان يتشح به في نومه .


وتمت الهجرة في جوف الليل من مكة إلى الغار ومنها إلى يثرب في السادس من ربيع الأول ، واعتمد المسلمون تلك الهجرة في تواريخهم منذ عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب على أثر خصومة بين اثنين في دين يدعي احدهما استحقاقه في شهر شعبان بموجب سند بيده ، وسأل الخليفة الدائن أي شعبان هذا أشعبان هذه السنة أو التي بعدها ؟ ولما لم يطمئن لأحد منهما جمع المسلمين في المسجد ليعتمد لهم تاريخاً ، والمسلمون يوم ذاك لم يكن لهم تاريخ خاص ، فكان بعضهم يؤرخ بعام الفيل وبعضهم بحرب الفجار وأكثرهم كانوا يعتمدون تواريخ الدول المجاورة لشبه الجزيرة العربية ، واختلفت آراء الصحابة في الزمان الذين يعتمدونه في تواريخهم وكادوا ان يتفرقوا بدون ان ينتهوا إلى نتيجة حاسمة لولا ان عليا أقبل عليهم بالمعهود من رأيه السديد وقال : نؤرخ بهجرة الرسول من مكة إلى المدينة فأعجب ابن الخطاب برأيه وهتف قائلا : لا ابقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن ، واقترن رأيه هذا بأعجاب الحضور وتقديرهم لان هجرة الرسول كانت المنطلق لانتصار الإسلام على الشرك والوثنية وحدثا تاريخياً لعله من ابرز الاحداث في تاريخ الدعوة ، واستمر المسلمون على ذلك في تواريخهم ولم يحدث التاريخ عنهم بأنهم اعتبروا شهر المحرم بداية لسنتهم الهجرية ، ولعل ذلك لم يحدث إلا بعد مقتل الحسين وبعد ان اصبحت الأيام الأولى من شهر المحرم أيام حزن عند أهل البيت وشيعتهم فجعلها الأمويون بداية للسنة الهجرية وعيداً من أعيادهم ، ولا يزال المسلمون عند مواقفهم من تلك الايام الأولى من ذلك الشهر ، فالشيعة يحتفلون بذكرى الحسين (ع) ويرددون تلك المأساة في مجالسهم ومجتمعاتهم بما تحمله وتنطوي عليه من الإخلاص للعقيدة والمبدأ والتضحيات الجسام في سبيل الحق والمستضعفين وكرامة الإنسان ، وغيرهم من مسلمي السنة يحتفلون به كبقية الأعياد ويتباهون بمظاهر الفرح والزينة وأنواع الأطعمة .


ومهما يكن فلقد كانت الهجرة من مكة إلى المدينة في السادس من ربيع الأول بعد مرور ثلاثة عشر عاماً على ولادة الإسلام ، وفي اليوم الثاني عشر منه كان النبي في المدينة بين أنصاره الجدد الذين احتضنوه وأخلصوا لرسالته وأنقذه الله من تلك المؤامرة الدنيئة التي استهدفت حياته ورسالته وحاك خيوطها شيخ الأمويين يوم ذاك أبو سفيان بن حرب ، وسلم محمد لرسالته التي ارغمت ابا سفيان وغيره من مشركي مكة بعد سنوات قليلة من تلك الهجرة على الانضواء تحت لوائها بقلوبهم المشركة الحاقدة يتململون بين أقدام طريدهم بالأمس يستجدون عفوه ورأفته أذلاء صاغرين .


وأبت نفسه الكبيرة التي اتسعت لتعاليم السماء ورسالة الإسلام إلا أن تتسع لأبي سفيان وحتى لزوجته هند آكلة الأكباد وغيرها من المشركين والمشركات وأعلن العفو العام حينما دخل مكة فاتحا منتصرا متجاهلاً جميع سيآتهم بكلماته الخالدة التي لا تزال سمة خزي وعار ما دام التاريخ : اذهبوا فأتنم الطلقاء ، وأعطى لأبي سفيان العدو الأكبر للإسلام ما لم يعطه لأحد من المشركين .


وهل غيّر هذا الموقف العظيم الذي لا يمكن ان يصدر من أي انسان مهما كان نوعه ، هل غيّر من نفس أبي سفيان وروحه شيئاً ، وهل ادرك ان موقفا كهذا لا يصدر الا عن انسان تسيره ارادة السماء ؟ ان النفوس الحقودة اللئيمة لا علاج لها إلا بالإستئصال والرسول العظيم يعلم ذلك ويعلم أن ما صنعه مع البيت الأموي لا يغير من طبيعته ولكن مصلحة الإسلام يوم ذاك فرضت عليه ان يعالجهم بهذا الأسلوب ويستعمل معهم العفو والرحمة بدلاً من معاملتهم بما يستحقون .


وبقي الحزب الأموي بقيادة ابي سفيان يتحين الفرص ويستغل المناسبات وحينما انتقلت الخلافة إلى سليل بيته عثمان بن عفان أحس بنشوة تملأ نفسه الحاقدة وذهب يقوده غلامه لينفس عما تراكم في نفسه من أحقاد على الإسلام ودعاته ، إلى قبر الحمزة ليركله برجله ويقول : قم يا ابا عمارة ان الذي تجالدنا عليه لقد اصبح تحت أقدامنا .


وخلال سنوات معدودات من حكمهم استطاعوا ان يحققوا لهذا البيت اكثر أمانيه واتجهوا يعملون لوثنيتهم وجاهليتهم حتى لا يبقى لرسالة محمد ناطق على منبر أو محراب وليصبح أئمة المساجد والقراء والرواة أبو اقا للسلطة الحاكمة والقبضة الأموية الجديدة التي تعمل للسلطة والجاهلية باسم الإسلام اداة لغسل الادمغة من عقائده وحشوها بمبادئ الردة والوثينة ، وظلوا يعملون بهذا الاتجاه الوثني حتى انقلبت القيم وسحقت التعاليم وذهبت رياح الجاهلية بجهود المخلصين وجاءت بكنوز الذهب للمنافقين ، وأصبح التوحيد ستاراً للشرك والإسلام لا يعني سوى الإستسلام للحاكمين ، والسنة قاعدة للسلطة ، والحديث عرضة للوضع والتزوير والتحريف والألسن قطعت أو اشتريت بأموال الفقراء والمساكين .


اما اصحاب السابقة والجهاد فقد تقاضوا الثمن ولايات وامارات ، واعتزل فريق للعباد وفريق ساوموا على سكوتهم عن الظلم والجور حتى لا يواجهون النفي والموت في صحراء الربذة ومرج عذراء وقصر الخضراء ، وعادت الجاهلية الجديدة أثقل ظلا وأشد ظلمة ووحشية والعدو الجديد أشد دهاء وأكثر نضجا وذكاء .


وفجأة سطع ضوء في الظلام ومن بين ركام الإسلام المتداعي وأضاءت للملأ ملامح امل جديد في دياجي ذلك الظلام المطبق وبدأ للعالم انسان يخط على التراب بدمه ، إلا واني لا أرى الموت إلا السعادة والحياة مع الظالمين إلا برما .


انه الحسين بن علي وفاطمة سبط ذلك الرسول الذي هاجر من مكة ليثرب قبل ستين عاماً لأجل رسالته وانقاذها من الشرك والوثنية ومرة ثانية وفي ظروف لعلها اسوأ على الإنسانية والرسالة من الضروف التي خرج فيها جده من قبل لإنقاذ البشرية مما كانت تعانيه من عسف وجور واستغلال خرج من بيت محمد وعلي البيت الذي وسع التاريخ كله فكان اكبر منه خرج غاضباً مصمما على الموت كأن في صدره اعصارا هو في طريقه إلى الانطلاق . خرج لأجل الرسالة التي هاجر لأجلها جده الرسول الأعظم من قبل يتلفت من حوله وحيداً أعزل يرى الرسالة وآمال الفقراء والمستضعفين تساق إلى قصر الخضراء في دمشق لا يملك سلاحا غير الشهادة التي يراها زينة للرجال كما تكون القلادة زينة للفتاة وهاجر للحصول عليها على هدى وبصيرة وشبحها ماثل نصب عينيه يتطلع إلى تربة كربلاء مع ركبه بصبر وصمود وهو يقول : خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفلاة أفلا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهي عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقاً .


لقد هاجر من مدينة جده إلى مكة ومنها إلى العراق بعد أن رأى رسالة الإسلام تتعرض للانهيار ومصير الإنسان يوم ذاك اسوأ من مصير انسان الجاهلية نافضاً يديه من الحياة لا يملك في مقابل عدوه سوى سلاح الشهادة وفي كل مرحلة كان يقطعها وهو يحث السير إليها كان يشير إلى أنصاره الذين رافقوه في تلك الرحلة ليموتوا معه وإلى أهل بيته الذين هم كل ما يملكه من الحياة إلى هؤلاء جميعاً كان يشير ويكشف لهم عن معاني الشهادة وأهدافها ومعطياتها ويشهد العالم بأسره بأنه قد أدى للإنسانية كل ما يقدر عليه .


لقد كان سيد الشهداء يدرك ويعي اهمية الرسالة الملقاة على عاتقه ويعلم بأن التاريخ ينتظر شهادته وانها ستكون ضمانا لحياة أمة واساسا لبناء عقيدة وهتكا لاقنعة الخداع والظلم والقسوة وأداته لسحق القيم ومحوها من الاذهان وانقاذا لرسالة الله من أيدي الشياطين والجلادين ، وهذا هو الذي كان يعنيه بقوله لأخيه محمد بن الحنفية وهو يلح عليه ويتململ بين يديه باكيا حزينا ليرجع إلى حرم جده : لقد شاء الله ان يراني قتيلا وشاء ان يرى حرمي وعيالي سبايا .


لقد اعطى الحسين للعالم كله بشهادته دروساً مليئة بالحياة غنية بالقيم وروعة الجمال وأصبح هو ومن معه من طفله إلى اخوته وأنصاره وغلمانه القدوة الغنية بمعطياتها للعالم في كل زمان ومكان يعلمون الأبطال كيف يموتون في مملكة الجلادين الذين ذهبت ضحية سيوفهم آمال أجيال من الشباب وتلوت تحت سياطهم جنوب النساء وأبادوا وأجاعوا واستعبدوا رجالاً ونساء ومؤذنين ومعلمين ومحدثين .


لقد ترك الحسين واخوته وأصحابه وحتى غلمانه دروساً سخية بالعطاء والقيم حافلة بالعبر والمثل التي تنير العقول وتبعث في النفوس والقلوب قوة الإيمان بالمثل العليا والمبادئ السامية التي دعا إليها وضحى بكل ما يملك من أجلها ولا تزال الاجيال تستلهم منها كل معاني الخير والنبر والفضيلة وسيبقى الحسين وأنصاره مثلا كريما لكل ثائر على الظلم والجور والطغيان إلى حيث يشاء الله .


لقد هاجر من مدينة جده إلى ارض الشهادة والخلود ليقدم دمه الزكي ودماء اخوته وأنصاره الخالدين ثمنا لإحياء شريعة جده الرسول الأعظم وانقاذها من مخالب الكفر والانحراف ، ولكي يضع حدا لسياسة البطش والتنكيل واراقة الدماء وليعلن بصوته المدوي الذي لا يزال صداه يقض مضاجع الظالمين ان الإسلام فوق ميول الحاكمين وان المثل والقيم فوق مستوى مطامعهم الرخيصة وان الحرية والكرامة من حقوق الإنسان في حياته ولا سلطان للحكام والطغاة عليها .


أجل ان رسالة الحسين (ع) كانت ولا تزال امتدادا لرسالة جده وجهاده امتدادا لجهاد جده وأبيه امير المؤمنين بطل الإسلام الخالد الذي تام الإسلام وانتشر بسيفه وجهاده .


وكما خيبت هجرة الرسول مساعي المتآمرين على قتله بخروجه من مكة إلى يثرب بعد ان بات على فراشه بطل الإسلام الخالد ليدرأ عنه خطر الاعداء ويفيده بنفسه من مؤامرة ابي سفيان وحزبه كذلك خيبت شهدة سبطه الثائر العظيم آمال أمية وأمانيها ومما يطمح إليه حفيدها يزيد بن معاوية من تحطيم الإسلام وعودة الجاهلية والاصنام آلهة آبائه وأجداده وسجلت اتنصاراً حطم اولئك الجبابرة الطغاة ودولتهم الجائرة العاتية التي قابلها الحسين وقضى عليها بشهادته ودمه الزكي الطاهر بالرجال والعتاد والأموال .


ولرب نصر عاد بشر هزيمة * تركـت بيوت الظالمين طلولا


لقد قاتل مع الحسين (ع) اثنان وسبعون شخصاً من اخوته وأبنائه وانصاره الأبطال الذين امتحن الله قلوبهم بالإيمان فقاتلوا دفاعاً عن الحق والعقيدة ورسالة الإسلام وأرخصوا حياتهم لإعلاء كلمة الله في الارض وكانوا مع قلة عددهم وكثرة الحشود التي اجتمعت لقتالهم يكرون على تلك الحشود بقلوبهم العامرة بالتقوى ونفوسهم المطمئنة الى المصير الذي أعده الله للمجاهدين في سبيله فيفرون من بين أيدهم فرار المعزا اذا شدت عليها الذئاب ورحم الله السيد حيدر الحلي القائل :


جاءوا بسبعين الف سل بقيتهم * هـــل قابلـونا وقد جئنا بسبعين لقد ترك لنا الحسين وجد الحسين والأئمة من ذرية الحسين من اقوالهم وسيرتهم وسلوكهم وجهادهم مدرسة غنية بكل ما نحتاجه في الحرب والسلم والشدة والرخاء والفقر والغنى وكل نواحي الحياة فما اولانا ونحن ندعي الإسلام والتشيع لهم ان نرجع إلى سيرتهم ونسير على خطاهم ونصنع من ميراث أمتنا وقادتنا خير أمة اخرجت للناس .


ولو نظرنا ومع الاسف الشديد إلى مبادئ التشيع التي تجسد الإسلام بكل فصوله وخطوطه وقارنا بينها وبين ما نحن عليه من تخاذل وتراجع واذلال وانحراف عن الإسلام ومبادئه وقيمه وجدنا انفسنا من ابعد الناس عن علي وبنيه وعن الحسين بالذات الذي نحتفل في كل عام بذكراه ونبكيه ونردد بألسنتنا يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً ، وأنا لا اشك بأن الحسين لو وجد في زماننا هذا لصنع من القدس وجنوب لبنان كربلاء ثانية وسوف لا يناصره ممن يدعون الإسلام والتشيع ومن يتباكون على القدس والجنوب ويتاجرون بهما في البيانات والخطب وعلى صفحات الجرائد اكثر من العدد الذي ناصره في كربلاء الاولى .


ان بكاء الباكين وتباكيهم على الحسين وعلى القدس والجنوب لم يكن إلا لأنه يلتقي مع مصالحهم او لبعض الحالات الطبيعية التي تسيطر على الإنسان احياناً ، فهل هؤلاء مع الحسين ومبادئه ومع القدس القبلة الأولى للمسلمين وفلسطين التي اغتصبتها وشردت اهاليها قوى الشر والعدوان ، ومع جنوب لبنان الذي عبثت فيه الأهواء والاطماع ومزقته إلى احزاب وشيع لا تحصى حتى ولو تعارض ذلك مع مصالحهم وأهوائهم ، فعشرات الشواهد والأرقام تؤكد ان مصالحنا وأهوائنا إذا تعارضت مع الحسين وجميع القيم ومع القدس والجنوب وجميع المظلومين والمعذبين لم نعد نتعرف على الحسين ولا على مبادئه وقيمه ولا على القدس والجنوب ولا على المظلومين والمعذبين ولو خرج من يحمل مبادئ الحسين في زماننا هذا لحاربناه كما حاربه اولئك بالأمس ولقطعنا رأسه ورؤوس من يناصره وأهديناها لمن يحمل روح يزيد وابن زياد وما اكثرهم في زماننا هذا .


لقد بكى عمر بن سعد على الحسين في كربلاء وسالت دموعه على لحيته عندما رآه يجود بنفسه والدماء تنزف من جسده وفي نفس الوقت أمر اصحابه بقتله وقال لهم : انزلوا اليه وأريحوه . والانسان في الغالب قد يتأثر وينفعل من غير قصد واختيار كما يتنفس ويتألم ويفرح ويحزن وسرعان ما يتغير وكأنه انسان آخر ، وبذلك نستطيع ان نفسر بكاء اكثر الباكين على الحسين من المحبين والمجرمين القسادة وهم يستمعون إلى حديث كربلاء وما حل بها من الفجائع على أهل البيت عليهم السلام .

وجاء عن بعض العلويات انها قالت : حين استشهد اخي الحسين هجم العدو على خيامنا المسلب والنهب ودخل خيمتي رجل ازرق العينين فأخذ ما في الخيمة ونظر إلى زين العابدين وهو على نطع وكان مريضاً فجذبه من تحته ورماه إلى الأرض والتفت الي وأخذ القناع عن رأسي وقرطين كانا في أذني وجعل يعالجهما ويبكي حتى انتزعهما ، فقلت له : تسلبني وأنت تبكي ؟ فقال : ابكي لمصابكم اهل البيت .


وبلا شك فان الكثيرين من الذين يبكون لمصاب اهل البيت وما حل بهم في كربلاء يحملون روح هذا المجرم ازرق العينين ، ولو تسنى لهم ان يسلبوا الحوراء او غيرها خمارها اذا اقتضت مصلحتهم ذلك لا يقصرون ولا يتورعون ، وأي فرق بين ازرق العينين الذي اقتحم خيام الحسين وأخذ النطع من تحت الإمام السجاد وانتزع القرطين من أذني الحوراء وبين من يدعون التشيع والإسلام في زماننا هذا ويعتدون على أموال الناس وحقوق الناس وكرامتهم غير مكترثين بالأديان ولا بالأخلاق والأعراف التي لا تقر الاساءة لاحد من الناس .


ان هؤلاء لا فرق بينهم وبين عمر بن سعد وأزرق العينين ولو وجدت العقيلة الحوراء في زماننا هذا لا يتورعون عن انتزاع قرطها ولا عن قتل اخيها وأبيها إذا اقتضت مصلحتهم ذلك ، وفي الوقت ذاته يتأثرون وينفعلون وقد يبكون عندما يستمعون إلى حديث كربلاء وما فعله ازرق العينين.


وسلام الله على الحسين وأنصاره شيوخاً وشبانا الذين لا تزال ذكراهم حية تثير الاسى والشجن في نفوس المحبين وحتى في نفوس الكثيرين في زماننا هذا من أمثال ابن سعد وأزرق العينين ، ولكن ذلك الاسى سرعان ما يتبخر ولا يعلق من تلك الذكرى وأهدافها السامية في النفوس والعقول إلا صوراً لا تتجاوز عالمها ومحيطها ثم تتبخر وكأنها لم تكن .


وأعود لأكرر بأن المسلمين لو استغلوا ذكراك يا ابا عبدالله وتضحياتك الجسام في سبيل الإسلام وخير الإنسانية ، واستغلوا مولد الرسول وسيرته العطرة الغنية بمعطياتها الذي يحتفلون به في هذه الأيام من كل عام من على منابرهم وبالهتاف والتصفيق في شوارعهم لبضع ساعات ثم يعودون مسرعين إلى نوادي القمار والخمور والبغاء وخدمة اعداء الإسلام بأموالهم وجميع طاقاتهم ، لو استغلوا ذكرى سيد الشهداء ومولد الرسول (ص) لمرضاة الله ورسوله ولصالح الإسلام والمسلمين وبث الوعي ورص الصفوف في مقابل الغزاة من أعداء الإسلام والمسلمين لا لاشاعة الجهل والتفريق والاتجار بالدين وعواطف الناس لكانوا من افضل الأمم وأقواها في مشرق الدنيا ومغربها وسلام الله على الحسين الذي لم يحدث عن مثله التاريخ :


فيا ايها الوتر في الخالديـن * فـذا إلــــى الان لــــم يشفع


ويا واصلا من نشيد الخلود * ختـام القــــصيـدة بـالمطـلع


ويا بـن التي لـم يــقع مثلها * كـمثــــلك حـملاً ولم ترضع


تعــاليت من مفزع للحتـوف * وبـــورك قـبرك مـن مفزع


تمــــر الـدهـور فمـن يسجـد * عـــلى جانبـيه ومـن ركـع

بنت العمران
19-04-2006, 11:29 AM
القيم الأخلاقية في النهضة الحسينية


محمود العذاري

جاءت الرسالة الإسلامية الخاتمة لهداية الإنسان، وتحريره من جميع ألوان الانحراف في فكره وسلوكه، وتحريره من ضلال الأوهام ومن عبادة الآلهة المصطنعة، وتحريره من الانسياق وراء الشهوات والمطامع، وتهذيب نفسه من بواعث الأنانية والحقد والعدوان، وتحرير سلوكه من الرذيلة والانحطاط.

وقد اختصر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الهدف الأساسي من البعثة بقوله المشهور: (إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

وقد واصل الأوصياء والأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) هذه المهمة لتترجم في الواقع في أعمال وممارسات وعلاقات، ولهذا كانت الأخلاق هي المحور الأساسي في حركاتهم، وقد جسد الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته المباركة المفاهيم والقيم الأخلاقية الصالحة، وضرب لنا وأصحابه وأهل بيته أروع الأمثلة في درجات التكامل الخلقي.

وفيما يلي نستعرض أخلاق النهضة الحسينية المباركة لتكون نبراساً لنا في الحياة:


أولاً: مراعاة حرمة الكعبة

رفض الإمام الحسين (عليه السلام) اللجوء إلى الكعبة لكي لا تستباح حرمتها، وكان يقول لمن طلب منه الالتجاء إليها: (إنّ أبي حدثني أنّ لها كبشاً به تستحل حرمتها فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش)(1).

وقال لأخيه محمد بن الحنفية: (يا أخي خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت)(2).

وقال لعبد الله بن الزبير: (يا أبن الزبير لأن ادفن بشاطئ الفرات أحبّ إليّ من أن ادفن بفناء الكعبة)(3).


ثانياً: الوفـاء بالعهـود والمواثيق

الوفاء بالعهود والمواثيق من الأخلاق الفاضلة في جميع الأديان إلهية كانت أم وضعية، وقد جسدت النهضة الحسينية هذه القيم الأخلاقية في اشد المواقف خطورة، فبعد اتفاق الإمام الحسين (عليه السلام) مع الحر بن يزيد الرياحي على أن يسايره فلا يعود إلى المدينة ولا يدخل الكوفة طلب منه الطرماح بن عدي أن ينزل قبيلة طي ليلتحق به عشرون ألف طائي فقال له الإمام (عليه السلام): (انّه كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف)(4).

فقد وفّى (عليه السلام) بعهده وان كان قد أفقده عشرين ألف ناصر له وهو بحاجة إلى أي ناصر.


ثالثاً: الرحمة والشفقة على الأعداء

أنّ إتباع الحق يقاتلون من أجل هداية الأعداء إلى المنهج الرباني لتحكيمه في التصور وفي السلوك وفي واقع الحياة، وهم لا يقاتلون انتقاماً لذواتهم وإنّما حبّاً للخير ونصراً للحق، ولذا نجدهم رحماء شفوقين حتى مع أعدائهم ليعودوا إلى رشدهم ويلتحقوا بركب الحق والخير، وقد جسد الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه أروع ملاحم الإنسانية والرحمة والعطف، ففي طريقة إلى كربلاء التقى بأحد ألوية جيش ابن زياد وكان ألف مقاتل مع خيولهم وكانوا عطاشى، فأمر أتباعه بسقي الجيش وقال لهم: (اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفا) وقد سقى الإمام الحسين (عليه السلام) بنفسه ابن طعان المحاربي(5).


رابعاً: الإيثار ونكران الذات

أنكر أتباع الإمام الحسين (عليه السلام) ذواتهم وذابوا في القيادة التي جسدت المنهج الإلهي في واقعها المعايش، فلم يُبقوا لذواتهم أيّ شيء سوى الفوز بالسعادة الأبدية، فكان الإيثار والتفاني من أهم الخصائص التي اختصوا بها.

لما رأوا أنهم لا يقدرون يمنعون الحسين (عليه السلام) ولا أنفسهم تنافسوا أن يقتتلوا بين يديه(6).

وقبل المعركة وصل بُرير ومعه جماعة إلى النهر، فقال لهم حماته ـ بعد أن عجزوا عن قتالهم ـ : اشربوا هنيئاً مريئاً بشرط أن لا يحمل أحد منكم قطرة من الماء للحسين، فكان جوابهم: (ويلكم نشرب الماء هنيئاً والحسين وبنات رسول الله يموتون عطشاً لا كان ذلك أبداً)(7).

وفي شدة العطش رفض العباس (عليه السلام) شرب الماء قبل الإمام الحسين (عليه السلام) وقال:


يا نفس من بعد الحسيـن هوني***وبعده لا كنــــــت أن تكونـــي

هذا حسين وارد المنــــــــــون***وتشربيـ ـن بــارد المعيـــن(8)


خامساً:العلاقة بين القائد والأتباع

في كل نهضة هنالك قيادة وطليعة وقاعدة ترتبط بروابط مشتركة من أهداف وبرامج ومواقف، والقيادة دائماً هي القدوة التي تعكس أخلاقها على أتباعها، وفي النهضة الحسينية تجسدت الأخلاق الفاضلة في العلاقات والروابط حيث الإخاء والمحبة والتعاون والود والاحترام بين القائد وأتباعه وبين الأتباع أنفسهم، فالأتباع ارتبطوا بالقيم والمثل ثم ارتبطوا بالقائد الذي جسّدها في فكره وعاطفته وسلوكه، فالأتباع يتلقون الأوامر بقبول ورضى وطمأنينة.

ومن هذه القيم كان الإمام الحسين (عليه السلام) يخاطب حامل لوائه وهو أخاه العباس: (يا عباس اركب بنفسي أنت)(9).

ويخاطب أتباعه قائلاً: (قوموا يا كرام)(10).

ويخاطبهم أيضاً: (صبراً بني الكرام فما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضّراء إلى الجنان الواسعة)(11).

ونتيجة لهذا الترابط الروحي بين القائد والأتباع رفض الأتباع أن يتركوا الإمام الحسين (عليه السلام) لوحده بعد أن سمح لهم بالتفرّق عنه، فهذا مسلم بن عوسجة يخاطب الإمام (عليه السلام) قائلاً: (أما والله لو علمت أنّي اقتل ثم أحيى ثم احرق ثم أحيى ثم أذرّى يفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك)(12).

وبعد الشهادة كان الإمام (عليه السلام) يقف على جسد جون وهو عبد أسود ويدعو لـه: (اللهمّ بيَّض وجهه وطيّب ريحه)(13).

ويعتنق واضح التركي وهو يجود بنفسه واضعاً خدّه على خدّه(14).


سادسـاً: مواساة القيادة لأتباعها

شارك الإمام الحسين (عليه السلام) أنصاره في السرّاء والضرّاء وفي آمالهم وآلامهم، وعاش في وسطهم يتعرض لما يتعرضون له، ولم يضع فاصلاً بينه وبينهم، فكانت أمواله وأطفاله وعياله معهم يبذلها من اجل الحقّ، وكان لأنصاره وأتباعه أسوة وقدوة وهو القائل: (نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم فلكم فيّ أسوة)(15).


سابعـاً: مراعاة العواطف والأحاسيس

في ظروف القتال قد ينسى القادة العواطف والأحاسيس ويتعاملون بعقولهم لمعالجة الظروف العصيبة، ولكن الإمام (عليه السلام) راعى العواطف والأحاسيس لذلك، فقد رفض السماح لعمر بن جنادة بالقتال بعد أن استشهد أبوه مراعاة لعواطف أمه، وهو ابن إحدى عشرة سنة، إلى أن علم أنّ أمه هي التي أذنت له ودفعته للقتال(16).


ثامناً: احترام وشائج القربى

احترام الإمام (عليه السلام) وشائج القربى حفاظاً منه على المفاهيم والقيم الأخلاقية التي خرج من أجل تحقيقها في الواقع، فحينما صاح شمر: أين بنو اختنا؟ أين العباس وأخوته، وكانت أمهم من عشيرته، فاعرضوا عنه ولم يجيبوه، فقال لهم الإمام (عليه السلام): (أجيبوه وان كان فاسقاً)(17).


تاسعـاً: صيانـة المرأة

احترم الإمام الحسين (عليه السلام) المرأة ووضعها في مكانها اللائق، ولم يصطحب معه النساء إلاّ لإكمال مسيرة الحركة الإصلاحية لإبلاغ أهدافها عن طريقهن.

والإمام ارجع أم وهب حينما أرادت أن تقاتل، وأرجع أم عمر بن جنادة بعد أن أصابت رجلين(18).

والتزمت النساء بالتعاليم الإسلامية في الحجاب وفي مقابلة المصاب وبالصبر، فلم يشققن جيباً ولم يخمشن وجهاً، ولم يرتفع صراخهنّ أمام الأعداء.


عاشـراً: أخلاقية الإعلام

لم يمارس الإمام الحسين (عليه السلام) الكذب والخداع والتمويه في إعلامه، وإنّما ركز على حقائق معلومة للجميع، فوضّح أهداف حركته وهي إصلاح الواقع، وحينما جاءته الأخبار عن مقتل مسلم بن عقيل لم يخف الأخبار عن أصحابه وإنما اخبرهم بذلك وشجعهم على الانصراف، وكان بين فترة وأخرى يخبرهم انه سيقتل وتسبى حريمه، ولم يخبرهم انه سينتصر عسكرياً.


حادي عشر: رفض البدء بالقتال

القتال نهاية المطاف بعد أن تعجز الوسائل السلمية وبعد أن يصل المسلمون إلى طريق مسدود فإمّا الذل وإمّا العزّ بالدفاع عن القيم والمبادئ الإسلامية.

وقد رفض الإمام الحسين (عليه السلام) البدء بالقتال، ففي طريقه إلى كربلاء قابل أول طلائع الجيش فلو دخل معركة معهم لهزمهم ولكنه رفض البدء بقتالهم وكان جوابه لزهير بن القين:(ما كنت لأبدأهم بقتال)(19).

وفي عاشوراء وقف شمر أمام معسكر الحسين (عليه السلام) وبدأ يكيل السباب والشتم للإمام، فأراد مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فقال له الإمام (عليه السلام): (لا ترمه فانّي اكره أن ابدأهم)(20).


ومن أخلاق النهضة الحسينية: قبول توبة المخالفين، ورفض الفتك بالأعداء، وعدم استخدام العبارات غير المهذبة حتى مع قادة الحكم الأموي.

وبهذه الأخلاق استطاعت النهضة الحسينية أن تحقق النصر الحقيقي بعد أن أيقن المسلمون أنها نهضة سليمة جاءت لإصلاح الواقع وتغييره بعد أن جسدت هذا الإصلاح وهذا التغيير في سلوكها وأخلاقها.


الهوامش:

1- الكامل في التاريخ 38:4 .

2،3- بحار الأنوار 364:44، 86:45.

4- الكامل في التاريخ 50:4.

5- الإرشاد: 224 ، المفيد.

6- الكامل في التاريخ 72:4.

7- معالي السبطين 320:1.

8- مقتل الحسين: 336، المقرّم.

9- إبصار العين في أنصار الحسين: 28 محمد السماوي.

10، 11- حياة الإمام الحسين 199:3، باقر شريف القرشي.

12- بحار الأنوار393:44.

13- اللهوف في قتلى الطفوف: 47.

14- إبصار العين في أنصار الحسين: 85.

15- الكامل في التاريخ48:4.

16- تاريخ الطبري 304:4.

17- المنتظم في تاريخ الأمم والملوك 237:5 .

18- بحار الأنوار 17:45.

19- الكامل في التاريخ52:4.

20- الإرشاد: 234.

بنت العمران
19-04-2006, 11:30 AM
الحسين (عليه السلام) رمز إنساني




الحسن والحسين مني .. من أحبهما أحببته، ومن أبغضهما أبغضته .

صدقت يا سيدي يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) .. والإمام الحسين .. سيد الشهداء .. الشهيد ابن الشهيد أبو الشهداء .. هو رمز إنساني رفيع لمظلمة لازلنا نتجرع مرارتها كل يوم .. مظلمة استئساد الباطل والشر والقبح والكراهية والتجبر والكبر وكل المعاني الخبيثة والسيئة .. وسيرة الإمام عطر الأحباب ، ونزهة الألباب ، ومراد الأحباب .. وريح الجنة .. وحلم الإنسانية الجميل .. المنتظر دائماً ..

الإمام لم يعد رمزاً للشيعة ولا حتى للمسلمين وحدهم ، بل هو رمز إنساني رفيع .. للأسف لم يجد من يستلهمه فيكتب أدباً يخلد كاتبه قبل أن يخلد السبط الخالد ...

الحسين رضوان الله عليه وسلامه .. كان وسيظل أجمل وأطيب وأنبل جملة اعتراضية في تاريخ الإنسانية .. وليس الإسلام فقط ، ولم يكتسب الإمام ابن الإمام أبو الأئمة قدره من النسب الشريف فحسب ، بل من ذاته الرفيعة التي رفضت الخنوع لسلاطين السوء .. الذين شوهوا الدين ومازال أحفادهم يفعلون .. وجعلوه قبلية وعصبية وبداوة وجلافة ووراثة ما أنزل الله بها من سلطان .. وإلا لكان الإمام علي أولى بها .. لكن الداهية اللعين وحده هو الذي فعلها .. والله المستعان .

وفي هذا الرابط موضوع كتبه أبو الأعلى المودودي عن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، ونشرته جريدة النهار اللبنانية بتاريخ 5- 4 – 2001 ، وهو بعنوان (ما لا ينتبه إليه كثيرون في استشهاد الإمام الحسين)، قال فيه:

هدف الشهادة

يتظاهر عشرات الملايين من المسلمين شيعة وسنة في المحرم من كل عام ليظهروا غمهم وحزنهم على استشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه . لكن لم ينتبه منهم إلا أقل القليل ويا للأسف إلى الهدف الذي لم يبذل الإمام في سبيله روحه الغالية فحسب ، بل ضحى حتى بأطفاله وعائلته. إن إظهار أهل البيت الحزن والأسى على استشهاد أحدهم ظلماً وعدواناً ، وكذلك حزن المتعاطفين والمؤيدين والمحبين لأهل هذا البيت، أمر فطري، فمثل هذا الحزن والأسى يظهر من جانب كل أسرة في العالم، ومن جانب المنتسبين إليها، ولا قيمة أخلاقية له أكثر من كونه نتيجة فطرية لحب هذا البيت، وحب المتعاطين معهم شخص هذا الشهيد وذاته.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: أي شيئ تميز به الإمام الحسين فجعل الحزن عليه يتجدد كل عام رغم مرور كل هذه القرون الطويلة؟ فإن لم تكن شهادته لهدف عظيم وقصد جليل فلا معنى إذن لاستمرار الحزن عليه قروناً طويلة بدافع الحب لشخصه والانتساب له.

بل وأي وزن يمكن أن يكون لهذا الحب الشخصي - مجرد الحب- في عين الإمام نفسه؟

فإن كانت نفسه أعز عليه من هذا الهدف، فلماذا ضحى بها؟

إن تضحيته بنفسه دليل في ذاتها على أن هذا الهدف كان أعز عليه من روحه.

ولهذا فنحن إن لم نسعَ في سبيل تحقيق هذا الهدف وظللنا نعمل خلافه، فمهما بكينا على ذاته ولعنّا قاتليه، فلا أمل في أن يثني الإمام الحسين - نفسه - علينا، ويستحسن فعلنا هذا يوم القيامة، كما أنه لا أمل في أن يقيم ربه لبكائنا وحزننا هذا وزناً.

فعلينا الآن أن نرى أي هدف استشهد في سبيله الإمام الحسين؟

هل كان يرى نفسه أحق بالحكم فضحى بنفسه لأجله؟

إن من يعرف سيرة بيت الإمام الحسين وسمو أخلاقهم لا يمكن أن يظن حتى مجرد ظن أن هؤلاء كانوا يريقون دماء المسلمين من أجل الحصول على السلطة والحكم لأنفسهم. ولو سلمنا جدلاً - ولو لقليل - برأي من يرون أن هذا البيت كان يدعي أحقيته بالحكم، فإن تاريخ خمسين عاماً منذ عهد أبي بكر إلى عهد معاوية شاهد على أن القتال وإراقة الدماء للحصول على السلطة لم يكن أبداً سبيل أهل هذا البيت ولا خصلتهم.

ومن ثم فلا محالة من التسليم بأن الإمام كان يرى آثار تغيّر كبير في المجتمع المسلم آنذاك، وفي روح الدولة الإسلامية ومزاجها ونظامها، وأنه كان يعتبر ضرورة منع هذا التغير وإيقافه ولو اقتضى الأمر القتال ليست جائزة فحسب بل فرضاً مفروضاً .. .. إلى آخر بحث المودودي .. وقد تضمن عناوين:

تغير مزاج دستور الدولة وهدفه. نقطة الانحراف. بداية ملوكية البشر. تعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. المبادئ الأساسية للدستور الإسلامي. الانتخاب الحر. نظام الشورى. حرية التعبير عن الرأي. المسؤولية أمام الله والناس. بيت المال ... أمانة. سيادة القانون وحكومته. المساواة التامة في الحقوق والمراتب.

وختم المودودي مقالته بقوله تحت عنوان (الإمام الحسين وسلوكه الإيماني)، فقال:

كانت هذه هي التغيرات التي ظهرت بانقلاب الخلافة الإسلامية ملكاً عضوضاً.

ولا يستطيع أحد أن ينكر أن ولاية عهد يزيد كانت بداية هذه التغيرات. ومع أن هذه المفاسد لم تكن قد ظهرت بتمامها وكمالها حين اتخذت هذه الخطوة: ولاية عهد يزيد، إلا أن كل صاحب بصيرة كان بوسعه أن يعرف أن هذه المفاسد كلها نتائج حتمية لهذه الخطوة، وأنها ستقضي على جميع الإصلاحات التي أوجدها الإسلام وجاء بها في نظام السياسة والدولة.

لهذا لم يستطع الإمام الحسين على ذلك صبراً، وقرر أن يتحمل أسوأ النتائج التي قد تنتج من جراء الثورة على حكومة راسخة مستتبة، ويخاطر بمحاولة وقف هذا التبديل ..

أما مصير هذه المحاولة، فالجميع يعرفونه، لكن الإمام بنزوله إلى هذا الخطر العظيم وتحمل نتائج هذه السلوك الرجولي المؤمن، أثبت أن الخصائص الأساس للدولة الإسلامية هي رأس مال الأمة الإسلامية الذي إن ضحّى المؤمن برقبته وأسرته وأهله وعياله في سبيل الحفاظ عليه، لا يكون قد عقد صفقة خاسرة. وأن المؤمن إذا ضحّى بكل ما يملك في سبيل وقف التغيّرات التي ذكرناها آنفاً، وهي الآفة العظمى للدين والملّة، فلا ينبغي له أن يأسف على ذلك قط. وليستحقر هذا من شاء، وليسمّه عملاً سياسياً، لكنه كان في عين الحسين بن علي عملاً دينياً خالصاً، ولهذا اعتبر التضحية بالروح من أجله شهادة، فاسترخص روحه وضحى بها في سبيله.

يالثارات فاطمة
19-04-2006, 11:40 AM
هههههههههههههههههه مرحبا يابنت العمران

وشكراً لكِ على هذه البحوث القيمة

بنت العمران
19-04-2006, 11:44 AM
العفو مولاي وشكراً على مرورك

يالثارات فاطمة
19-04-2006, 06:30 PM
قصيدة السيد حيدر الحلي رضوان الله عليه




أتقروهي كذا مروعه

ألله ياحاميالشريعة
لك عن جوى يشكو صدوعه
بك تستغيثُ وقلبها
لدعوتهاسمعيه
تدعوجرد الخيل مصيغة
تجيب دعوتها سريعه
وتكادألسنة السيوف
الموت فأذن أن تذيعه
فصدورهاضاقت بسرّ
غروبهامن كل شيعه
لاتشتفي أو تنز عن
علىالعدى أين الذريعه
أينالذريعة ُ لاقرارَ
تيفقم وأرق نجيعه
لاينجعُ الإمهالبالعا
موضعاًفدع الصنيعه
للصنع ما أبقىالتحمّل
الحيامُزنٌ سريعه
طعناًكما دفقت أفاويقَ
منضُبا البيض الصنيعه
ولكمحَلوبة ُفِكرتي
يَقظالحفيظة في الوقيعه
وعميدكل مغامر
أهلذروتها الرفيعه
تنميهللعلياءهاشمُ
قتلتهآل أُميّة ٍ
وذوواالسوابق والسوابغ
تراهأو ضخم الدسيعه
منكل عبل الساعدين
سيفيجعله شفيعه
أنيلتمس غرضاً فحدالـ
يلقىالردى منه قريعه
ومقارعتحت القنا
إلاّوكان لها طليعه
لميسر في ملمومة ٍ
ألهاهُعن ضمّ الضجيعه
ومُضاجعذا رونقٍ
عزمهينسى هجوعه
نسيالهجوع ومنتيقظ
ركأيها المحيي الشريعه
ماتالتصبر بانتظا
غيرأحشاء جزوعه
فانهضفما أبقىالتحمل
وشكتلواصلها القطيعه
قدمزَّقت ثوبَالأسى
قُلوبِشيعتك الوجيعه
فالسيفإنّ به شفاء
هذهالنفس الصريعه
فسواهمنهم ليسينعش
فمتىتعود به قطيعه
طالتحبال عوائق
هُدِمتقواعده الرفيعه
كمذا العقودودينكم
وأُصولُهتنعى فُروعه
تنعىالفروع أصوله
ـيومحرمته المنيعه
فيهتحكَّم مَن أباحالـ
غاليتماساوى رجيعه
مَنلَو بِقيمةقدره
رواحمذعنة مطيعه
فاشحذشبا عضب لهالأ
ـوَتِهوإن ثقلت سريعه
إنيدعها خفت لدعـ
بكربلا في خير شيعه
واطلببه بدمالقتيل
لوقعهالطف الفضيعه
ماذايهجيك إن صبرت
بأمضَّمن تلك الفجيعه
أترىتجيء فجيعة
خيلُالعِدى طحنت ضُلوعه
حيثالحسين علىالثرى
مخضَّبٌفاطلب رضيعه
ورضيعهبدم الوريد
لطلاذوي البغي التليعه
وضُباانتقامِكِجرِّدي
ـلأهذه الأرض الوسيعة
ودعيجنود اللهتمــــ
لآلحربٍ والرضيعه
واستأصليحتىالرضيع
ـتىمنهم أخلوا ربوعه
ماذنبُ أهل البيتحـ
وأجمعهافضيعه
تركوهمشتّىمصارعهم
الورىشوقاً طلوعه
فمغيبُكالبدرترتقبُ
حُشاشتهنقيعه
ومكابدللسم قدسقيت
عزهوأبى خضوعه
ومضرَّجٌبالسيفآثر
فخراًعلى ظمأ شروعه
ألفىبمشرعة الردى
تشكرالهيجا صنيعه
فقضىكما اشتهت الحميَّةُ
أمرّما قاسى جميعه
ومصفَّدٌلله سلَّم
اللهكفاً مستطيعه
فلقسرهلم تلق لولا
الهمّمهجتُها لسيعه
وسبيةباتت بأفعى
مدعزّها الغرُّ البديعه
سُلِبتوما سُلبتمحا
تطيحأعمدها الرفيعه
فلتغدأخبية الخدور
جهالشريفة ُ كالوضيعه
ولتبدحاسرة عن الو
أُميَّة ٍ برزت مروعه
فأرىكريمة التنزيلبين
كُفاةدعوتها صريعه
تدعوومن تدعو وتلك
عادتأنوفكم جديعة
واهاًعرانين العلى
القومبالعيس الضليعه
ماهزأضلعكم حداء
منليسَ يعرفُ ما الوديعه
حملتودائعكم إلى
لمتشكر الهادي صنيعه
ياضلَّ سعيُكِ أُمةً
وحفظتِجاهلة ٍ مُضيعه
اأضعتحافظ دينه
كبديلرزؤكم صديعه
آلالرسالة لم تزل
درالثنا تمري ضروعه
ولكمحلوبه فكرتي
فيكل فاركة شموعه
وبكمأروضُ منالقوا
الغيثمعطية ً منوعه
تحكيمخائلها بروق
سوايخُلّبها لموعه
قلديوكفها وعنه
لغدأقدمها ذريعة
فتقبلوهاإنني
راحةهذه النفس الهلوعه
أرجوبها في الحشر
حنتمطوفةسجوعه
وعليكمالصلوات ما
راحةهذه النفسالهلوعه
أرجوبها في الحشر
حنتمطوفة سجوعه
وعليكمالصلوات ما

بنت العمران
20-04-2006, 12:40 PM
جــنّة الـحسين (عليه السلام)


عن أبي سعيد الخُدْري قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):(عليه السلام) الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة(عليه السلام)(1).

عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما خير منهما(عليه السلام)(2).

عن حذيفة قال: رأينا في وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تباشير السرور، فقلنا: يا رسول الله، لقد رأينا اليوم في وجهك تباشير السرور، فقال: (عليه السلام)ومالي لا أُسرّ وقد أتاني جبريل فبشّرني أنّ حسناً وحسيناً سيّدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما أفضل منهما(عليه السلام)(3).

عن جابر بن عبد الله قال: من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن عليّ فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوله(4).

عن جابر، أنه قال - وقد دخل الحسين المسجد - : (عليه السلام)من أحبَّ أن يَنظُرَ إلى سيِّدِ شباب ِ أهل الجنّة، فلينظر إلى هذا(عليه السلام) سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(5).

عن علي (عليه السلام) قال: (صلى الله عليه وآله وسلم)شكوت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حسد الناس إيّاي، فقال: يا عليّ، إنّ أول أربعة يدخلون الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين وذرارينا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرارينا. قال عليّ: قلت: يا رسول الله، فأين شيعتنا؟ قال: (صلى الله عليه وآله وسلم)شيعتكم من ورائكم(عليه السلام)(6).

عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لمّا أُسري بي إلى السماء رأيت على باب الجنة مكتوباً بالذهب لا إله إلاّ الله، مـحمد حبيب الله، علي ولي الله، فاطمة أَمة الله، الحسن والحسين صفوة الله، على مبغضيهم لعنة الله، مهما ذكر الله(عليهم السلام)(7).

قال رســول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)بي أنذرتم، ثم بعلي بن أبي طالب اهتديتم، وقرأ > إنما أنت منذر ولكل قوم هاد<(8) وبالحسن أُعطيتم الإحسان، وبالحسين تسعدون، وبه تشقون، ألا وإنّ الحسين باب من أبواب الجنة من عانده حرّم الله عليه رائحة الجنة(عليه السلام)(9).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)لمّا استقرّ أهل الجنة قالت الجنة: يا ربّ أليس وعدتني أن تزينني بركنين من أركانك؟ قال: ألم أُزينك بالحسن والحسين؛ قال: فماست الجنة ميساً(10) كما تميس العروس في خدرها(عليهم السلام)(11).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)هلم يا بلال وناد في الناس واجمعهم لي في المسجد، فلما اجتمعوا قام على قدميه، وخطب الناس بخطبة أبلغ فيها، حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ومستحقّه، ثم قال: يا معشر المسلمين، هل أدلُّكم على خير الناس جدَّاً وجدَّة؟(عليه السلام) قلنا: بلى يا رسول الله. قال: (عليه السلام)الحسن والحسين جدّهما رسول الله خاتم المرسلين، وجدّتهما خديجةُ بنت خُوَيلد سيدة نساء أهل الجنة. ألا أدُلُّكم على خير الناس أباً وأُمّاً؟(عليه السلام) قالوا: بلى يا رسول الله. قـال (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)الحسن والحسين أبوهما علي بن أبي طالب، وأُمُّهما فاطمة بنت خديجة وهي سيدة نساء العالمين. هل أدلُّكم على خير الناس عمَّاً وعمةً؟(عليه السلام) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (عليه السلام)الحسن والحسين عمّهما جعفر بن أبي طالب، وعمتهما أُمُّ هانئ بنت أبي طالب. أيها الناس عل أدلُّكم على خير الناس خالاً وخالةً؟(عليه السلام) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (عليه السلام)الحسن والحسين خالهما القاسم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وخالتهما زينب بنت رسول الله(عليه السلام) ثمّ قال: (عليه السلام)اللهمّ إنّك تعلمُ أنَّ الحسن والحسين في الجنة، وجدهما في الجنة، وجدتهما في الجنة، وأباهما في الجنة، وأُمهما في الجنة، وخالهما في الجنة، وخالتهما في الجنة، وعمّهما في الجنة، وعمتهما في الجنة، ومن يحبهما في الجنة، ومن يبغضهما في النار(عليهم السلام)(12).

هذه الأحاديث تدلّ على مكانة الحسين (عليه السلام) عند الله تعالى وعند رسوله لشموله بالعناية الإلهيّة الخاصّة، وأنها رسالة إلى العالم ليقتدوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مـحبّته وعلاقته بولده الحسين (عليه السلام)؛ لأنه يحمل رسالة جده (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ نهج الحسين (عليه السلام) هو نهج جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالمحبة له في الواقع هو حفظ الرسالة من الانحراف، وأكثر من ذلك جعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مساواة النظر إليه هو نفس النظر إلى ولد الحسين (عليه السلام).

لقد ترك الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الأمانة الإلهيّة السماويّة في أعناقنا من خلال وصاياه، ولكن سرعان ما انقلبت الأُمّة على سبط النبوّة والإمامة، وأرادوا الحطّ من شأن الحسين (عليه السلام) في واقعة الطفّ ومـخالفة المشيئة الإلهيّة، > ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون <(13).


--------------------------------------------------------------------------------

1- سنن الترمذي: ج 5 ص 656 ح3768؛ مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 18 ص 138 ح 11594 - المسند: 3 /62، ص 301 - 11777 - المسند: 3 / 82؛ ص 161 ح 11618 -؛ المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 166، كتاب معرفة الصحابة؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 391؛ الفصول المهمة: ص 152؛ كنز العمال: ج 12 ص 112 ح 34246 ؛ الصواعق المحرقة: ص 191؛ تاريخ بغداد: ج 2 ص 184 وص 185، ج 4 ص 207 وج 6 ص 372 و ج 9 ص 232؛ ينابيع المودة: ص 262؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 130 ح 3423؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 403 رقم: 270؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 376، هامش الإصابة؛ السنن الكبرى: ج 5 ص 50 ح 8169 /9؛ المعجم الأوسط: ج 3 ص 2211؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 92؛ ذخائر العقبى: ص 225؛ أسد الغابة: ج 2 ص 15؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2578؛ فرائد السمطين: ج 2 ص 98 ح 409.

2- المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 167، كتاب معرفة الصحابة؛ كنز العمال: ج 2 ص 112 ح 34247 وص 115 ح 34259 -؛ الصواعق المحرقة: ص 191؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 133 ح 3429.

3- كنز العمال: ج 2 ص 107 ح 34017 وص 113 ح 34249 وص 102 ح 34192؛ تاريخ بغداد: ج 10 ص 231؛ ينابيع المودة: ص 195؛ حلية الأولياء: ج 4 ص 190، وفيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة؛ السنن الكبرى: ج 5 ص 95 ح 8365 / 1؛ كفاية الطالب: ص 380؛ ذخائر العقبى: ص 224.

4- مـجمع الزوائد: ج 9 ص 190؛ ميزان الاعتدال: ج 2 ص 40 رقم: 2737 -؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 147؛ ينابيع المودة: ص 262؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 137 ح 34166؛ ذخائر العقبى: ص 225؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2583، نور الأبصار: ص 220.

5- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 403 رقم: 270.

6- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 169 ح 3508؛ كنز العمال: ج 12 ص 98 ح 34166 وص 104 ح 34205؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 109.

7- كفاية الطالب: ص 381؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 108.

8- سورة الرعد: الآية 7.

9- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 145.

10- الميس: التبختر،ماس يميس ميساً: تبختر واختال، لسان العرب: ج 6 ص 224 (صلى الله عليه وآله وسلم)ميس أي: إنَّ الجنّة تبخترت وافتخرت بتزيّنها بالحسن والحسين .

11- تاريخ بغداد: ج 2 ص 238؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 103.

12- ذخائر العقبى: ص226؛ كفاية الطالب: ص378؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج1 ص 112.

13- سورة التوبة: الآية 32.

جابر المحمدي المهاجر
20-04-2006, 12:45 PM
احسنت بارك الله فيكم .

بنت العمران
20-04-2006, 12:51 PM
هيا لنجلب الكثييييييييييييييييييييي ييييييييييييييير في حق الحسين عليه السلام
هيا ايها الموالين هيا اجلبن الكثير لتعبرن عن عشقكم الابدي لشهيد كربلاء

بنت العمران
20-04-2006, 01:18 PM
كان لواقعة كربلاء تداعيات أشعلت الساحة في حينها، فمن حسرة الندم التي أشعلت ثورة التوابين على يد من توقفوا عن نصرة الحسين عليه السلام، وثورة الغضب للحق التي أخرجت المختار ومعه إبراهيم الأشتر ليتعقب كل من شارك في الحرب ضد الحسين ، وفجرت الثورات في حينها ضد الطغيان، إلى الانتقام الإلهي الذي صنع المعجزات ليظهر جليا حرمة أهل الحق عند الله عز وجل، وأن الظلم لا عاقبة له إلا الخسران في الدارين.

الحقيقة أن للظلم أثر سلبي على معنويات الناس، خصوصا ضعيفي الإيمان منهم، الذين لا يعرفون سوى الفوز الظاهري الدنيوي مفهوما للنصر، كما أن للظلم حرقة في قلوب ضحاياه، وبالأخص المؤمنين منهم الذين كثيرا ما تعيقهم الأوامر الإلهية عن طلب حقوقهم، حيث لا يجعلون حقوقهم مبررا للحياد عن رضا الباري عز وجل، كما هو الحال مع أمير المؤمنين والإمام الحسن والأئمة من بعد الحسين ، وهو الشيء نفسه مع شيعتهم.

والحقيقة أيضا أن التاريخ كشف لنا بين ثنايا كتبه ضعف الظلمة وقصر آجالهم بما حمله لنا من عواقب أعمالهم وما جرى عليهم بعد واقعة الطف، مما يسقط الظلمة من عين من اغتر بقوتهم ويخفف من بعض الحرقة في قلوب المؤمنين، كما أن الواقع يقول بأن ضعف المعنويات وحرقة القلوب ما زالت أثارا مستمرة لكل من يطلع على أحداث تلك الواقعة الأليمة، مما يجعل من عرض الأحداث التي وقعت بعدها أمرا مهما على مر الزمن.

- العقاب الإلهي:
لم يطل العمر بمن تعرض للحسين بسوء، بل ماتوا شر ميتة تجعل العاقل يوقن بأنه الجزاء الإلهي في الدنيا تمهيدا للخلود في عذاب الآخرة. فمنهم من طاله دعاء الإمام عاجلا ومنهم من بقي قليلا. فمنهم عمر بن سعد الذي أنكر جائزته ابن زياد ولم يمكنه من ملك الري، فقال له بن سعد لعنه الله: عصيت الله وأطعتك، وخذلت الحسين بن رسول الله ونصرت أعداء الله، وبعد ذلك إني قطعت رحمي ووصلت خصمي وخالفت ربي فما أعظم ذنبي ويا طول كربي في الدنيا والآخرة.


كان ابن أبي جويرة المزني من عسكر عمر بن سعد (لعنه الله)، فجاء على فرس له نحو الإمام الحسين (عليه السلام)، فلما نظر إلى النار تتقد حول مخيم الحسين (عليه السلام) صفق بيده، ونادى: يا حسين ويا أصحاب الحسين أبشروا بالنار، فقد تعجلتموها في الدنيا.فقال الحسين (عليه السلام): من الرجل؟! فقيل: ابن أبي جويرة المزني.فقال الحسين (عليه السلام): اللهم أذقه عذاب النار في الدنيا.فنفر به فرسه وألقاه في تلك النار، فاحترق.

ولما وصل أسارى آل الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى الكوفة، كانت امرأة تسمى ب (أمّ هجام) على سطح دارها تشاهد الأسارى، فلما وقع نظرها على رأس سيد الشهداء (عليه السلام) المقدس وهو على الرمح تجاسرت عليه، فلما سمعت بذلك زينب (عليه السلام) دعت على أم هجام.فسقطت من سطح دارها إلى الأرض وهلكت.

يقول القاسم بن الأصبع المجاشعي لما رأى حرملة عليه اللعنة وقد حمل رأسا على عنق فرسه قلت له: رأس من هذا؟! فقال: رأس العباس بن علي (عليه السلام) قال: فلبثت أياماً وإذا بحرملة ووجهه أشد سواداً من القار. وكان أخنس بن مرثد بن علقمة الحضرمي من جيش عمر بن سعد (لعنه الله) فلما هجم القوم على سيد الشهداء (عليه السلام) وسلبوا ما كان عليه (عليه السلام)، سلب أخنس عمامته (عليه السلام)، فاعتم بها، فصار معتوهاً مجذوماً. وأخذ قميصه (عليه السلام) إسحاق بن حوية، فصار أبرص، ثم أخذه المختار وقتله ثم اُحرق بالنار.

ومنهم من عاش مدة بعد ذلك حتى إذا ظن أنه نجا فاجأته يد القدرة الإلهية بالعاقبة السيئة. قال السدّي: أضافني رجل في ليلة كنت أحب الجليس، فرحبت به وقربته وأكرمته، وجلسنا نتسامر، فانتهى في سمره إلى طفّ كربلاء. وكان الرجل هو أخنس بن زيد، فدار بينهما حوار حول جزاء من شارك في الحرب ضد الحسين ، فأنكر أخنس الجزاء واستشهد ببقائه حيا حتى بلغ التسعين فقال له السدي: وما صنعت يوم الطفّ؟! قال: أنا الذي أمرت على الخيل الذين أمرهم عمر بن سعد بوطء جسد الحسين (عليه السلام) بسنابك الخيل، وهشمت أضلاعه وجررت نطعاً من تحت علي بن الحسين (عليه السلام) وهو عليل، حتى كببته على وجهه، وخرمت أذني صفية بنت الحسين (عليه السلام) لقرطين كانا في أذنيها. يقول السدي: وإذا بالسراج قد ضعفت فقام يزهرها، فاشتعلت به. وكان كلما حاول إطفاؤها تزداد يقول السدي: فرمى بنفسه في النهر، فكلما ركس جسمه في الماء اشتعلت في جميع بدنه، كالخشبة البالية في الريح البارح. هذا وأنا أنظره، فوالله الذي لا إله إلا هو، لم تطفأ حتى صار فحماً، وسار على وجه الماء.

- المختار:
قام المختار ومعه إبراهيم الأشتر بتعقب قتلة الحسين واحدا بعد واحد، حيث أوقعا بكل من ظفرا به منهم عقابا تقشعر منه الجلود نكالا بما اقترفت أيديهم.

وفي رواية عن المنهال بن عمرو قال: حججت فلقيت علي بن الحسين (عليه لسلام) فقال (عليه السلام): ما فعل حرملة بن كاهل؟قلت: تركته حياً بالكوفة، فرفع (عليه السلام) يديه ثم قال: اللهم أذقه حرّ الحديد، اللهم أذقه حر النار، فتوجهت إلى الكوفة إلى المختار، فإذا بقوم يركضون ويقولون: البشارة أيها الأمير قد اُخذ حرملة، وقد كان توارى عنه، فأمر بقطع يديه ورجليه ثم اُحرق بالنار.

ولما قام المختار طلب الشمر، فخرج من الكوفة وسار إلى الكتانية قرية من قرى خوزستان، ففجأه جمع من رجال المختار، فبرز لهم الشمر قبل أن يتمكن من لبس ثيابه فطاعنهم قليلاً وتمكن منه أبو عمرة فقتله، وألقيت جثته للكلاب فأكلوها، ثم أمر برأس الشمر فنصب في رحبة الحدائين إزاء المسجد الجامع، فمثل به الصبيان برمي الحجارة والقذارة عليه.

كان كعب بن أبحر ممن ظفر به إبراهيم الأشتر، وذلك بعد أن عانى من يديه اللتين كانتا تنضحان في الشتاء دما وقيحا وتتيبسان صيفا، فلما سأله الأشتر عن ما فعله بيوم الطف، قال: أخذت قناع زينب (عليها السلام) من رأسها وقرطيها من أذنيها، فجذبت حتى خرمت أذنيها!.

فقال له إبراهيم - وهو يبكي-: يا ويلك ما قالت لك؟ قال: قالت: قطع الله يديك ورجليك وأحرقك الله تعالى بنار الدنيا قبل نار الآخرة.، فعمد الأشتر إلى قطع رجليه بعد أن وجد يديه مقطوعتان ثم أحرقه بالنار، وأخذ سيفه رجل من بني نهشل من بني دارم، يقال: الأسود بن حنظلة، فقتله المختار ثم اُحرق بالنار. وأخذ نعليه (عليه السلام) أسود الأوسي، فقتله المختار ثم أحرق بالنار.

محب المهدي ع
20-04-2006, 01:44 PM
بارك الله فيكم جيعاً

احسنتم

بنت العمران
20-04-2006, 04:05 PM
العفو خيو وشكراً على مرورك

بنت العمران
20-04-2006, 10:10 PM
ما أروع يومك يا أبا الشهداء



شموخ مع التاريخ وصمود مع الاجيال يتجلى بكل وضوح في أفق الحياة الواسع ومع سير الزمن السرمدي لا يطويه دوران الايام ولا تنسيه الدهور والأعوام يجدد الآلام ويثير الاحزان والاشجان بالرغم من مرور المئات من الأعوام ذلك هو يومك الخالد يا ابا عبدالله الذي ضربت فيه أمثالا بلغت اقصى حدود السمو في التضحية والفداء وأوضحت المعالم البارزة للسبل التي يجب ان تكون منهجاً لعبور العقبات الصعاب في هذه الحياة فما اروع هذا الخلود وما اسمى معانيه لو برزت بوضوح حقائقها ورسمت دقائق خطوط اهدافها لترفع المشع الوهاج للاجيال المتعاقبة وتلتهم ثمرات تلك المآثر السامية وتستلهم منها الصبر والعقيدة لتحقيق الاهداف التي دعا اليها الاسلام وكافح من اجلها دعاته الوفياء لتطهير الارض المقدسة من دنس الظالمين والغاصبين .

ما اروع يومك يا ابا عبدالله ويا ابا الشهداء ذلك اليوم الذي وقفت فيه تخاطب انصارك وأهل بيتك قائلا : اما بعد فقد نزل بنا من الأمر ما قد علمتم وان الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء وخسيس عيش كالمرعي الوبيل ألا ترون إلى الحق لا يعمل به والى الباطل لا تناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقا فاني لا ارى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما .

فكانت التضحية وكان الداء الذي ادمى القلوب ومزقها وكان النصر حليفه فلقد استقامت بشهادتك يا ابا عبدالله أركان الإسلام وتبين الرشد من الغي وظلت كلمة لا إلا الله محمد رسول الله التي حاربها الحزب الأموي مدوية في الفضاء خالدة في أجوائه خلود يومك .

لقد اراد لها يزيد بن ميسون الفناء بقتلك وأراد الله لك ولها البقاء فبقيت وبقيت مع التاريخ تستنير الاجيال بذكراك ويستلهم منها المخلصون سبل الثورة على الظلم والطغيان وبقي ذكر اولئك الطغاة عارا تتبرأ منه الاحفاد والاجيال وتتبعهم اللعنات ما دام التاريخ .

فما أصبرك يا ابا عبدالله وما اروع يومك حينما وقفت في ارض المعركة وحيداً لا ناصر لك ولا معين تتلفت يمينا وشمالا فلا ترى سوى اصحابك وبنيك واخوتك صرعى على ثرى الطف المديد والاعداء تحيط بك من كل نواحيك تحدق في خيامك الخالدة إلا من النساء والاطفال والصراخ يتعالى من هنا وهناك وأنت تتلوى لهول ذلك المشهد وتلك الحشود الهائلة وقد شهرت أسنة رماحها في وجهك فتغمض عينيك من هول ذلك المنظر ومما حل ببيت الرسالة وأحفاد الرسول فلا تجد من يأويهم ويكفلهم من بعدك .

ثم تتلفت إلى أنصارك فلا ترى سوى الجثث المبعثرة من حولك فما أهوله من منظر وما ارزأها من مصيبة لم يحدث التاريخ بمثلها ومع كل ذلك فلم تلن لأولئك الطغاة ومضيت في ثورتك على الباطل ثورة الإيمان بكل معانيه وأبعاده على الكفر بكل اباطيله تقول : والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا أقر لكم اقرار العبيد وبقيت خالداً خلود الدهر .

لقد تمخضت مواقف الحسين بن علي (ع) يوم عاشوراء ذلك اليوم التاريخي من خلال ما ارتسم فيها من البطولات والصمود امام تلك الجحافل العاتية عن جلائل المعاني السامية وتجلت من سطورها الدامية روائع من صفحات الإيمان الثابت والعقيدة المخلصة وطفقت تحمل في مشاعلها نزعة الانعتاق من ربقة الاستغلال والاستعباد واندفعت تخط للإجيال أبعاد الكفاح الثوري وترسم للعصور سمات للصمود والثبات وتدفع بالمناضلين المكافحين إلى تعلقهم بما يرسمونه من تخطيط لمعتقداتهم الفكرية وما ينتهجونه من تحديد لمنطلقاتهم النضالية في المسار النضالي وما يحددونه من مواقف جريئة امام تحديات الحاكمين واستغلالهم لخيرات الشعوب وأرزاق العباد .

ان المسار الثوري الذي حفلت به ثورة الحسين (ع) لقد عزز الكثير من طموح الشعوب المستغلة من اجل انهاض هذه الشعوب وايقاد فتيل الثورة للاطاحة بالنظم المستبدة وايجاد المجتمعات السليمة التي تحقق للشعوب حريتها وكرامتها وطموحاتها في التخلص من الاستغلال وتطوير الحياة وما يضمن لتلك الشعوب أمنها ورفاهيتها .

ان ثورة الحسين تركت في دروب الاحرار المجاهدين والصامدين علامات مضيئة تنير مسالك الكفاح وتمهد الطريق الذي يمكن كل ثائر إذا اعتمد في الدرجة الاولى على نزعة السخاء بالأرواح وبذل الأنفس من اجل العقيدة الثابتة ومن اجل مواقع الصمود للوصول إلى النصر .

ان طرح الحسين الخالد لهذا السخاء العظيم بتقديمه نفسه وذويه وصحبه واستشهادهم إلى جانبه مكن هذه الثورة من الديمومة والبقاء لتكون المنار لكل الثائرين الصامدين عبر مسيرات الانتفاضات الشعبية التي تحدث هنا وهناك ومكن لها الانتصار إذا اقترنت بالنزاهة والاخلاص وبمثل ذلك السخاء الذي قدمه الحسين وأنصاره من اجل الانسان وكرامته . لقد انتصر الحسين (ع) باستشهاده انتصاراً لم يسجل التاريخ انتصاراً اوسع منه ولا فتحا كان ارضى لله منه ، وكان واثقاً من هذا الانتصار ومن هذا الفتح كما كان واثقاً من هزيمته عسكرياً كما يبدو ذلك من كتابه الذي كتبه الى الهاشميين وهو في طريقه إلى العراق فقد قال فيه : اما بعد فانه من لحق بي استشهد ومن تخلف لم يبلغ الفتح .

وكان ذكرنا فالفتح الذي يعنيه الحسين من كتابه إلى الهاشميين هو ما احدثته ثورته من النقمة العامة على الأمويين وما رافقها من الانتفاضات التي اطاحت بدولتهم .





لقد شاء الله ان يراهُن سبايا



لقد كان محمد بن الحنفية شقيق الحسين في طليعة اولئك الذين حاولوا مع الحسين (ع) ان لا يستجيب لأهل العراق وأن يبقى بعيداً عنهم وقد ذكره مع من ذكروه بمواقفهم مع أبيه وأخيه وكان قد اشار عليه ان يذهب إلى اليمن أو بعض نواحي البر ولا يذهب إلى الكوفة فوعده الحسين (ع) ان ينظر في الأمر وفي مطلع الفجر من تلك الليلة اخبر ابن الحنفية ان الحسين (ع) قد تهيأ للخروج مع اخوته وبني عمومته ونسائه إلى العراق فأقبل عليه وقد اشرف موكبه على التحرك فأخذ بزمام ناقته وهو يبكي واقل له : ألم تعدني النظر فيما سألتك فما حداك على الخروج عاجلا ؟ فرد عليه الحسين قائلا : لقد جاءني رسول الله بعد ما فارقتك وقال لي : لقد شاء الله ان يراك قتيلاً فاسترجع ابن الحنفية وقال : إذا كان الأمر كما تقول ، فما معنى حملك للنساء وأنت تخرج لهذه الغاية ، فقال له : لقد شاء الله ان يراهن سبايا .

بهذا الجواب القصير وبهاتين الكلمتين بما لهما من المدلول الواسع وبدون مواربة او تمويه اجاب الحسين اخاه محمد بن الحنفية وعيناه تنهمر بالدموع والالم يحز في قلبه ونفسه ، وكما قال ابو عبدالله (ع) لقد شاء الله ان يراهن سبايا كما شاء ان يراه قتيلا موزع الاشلاء هو ومن معه من اسرته وأصحابه على ثرى الطف ، لان سبيهن بعده من بلد إلى بلد لم يكن أقل اثرا على تلك الدولة الجائرة وعلى تلك الاسرة التي تكيد للإسلام من شهادته ان لم يكن أشد وقعاً على نفوس المسلمين من استشهاده .

لقد كان لسبي النساء والاطفال والطواف بهن من بلد إلى بلد اثراً من اسوأ الآثار على الأمويين ودولتهم وكان الجزء المتمم للغاية التي ارادها الحسين من نهضته فلقد أثار الاحزان والأشجان في نفوس المسلمين وكشف اسرار الامويين وواقعهم السيىء للقاصي والداني وأظهر قبائحهم ومخازيهم للعالم والجاهل وأوضح للمسلمين في كل مكان وزمان ان الأمويين من ألد اعداء الاسلام يبطنون الكفر والالحاد ويتظاهرون بالإسلام رياء ودجلا ونفاقاً . وفي الوقت ذاته فلقد كان سبيهم من جملة الوسائل لنشر الدعوة الى العلويين ومبدأ التشيع لأهل البيت ولعن من شايع وتابع وبايع على قتل الحسين ، وقد أشارت إلى ذلك العقيلة الكبرى في قولها ليزيد بن ميسون في مجلسه بقصر الخضراء : فوالله ما فريت إلا جلدك وما حززت إلا لحمك .

لقد حملهم معه وهو على يقين بأن الأمويين سيطوفون بهم في البلدان إلى ان يصلوا بهن إلى عاصمتهم الشام وسيراهم كل انسان مكشفات الوجوه وفي أيديهم الاغلال والسلاسل وأكثر الناس سيقابلون ذلك بالنقمة على الأمويين والأسف والحزن لآل بيت نبيهم الذي بعث رحمة للعالمين .

وجاء في كتاب المنتخب ان عبيد الله بن زياد دعا شمر بن ذي الجوشن وشبث بن ربعي وعمرو بن الحجاج وضم اليهم الف فارس وأمرهم بايصال السبايا والرؤوس إلى الشام .

ويدعي ابو مخنف انهم مروا بهم بمدينة تكريت وكان اغلب اهلها من النصارى فلما اقتربوا منها وأرادوا دخولها اجتمع القسيسون والرهبان في الكنائس وضربوا النواقيس حزنا على الحسين وقالوا : انا نبرأ من قوم قتلوا ابن بنت نبيهم فلم يجرأوا على دخول البلدة وباتوا ليلتهم خارجها في البرية .

وهكذا كانوا يقابلون بالجفاء والاعراض والتوبيخ كلما مروا بدير من الاديرة او بلد من بلاد النصارى ، وحينما دخلوا مدينة لينيما وكانت عامرة يومذاك تظاهر اهلها رجالاً ونساء وشيباً وشبانا وهتفوا بالصلاة والسلام على الحسين وجده وأبيه ولعن الأمويين وأشياعهم وأتباعهم وأخرجوهم من المدينة وتعالى الصراخ من كل جانب ، وأرادوا الدخول إلى جهينة من بلاد سورياً فتجمع اهلها لقتالهم فعدلوا عنها واستقبلتهم معرة النعمان بالترحاب بلدة المعري الذي يقول :

أليس قريشكم قتلت حسيناً * وصار على خـــلافتكم يزيد

وقال : وعلى الافق من دماء الشهيدين علي ونجله شاهدان .

وحينما اشرفوا على مدينة كفرطاب أغلق أهلها الأبواب في وجوههم فطلبوا منهم الماء ليشربوا فقالوا لهم : والله لا نسقيكم قطرة من الماء بعد ان منعتم الحسين وأصحابه منه ، واشتبكوا مع أهالي حمص وكان أهلها يهتفون قائلين : اكفرا بعد ايمان وضلالا بعد هدي ، ورشقوهم بالحجارة فقتلوا منهم 26 فارساً ولم تستقبلهم سوى مدينة بعلبك كما جاء في الدمعة الساكبة فدقت الطبول وقدموا لهم الطعام والشراب .

وجاء عن سبط بن الجوزي عن جده انه كان يقول : ليس العجب ان يقتل ابن زياد حسينا وانما العجب كل العجب ان يضرب يزيد ثناياه بالقضيب ويحمل نساءه سبايا على أعقاب الجمال .

قد رأى الناس في السبايا من الفجيعة اكثر مما رأوه في قتل الحسين وهذا ما اراده الحسين (ع) من الخروج بالنساء والصبيان ، ولو لم يخرج بهن لما حصل السبي الذي ساهم مساهمة فعالة في الهدف الذي أراده الحسين من نهضته وهو انهيار تلك الدولة الجائرة .

ولو افترضنا ان السيدة الكبرى زينب بنت علي وفاطمة بقيت في المدينة وقتل اخوها في كربلاء فما عساها تصنع وأي عمل تستطيعه غير البكاء والنحيب واقامة العزاء ؟ وهل كان يتسنى لها الدخول على ابن زياد لتقول له بحضور حشد من الناس : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد وطهرنا من الرجس تطهيراً انما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا ثكلتك امك يا ابن مرجانة ، وهل كان بامكانها ان تدخل مجلس يزيد في قصر الخضراء وهو مزهو بملكه وسلطانه وتلقى تلك الخطب التي اعلنت فيها فسقه وفجوره ولعنت فيها آبائه وأجداده وقالت له فيما قالت : أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك اماءك وحرائرك وسوقك بنات رسول الله من بلد إلى بلد ، ولئن جرت عليّ الدواهي مخاطبتك اني لاستصغر قدرك وأستعظم تقريعك ، إلى غير ذلك من كلماتها التي كانت تنهال عليه كالصواعق وغيرت اتجاه الرأي العام نحوه ونحو بيته مما اضطره لان يتنصل من تلك الجريمة ويلعن ابن زياد ويحاول ان يحمله مسؤوليتها بعد ان بلغته آثار تلك المأساة في المدن والقرى التي مر بها موكب السبايا واللعنات التي كانت تنهال عليه وعلى اهل بيته ، وبعد ان رأى الوجوه تغيرت عليه حين وقفت في مجلسه ذلك الموقف التاريخي الذي لا يزال حديث الاجيال بعد ان رأى ذلك وسمع ما احدثه موكب السبايا في نفوس الناس وقلوبهم وبخاصة بعد ان عرف الناس في عاصمته وخارجها ان هذا الموكب لآل الرسول وبناته جعل يتنصل من تلك الجريمة ويحمل أوزارها لابن زياد ومعاونيه . لقد كان باستطاعة يزيد ومعاونيه لو لم يتعرض لأسر النساء والاطفال وسبيهن من بلد إلى بلد ان يموه على الناس ويقول لهم لقد نازعني الحسين ملكي وقاتلني فقتلته ، ولكنه بعد ان صنع مع النساء والاطفال ما صنع من الاسر والسبي والامتهان ضاقت عليه الحجج والذرائع ولم يعد امامه إلا ان يتنصل منها ويضع مسؤوليتها على غيره حيث لا يجديه التنصل ولا تستره الاعذار وقد أيقن بعدها الكثير من الناس بأنه كان في عمله هذا مسيرا لامويته الحاقدة على بيت محمد ورسالته ، ولو انه ترك النساء والاطفال بعد تلك المجزرة وشأنهم ولم يعاملهم بتلك المعاملة التي لم يعامل المسلمون بها اسرى المشركين ونسائهم لم يكن لجريمته كل ذلك الصدى الذي هز العالم الإسلامي بكل فئاته وطبقاته .

لقد كان الحسين يرى من وراء الغيب بأن شهادته وحدها لا تعطي النتائج المطلوبة ولا تحقق له جميع اهدافه ما لم تقترن بسبي النساء والاطفال والطواف بهن من بلد إلى بلد ليتاح لشقيقته العقيلة ان تؤدي دورها ورسالتها فقال لاخيه ابن الحنفية وهو يتململ بين يديه باكياً حزيناً : لقد شاء الله ان يراني قتيلاً وأن يرى نسائي وأطفالي سبايا وكان على أمية وحفيدها يزيد بن ميسون لو كانت تملك ذرة من الوفاء والشرف ان تعود إلى الوراء قليلاً لترى ما فعله جد زينب والحسين وبقية العلويين والعلويات مع ابي سفيان وزوجته هند بنت عتبة التي مثلت بعمه الحمزة وأكلت من كبده وكيف عاملهما بالعفو والصفح وجعل لهما ما لم يجعله لاحد من مشركي مكة وطواغيتها ، ورحم الله بعض الشعراء الذي ذهب يعاتب الامويين بقوله :

وعـــــليك خــــــزي يـا أميـة دائـم * يـــــبقى كـمـا فـي النـار دام بقـاك

فلقـد حملت مـن الآثام جــــــهالـة * مـا عـــنه ضـاق لمن دعاك دعاك

هلا صفحت عن الحسين ورهطه * صفـح الــوصـي ابـــيـه عـــن أباك

وعــفــفت يـوم الطف عفـة جـــده * المبعـوث يـــوم الفتـح عـن طلقاك

أفهل يــــــد سلبـت امـاءك مثــلما * سلبت كـريمـــــات الطـفـوف يـداك

ام هـل بــــــرزن بفتح مكة حسرا * كنسائـه يــــــوم الطـــفـوف نسـاك

ورحم الله القائل في وصف السبايا :

وزاكـية لـم تلق في النوح مسعـدا * سـوى انهــا بالسوط يزجرها زجر

ومـذعـــورة اضحت وخفـاق قلبها * تكـاد شظـاياه يــــطيـر بهـا الذعــر

ومذهولة من دهشة الخيل ابرزت * عــشيـة لا كـهـــف لـديها ولا خدر

تجـــاذبها أيــــــدي العـدو خمارهـا * فـــتستـر بالأيـدي إذا أعـوز الستر

سرت تتراماهـا العــداة سـوافرات * يـــروح بها مصر ويغـدو بها مصر

تطــوف بها الاعداء فـي كل مهمة * فيـــجـذبهـا قـــفــــــر ويقـذفهـا قفـر





بطولات الشباب في كربلا



إذا كانت مطامح الشباب عيشا رغيدا ومستقبلا سعيدا حافلا بكل ألوان النعيم كما نشاهد ونرى فشباب كربلاء كانت كل امانيهم ومطامحهم صموداً في الأهوال وصبراً في البأساء واستشهاداً بحد السيوف ، ولم يكن لتلك الفتوة الغضة والصبا الريان ان تهتم او تفكر بما أعد لها من غضارة الدنيا وما ينتظرها من صفو الحياة ولهوها ومتعها بل كان كل همهم التطلع إلى أي سبيل من سبل الشهادة يعبرون وأي موقف من مواقف البطولات يقفون .

هناك وعلى مشارف العراق وفي الطريق إلى كربلاء كان الحسين (ع) يسير على رأس قافلة الشباب الابطال متحديا اقوى سلطة وأبشع طغيان وأسوأ من عرفه التاريخ من الحاكمين متحديا كل ذلك بسبعين من الرجال والشباب ليحطم بهذا العدد القليل قوى الشر والطغيان ومعاقل البغي والعدوان وليعلم ابناء آدم كيف يموتون في سبيل العزة والكرامة .

كان يسير ابو عبدالله على رأس تلك القافلة ممن اصطفاهم الله إلى الشهادة التي لم يجد وسيلة غيرها تحفظ لشريعة جده مما كان يخططه لها الحزب الاموي الحاكم الذي سخر جميع طاقات الامة وامكانياتها وفئاتها للقضاء عليها .

كان يسير إلى الشهادة ومن حوله عشرون شابا او اكثر من بنيه واخوته وأبناء أخيه الحسن السبط (ع) وأبناء اخته بطلة كربلاء وشريكته في الجهاد والتضحيات وأحفاد عمه عقيل بن أبي طالب وما اسرع ان كبّر قائلا : الله اكبر ، ولم يكن الموقف موقف تكبير فلا بد وأن يكون تكبيرة لأمر ما أو لهم من همومه أراد ان يستنجد عليه بالله سبحانه وإذا كان للتكبير روعته مهما كانت دوافعه وأسبابه فما احسب أن تكبيراً في تلك الساعة كان له من الروعة ما كان لتكبير الحسين (ع) وهو منطلق في تلك الصحراء المديدة إلى الهدف الاسمى والغاية العليا تحت سماء العراق الصافية . على رأس ذلك الركب كبّر الحسين فكانت تكبيرة لم يعرف التاريخ تكبيراً اكثر منها دويا ، تكبيرة اقتحمت تلك البيداء ومضت من صعيد إلى صعيد تهز النفوس وتثير الضمائر الحية وتحض على الظالمين والعابثين بتراث محمد ورسالته .

وما كان لعلي الاكبر ابن العشرين الذي كان يسير الى جنب ابيه إلا ان يسأل أبال لم كبّرت يا أبتاه ؟ فقال له : لقد خفقت خفقة فعنّ لي هاتف وهو يقول : القوم يسيرون والمنايا تسير في اثرهم فعلمت ان نفوسنا نعيت الينا .

لقد كان جواب الحسين لولده موجزا وبكلمة واحدة لا مواربة فيها ولا تمويه انه الموت ينتظرنا على الطريق وسوف نموت ولا نستسلم للطغاة ولا نهادن الجور والتسلط على عباد الله والمستضعفين في الأرض ، مع انه لا سبيل لنا إلى استنهاض ثورة عارمة تدك عروش اولئك الطغاة بقوتها المادية تنتصر عليهم بقوة السلاح وكثرة الرجال .

ان سبيلنا الوحيد هو بين أيدينا ورهن ارادتنا وهو ان نكون وحدنا الثورة ومن غير المعقول ان نتغلب بهؤلاء السبعين على ألوفهم ونهزم بهم سبعين الفا من رجالهم ولكن باستطاعتنا ان نقلب الدنيا على رؤوسهم إذا ضحينا وقتلنا في سبيل الإسلام ورسالته .

وكان الحسين (ع) وهو يلقي كلماته هذه على ولده علي الأكبر ابن العشرين وأشبه الناس بجده الرسول الأمين خَلقا وخُلقا يريد ان يسمع رأي ولده الأكبر ولم ينتظر الإمام طويلاً حتى سمع جواب الشاب الذي بادره بقوله : يا أبتاه لا أراك الله سوء أولسنا على الحق ، هذا هو القول الفصل عند علي بن أبي طالب وأبنائه شيوخاً وشباباً والقرار الأولوالأخير انهم يسعون إلى الحق ويعملون من اجله ويحاربون الباطل وحيث يكون الحق فهو هدفهم وغايتهم مهما كلفهم ذلك من جهود وتضحيات .

أولسنا على الحق يا أبتاه ؟ هكذا كان جواب الأكبر ابن العشرين لابيه ، وكان رد الحسين عليه السلام : بلى والذي إليه مرجع العباد ، ورد عليه ولده بقوله : اذن لا نبالي بالموت ما دمنا نموت محقين .

ان الحسين (ع) لم يكن ينتظر من ولده غير هذا الجواب ولكنه لم يتمالك إلا ان يزهو بمثل هذه الروح التي يحملها شاب في مطلع شبابه فرد عليه قائلا : جزاك الله من ولد خير ما جزي ولداً عن والده .

ان علي الأكبر بكلماته هذه لم يكن يعبر عن نفسه وروحه خاصة بل كان يتكلم باسم الشباب العشرين من أحفاد ابي طالب وكان يعلن قرارهم الاخير الذي هاجروا من المدينة لاجله وكان في طليعة اولئك الشباب العشرين العباس بن علي اكبرهم سنا وكان الحسين يحبه حب الأخ لأخيه والوالد لولده الوحيد وللعباس من المؤهلات والصفات الفاضلة ما جعله محببا لكل عارفيه ، وكما تكل الأكبر باسم الطالبيين جميعاً فقد تكلم العباس باسمهم بمناسبة اخرى وبنفس الروح والعزيمة والاستهانة بالحياة التي كان يحملها الأكبر وذلك عندما عرض عليه ابن ذي الجوشن الأمان لاتصال أمه أم البنين بنسبه فرد عليه العباس بعد أن أمره الحسين بالرد عليه قائلا : لعنك الله ولعن امامك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له ، ولقد كرروا تصميمهم على التضحية في سبيل الحق الذي يمثله الحسين مرة أخرى وذلك عندما جمع الحسين أنصاره وأهل بيته وأذن لهم بالإنصراف وقال : ان القوم لا يريدون غيري وقد اذنت لكم بالإنصراف في ظلمة هذا الليل فاتخذوه جملاً وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، وكان أول المتكلمين باسمهم جميعاً العباس بن علي فقال : ولم نفعل ذلك لنبقى بعدك يا ابا عبدالله لا أراني الله ذلك ابدا ، وتتابعوا جميعاً على الكلام بنفس الروح واللغة التي تكلم بها العباس .

وفي اليوم العاشر من المحرم اليوم الحاسم الرهيب كان الشباب أحفاد ابي طالب يتسابقون إلى الموت بأرواحهم الطيبة السخية بالبذل والفداء في سبيل الحسين ، وكما كان الأكبر يتكلم باسمهم ويعبر عما في نفوسهم وضمائرهم فقد كان اول شهيد من اولئك الشباب الابطال وحينما اقبل على المعركة قال :

انا علي بن الحسين بن علي * نحـــن وبيت الله أولى بـالنبي

والله لا يحكم فينا ابن الدعي

وتناولته السيوف والرماح بعد ان فتك بهم فتكا ذريعاً وقتل نحوا من مائتين من فرسانهم وأبطالهم الاشداء وأدى للبطولة حقها وللشهادة كرامتها وتتابع الطالبيون من بعده شاباً بعد شاب دفاعا عن الحق والعقيدة وكرامة الإنسان ومبادئ الإسلام مطمئنين بالمصير الذي أعد لهم والنصر المبين .

عشرون شاباً من نسل ابي طالب وأحفاد محمد بن عبدالله رفضوا الذل والهوان ومشوا إلى الموت بأنوف شامخة ورؤوس مرفوعة عالية لحماية الإسلام من الوثنية والجاهلية الرعناء التي حمل لوائها يزيد بن ميسون بعد أبيه معاوية وجده ابي سفيان عدو الإسلام الأكبر الذي ارغمه الإسلام على الإستسلام عام الفتح ووقف بين يدي محمد بن عبدالله ذليلاً يستجديه العفو والصفح . مشوا إلى الموت يرددون مقالة جدهم ابي طالب وهو يخاطب ابا سفيان وحزبه يوم كانوا يطاردون النبي في مكة ويسومونه كل أنواع العسف والجور ويساومون ابا طالب ليتخلى عنه وهو يقول لهم :

كذبتم وبيت الله نخلي محمداً * ولمـــا نطاعن دونه ونناضل

وننصره حتــى نصرع حوله * نذهــــل عن ابنائنا والحلائـل

ان ابا طالب حينما أنشد هذين البيتين لم يقصد بهما نفسه ولا جيله من الهاشميين والطالبيين بل كان يقصد بهما كل هاشمي من نسله ويناشد كل جيل من أحفاده ان يضحي بنفسه وبكل ما لديه عندما يرى رسالة محمد معرضة للتحريف والتزوير والاستغلال كان يخاطبهم من وراء الغيب أينما وجدوا ليكونوا حماة لرسالة محمد ونهجه ، وهكذا كان فلقد نفذوا جميع وصاياه وناضلوا وضحوا بأنفسهم من اجلها حتى استشهدوا حوا الحسين تاركين للعالم وللتاريخ صوراً ناصعة من الوفاء ودروساً غنية بالعطاء والمثل العليا تستلهم منها الاجيال كل معاني الخير والنبل والفضيلة .

لقد نفذ احفاد ابي طالب كل وصاياه ووقفوا في وجه اولئك الجلادين والفراعنة أحفاد ابي سفيان يناضلون ويدافعون عن رسالة محمد وتعاليم محمد بنفس الروح والعزيمة التي كان جدهما ابا طالب يدافع ويناضل بهما ويقول لابن اخيه :

والله لن يصلوا اليك بجمعهم * حتـــى اوسد في التراب دفينا

ولقــــد علمت بأن ديـن محمد * مـن خــــير اديان البرية دينا

ان ابا طالب الذي وقف إلى جانب الدعوة ودافع وناضل عنها وعن صاحبها بكل ما لديه من مال وجاه وقوة منذ ان بزغ فجرها ولم يتنازل عن مواقفه منها بالرغم من مغريات قريش وجبروتها وفي الوقت ذاته كان يعلن بكل مناسبة بأن دين محمد من خير أديان البرية ويأمر بنيه ذويه بالسير على خطا باعثها وحاميها واعتناق الإسلام ، ان ابا طالب صاحب هذه المواقف الكريمة الخالدة لقد مات كافرا وفي ضحضاح من نار عند اخواننا اهل السنة ومعاوية وأبا سفيان اللذين لم يفارقا الأصنام ولم يتنازلا عن وثنيتهما لحظة واحدة كما تؤكد ذلك مواقفهما من الإسلام وحماة الإسلام في عشرات المناسبات ، ماتا مسلمين مؤمنين ومن عدول الصحابة . وعشرات الشواهد تدل على ان ابا طالب سلام الله عليه لا ذنب له عند الامويين ورواتهم ومحدثيهم إلا انه والد الإمام علي بن ابي طالب الذي ضعضع كبريائهم وداس عنصريتهم ووثنيتهم بقدميه في بدر وأحد والأحزاب ، وفضح مخططاتهم في سيرته وسلوكه وسياسته ، ولو استطاعوا ان يلصقوا به الشرك لم يقصروا ، ومع ذلك فقد وضع لهم ابو هريرة وابن جندب وكعب الأحبار والزبيريون وابن شهاب الزهري عشرات الأحاديث في ذمه وتجريحه ولعنوه على منابرهم نحواً من مائة عام ولكنهم كانوا بما اقترفوه في حقه كأنهم يأخذون بضبعه إلى السماء وكأنهم كانوا ينشرون جيف الحمير فيما وضعوه من الأحاديث في فضل بعض الصحابة والأمويين على حد تعبير الشعبي وعبدالله بن عروة لولديهما .

ومهما كان الحال فستبقى مواقف انصار الحسين وشباب كربلاء بالذات في سبيل الحق والمبدأ والعقيدة مثلا كريماً لكل ثائر على الظلم والجور والطغيان إلى حيث يشاء الله وسلام الله عليهم وعلى جدهم ابي طالب حين ولدوا وحين استشهدوا وحين يبعثون مع الأنبياء والصديقين وشهداء بدر وأحد ورحمته وبركاته .

ونتمنى على شبابنا الذين ينشدون التحرر من الاستغلال والاستعباد وتسلط الحاكمين ان يرجعوا إلى تعاليم الإسلام وسيرة اهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم من وثنية الأمويين وعنصريتهم ومن كل ما هو غريب عن الإسلام وبعيد عنه ونتمنى عليهم ان يرجعوا ايضاً إلى مدرسة كربلاء ليقتدوا بشبابها الذين كانوا ثورة عارمة على الظلم والتسلط والاستغلال واستعباد الانسان لأخيه الانسان وسيجدون فيها وفي الإسلام ما يغنيهم عن تلك المبادئ المستوردة من هنا وهناك والتي تنطوي على اسوأ انواع التسلط واستعباد الشعوب باسم الحرية والعدالة والديمقراطية وما إلى ذلك من الشعارات البراقة الجوفاء التي يتاجرون فيها لتضليل الشعوب والبريئين من الناس ومنه سبحانه نستمد لهم الهداية والوعي السليم ليدركوا ما تنطوي عليه تلك المبادئ من تضليل وهدم للقيم والأخلاق واستغلال للضعفاء انه قريب مجيب .

لقد اوصى الحسين اهل بيته بالصبر بعد ما استشهد جميع اصحابه ولم يبق معه إلا اولئك الشباب من ولده وولد علي وجعفر وعقيل والحسن السبط فاجتمعوا يودع بعضهم بعضاً وهم في مطلع شبابهم كالأسود الضواري واثبت من الجبال الرواسي :

كــرام بأرض الفـــــاخـرية عـرسوا * فطـــــابت بـهم أرجـاء تــلك المنـازل

اقاموا بها كالمزن فاخــضر وعدها * وأعـــشب مــن اكنـــافـها كـل ماحـل

زهت ارضها من شر كــــل شمردل * طـويل نجاد السيـــــف جلـو الشمائـل

كأن لعزرائيـل قــــــد قــــــال سيفـه * لك السلـم موفـــوراً ويـوم الكفاح لي

حموا بالظبي ديــــن النبي وطاعنوا * ثبــــــاتا وخـــاضت جـردهم بالجحافل

ولمــــــا دنـــــت اجـالهم رحبـوا بها * كـأن لهــــــم بـالمـــوت بلغـــــة آمـل

عطاشي بجنب النهر والماء حولهم * يـــــبـاح إلــى الـوراد عـذب المناهل

فلـــــم تفجـع الايام مـن قبـل يومهم * بــأكــرم مقـــــتـولاً لالأم قــــــاتـــــــل

ورحم الله من قال في وصفهم :

هم القـــــوم مـــــن عليا لوي بـن غالب * بهـم تكشـــــف الجـــلـى ويستـدفع الضر

يحـــــيـون هـــــنـدي السيـــــوف بأوجـه * تـهـــــلل مـن لـئـــــلاء طلــــقهـا الـبشير

يـلفــــــون احـاد الالـوف بمثـــــلهـــــــــا * اذا حـل مـن معـــــقـود رايـاتـــــها نشــر

بـــــيـــــوم بـه وجــــــه المـنـون مـقطب * وحــــــد المـواضـــــي بـاسم الثـغـر يفتر

إذا اسـود يـوم النـــــقع اشــــرقن بالبها * لهـم اوجــــــه والشــــوس الوانها صفر

وما وقفـــــوا فـــــي الحرب إلا ليعبـروا * إلى المـوت والخـــــطي مــن دونه جسر

يـــــكـرون والابطـال نكـــــسا تقاعــست * مـن الخــــــوف والأســـــاد شيمتها الكر

إلى ان ثـــــووا تحـــــت العجاج بمعـرك * هو الحشر لا بـــــل دون مـوقـفه الحشر

وماتـــــوا كـــــرامـا تشهـد الحرب انهـم * ابـاة إذا الــــــوى بـــــهــم حــــــادث نـكر

إبـا حـــــسن شكــــــوي اليـــــــك وانهـا * لـواعـج أشجان يجـــــيـــــش بهـا الصدر

أتـــدري بمـــا لاقت مـن الكــــرب والبلا * وما واجهت بالطف ابناؤك ابن اؤك الغر

أعــــزيك فـــيهـم انهــــــم وردوا الـردى * بــــأفئــدة مــــــا بــــــل غـــــلتهـا قـــطـر

فــــكـم نـكـــــأت منــــــكـم أمـــيـة قرحـة * إلى الحشر لا يأتي على جرحها السبـــر

فــــمـن صبـــــيـة قــــد أرضعـــتهـا أمية * ضـــــروع المــــنـايا والـدمـاء لهــــا در

فهــــا هي صرعى والسهام عــــواطـف * حـــــنـوا عــليهـا والــــرمـال لها حـــجـر

وزاكــــيــــة لـم تلق فـي النوح مـــسعداً * ســـــوى انهـا بالســـوط يـزجرها زجـــر

ومذهـولــــة من دهشة الخيـل ابــــرزت * عـــــشيـة لا كــــهـف لــــديها ولا خــــدر

تجــــــاذبــــهـا أدي العـــــدو خـــمـارهـا * فتـــــستر بـالأيـــدي اذا اعــــوز الســـتـر

سرت تـــــتـــــراماهـا العـداة ســـوافـراً * يــــــروح بهـا مصر ويغـــدوا بها مـــصر

تطــــوف بها الاعداء فـي كــــل مهـــمه * فيجـذبهـا قـــــفـــــر ويقــــــذفهـا قــــــفــر

عاشق المعشوق
20-04-2006, 11:50 PM
سدد الله الخطى
إنما ننثر حبا للقطا
فمن إجتاز بمسراه الخُطى
كان ممن عقله الراجح قد
نال شرب الورد في كشف الغطا

بنت العمران
21-04-2006, 02:22 PM
متابعه

بنت العمران
21-04-2006, 02:24 PM
ما أروع يومك يا أبا الشهداء

شموخ مع التاريخ وصمود مع الاجيال يتجلى بكل وضوح في أفق الحياة الواسع ومع سير الزمن السرمدي لا يطويه دوران الايام ولا تنسيه الدهور والأعوام يجدد الآلام ويثير الاحزان والاشجان بالرغم من مرور المئات من الأعوام ذلك هو يومك الخالد يا ابا عبدالله الذي ضربت فيه أمثالا بلغت اقصى حدود السمو في التضحية والفداء وأوضحت المعالم البارزة للسبل التي يجب ان تكون منهجاً لعبور العقبات الصعاب في هذه الحياة فما اروع هذا الخلود وما اسمى معانيه لو برزت بوضوح حقائقها ورسمت دقائق خطوط اهدافها لترفع المشع الوهاج للاجيال المتعاقبة وتلتهم ثمرات تلك المآثر السامية وتستلهم منها الصبر والعقيدة لتحقيق الاهداف التي دعا اليها الاسلام وكافح من اجلها دعاته الوفياء لتطهير الارض المقدسة من دنس الظالمين والغاصبين .

ما اروع يومك يا ابا عبدالله ويا ابا الشهداء ذلك اليوم الذي وقفت فيه تخاطب انصارك وأهل بيتك قائلا : اما بعد فقد نزل بنا من الأمر ما قد علمتم وان الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء وخسيس عيش كالمرعي الوبيل ألا ترون إلى الحق لا يعمل به والى الباطل لا تناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقا فاني لا ارى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما .

فكانت التضحية وكان الداء الذي ادمى القلوب ومزقها وكان النصر حليفه فلقد استقامت بشهادتك يا ابا عبدالله أركان الإسلام وتبين الرشد من الغي وظلت كلمة لا إلا الله محمد رسول الله التي حاربها الحزب الأموي مدوية في الفضاء خالدة في أجوائه خلود يومك .

لقد اراد لها يزيد بن ميسون الفناء بقتلك وأراد الله لك ولها البقاء فبقيت وبقيت مع التاريخ تستنير الاجيال بذكراك ويستلهم منها المخلصون سبل الثورة على الظلم والطغيان وبقي ذكر اولئك الطغاة عارا تتبرأ منه الاحفاد والاجيال وتتبعهم اللعنات ما دام التاريخ .

فما أصبرك يا ابا عبدالله وما اروع يومك حينما وقفت في ارض المعركة وحيداً لا ناصر لك ولا معين تتلفت يمينا وشمالا فلا ترى سوى اصحابك وبنيك واخوتك صرعى على ثرى الطف المديد والاعداء تحيط بك من كل نواحيك تحدق في خيامك الخالدة إلا من النساء والاطفال والصراخ يتعالى من هنا وهناك وأنت تتلوى لهول ذلك المشهد وتلك الحشود الهائلة وقد شهرت أسنة رماحها في وجهك فتغمض عينيك من هول ذلك المنظر ومما حل ببيت الرسالة وأحفاد الرسول فلا تجد من يأويهم ويكفلهم من بعدك .

ثم تتلفت إلى أنصارك فلا ترى سوى الجثث المبعثرة من حولك فما أهوله من منظر وما ارزأها من مصيبة لم يحدث التاريخ بمثلها ومع كل ذلك فلم تلن لأولئك الطغاة ومضيت في ثورتك على الباطل ثورة الإيمان بكل معانيه وأبعاده على الكفر بكل اباطيله تقول : والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا أقر لكم اقرار العبيد وبقيت خالداً خلود الدهر .

لقد تمخضت مواقف الحسين بن علي (ع) يوم عاشوراء ذلك اليوم التاريخي من خلال ما ارتسم فيها من البطولات والصمود امام تلك الجحافل العاتية عن جلائل المعاني السامية وتجلت من سطورها الدامية روائع من صفحات الإيمان الثابت والعقيدة المخلصة وطفقت تحمل في مشاعلها نزعة الانعتاق من ربقة الاستغلال والاستعباد واندفعت تخط للإجيال أبعاد الكفاح الثوري وترسم للعصور سمات للصمود والثبات وتدفع بالمناضلين المكافحين إلى تعلقهم بما يرسمونه من تخطيط لمعتقداتهم الفكرية وما ينتهجونه من تحديد لمنطلقاتهم النضالية في المسار النضالي وما يحددونه من مواقف جريئة امام تحديات الحاكمين واستغلالهم لخيرات الشعوب وأرزاق العباد .

ان المسار الثوري الذي حفلت به ثورة الحسين (ع) لقد عزز الكثير من طموح الشعوب المستغلة من اجل انهاض هذه الشعوب وايقاد فتيل الثورة للاطاحة بالنظم المستبدة وايجاد المجتمعات السليمة التي تحقق للشعوب حريتها وكرامتها وطموحاتها في التخلص من الاستغلال وتطوير الحياة وما يضمن لتلك الشعوب أمنها ورفاهيتها .

ان ثورة الحسين تركت في دروب الاحرار المجاهدين والصامدين علامات مضيئة تنير مسالك الكفاح وتمهد الطريق الذي يمكن كل ثائر إذا اعتمد في الدرجة الاولى على نزعة السخاء بالأرواح وبذل الأنفس من اجل العقيدة الثابتة ومن اجل مواقع الصمود للوصول إلى النصر .

ان طرح الحسين الخالد لهذا السخاء العظيم بتقديمه نفسه وذويه وصحبه واستشهادهم إلى جانبه مكن هذه الثورة من الديمومة والبقاء لتكون المنار لكل الثائرين الصامدين عبر مسيرات الانتفاضات الشعبية التي تحدث هنا وهناك ومكن لها الانتصار إذا اقترنت بالنزاهة والاخلاص وبمثل ذلك السخاء الذي قدمه الحسين وأنصاره من اجل الانسان وكرامته . لقد انتصر الحسين (ع) باستشهاده انتصاراً لم يسجل التاريخ انتصاراً اوسع منه ولا فتحا كان ارضى لله منه ، وكان واثقاً من هذا الانتصار ومن هذا الفتح كما كان واثقاً من هزيمته عسكرياً كما يبدو ذلك من كتابه الذي كتبه الى الهاشميين وهو في طريقه إلى العراق فقد قال فيه : اما بعد فانه من لحق بي استشهد ومن تخلف لم يبلغ الفتح .

وكان ذكرنا فالفتح الذي يعنيه الحسين من كتابه إلى الهاشميين هو ما احدثته ثورته من النقمة العامة على الأمويين وما رافقها من الانتفاضات التي اطاحت بدولتهم .





لقد شاء الله ان يراهُن سبايا



لقد كان محمد بن الحنفية شقيق الحسين في طليعة اولئك الذين حاولوا مع الحسين (ع) ان لا يستجيب لأهل العراق وأن يبقى بعيداً عنهم وقد ذكره مع من ذكروه بمواقفهم مع أبيه وأخيه وكان قد اشار عليه ان يذهب إلى اليمن أو بعض نواحي البر ولا يذهب إلى الكوفة فوعده الحسين (ع) ان ينظر في الأمر وفي مطلع الفجر من تلك الليلة اخبر ابن الحنفية ان الحسين (ع) قد تهيأ للخروج مع اخوته وبني عمومته ونسائه إلى العراق فأقبل عليه وقد اشرف موكبه على التحرك فأخذ بزمام ناقته وهو يبكي واقل له : ألم تعدني النظر فيما سألتك فما حداك على الخروج عاجلا ؟ فرد عليه الحسين قائلا : لقد جاءني رسول الله بعد ما فارقتك وقال لي : لقد شاء الله ان يراك قتيلاً فاسترجع ابن الحنفية وقال : إذا كان الأمر كما تقول ، فما معنى حملك للنساء وأنت تخرج لهذه الغاية ، فقال له : لقد شاء الله ان يراهن سبايا .

بهذا الجواب القصير وبهاتين الكلمتين بما لهما من المدلول الواسع وبدون مواربة او تمويه اجاب الحسين اخاه محمد بن الحنفية وعيناه تنهمر بالدموع والالم يحز في قلبه ونفسه ، وكما قال ابو عبدالله (ع) لقد شاء الله ان يراهن سبايا كما شاء ان يراه قتيلا موزع الاشلاء هو ومن معه من اسرته وأصحابه على ثرى الطف ، لان سبيهن بعده من بلد إلى بلد لم يكن أقل اثرا على تلك الدولة الجائرة وعلى تلك الاسرة التي تكيد للإسلام من شهادته ان لم يكن أشد وقعاً على نفوس المسلمين من استشهاده .

لقد كان لسبي النساء والاطفال والطواف بهن من بلد إلى بلد اثراً من اسوأ الآثار على الأمويين ودولتهم وكان الجزء المتمم للغاية التي ارادها الحسين من نهضته فلقد أثار الاحزان والأشجان في نفوس المسلمين وكشف اسرار الامويين وواقعهم السيىء للقاصي والداني وأظهر قبائحهم ومخازيهم للعالم والجاهل وأوضح للمسلمين في كل مكان وزمان ان الأمويين من ألد اعداء الاسلام يبطنون الكفر والالحاد ويتظاهرون بالإسلام رياء ودجلا ونفاقاً . وفي الوقت ذاته فلقد كان سبيهم من جملة الوسائل لنشر الدعوة الى العلويين ومبدأ التشيع لأهل البيت ولعن من شايع وتابع وبايع على قتل الحسين ، وقد أشارت إلى ذلك العقيلة الكبرى في قولها ليزيد بن ميسون في مجلسه بقصر الخضراء : فوالله ما فريت إلا جلدك وما حززت إلا لحمك .

لقد حملهم معه وهو على يقين بأن الأمويين سيطوفون بهم في البلدان إلى ان يصلوا بهن إلى عاصمتهم الشام وسيراهم كل انسان مكشفات الوجوه وفي أيديهم الاغلال والسلاسل وأكثر الناس سيقابلون ذلك بالنقمة على الأمويين والأسف والحزن لآل بيت نبيهم الذي بعث رحمة للعالمين .

وجاء في كتاب المنتخب ان عبيد الله بن زياد دعا شمر بن ذي الجوشن وشبث بن ربعي وعمرو بن الحجاج وضم اليهم الف فارس وأمرهم بايصال السبايا والرؤوس إلى الشام .

ويدعي ابو مخنف انهم مروا بهم بمدينة تكريت وكان اغلب اهلها من النصارى فلما اقتربوا منها وأرادوا دخولها اجتمع القسيسون والرهبان في الكنائس وضربوا النواقيس حزنا على الحسين وقالوا : انا نبرأ من قوم قتلوا ابن بنت نبيهم فلم يجرأوا على دخول البلدة وباتوا ليلتهم خارجها في البرية .

وهكذا كانوا يقابلون بالجفاء والاعراض والتوبيخ كلما مروا بدير من الاديرة او بلد من بلاد النصارى ، وحينما دخلوا مدينة لينيما وكانت عامرة يومذاك تظاهر اهلها رجالاً ونساء وشيباً وشبانا وهتفوا بالصلاة والسلام على الحسين وجده وأبيه ولعن الأمويين وأشياعهم وأتباعهم وأخرجوهم من المدينة وتعالى الصراخ من كل جانب ، وأرادوا الدخول إلى جهينة من بلاد سورياً فتجمع اهلها لقتالهم فعدلوا عنها واستقبلتهم معرة النعمان بالترحاب بلدة المعري الذي يقول :

أليس قريشكم قتلت حسيناً * وصار على خـــلافتكم يزيد

وقال : وعلى الافق من دماء الشهيدين علي ونجله شاهدان .

وحينما اشرفوا على مدينة كفرطاب أغلق أهلها الأبواب في وجوههم فطلبوا منهم الماء ليشربوا فقالوا لهم : والله لا نسقيكم قطرة من الماء بعد ان منعتم الحسين وأصحابه منه ، واشتبكوا مع أهالي حمص وكان أهلها يهتفون قائلين : اكفرا بعد ايمان وضلالا بعد هدي ، ورشقوهم بالحجارة فقتلوا منهم 26 فارساً ولم تستقبلهم سوى مدينة بعلبك كما جاء في الدمعة الساكبة فدقت الطبول وقدموا لهم الطعام والشراب .

وجاء عن سبط بن الجوزي عن جده انه كان يقول : ليس العجب ان يقتل ابن زياد حسينا وانما العجب كل العجب ان يضرب يزيد ثناياه بالقضيب ويحمل نساءه سبايا على أعقاب الجمال .

قد رأى الناس في السبايا من الفجيعة اكثر مما رأوه في قتل الحسين وهذا ما اراده الحسين (ع) من الخروج بالنساء والصبيان ، ولو لم يخرج بهن لما حصل السبي الذي ساهم مساهمة فعالة في الهدف الذي أراده الحسين من نهضته وهو انهيار تلك الدولة الجائرة .

ولو افترضنا ان السيدة الكبرى زينب بنت علي وفاطمة بقيت في المدينة وقتل اخوها في كربلاء فما عساها تصنع وأي عمل تستطيعه غير البكاء والنحيب واقامة العزاء ؟ وهل كان يتسنى لها الدخول على ابن زياد لتقول له بحضور حشد من الناس : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد وطهرنا من الرجس تطهيراً انما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا ثكلتك امك يا ابن مرجانة ، وهل كان بامكانها ان تدخل مجلس يزيد في قصر الخضراء وهو مزهو بملكه وسلطانه وتلقى تلك الخطب التي اعلنت فيها فسقه وفجوره ولعنت فيها آبائه وأجداده وقالت له فيما قالت : أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك اماءك وحرائرك وسوقك بنات رسول الله من بلد إلى بلد ، ولئن جرت عليّ الدواهي مخاطبتك اني لاستصغر قدرك وأستعظم تقريعك ، إلى غير ذلك من كلماتها التي كانت تنهال عليه كالصواعق وغيرت اتجاه الرأي العام نحوه ونحو بيته مما اضطره لان يتنصل من تلك الجريمة ويلعن ابن زياد ويحاول ان يحمله مسؤوليتها بعد ان بلغته آثار تلك المأساة في المدن والقرى التي مر بها موكب السبايا واللعنات التي كانت تنهال عليه وعلى اهل بيته ، وبعد ان رأى الوجوه تغيرت عليه حين وقفت في مجلسه ذلك الموقف التاريخي الذي لا يزال حديث الاجيال بعد ان رأى ذلك وسمع ما احدثه موكب السبايا في نفوس الناس وقلوبهم وبخاصة بعد ان عرف الناس في عاصمته وخارجها ان هذا الموكب لآل الرسول وبناته جعل يتنصل من تلك الجريمة ويحمل أوزارها لابن زياد ومعاونيه . لقد كان باستطاعة يزيد ومعاونيه لو لم يتعرض لأسر النساء والاطفال وسبيهن من بلد إلى بلد ان يموه على الناس ويقول لهم لقد نازعني الحسين ملكي وقاتلني فقتلته ، ولكنه بعد ان صنع مع النساء والاطفال ما صنع من الاسر والسبي والامتهان ضاقت عليه الحجج والذرائع ولم يعد امامه إلا ان يتنصل منها ويضع مسؤوليتها على غيره حيث لا يجديه التنصل ولا تستره الاعذار وقد أيقن بعدها الكثير من الناس بأنه كان في عمله هذا مسيرا لامويته الحاقدة على بيت محمد ورسالته ، ولو انه ترك النساء والاطفال بعد تلك المجزرة وشأنهم ولم يعاملهم بتلك المعاملة التي لم يعامل المسلمون بها اسرى المشركين ونسائهم لم يكن لجريمته كل ذلك الصدى الذي هز العالم الإسلامي بكل فئاته وطبقاته .

لقد كان الحسين يرى من وراء الغيب بأن شهادته وحدها لا تعطي النتائج المطلوبة ولا تحقق له جميع اهدافه ما لم تقترن بسبي النساء والاطفال والطواف بهن من بلد إلى بلد ليتاح لشقيقته العقيلة ان تؤدي دورها ورسالتها فقال لاخيه ابن الحنفية وهو يتململ بين يديه باكياً حزيناً : لقد شاء الله ان يراني قتيلاً وأن يرى نسائي وأطفالي سبايا وكان على أمية وحفيدها يزيد بن ميسون لو كانت تملك ذرة من الوفاء والشرف ان تعود إلى الوراء قليلاً لترى ما فعله جد زينب والحسين وبقية العلويين والعلويات مع ابي سفيان وزوجته هند بنت عتبة التي مثلت بعمه الحمزة وأكلت من كبده وكيف عاملهما بالعفو والصفح وجعل لهما ما لم يجعله لاحد من مشركي مكة وطواغيتها ، ورحم الله بعض الشعراء الذي ذهب يعاتب الامويين بقوله :

وعـــــليك خــــــزي يـا أميـة دائـم * يـــــبقى كـمـا فـي النـار دام بقـاك

فلقـد حملت مـن الآثام جــــــهالـة * مـا عـــنه ضـاق لمن دعاك دعاك

هلا صفحت عن الحسين ورهطه * صفـح الــوصـي ابـــيـه عـــن أباك

وعــفــفت يـوم الطف عفـة جـــده * المبعـوث يـــوم الفتـح عـن طلقاك

أفهل يــــــد سلبـت امـاءك مثــلما * سلبت كـريمـــــات الطـفـوف يـداك

ام هـل بــــــرزن بفتح مكة حسرا * كنسائـه يــــــوم الطـــفـوف نسـاك

ورحم الله القائل في وصف السبايا :

وزاكـية لـم تلق في النوح مسعـدا * سـوى انهــا بالسوط يزجرها زجر

ومـذعـــورة اضحت وخفـاق قلبها * تكـاد شظـاياه يــــطيـر بهـا الذعــر

ومذهولة من دهشة الخيل ابرزت * عــشيـة لا كـهـــف لـديها ولا خدر

تجـــاذبها أيــــــدي العـدو خمارهـا * فـــتستـر بالأيـدي إذا أعـوز الستر

سرت تتراماهـا العــداة سـوافرات * يـــروح بها مصر ويغـدو بها مصر

تطــوف بها الاعداء فـي كل مهمة * فيـــجـذبهـا قـــفــــــر ويقـذفهـا قفـر





بطولات الشباب في كربلا



إذا كانت مطامح الشباب عيشا رغيدا ومستقبلا سعيدا حافلا بكل ألوان النعيم كما نشاهد ونرى فشباب كربلاء كانت كل امانيهم ومطامحهم صموداً في الأهوال وصبراً في البأساء واستشهاداً بحد السيوف ، ولم يكن لتلك الفتوة الغضة والصبا الريان ان تهتم او تفكر بما أعد لها من غضارة الدنيا وما ينتظرها من صفو الحياة ولهوها ومتعها بل كان كل همهم التطلع إلى أي سبيل من سبل الشهادة يعبرون وأي موقف من مواقف البطولات يقفون .

هناك وعلى مشارف العراق وفي الطريق إلى كربلاء كان الحسين (ع) يسير على رأس قافلة الشباب الابطال متحديا اقوى سلطة وأبشع طغيان وأسوأ من عرفه التاريخ من الحاكمين متحديا كل ذلك بسبعين من الرجال والشباب ليحطم بهذا العدد القليل قوى الشر والطغيان ومعاقل البغي والعدوان وليعلم ابناء آدم كيف يموتون في سبيل العزة والكرامة .

كان يسير ابو عبدالله على رأس تلك القافلة ممن اصطفاهم الله إلى الشهادة التي لم يجد وسيلة غيرها تحفظ لشريعة جده مما كان يخططه لها الحزب الاموي الحاكم الذي سخر جميع طاقات الامة وامكانياتها وفئاتها للقضاء عليها .

كان يسير إلى الشهادة ومن حوله عشرون شابا او اكثر من بنيه واخوته وأبناء أخيه الحسن السبط (ع) وأبناء اخته بطلة كربلاء وشريكته في الجهاد والتضحيات وأحفاد عمه عقيل بن أبي طالب وما اسرع ان كبّر قائلا : الله اكبر ، ولم يكن الموقف موقف تكبير فلا بد وأن يكون تكبيرة لأمر ما أو لهم من همومه أراد ان يستنجد عليه بالله سبحانه وإذا كان للتكبير روعته مهما كانت دوافعه وأسبابه فما احسب أن تكبيراً في تلك الساعة كان له من الروعة ما كان لتكبير الحسين (ع) وهو منطلق في تلك الصحراء المديدة إلى الهدف الاسمى والغاية العليا تحت سماء العراق الصافية . على رأس ذلك الركب كبّر الحسين فكانت تكبيرة لم يعرف التاريخ تكبيراً اكثر منها دويا ، تكبيرة اقتحمت تلك البيداء ومضت من صعيد إلى صعيد تهز النفوس وتثير الضمائر الحية وتحض على الظالمين والعابثين بتراث محمد ورسالته .

وما كان لعلي الاكبر ابن العشرين الذي كان يسير الى جنب ابيه إلا ان يسأل أبال لم كبّرت يا أبتاه ؟ فقال له : لقد خفقت خفقة فعنّ لي هاتف وهو يقول : القوم يسيرون والمنايا تسير في اثرهم فعلمت ان نفوسنا نعيت الينا .

لقد كان جواب الحسين لولده موجزا وبكلمة واحدة لا مواربة فيها ولا تمويه انه الموت ينتظرنا على الطريق وسوف نموت ولا نستسلم للطغاة ولا نهادن الجور والتسلط على عباد الله والمستضعفين في الأرض ، مع انه لا سبيل لنا إلى استنهاض ثورة عارمة تدك عروش اولئك الطغاة بقوتها المادية تنتصر عليهم بقوة السلاح وكثرة الرجال .

ان سبيلنا الوحيد هو بين أيدينا ورهن ارادتنا وهو ان نكون وحدنا الثورة ومن غير المعقول ان نتغلب بهؤلاء السبعين على ألوفهم ونهزم بهم سبعين الفا من رجالهم ولكن باستطاعتنا ان نقلب الدنيا على رؤوسهم إذا ضحينا وقتلنا في سبيل الإسلام ورسالته .

وكان الحسين (ع) وهو يلقي كلماته هذه على ولده علي الأكبر ابن العشرين وأشبه الناس بجده الرسول الأمين خَلقا وخُلقا يريد ان يسمع رأي ولده الأكبر ولم ينتظر الإمام طويلاً حتى سمع جواب الشاب الذي بادره بقوله : يا أبتاه لا أراك الله سوء أولسنا على الحق ، هذا هو القول الفصل عند علي بن أبي طالب وأبنائه شيوخاً وشباباً والقرار الأولوالأخير انهم يسعون إلى الحق ويعملون من اجله ويحاربون الباطل وحيث يكون الحق فهو هدفهم وغايتهم مهما كلفهم ذلك من جهود وتضحيات .

أولسنا على الحق يا أبتاه ؟ هكذا كان جواب الأكبر ابن العشرين لابيه ، وكان رد الحسين عليه السلام : بلى والذي إليه مرجع العباد ، ورد عليه ولده بقوله : اذن لا نبالي بالموت ما دمنا نموت محقين .

ان الحسين (ع) لم يكن ينتظر من ولده غير هذا الجواب ولكنه لم يتمالك إلا ان يزهو بمثل هذه الروح التي يحملها شاب في مطلع شبابه فرد عليه قائلا : جزاك الله من ولد خير ما جزي ولداً عن والده .

ان علي الأكبر بكلماته هذه لم يكن يعبر عن نفسه وروحه خاصة بل كان يتكلم باسم الشباب العشرين من أحفاد ابي طالب وكان يعلن قرارهم الاخير الذي هاجروا من المدينة لاجله وكان في طليعة اولئك الشباب العشرين العباس بن علي اكبرهم سنا وكان الحسين يحبه حب الأخ لأخيه والوالد لولده الوحيد وللعباس من المؤهلات والصفات الفاضلة ما جعله محببا لكل عارفيه ، وكما تكل الأكبر باسم الطالبيين جميعاً فقد تكلم العباس باسمهم بمناسبة اخرى وبنفس الروح والعزيمة والاستهانة بالحياة التي كان يحملها الأكبر وذلك عندما عرض عليه ابن ذي الجوشن الأمان لاتصال أمه أم البنين بنسبه فرد عليه العباس بعد أن أمره الحسين بالرد عليه قائلا : لعنك الله ولعن امامك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له ، ولقد كرروا تصميمهم على التضحية في سبيل الحق الذي يمثله الحسين مرة أخرى وذلك عندما جمع الحسين أنصاره وأهل بيته وأذن لهم بالإنصراف وقال : ان القوم لا يريدون غيري وقد اذنت لكم بالإنصراف في ظلمة هذا الليل فاتخذوه جملاً وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، وكان أول المتكلمين باسمهم جميعاً العباس بن علي فقال : ولم نفعل ذلك لنبقى بعدك يا ابا عبدالله لا أراني الله ذلك ابدا ، وتتابعوا جميعاً على الكلام بنفس الروح واللغة التي تكلم بها العباس .

وفي اليوم العاشر من المحرم اليوم الحاسم الرهيب كان الشباب أحفاد ابي طالب يتسابقون إلى الموت بأرواحهم الطيبة السخية بالبذل والفداء في سبيل الحسين ، وكما كان الأكبر يتكلم باسمهم ويعبر عما في نفوسهم وضمائرهم فقد كان اول شهيد من اولئك الشباب الابطال وحينما اقبل على المعركة قال :

انا علي بن الحسين بن علي * نحـــن وبيت الله أولى بـالنبي

والله لا يحكم فينا ابن الدعي

وتناولته السيوف والرماح بعد ان فتك بهم فتكا ذريعاً وقتل نحوا من مائتين من فرسانهم وأبطالهم الاشداء وأدى للبطولة حقها وللشهادة كرامتها وتتابع الطالبيون من بعده شاباً بعد شاب دفاعا عن الحق والعقيدة وكرامة الإنسان ومبادئ الإسلام مطمئنين بالمصير الذي أعد لهم والنصر المبين .

عشرون شاباً من نسل ابي طالب وأحفاد محمد بن عبدالله رفضوا الذل والهوان ومشوا إلى الموت بأنوف شامخة ورؤوس مرفوعة عالية لحماية الإسلام من الوثنية والجاهلية الرعناء التي حمل لوائها يزيد بن ميسون بعد أبيه معاوية وجده ابي سفيان عدو الإسلام الأكبر الذي ارغمه الإسلام على الإستسلام عام الفتح ووقف بين يدي محمد بن عبدالله ذليلاً يستجديه العفو والصفح . مشوا إلى الموت يرددون مقالة جدهم ابي طالب وهو يخاطب ابا سفيان وحزبه يوم كانوا يطاردون النبي في مكة ويسومونه كل أنواع العسف والجور ويساومون ابا طالب ليتخلى عنه وهو يقول لهم :

كذبتم وبيت الله نخلي محمداً * ولمـــا نطاعن دونه ونناضل

وننصره حتــى نصرع حوله * نذهــــل عن ابنائنا والحلائـل

ان ابا طالب حينما أنشد هذين البيتين لم يقصد بهما نفسه ولا جيله من الهاشميين والطالبيين بل كان يقصد بهما كل هاشمي من نسله ويناشد كل جيل من أحفاده ان يضحي بنفسه وبكل ما لديه عندما يرى رسالة محمد معرضة للتحريف والتزوير والاستغلال كان يخاطبهم من وراء الغيب أينما وجدوا ليكونوا حماة لرسالة محمد ونهجه ، وهكذا كان فلقد نفذوا جميع وصاياه وناضلوا وضحوا بأنفسهم من اجلها حتى استشهدوا حوا الحسين تاركين للعالم وللتاريخ صوراً ناصعة من الوفاء ودروساً غنية بالعطاء والمثل العليا تستلهم منها الاجيال كل معاني الخير والنبل والفضيلة .

لقد نفذ احفاد ابي طالب كل وصاياه ووقفوا في وجه اولئك الجلادين والفراعنة أحفاد ابي سفيان يناضلون ويدافعون عن رسالة محمد وتعاليم محمد بنفس الروح والعزيمة التي كان جدهما ابا طالب يدافع ويناضل بهما ويقول لابن اخيه :

والله لن يصلوا اليك بجمعهم * حتـــى اوسد في التراب دفينا

ولقــــد علمت بأن ديـن محمد * مـن خــــير اديان البرية دينا

ان ابا طالب الذي وقف إلى جانب الدعوة ودافع وناضل عنها وعن صاحبها بكل ما لديه من مال وجاه وقوة منذ ان بزغ فجرها ولم يتنازل عن مواقفه منها بالرغم من مغريات قريش وجبروتها وفي الوقت ذاته كان يعلن بكل مناسبة بأن دين محمد من خير أديان البرية ويأمر بنيه ذويه بالسير على خطا باعثها وحاميها واعتناق الإسلام ، ان ابا طالب صاحب هذه المواقف الكريمة الخالدة لقد مات كافرا وفي ضحضاح من نار عند اخواننا اهل السنة ومعاوية وأبا سفيان اللذين لم يفارقا الأصنام ولم يتنازلا عن وثنيتهما لحظة واحدة كما تؤكد ذلك مواقفهما من الإسلام وحماة الإسلام في عشرات المناسبات ، ماتا مسلمين مؤمنين ومن عدول الصحابة . وعشرات الشواهد تدل على ان ابا طالب سلام الله عليه لا ذنب له عند الامويين ورواتهم ومحدثيهم إلا انه والد الإمام علي بن ابي طالب الذي ضعضع كبريائهم وداس عنصريتهم ووثنيتهم بقدميه في بدر وأحد والأحزاب ، وفضح مخططاتهم في سيرته وسلوكه وسياسته ، ولو استطاعوا ان يلصقوا به الشرك لم يقصروا ، ومع ذلك فقد وضع لهم ابو هريرة وابن جندب وكعب الأحبار والزبيريون وابن شهاب الزهري عشرات الأحاديث في ذمه وتجريحه ولعنوه على منابرهم نحواً من مائة عام ولكنهم كانوا بما اقترفوه في حقه كأنهم يأخذون بضبعه إلى السماء وكأنهم كانوا ينشرون جيف الحمير فيما وضعوه من الأحاديث في فضل بعض الصحابة والأمويين على حد تعبير الشعبي وعبدالله بن عروة لولديهما .

ومهما كان الحال فستبقى مواقف انصار الحسين وشباب كربلاء بالذات في سبيل الحق والمبدأ والعقيدة مثلا كريماً لكل ثائر على الظلم والجور والطغيان إلى حيث يشاء الله وسلام الله عليهم وعلى جدهم ابي طالب حين ولدوا وحين استشهدوا وحين يبعثون مع الأنبياء والصديقين وشهداء بدر وأحد ورحمته وبركاته .

ونتمنى على شبابنا الذين ينشدون التحرر من الاستغلال والاستعباد وتسلط الحاكمين ان يرجعوا إلى تعاليم الإسلام وسيرة اهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم من وثنية الأمويين وعنصريتهم ومن كل ما هو غريب عن الإسلام وبعيد عنه ونتمنى عليهم ان يرجعوا ايضاً إلى مدرسة كربلاء ليقتدوا بشبابها الذين كانوا ثورة عارمة على الظلم والتسلط والاستغلال واستعباد الانسان لأخيه الانسان وسيجدون فيها وفي الإسلام ما يغنيهم عن تلك المبادئ المستوردة من هنا وهناك والتي تنطوي على اسوأ انواع التسلط واستعباد الشعوب باسم الحرية والعدالة والديمقراطية وما إلى ذلك من الشعارات البراقة الجوفاء التي يتاجرون فيها لتضليل الشعوب والبريئين من الناس ومنه سبحانه نستمد لهم الهداية والوعي السليم ليدركوا ما تنطوي عليه تلك المبادئ من تضليل وهدم للقيم والأخلاق واستغلال للضعفاء انه قريب مجيب .

لقد اوصى الحسين اهل بيته بالصبر بعد ما استشهد جميع اصحابه ولم يبق معه إلا اولئك الشباب من ولده وولد علي وجعفر وعقيل والحسن السبط فاجتمعوا يودع بعضهم بعضاً وهم في مطلع شبابهم كالأسود الضواري واثبت من الجبال الرواسي :

كــرام بأرض الفـــــاخـرية عـرسوا * فطـــــابت بـهم أرجـاء تــلك المنـازل

اقاموا بها كالمزن فاخــضر وعدها * وأعـــشب مــن اكنـــافـها كـل ماحـل

زهت ارضها من شر كــــل شمردل * طـويل نجاد السيـــــف جلـو الشمائـل

كأن لعزرائيـل قــــــد قــــــال سيفـه * لك السلـم موفـــوراً ويـوم الكفاح لي

حموا بالظبي ديــــن النبي وطاعنوا * ثبــــــاتا وخـــاضت جـردهم بالجحافل

ولمــــــا دنـــــت اجـالهم رحبـوا بها * كـأن لهــــــم بـالمـــوت بلغـــــة آمـل

عطاشي بجنب النهر والماء حولهم * يـــــبـاح إلــى الـوراد عـذب المناهل

فلـــــم تفجـع الايام مـن قبـل يومهم * بــأكــرم مقـــــتـولاً لالأم قــــــاتـــــــل

ورحم الله من قال في وصفهم :

هم القـــــوم مـــــن عليا لوي بـن غالب * بهـم تكشـــــف الجـــلـى ويستـدفع الضر

يحـــــيـون هـــــنـدي السيـــــوف بأوجـه * تـهـــــلل مـن لـئـــــلاء طلــــقهـا الـبشير

يـلفــــــون احـاد الالـوف بمثـــــلهـــــــــا * اذا حـل مـن معـــــقـود رايـاتـــــها نشــر

بـــــيـــــوم بـه وجــــــه المـنـون مـقطب * وحــــــد المـواضـــــي بـاسم الثـغـر يفتر

إذا اسـود يـوم النـــــقع اشــــرقن بالبها * لهـم اوجــــــه والشــــوس الوانها صفر

وما وقفـــــوا فـــــي الحرب إلا ليعبـروا * إلى المـوت والخـــــطي مــن دونه جسر

يـــــكـرون والابطـال نكـــــسا تقاعــست * مـن الخــــــوف والأســـــاد شيمتها الكر

إلى ان ثـــــووا تحـــــت العجاج بمعـرك * هو الحشر لا بـــــل دون مـوقـفه الحشر

وماتـــــوا كـــــرامـا تشهـد الحرب انهـم * ابـاة إذا الــــــوى بـــــهــم حــــــادث نـكر

إبـا حـــــسن شكــــــوي اليـــــــك وانهـا * لـواعـج أشجان يجـــــيـــــش بهـا الصدر

أتـــدري بمـــا لاقت مـن الكــــرب والبلا * وما واجهت بالطف ابناؤك ابن اؤك الغر

أعــــزيك فـــيهـم انهــــــم وردوا الـردى * بــــأفئــدة مــــــا بــــــل غـــــلتهـا قـــطـر

فــــكـم نـكـــــأت منــــــكـم أمـــيـة قرحـة * إلى الحشر لا يأتي على جرحها السبـــر

فــــمـن صبـــــيـة قــــد أرضعـــتهـا أمية * ضـــــروع المــــنـايا والـدمـاء لهــــا در

فهــــا هي صرعى والسهام عــــواطـف * حـــــنـوا عــليهـا والــــرمـال لها حـــجـر

وزاكــــيــــة لـم تلق فـي النوح مـــسعداً * ســـــوى انهـا بالســـوط يـزجرها زجـــر

ومذهـولــــة من دهشة الخيـل ابــــرزت * عـــــشيـة لا كــــهـف لــــديها ولا خــــدر

تجــــــاذبــــهـا أدي العـــــدو خـــمـارهـا * فتـــــستر بـالأيـــدي اذا اعــــوز الســـتـر

سرت تـــــتـــــراماهـا العـداة ســـوافـراً * يــــــروح بهـا مصر ويغـــدوا بها مـــصر

تطــــوف بها الاعداء فـي كــــل مهـــمه * فيجـذبهـا قـــــفـــــر ويقــــــذفهـا قــــــفــر

بنت العمران
21-04-2006, 02:27 PM
أكثروا من كتاباتكم هنا عن الحسين عليه السلام هياااااااااااااا
اين العشق الابدي

بنت العمران
21-04-2006, 02:29 PM
إرادة الله شـــــاءت

لمّا هلك معاوية بن أبي سفيان طلب يزيد بن معاوية من عماله في جميع الأمصار تجديد البيعة له، ولكنّ الحسين (عليه السلام) رفض بيعة يزيد لكونه متلبّساً بالفسق والفجور والخمور، إضافة إلى أنه ليس أهلاً للخلافة والإمامة؛ لكونه من الشجرة الملعونة في القرآن الكريم، وشجب المسلمون هذا العمل الشنيع، ومصادر كتبهم تصرح بذلك.

ولهذا الأمر قرر الحسين (عليه السلام) الخروج إلى العراق، وقد نصحه بعض الصحابة والتابعين بعدم الخروج إلى العراق إلاّ أنه (عليه السلام) رفض ذلك، لأنّه لا يريد مـخالفة الإرادة الإلهيّة، فكان خروج الإمام الحسين (عليه السلام) مستنداً إليها، أي إنه سار بأمر من قبل الله تعالى كما تصرح أحاديث الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وإخبار جبرائيل النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك، ولقد أشرنا إلى بعض تلك الروايات من طرق أهل السنة في واقعة فاجعة الطفّ.

وإليك بعض النصائح التي وجهت إليه، منها:

عن الشعبي قال: إنّ ابن عمر كان بماء له فقدم المدينة فأُخبر بخروج الحسين فلحقه على مسيرة ثلاث ليال من المدينة، فقال له: أين تريد؟ قال: (عليه السلام)العراق(عليه السلام) قال: لا تأتهم؛ لأنّك بضعة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والله لا يليها منكم أحد أبداً، وما صرفها الله عنكم إلاّ للذي هو خير لكم. فقال له الحسين: (عليه السلام)هذه بيعتهم وكتبهم(عليهم السلام) فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: أستودعك الله من قتيل والسلام(1).

ومن وصايا مـحمّد بن الحنفيّة إلى الحسين (عليه السلام) عند خروجه: أشير عليك أن تنجو بنفسك عن يزيد بن معاوية، وعن الأمصار ما استطعت... فقال له الحسين (عليه السلام) (صلى الله عليه وآله وسلم)يا أخي، والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية(عليهم السلام) وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (صلى الله عليه وآله وسلم)اللهمّ لا تبارك في يزيد(عليهم السلام) ثم قال: (صلى الله عليه وآله وسلم)وإني قد عزمت على الخروج إلى مكة(عليهم السلام)(2).

وعن ابن سعد بسنده قال: فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله، إني لكَ ناصحٌ ومُشفِقٌ، وقد بلغني أنه كاتَبَكَ قومٌ من شيعتك فلا تخرجْ إليهم، فإني سمعتُ أباك يقول بالكوفة: (صلى الله عليه وآله وسلم)والله لقد مَلِلْتُهم ومَلُّوني، وأبغضتهم وأبغضوني، وما بلوتُ منهم وَفَاءً، ولا لهم ثَبَاتٌ ولا عَزْمٌ ولا صَبْرٌ على السيف(عليهم السلام)(3).

وأتاه عبد الله بن عباس ومعه جماعة من أهل ذوي الحنكة والتجربة والمعرفة بالأُمور فقال له: يا ابن عم، إنّ الناس قد أرجفوا بأنّك سائر إلى العراق؟ فقال: (عليه السلام)نعم(عليه السلام) قال ابن عباس: فإني أُعيذك بالله من ذلك، أتذهب - رحـمك الله - إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوهم... فـلا آمن أن يغـرّوك ويكذّبوك ويـخذلوك ويُستـنفروا إليك فيكونوا أشدّ الناس عليك.

قال الحسين (عليه السلام): وإني استخير الله وأنظر.

ثم عاد ابن عباس إليه فقال: يا ابن عم، إنّي أتصبّر فلا أصبر، إنّي أتخوّف عليك الهلاك، إن أهل العراق غدر فأقم بهذا البلد، فإنك سيد أهل الحجاز... إلاّ فإن في اليمن جبالاً وشعاباً وحصوناً ليس لشيء من العراق مثلها، واليمن أرض طويلة عريضة، ولا بيك بها شيعة فَأَتِها، ثم ابثث دعاتك وكتبك يأتك الناس.

فقال له الحسين: (صلى الله عليه وآله وسلم)يا ابن عم، أنت الناصح الشفيق ولكني قد أزمعت المسير ونويته(عليهم السلام) فقال ابن عباس: فإن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وأصبيتك، فوالله إني لخائف أن تقتل...

ثم خرج ابن عباس من عنده، فمرَّ بابن الزبير وهو جالس فقال له: قرّت عينُك يا ابن الزبير بشخوص الحسين عنك وتخليته إيّاك والحجاز، ثم قال:

يــا لَـكِ من قُــبّـــرةٍ بـمـعمَرِ

خَلا لكِ الجَوُّ فبيضي واصفُري ونَقِّري ما شئتِ أن تُنقِّري(4)

قالوا: ولما كتب أهل الكوفة إلى الحسين (عليه السلام) بما كتبوا به فاستحفّوه للشخوص، جاءه عمرو بن عبد الرحمن المخزومي بمكّة فقال له: بلغني أنّك تريد العراق، وأنا مشفق عليك من مسيرك؛ لأنك تأتي بلداً فيه عماله وأُمراؤه، ومعهم بيوت الأموال، وإنما الناس عبيد الدينار والدرهم! فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره، ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه وذلك عند البذل وطمع الدنيا، فقال له الحسين (عليه السلام): جزاك الله خيراً من ناصح نصحت، ويقضي الله(عليهم السلام)(5).

وكتب إليه عبد الله بن جعفر يُحذِّره ويُناشده الله، فكتب إليه: (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّي رأيتُ رؤيا، رأيت فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمرني بأمرٍ أنا ماضٍ له(عليهم السلام)(6).

وقالوا: وعرض ابن الزبير على الحسين (عليه السلام) أن يقيم بمكّة فيبايعه ويبايعه الناس، كأنما أراد بذلك أن لا يتّهمه، وأن يعذر في القول، فقال الحسين: (عليه السلام)لأن أُقتل خارجاً من مكّة بشبر أحبّ إليَّ من أن أُقتل فيها، ولأن أُقتل خارجاً منها بشبرين أحب إليَّ من أن أُقتل خارجاً منها بشبر(عليه السلام) (7).

فقام ابن الزبير وخرج من عنده، فقال الحسين (عليه السلام) لجماعة كانوا عنده من خواصه: إن هذا الرجل - يعني ابن الزبير - ليس في الدنيا شيء أحب إليه من أن أخرج من الحجاز، وقد علم أن الناس لا يعدلون بي مادمت فيه إني خرجت منه لتخلوا له(8).

وهذه النصحية عكس نصيحته عندما رأى اختلاف أهل مكة إلى الحسين (عليه السلام) لما وردها، لأنه أراد أن يتخلص منه حتى يتوجه أهل مكة إليه، فقدم إليه نصيحة مغشوشة كما ذكرها المسعودي في تاريخه.

وبلغ ابن الزبير أنه - يعني الحسين - يريد الخروج إلى الكوفة وهو أثقل الناس عليه، قد غمّه مكانه بمكّة؛ لأنّ الناس ما كانوا يعدلونه بالحسين، فلم يكن شيء يُؤتاه أحبّ إليه من شخوص الحسين عن مكة، فأتاه فقال: أبا عبد الله ما عندك؟ فو الله لقد خفت في ترك جهاد هؤلاء القوم على ظلمهم واستذلالهم الصالحين من عباد الله، فقال الحسين: (عليه السلام)قد عزمتُ على إتيان الكوفة(عليه السلام) فقال: وفَّقَكَ الله، أما لو أن لي بها مثل أنصارك ما عدلْتُ عنها، ثمّ خاف أن يتّهمه(9)...

وخرج الحسين (عليه السلام) وعبد الله بن الزبير من ليلتها إلى مكّة، فقدما مكّة، فنزل الحسين دار العباس بن عبد المطّلب، ولزم ابن الزبير الحِجْر، ولبس المَعَافريَّ، وجعل يُحَرِّض الناس على بني أُميَّة، وكان يغدو ويروح إلى الحسين، ويشير عليه أن يقدم العراق، ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك، وكان عبد الله بن عباس ينهاه عن ذلك ويقول لا تفعل(10).

قال الحسين (عليه السلام) لابن عباس: (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنـي مسـتوطن هذا الحرم - يـعني مكّة - ومقيم فيه أبداً ما رأيت أهله يحبّوني وينصروني، فإذا هم خذلوني، استبدلت بهم غيرهم، واستعصمت بالكـلمة التي قالها إبراهيم الخليل (عليه السلام) يوم أُلقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل، فكانت النار عليه برداً وسلاماً(عليهم السلام)(11).

فلما أصبح الحسين (عليه السلام) وإذا برجل من الكوفة يكنى أبا هرة الأزدي، أتاه فسلّم عليه، ثمّ قال: يا ابن بنت رسول الله، ما الذي أخرجك عن حرم الله، وحرم جدّك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال الحسين (عليه السلام): (صلى الله عليه وآله وسلم)يا أبا هرة إنّ بني أُميّة أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله يا أبا هرة لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسهم الله ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً، وليسلطن الله عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهن فحكمت في أموالهم وفي دمائهم(عليهم السلام)(12).

وقالوا: وكان زهير بن القين البَجَلي بمكّة - وكان عثمانيّاً - فانصرف من مكة متعجّلاً، فضمّه الطريق وحسيناً، فكان يسايره ولا ينازله، ينزل الحسين في ناحية وزهير في ناحية، فأرسل الحسين إليه في إتيانه، فأمرته امرأته دملم بنت عمرو أن يأتيه فأبى، فقالت: سبحان الله، أيبعث إليك ابن بنت رسول الله فلا تأتيه؟! فصار إليه ثمّ انصرف إلى رحله، قال لامرأته: أنت طالق، فالحقي بأهلك فإني لا أُحب أن يصيبك بسببي إلاّ خير، ثمّ قال لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتبعني وإلاّ فإنّه آخر العهد، وصار مع الحسين(13).

هذا الرجل لقد وصل به الموقف الحسيني إلى طلاق زوجته، هذا هو العشق الإلهي للشهادة من أجل نصرة الإسلام، فكلّ واحد منّا إمّا أن ينضمّ إلى معسكر الحسين (عليه السلام) أو إلى معسكر يزيد بن معاوية؛ لأنّه صراع بين الحقّ والباطل والخير والشرّ ولا ثالث لهما، أليس كذلك؟

وكان موقف الحرّ واضحاً للعيان في واقعة الطف يوم عاشوراء، وذلك لمّا زحف عمر نحو الحسين أتاه الحرّ بن يزيد فقال له: أصلحك الله، أمقاتل أنتَ هذا الرجل؟ قال له: إي إي والله قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي... فأقبل يدنو نحو الحسين قليلاً قليلاً، وأخذتْه رِعدة، فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أَوْس: والله إنّ أمرك لمريب! والله ما رأيت منك في موقف قطّ مثل ما أراه الآن! ولو قيل مَنْ أشجعُ أهل الكوفة لما عدوتُك. فقال له: إنّي - والله - أُخيّر نفسي بين الجنّة والنار، ووالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قطّعت وحُرّقت، ثمّ ضرب فرسه فلحق بالحسين (عليه السلام) فقال له جعلني الله فداك يا ابن رسول الله أنا صاحبك الذي حبستُك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجـعجـعت بك في هذا المكان، والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردّون

عليك ما عرضتَ عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، فقلت في نفسي لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم، ولا يرون أني خرجت من طاعتهم، وإني لو سولت لي نفسي أنهم يقتلونك ما ركبت هذا منك، وإني قد جئتك تائباً مما كان منِّي إلى ربي، ومواسياً لك نفسي، حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك لي توبة. قال: نعم يتوب الله عليك ويغفر لك، ما اسمك قال: أنا الحرّ بن يزيد قال: أنت الحرّ كما سمتك أمك، أنت الحرّ إن شاء الله في الدنيا والآخرة أنزل قال: أنا لك فارساً خير مني راجلاً، أقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النزول ما يصير آخر أمري قال الحسين: فاصنع يرحمك الله ما بدا لك.

ثم قال: يا ابن رسول الله كنت أول خارج عليك، فأذن لي أن أكون أوّل قتيل بين يديك، فلعلي أن أكون مما يصافح جدّك مـحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) غداً في القيامة. فقال له الحسين (عليه السلام): إن شئت فأنت ممن تاب الله عليه وهو التواب الرحيم(14).

قال الراوي: هذا ما كان من أمر الحسين ونزوله بأرض كربلاء وأما ما كان من أمر ابن زياد، فإنه أتاه رجل من عسكر الحر من غير علمه وقال اعلم أيها الأمير أن الحسين نزل في أرض كربلاء... فعند ذلك اطلق منادياً في الكوفة: يا معشر الناس من يأت برأس الحسين، فله ملك الري عشر سنين، وأرسل في البصرة منادياً بمثل ذلك، فقام إليه عمر بن سعد، وقال: أنا آتيك برأسه. فقال له: امضِ وامنعه من شرب الماء وائتني برأسه. فقال: سمعاً وطاعة فعند ذلك، عقد له الراية والإمرة على ستة آلاف فارس.

وسار قاصداً كربلاء، لقتال الإمام الحسين (عليه السلام) وهناك ينبري لنا في ميدان الطف، موقف (الحر بن يزيد الرياحي) الذي سيبقى عالقاً في ذاكرة تاريخ الأحرار في العالم، لما لموقفه من أثر بالغ لفعله في النفوس، حيثُ أن الحُرَّ تَركَ وراء ظهره زعامة قبيلته (تميم) ومنصبه الدنيوي فهو (قائد لشرطة بن زياد) ووجيه من وجهاء الكوفة، وشجعاتها، لم يَمُت للإمام الحسين (عليه السلام) بصلة قربى سوى الدين.. فتراه إنحازَ لمعسكر ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليختم حياته بنصرته، والذود عن حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مضحياً بحياته دونهم، ليبقى خالداً ما بقي في الحياة نبض لقلب.

بينما نرى لـ (عمر بن سعد) موقفاً مغايراً لموقف الحر، بالرغم من أن لعمر هذا صلة قرابة بالإمام الحسين (عليه السلام) ولكن الدنيا أغرته، فأعمت بصيرته واستسلم لها طائعاً لضعف إيمانه بالله والدين الحنيف، فرضيَّ بعافيتها وقدمها على سعادة الآخرة، طمعاً بملكِ الري، الذي وعده به (ابن زياد) فتهالَك دونه، وقاد البغاة لقتال الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء، وبلغ ولوغه في الإثم، أن يحرق الخيام، ويسبي عيال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويحمل رأس الحسين، على قناة، إلى الكوفة، أملاً في إمارة الري، فلا بلغ مناه وأذله الله في الدنيا والآخرة.

وشتان ما بين موقف الحر العظيم في نبذة الانحراف والإنصياع إلى أوامر السلطة الباغية، وموقف ابن سعد الوضيع، الذي تبع هوى نفسه قائلاً:

فو الله ما أدري وإني لواقـف أفكـر في أمري على خطرين

أأترك ملك الري والري منيتي أم أرجع مـأثوماً بقتل حسين

فإن صدقوا فيما يقولون إنني اتوب إلى الرحمن من سنتين

وإن كـذبـوا فـزنـا بـدنـيا دنية ومـلـك عـقيم دائم الحجـلـين

ألا إنـما الــدنيا لخير معجلٍ وما عاقل باع الوجود بدين(15)

وهكذا سقته تلك النفس الأمارة بالسوءِ الذلةِ والهوان، فنبذه ابن زياد صاحبه وانكر وعده له واقتصاص المختار منه ثأراً للإمام الحسين (عليه السلام) فمضى إلى جهنم بوجهٍ كالحٍ، وهذا مصير كل مَن يبيع آخرته بدنياه، وشتان ما بين الموقفين، فأين الثرى من الثريا، وهل مِن مُعتبر.

أيـنَ مَنْ خـانـوا حسيناً أينُهم سَــجّلَ الـتـاريـخُ عـاراً فـعـلَـهُـمْ

هل ترى يا صاحبي قبراً لهم فوق هذي الأرض في عرضٍ وطول


--------------------------------------------------------------------------------

1- أنساب الأشراف: ج 2 ص 466؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 221؛ الخصائص الكبرى: ج 2 ص 125؛ ذخائر العقبى: ص 256؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2604؛ تاريخ الخلفاء: ص 206.

2- كتاب الفتوح: ج 5 ص 30.

3- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 411 رقم: 270؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 413.

4- أنساب الأشراف: ج 2 ص 465 ح 293؛ الأخبار الطوال: ص 244؛ بغية الطلب: ج6 ص 2611.

5- أنساب الأشراف: ج 2 ص 465، أنه (عليه السلام) أجاب ابن عباس بما أقنعه، وأنّه لو لم يخرج لكانوا يستحلّون به حرمة الكعبة!! الفصول المهمة: ص 185؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 415؛ الأخبار الطوال: ص 244؛ الفصول المهمة: ص 183؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 202 ح 3542.

6- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 414 رقم: 270.

7- أنساب الأشراف: ج 2 ص 467، هذا الحديث أيضاً دالّ على أنه (عليه السلام) كان يعلم بأنه يقتل، وإنما خرج من مكة لئلا يقتل فيها فيستحلّ به حرمة الحرم.

8- الفصول المهمة: ص 184.

9- مروج الذهب: ج 3 ص 67.

10- تهذيب الكمال: ج 6 ص 415.

11- كتاب الفتوح: ج 5 ص 44.

12- المصدر نفسه: ص 123.

13- أنساب الأشراف: ج 2 ص 470.

14- الكامل في التاريخ: ج 2 ص 563؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 324؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 9.

15- الفصول المهمة: ص 187؛ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 261.

بنت العمران
21-04-2006, 02:30 PM
مقتطفات من قصيدة للشاعر الشهير السيد حيدر الحليّ

كفاني ضنى أن أرى في الحسين
فأغضبت الله في قتلـه
عشية أنهضها بغيها
بجمع من الأرض سدّ الفروج
وسامته يركب أحدى اثنتين
وأما يرى مذعناً أو تموت
فقال لها اعتصمي بالإبا
إذا لم تجد غير لبس الهوان
رأى القتلَ صبراً شعار الكرام
فشَّمَر للحرب عن معركٍ
تزيد الطلاقة في وجهه
ولمّا قضى للعلا حقّها
ترجل للموت عن سابق
عفيراً متى عاينته الكماة
فما أجلت الحرب عن مثله
تريب المحيا تظنّ السما
غريباً أرى يا غريب الطفوف
اتقضى فداك حشى العالمين
ألست زعيم بني غالب



شفت آل مروان أضغانهـا
وأرضت بذلك شيطانهـا
فجاءته تركب طغيانها
فغطى النجود وغيطانها
وقد صرت الحرب أسنانها
نفسٌ أبى العزّ إذعانها
فنفس الأبيّ وما زانها
فبالموت تنزع جثمانها
وفخراً يُزيّن لها شأنها
به عَرَك الموت فرسانها
إذا غيّر الخوف ألوانها
وشيّد بالسيف بنيانها
له أخلت الخيل ميدانها
يختطف الرعب ألوانها
صريعاً يجبن شجعانها
بأنّ على الأرض كيوانها
توسّد خدّك كثبانها
خميص الحشاشة ظمئانها
ومطعام فهر ومطعانها

بنت العمران
21-04-2006, 02:30 PM
مقتطفات من ملحمة الغدير لشاعر المسيحيّة بولس سلامة

وقف الظامئ الحسين ونادى


يا جنود العراق عُرا كلماتي


أوَليس الرسول جدِّي، وأُمّي


خير بنتِ وأطهر الزوجات


وأسمها يُمْن كلّ فاطمة في الأر


ض تأتي في الأعصر المقبلات


أُمّها جدّتي خديجة كانت


وردة المشرقين في السيّدات


بيتها مهبط النبوّة، إذ جبريـ


ـل يأتي بالوحي والآيات


شهدت للرسول والجوّ خنَّـ


ـاقٌ فكانت باكورة المسلمات


أوَليس الضرغام حمزة عمّي


أسد الله كاشف الكربات


كفّه ما تشاء سمر العوالي


قلبه للسماح والمكرمات


أوَلستُ الحسين نجل عليّ


وعليٌّ أُنشودة للحداة


يذكرون اسمه فتخشع أُسد البيـ


ـد، من هيبةٍ لذاك الرفات


أعلم الناس، أطهر الناس كفّاً


وأعزُّ الفرسان في الصهوات


أوّل المسلمين يحمل بند الحمـ


ـد، يومَ الأشرار في الغمرات


يمنع الحوض غب هولٍ وحشر


يوم تأتي النفوس مبتردات


وهو مولى لكلّ من قال هيّا


لفلاحٍ، ومن دعا لصلاة


أيّ شيء أنتم فلولا جدودي


ما عرفتم (منى) ولا (عرفات)


ليس غيري في الأرض سبط


نبي فلماذا تطفون نور الهداة


كذّبوني إذا قدرتم، فنور الشمـ

ـس دون الوضاء من بيّناتي

بنت العمران
21-04-2006, 02:31 PM
وأنشد بعض الشعراء في الحسين بن علي (عليه السلام) ريحانة رسول ربّ العالمين

ولا البارد العذب الفرات أسيغه


ولا ظلّ يهنيني الغداة طعام


يقولون لي صبراً جميلاً وسلوة

ومالي إلى الصبر الجميل حرام


لقد هدَّ جسمي رزء آل مـحمّد


وتلك الرزايا والخطوب عظام


وأبكت جفوني بالفرات مصارع


لآل النبيّ المصطفى وعظام


عظام بأكناف الفرات زكيّة


لهنّ علينا حرمة وذمام


فكم حرّة مسبية فاطميّة


وكم من كريم قد علاه حُسام


لآل رسول الله صلّت عليهم


ملائكة بيض الوجوه كرام


أفاطم أشجاني بنوك ذووا العلا


فشبت وإنّي صادق لغلام


وأصبحت لا التذّطيب معيشة


كأنّ عليَّ الطيّبات حرام


وكيف اصطباري بعد آل مُـحمّد


وفي القلب منهم لوعة وسقام

بنت العمران
21-04-2006, 02:32 PM
مقتطفات من القصيدة العينية للشاعر السيد مـحمد رضا القزويني

توارثتُ حُبَّكَ عبرَ الدموع
فأودعتُه في حنايا الضلوع

وما أنْ ذكرتُكَ بالوجدِ إلاَّ
وحرَّم ذِكرُك طيبَ الهجوم

فيا من ورِثتَ كيان الرسو
ل وسرَّ البتول وحبَّ الجموع

وأشرقتَ نوراً بعمقِ الزما
ن فهامَ الزّمانُ بذاك الطلوع

وألفاكَ طِفلاً بحجرِ النبيّ
فبأهى السماءَ بذاك الرضيع

يُحيط بجنبيهِ أهلُ الكساءِ
وكلٌّ يقبّلُهُ في خشوع

فهاجَ الملائكُ في بَهجة
وطافوا من العرش طوف الخضوع

وجبريلُ يهبط بالبُشريات
وفطرسُ يسأله عن شفيع

فناداه دونكَ مهدَ الحسين
تَنَلْ عنده بانفراجٍ سريع

فيا أيها المهد ماذا حويتَ
فأمَّلَهُ كلُّ قلب مروع

لقد عرفتكَ مَلاكُ السما
وما سوف تلقى بُعيد الشفيع

فقلبُ النبي سعيدٌ به
وبالحسن السبطِ زهيرِ الربيع

فنادى النبي وسمع الزما
ن يصيحُ له بين تلك الجموع

(إمامان قاما هما في الخطوب
وإن قعدا) عند أمرٍ فضيع

فيا من حملتَ جمالَ النبيِّ
وهيبةَ حيدرةٍ في الطلوع

ومنْ فاطم كلَّ معنى الجلالِ
وسراً تكامَنَ بين الضلوع

تقاسمتَ والمُجتبى في الحياة
دَورَيْن فازدهرا في الربوع

فذاك أتم له حجة
بصُلعٍ أميَّةَ غير خَنوع

بأن معاويةَ لم يُرِدْ
لهذي الرسالة غير النزوع

سوى أن يُحكَّمَ فوق الرقابِ
وإن فاضَ أنهارها بالنجيع

فيجتثَّ ما قد بناه الرسول
ويُرغمَ أصحابَهُ بالخضوع

فلما تراءى لدى المسلمين
وبانت جرائمهم للجميع

وإن يزيداً تولّى الزِمامَ
يُحيط به كل وغدٍ ضليع

نهضتَ على قِلَّةِ الناصرين
لتنقِذَ ديناً هوى للهجوع

وقدَّمت لله أبهى الوجوه
من الغرر الزهِر غيرَ جزوع

من الصَّحب لا مثلهم في الصحاب
عهدنا لموسى ولا في اليسوع

ولا عرفَ الدهرُ من عصبة
تسارع للموت سيرَ الولوع

وأبناك كلّ عَلٍ أشوسٍ
أطل عليهم كزهر طليع

فقدَّمتَهم كرماً للإله
ولم تُبقِ حتى دماء الرضيع

تراموا حواليك شُمَّ الأنوف
من كل أزهرَ شهمٍ صريع

فشيَّدتَ صرحك ترقى به
إلى العرش في خير سد منيع

فيا من أُصيبت به أمةٌ
بما لم تُصبه بأمرٍ فجيع

فقد قطَّعوا فيك قلبَ النبي
وداسوا لفاطمَ خيرَ الضلوع

وأنت تصارعُ حرَّ الظّما
وسيفاً علاك لوغد وضيع

سألتُ الملاكَ ملاكَ السماءِ
من الوافدين لمهد الرضيع

فهلاّ عرفتِ الحسيَن الذبيحَ
على الأرض ظلَّ برأس قطيع

ووعد الإله لآت لنا
ومهديُّنا عازم للطلوع

وثاراتنُا من دماء الحسين
وكلِّ شهيد بقتل فجيع

هنالك حيث يعود الحسين
يفوح لنا مثل زهر الربيع

بنت العمران
21-04-2006, 11:14 PM
وصايا



ايّاك والظلم(1)

أي بنيّ ايّاك وظلم من ﻻ يجد عليك ناصراً إلاّ الله جلّ وعزّ.

عليكم بالتقوى(2)

اوصيكم بتقوى الله واحذّركم أيامه وارفع لكم اعلامه، فكان المخوف قد افد(3) بمهول وروده، ونكير حلوله، وبشع مذاقه، فاعتلق مهجكم وحال بين العمل وبينكم، فبادروا بصحّة الأجسام في مدة الأعمار كأنكم ببغتات طوارقه فتنقلكم من ظهر الأرض الى بطنها، ومن علوّها الى سفلها، ومن انسها الى وحشتها، ومن روحها وضوئها الى ظلمتها ومن سعتها الى ضيقها، حيث ﻻ يزار حميم، ولا يعاد سقيم، ولا يجاب صريخ، أعاننا الله وإياكم على أهوال ذلك اليوم، ونجّانا وإياكم من عقابه وأوجب لنا ولكم الجزيل من ثوابه.

عباد الله فلو كان ذلك قصر مرماكم ومدى مظعنكم كان حسب العامل شغلاً يستفرغ عليه أحزانه، ويذهله عن دنياه، ويكثر نصبه لطلب الخلاص منه، فكيف وهو بعد ذلك مرتهن باكتسابه، مستوقف على حسابه، ﻻ وزير له يمنعه، ولا ظهير عنه يدفعه، ويومئذ ﻻ ينفع نفساً ايمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، قل انتظروا إنّا منتظرون.

اوصيكم بتقوى الله فإن الله قد ضمن لمن اتقّاه ان يحوّله عمّا يكره الى ما يحبّ، ويرزقه من حيث ﻻ يحتسب، فإيّاك ان تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم، ويأمن العقوبة من ذنبه، فإن الله تبارك وتعالى ﻻ يخدع عن جنته ولا ينال ما عنده إلاّ بطاعته ان شاء الله.



1 - تحف العقول 246: قال لابنه علي بن الحسين (عليه السلام).

2 - تحف العقول 239 - 240: موعظة منه (عليه السلام).

3 - أفد - كفرح -: عجل ودنا.

بنت العمران
21-04-2006, 11:16 PM
مناقضات


هذا معاوية(1)

بلغه (عليه السلام) كلام نافع بن جبير في معاوية وقوله: (انه كان يسكته الحلم وينطقه العلم) فقال (عليه السلام):

بل كان ينطقه البطر ويسكته الحصر.

في طريق البصرة(2)

لمّا توجّه أمير المؤمنين (عليه السلام) من المدينة إلى الناكثين بالبصرة نزل الربذة فلمّا ارتحل منها لقيه عبد الله بن خليفة الطائي وقد نزل بمنزل يقال له: (قديد) فقرّبه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له عبد الله: الحمد الله الذي ردّ الحقّ إلى أهله ووضعه في موضعه كره ذلك قوم أم سرّوا به فقد والله كرهوا محمداّ (صلى الله عليه وآله) ونابذوه وقاتلوه فردّ الله كيدهم في نحورهم وجعل دائرة السوء عليهم ووالله لنجاهدنّ معك في كلّ موطن حفظاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله).

فرحّب به أمير المؤمنين (عليه السلام) وأجلسه إلى جنبه وكان له حبيباً ووليّاً وأخذ يسائله عن الناس إلى أن سأله عن أبي موسى الأشعري.

فقال: والله ما أنا واثق به ولا آمن عليك [خلافه] إن وجد مساعداً على ذلك.

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): والله ما كان عندي مؤتمناً ولا ناصحاً ولقد كان الذين تقدّموني استولوا على مودّته وولّوه وسلّطوه بالأمر على الناس ولقد أردت عزله فسألني الأشتر فيه أن اقرّه فأقررته على كره منّي له وتحمّلت على صرفه من بعده.

قال: فهو مع عبد الله في هذا ونحوه إذ أقبل سواد كبير من قبل جبال طيء فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): انظروا ما هذا السواد؟

فذهبت الخيل تركض فلم تلبث أن رجعت فقيل: هذه طيء قد جاءتك تسوق الغنم والإبل والخيل فمنهم من جاءك بهداياه وكرامته ومنهم من يريد النفوذ معك إلى عدوّك.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): جزى الله طيّاً خيراً وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً، فلمّا انتهوا إليه سلّموا عليه.

قال عبد الله بن خليفة فسرّني والله ما رأيت من جماعتهم وحسن هيئتهم وتكلّموا فأقرّوا والله لعيني ما رأيت خطيباً أبلغ من خطيبهم.

وقام عدي بن حاتم الطائي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أمّا بعد: فإنّي كنت اسلمت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأدّيت الزكاة على عهده وقاتلت أهل الردّة من بعده أردت بذلك ما عند الله وعلى الله ثواب من أحسن واتّقى وقد بلغنا أنّ رجالاً من أهل مكّة نكثوا بيعتك وخالفوا عليك ظالمين فأتيناك لننصرك بالحقّ فنحن بين يديك فمرنا بما أحببت ثم أنشأ يقول:

فــنحن نــصرنا الله مـــن قـبل ذاكم وأنــــت بـــحـق جـــئتنا فســـتنصر

سنـــكفيك دون النـاس طراً بأسرنا وأنت بـــه مــن سـائر الناس أجدر

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): جزاكم الله من حيّ عن الإسلام وأهله خيراً فقد أسلمتم طائعين وقاتلتم المرتدّين ونويتم نصر المسلمين.

وقام سعيد بن البجري من بني بجير فقال: يا أمير المؤمنين إنّ من الناس من يقدر أن يعبّر بلسانه عمّا في قلبه ومنهم من ﻻ يقدر أن يبيّن ما يجده في نفسه بلسانه فإن تكلّف ذلك شقّ عليه وإن سكت عمّا في قلبه برح به الهمّ والبرم وإنّي والله ما كلّ ما في نفسي أقدر أن اؤديّه إليك بلساني، ولكن والله لأجهدنّ على أن ابيّن لك والله وليّ التوفيق، أمّا أنا فإنّي ناصح لك في السرّ والعلانية ومقاتل معك الأعداء في كلّ موطن وأرى لك من الحقّ مالم أكن أراه لمن كان قبلك ولا لأحد اليوم من أهل زمانك لفضيلتك في الإسلام وقرابتك من الرسول ولن افارقك أبداً حتى تظفر أو اموت بين يديك.

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): يرحمك الله فقد أدّى لسانك ما يجد ضميرك [لنا] ونسأل الله أن يرزقك العافية ويثيبك الجنّة.

وتكلّم نفر منهم، ثم ارتحل أمير المؤمنين (عليه السلام) واتّبعه منهم ستمائة رجل حتّى نزل ذاقار فنزلها في ألف وثلاثمائة رجل.

بئس للظالمين بدلاً(3)

لمّا أراد عليّ (عليه السلام) أن يسير إلى النهروان استنفر أهل الكوفة وأمرهم أن يعسكروا بالمدائن فتأخّر عنه شبث بن ربعي وعمرو بن حريث والأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله البجلي وقالوا: أتأذن لنا أياماً نتخلّف عنك في بعض حوائجنا ونلحق بك؟

فقال لهم: قد فعلتموها؟ سوأة لكم من مشايخ، فوالله ما لكم من حاجة تتخلّفون عليها، وانّي لأعلم ما في قلوبكم وسأبيّن لكم: تريدون أن تثبّطوا عنّي الناس وكأنّي بكم بالخورنق وقد بسطتم سفرتكم للطعام إذ يمرّ بكم ضبّ فتأمرون صبيانكم فيصيدونه فتخلعوني وتبايعونه.

ثم مضى إلى المدائن وخرج القوم إلى الخورنق وهيّئوا طعاماً فبيناهم كذلك على سفرتهم وقد بسطوها إذ مرّ بهم ضبّ فأمروا صبيانهم فأخذوه وأو ثقوه ومسحوا أيديهم على يده كما أخبر عليّ (عليه السلام) وأقبلوا على المدائن.

فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام): بئس للظالمين بدلاً ليبعثكم الله يوم القيامة مع إمامكم الضب الذي بايعتم، لكأنّي أنظر إليكم يوم القيامة [مع إمامكم] وهو يسوقكم إلى النار.

ثم قال: لئن كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) منافقون فإنّ معي منافقين، أما والله يا شبث ويابن حريث لتقاتلان ابني الحسين هكذا أخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله).

معاوية يعترف بالقتل(4)

لمّا قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه حجّ ذلك العام فلقي الحسين بن علي (عليه السلام) فقال: يا أبا عبد الله هل بلغك ماصنعنا بحجر وأصحابه وأشياعه وشيعة أبيك؟ فقال (عليه السلام):

وما صنعت بهم؟

قال: قتلناهم وكفنّاهم وصلّينا عليهم.

فضحك الحسين (عليه السلام) ثم قال: خصمك القوم يا معاوية لكننّا لو قتلنا شيعتك ما كفنّاهم ولا صلّينا عليهم ولا أقبرناهم.

ولقد بلغني وقيعتك في علي (عليه السلام) وقيامك ببغضنا واعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإذا فعلت ذلك فارجع إلى نفسك، ثم سلها الحق: عليها ولها فإن لم تجدها أعظم عيباً فما أصغر عيبك فيك وقد ظلمناك يا معاوية فلا توترنّ غير قوسك ولا ترمينّ غير غرضك ولا ترمنا بالعداوة من مكان قريب، فإنّك والله لقد أطعت فينا رجلاً ما قدم إسلامه، ولا حدث نفاقه، ولا نظر لك، فانظر لنفسك أودع - يعني عمرو بن العاص -.

التعريض بابن الزبير(5)

قال بشر بن عاصم: سمعت ابن الزبير يقول: قلت للحسين بن علي (عليه السلام): إنّك تذهب إلى قوم قتلوا أباك وخذلوا أخاك، فقال:

لأن اقتل بمكان كذا وكذا أحبّ إليّ من أن يستحلّ بي مكة، عرّض به (عليه السلام).

عمر بن سعد(6)

والله ليجتمعنَّ على قتلي طغاة بني أميّة، ويقدمهم عمر بن سعد (وذلك في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) فقلت له: أنباك بهذا رسول الله؟

قال: لا. فأتيت النبي فأخبرته فقال: علمي علمه وعلمه علمي وإنّا لنعلم بالكائن قبل كينونه.

مع ابن جويرة(7)

شهدت يوم الحسين (عليه السلام) فأقبل رجل من تيم يقال له: عبد الله بن جويرة فقال: يا حسين. فقال (عليه السلام).

ما تشاء؟

فقال: ابشر النار.

فقال (عليه السلام): كلاّ إنّي أقدم على ربّ غفور، وشفيع مطاع وأنا من خير وإلى خير، من أنت؟

قال: أنا ابن جويرة، فرفع يده الحسين (عليه السلام) حتى رأينا بياض إبطيه وقال: اللّهمّ جرّه إلى النار.

فغضب ابن جويرة فحمل عليه فاضطرب به فرسه في جدول وتعلّق رجله بالركاب ووقع رأسه في الأرض ونفر الفرس، فأخذ يعدو به ويضرب رأسه بكل حجر وشجر، وانقطعت قدمه وساقه وفخذه، وبقي جانبه الآخر متعلّقاً في الركاب فصار لعنه الله إلى نار الجحيم.

مروان وأصحابه(8)

دخل مروان بن الحكم المدينة قال: فاستلقى على السرير، وثمّ مولى للحسين (عليه السلام)، فقال: (ردّوا إلى الله مولاهم الحقّ ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين)(9) قال: فقال الحسين لمولاه:

ماذا قال هذا حين دخل؟

قال: استلقى على السرير، فقرأ: (ردّوا إلى الله مولاهم الحقّ ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين).

قال: فقال الحسين (عليه السلام): نعم والله رددت أنا وأصحابي الى الجنة وردهو وأصحابه إلى النار.

أعدى أعداء الرسول (صلى الله عليه وآله)(10)

قال مروان بن الحكم يوماً للحسين بن علي (عليه السلام): لولا فخركم بفاطمة بم كنتم تفتخرون علينا؟... فأعرض الحسين (عليه السلام) عنه وأقبل بوجهه على جماعة من قريش فقال:

انشدكم بالله إلاّ صدّقتموني إن صدقت، أتعلمون أنّ في الأرض حبيبين كانا أحبّ إلى رسول الله منّي ومن أخي؟ أو على ظهر الأرض ابن بنت نبيّ غيري وغير أخي؟

قالوا: اللّهمّ ﻻ.

قال: وإنّي ﻻ أعلم أنّ في الأرض ملعون بن ملعون غير هذا وأبيه طريدي رسول الله (صلى الله عليه وآله).

والله ما بين جابرس وجابلق أحدهما بباب المشرق والآخر بباب المغرب رجلان ممّن ينتحل الإسلام أعدى لله ولرسوله ولأهل بيته منك ومن أبيك إذا كان وعلامة قولي فيك أنّك إذا غضبت سقط رداؤك عن منكبك.

قال: فوالله ما قام مروان من مجلسه حتّى غضب فانتفض وسقط رداؤه عن عاتقه.

مروان يخطب ليزيد(11)

كتب معاوية إلى مروان وهو عامله على الحجاز يأمره أن يخطب ام كلثوم بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد، فأتى عبد الله بن جعفر فأخبره بذلك، فقال عبد الله: إنّ أمرها ليس إليّ إنّما هو إلى سيّدنا الحسين (عليه السلام) وهو خالها فأخبر الحسين بذلك، فقال:

أستخير الله تعالى، اللّهمّ وفّق لهذه الجارية رضاك من آل محمّد.

فلمّا اجتمع الناس في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أقبل مروان حتّى جلس إلى الحسين (عليه السلام) وعنده من الجلّة وقال: إنّ أمير المؤمنين أمرني بذلك وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ مع صلح ما بين هذين الحيين، مع قضاء دينه وأعلم أنّ من يغبطكم بيزيد أكثر ممّن يغبطه بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد؟ وهو كفو من ﻻ كفو له، وبوجهه يستسقي الغمام، فردّ خيراً يا ابا عبد الله.

فقال الحسين (عليه السلام): الحمد لله الّذي اختارنا لنفسه وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه - إلى آخر كلامه - ثم قال: يا مروان قد قلت فسمعنا.

أمّا قولك: مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بناته ونسائه وأهل بيته، وهو اثنتا عشرة اوقيّة يكون أربعمائة وثمانين درهماً.

وأمّا قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كنّ نساؤنا يقضين عنّا ديوننا.

وأمّا صلح ما بين هذين الحيّين، فإنّا قوم عاديناكم في الله ولم نكن نصالحكم للدنيا، فلعمري فلقد أعيا النسب فكيف السبب.

وأمّا قولك: العجب ليزيد كيف يستمهر؟ فقد استمهر من هو خير من يزيد ومن أب يزيد ومن جدّ يزيد.

وأمّا قولك: إنّ يزيد كفو من ﻻ كفو له، فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم، ما زادته إمارته في الكفاءة شيئاً.

وأمّا قولك: بوجهه يستسقي الغمام، فإنّما كان ذلك بوجه رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وأمّا قولك: من يغبطنا به أكثر ممّن يغبطه بنا، فإنّما يغبطنا به أهل الجهل ويغبطه بنا أهل العقل.

ثم قال بعد كلام: فاشهدوا جميعاً أنّي قد زوّجت امّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر من ابن عمّها القاسم بن محمد بن جعفر على أربعمائة وثمانين درهماً وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة أو قال: أرضي بالعقيق وإنّ غلّتها في السنة ثمانية آلاف دينار، ففيها لهما غنى إن شاء الله.

مع ابن العاص(12)

قال عمرو بن العاص للحسين (عليه السلام): يابن علي ما بال أولادنا أكثر من أولادكم؟ فقال (عليه السلام):

بغاث الطير أكثرها فراخاً وامّ الصقر مقلاة نزور

فقال: ما بال الشيب إلى شواربنا أسرع منه في شواربكم؟

فقال (عليه السلام): إنّ نساءكم نساء بخرة(13) فإذا دنا أحدكم من امرأته نكهت في وجهه فيشاب منه شاربه.

فقال: ما بال لحاؤكم أو فر من لحائنا؟

فقال (عليه السلام): (والبلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربّه والّذي خبث ﻻ يخرج إلاّ نكدا)(14).

فقال معاوية: بحقّي عليك إلاّ سكتّ فأنّه ابن عليّ بن أبيطالب.

فقال (عليه السلام):

إن عادت العقرب عُدنا لها وكانت النعل لها حاضرة

قد علم العقرب واستقينــت أن لالها دنيا ولا آخــــرة

مع ابن سعد(15)

قال عمر بن سعد للحسين (عليه السلام): يا أبا عبد الله انّ قبلنا ناساً سفهاء يزعمون أنّي أقتلك، فقال له الحسين (عليه السلام):

إنّهم ليسوا بسفهاء ولكنّهم حلماء، أما انّه تقرّ عيني أن ﻻ تأكل من برّ العراق بعدي إلاّ قليلاً.

إلى معاوية(16)

روي أنّ مروان بن الحكم كتب إلى معاوية وهو عامله على المدينة: أمّا بعد، فإنّ عمرو بن عثمان ذكر أنّ رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي، وذكر أنّه ﻻ يأمن وثوبه، وقد بحثت عن ذلك فبلغني أنّه ﻻ يريد الخلاف يومه هذا، ولست آمن أن يكون هذا أيضاً لما بعده فاكتب إليّ برأيك في هذا، والسلام. فكتب إليه معاوية: أمّا بعد، فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين، فإيّاك أن تعرّض للحسين في شيء، واترك حسيناً ما تركك، فإنّا ﻻ نريد أن نعرّض له في شيء ما وفى ببيعتنا، ولم ينزل على سلطاننا، فاكمن عنه مالم يبد لك صفحته، والسلام. وكتب معاوية إلى الحسين بن علي (عليه السلام): أما بعد فقد انتهت إليّ امور عنك إن كانت حقّاً فقد أظنّك تركتها رغبة فدعها، ولعمر الله إنّ من أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء، وإن كان الّذي بلغني باطلاً فإنّك انت أعزل الناس لذلك، وعظ نفسك فاذكره، ولعهد الله أوف، فإنك متى ما تنكرني أنكرك، ومتى ما تكدني أكدت، فاتّق شقّ عصا هذه الامة، وأن يردّهم الله على يديك في فتنة، فقد عرفت الناس وبلوتهم، فانظر لنفسك ولدينك ولامّة محمد (صلى الله عليه وآله) ولا يستخفنّك السفهاء والذين ﻻ يعلمون. فلمّا وصل الكتاب إلى الحسين صلوات الله عليه كتب إليه:

أمّا بعد فقد بلغني كتابك، تذكر أنّه قد بلغك عنّي امور أنت لي عنها راغب، وأنا لغيرها عندك جدير فإنّ الحسنات ﻻ يهدى لها، ولا يرد إليها إلاّ الله.

وأمّا ما ذكرت أنّه انتهى إليك عنّي، فإنّه إنّما رقاه إليك الملاقون المشّاؤون بالنميم، وما اريد لك حرباً ولا عليك خلافاً، وأيم الله إنّي لخائف لله فيترك ذلك وما أظنّ الله راضياً بترك ذلك، ولا عاذراً بدون الإعذار فيه إليك، وفي أوليائك القاسطين الملحدين حزب الظلمة وأولياء الشياطين.

ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة والمصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم؟ ثم قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنت أعظيتهم الإيمان المغلّظة والمواثيق المؤكّدة ﻻ تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا باحنة تجدها في نفسك.

أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه وصفرت لونه؟ بعد ما آمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأة على ربّك واستخفافاً بذلك العهد.

أولست المدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد ثقيف؟ فزعمت أنّه ابن أبيك، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فتركت سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) تعمّداً وتبعت هواك بغير هدىً من الله، ثم سلّطته على العراقين يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويسمل أعينهم، ويصلبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من هذه الأمّة وليسوا منك.

أولست صاحب الحضرميين الّذين كتب فيهم ابن سمية أنّهم كانوا على دين علي (عليه السلام)؟ فكتبت إليه أن اقتل كل من كان على دين علي فقتلهم ومثّل بهم بأمرك، ودين علي (عليه السلام) سرّ الله الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلست مجلسك الذي جلست، ولو ﻻ ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين.

وقلت فيما قلت: (انظر لنفسك ولدينك ولامّة محمد، واتّق شقّ عصا هذه الامّة وأن تردّهم إلى فتنة) وإنّي ﻻ أعلم فتنة أعظم على هذه الامّة من ولايتك عليها، ولا أعظم نظراً لنفسي ولديني ولامّة محمد (صلى الله عليه وآله) وعلينا أفضل من أن اجاهدك فإن فعلت فإنّه قربة إلى الله، وإن تركته فإنّي أستغفر الله لديني، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري.

وقلت فيما قلت: (إنّي إن أنكرتك تنكرني وإن أكدك تكدني) فكدني ما بدا لك، فإنّي أرجو أن ﻻ يضرّني كيدك فيّ، وأن ﻻ يكون عليّ أحد أضرّ منه على نفسك لانّك قد ركبت جهلك وتحرّصت على نقض عهدك ولعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين. قتلتهم بعد الصلح والإيمان والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقتلوا، ولم تفعل ذلك بهم إلاّ لذكرهم فضلنا، و تعظيمهم حقّنا، فقتلتهم مخافة أمر لعلّك لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوا أو ماتوا قبل أن يدركوا.

فأبشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أنّ لله تعالى كتاباً ﻻ يغادر صغيرةً ولا كبيرة إلاّ أحصاها، وليس الله بناس لأخذك بالظنّة، وقتلك أولياءه على التهم ونفيك أوليائه من دورهم إلى دار الغربة وأخذك للناس ببيعة ابنك غلام حدث، يشرب الخمر ويلعب بالكلاب، ﻻ أعلمك إلاّ وقد خسّرت نفسك وتبرّت دينك وغششت رعيّتك وأخربت أمانتك وسمعت مقالة السفيه الجاهل وأخفت الورع التقيّ لأجلهم، والسلام.

مع الراضين بقتل الحسين (عليه السلام)(17)

يا بشر ما بقاء قريش إذا قدّم القائم المهديّ منهم خمسمائة رجل فضرب أعناقهم ثمّ قدّم خمسمائة فضرب أعناقهم صبراً خمسمائة فضرب أعناقهم صبراً؟

قال: فقلت له: أصلحك الله أيبلغون ذلك؟

فقال الحسين بن عليّ (عليهما السلام): انّ مولى القوم منهم.

قال: فقال لي بشير بن غالب أخو بشر بن غالب: أشهد أنّ الحسين بن عليّ عدّ على أخي ستّ عدّات.

ما يبدي يزيد(18)

الله يـــــعلم ان مــــــا يـــــبدي يـزيد لغيره وبــــــأنه لــــم يـــكــتــسبه بغــيره وبميره

لو انصف النفس الخؤن لقصّرت من سيره ولكـــــان ذلـك منـــه ادنى شره من خيره

ينازعني يزيد(19)

إذا اســـتنصر المــرء امرءاً ﻻ يدى له فـــــناصره والخـــــــاذلـون ســــــواء

انا ابـــن الــــذي قـد تعلمون مــــــكانه وليس على الحق المبين طــخاء(20)

اليس رســــــول الله جــــدّي ووالــدي أنــــــا البـــــدران خلا النــــجوم خفاء

الــــم يـــــنزل الـقرآن خــــلف بـــيوتنا صبـــــــاحاً ومـــن بـعد الصباح مساء

يــــــنازعني والله وبـــــيني وبــــــيـنه يـــــــزيد وليــــــس الأمــر حيث يشاء

فــــــيا نـــصحاء الله أنـــــتم ولاتـــــــه وأنـــــــتم عــــــلى اديـــــانه امــــــناء

بــــــأي كـــــتاب أم بـــــأيّـــــة ســـــنّة تـــــناولها عــــــن أهــــــلها البـــعداء



1 - كنز الفوائد 2/32.

2 - أمالي المفيد 181 - 183، المجلس 35، ح 6: قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمد الكاتب، قال: أخبرني الحسن بن علي بن عبد الكريم الزعفراني، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبان قال: حدثنا عمرو بن شمر قال: سمعت جابر بن يزيد يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن علي (عليه السلام) يقول: حدثني أبي عن جدي قال.

3 - الخرائج والجرائح 1/225 - 226، ح 70: روي عن أبي حمزة عن عليّ بن الحسين (عليهم السلام) عن أبيه (عليهم السلام) قال.

4 - الاحتجاج 2/19 - 20، وكشف الغمّة 2/205 - 206: عن صالح بن كيسان، قال.

5 - مناقب ابن شهر آشوب 4/2: كتاب الإبانة.

6 - دلائل الإمامة 75: قال أبو جعفر: حدثنا سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن الأعمش، قال: سمعت أبا صالح التمّار يقول: سمعت حذيقة يقول: سمعت الحسين بن علي (عليه السلام) يقول.

7 - عيون المعجزات 65: حدث جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن أخيه، قال:.

8 - تفسير العياشي 1/ 362، ح 30: عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال.

9 - الأنعام: 62.

10 - الاحتجاج 2/23 - 24، ومناقب ابن شهر آشوب 4/51: عن محمد بن السائب انه قال.

11 - مناقب ابن شهر آشوب 4/38-39.

12 - مناقب ابن شهر آشوب 4/67: محاسن البرقي.

13 - بخرة: أي نتنة، والنكهة: ريح الفم.

14 - الأعراف: 58.

15 - إرشاد المفيد 251، وكشف الغمّة 2/ 178: روى سالم بن أبي حفصة قال.

16 - رجال الكشي 1/ 250 - 259، ح 97 - 99.

17 - غيبة النعماني 155: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، عن القاسم بن محمّد بن الحسين بن حازم، عن عبيس بن هشام، عن عبد الله بن جبلة، عن عليّ بن أبي المغيرة، عن عبد الله بن شريك العامري، عن بشر بن غالب الأسدي قال: قال لي الحسين بن عليّ (عليهما السلام).

18 - كشف الغمة 2/210: قال (عليه السلام).

19 - كشف الغمة 2/210 - 211: قال (عليه السلام).

20 - الطخاء: الحساب المرتفع، وما في السماء طخية - بالضم - أي: شيء من السحاب والطخياء: الليلة المظلمة وظلام طاخ.

عاشق المعشوق
21-04-2006, 11:55 PM
السلام عليكم
بوركت جهودكم الخيرة
حاولوا الكتابة بيراعكم
فانتم أهل للكتابة
نصركم الله

بنت العمران
22-04-2006, 09:16 AM
شكراً لك خيو
فستبقى اقلامنا تخط لحب الحسين عليه السلام
ودموعنا تتناثر لحزنه وعقولنا شارده لمصابه
وقلبنا يتفجر لمصرعه ..
فبحبكم يا آل بيت محمدٍ نحن المنتصرون ..

بنت العمران
22-04-2006, 09:20 AM
زيارة عاشوراء

اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا اَبا عَبْدِاللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ(السَّلامُ عَلَيكَ يا خِيَرَةِ اللهِ وابْنَ خَيرَتِهِ) اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ اَميرِ الْمُؤْمِنينَ وَابْنَ سَيِّدِ الْوَصِيّينَ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ فاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمينَ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا ثارَ اللهِ وَابْنَ ثارِهِ وَالْوِتْرَ الْمَوْتُورَ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَى الاَْرْواحِ الَّتي حَلَّتْ بِفِنائِكَ عَلَيْكُمْ مِنّي جَميعاً سَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِىَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ، يا اَبا عَبْدِاللهِ لَقَدْ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ وَجَلَّتْ وَعَظُمَتِ الْمُصيبَةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلى جَميعِ اَهْلِ الاِْسْلامِ وَجَلَّتْ وَعَظُمَتْ مُصيبَتُكَ فِي السَّماواتِ عَلى جَميعِ اَهْلِ السَّماواتِ، فَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً اَسَّسَتْ اَساسَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ عَلَيْكُمْ اَهْلَ الْبَيْتِ، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَاَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الَّتي رَتَّبَكُمُ اللهُ فيها، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً قَتَلَتْكُمْ وَلَعَنَ اللهُ الْمُمَهِّدينَ لَهُمْ بِالَّتمْكينِ مِنْ قِتالِكُمْ، بَرِئْتُ اِلَى اللهِ وَاِلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ اَشْياعِهِمْ وَاَتْباعِهِمْ وَاَوْلِيائِهِم، يا اَبا عَبْدِاللهِ اِنّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ اِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَلَعَنَ اللهُ آلَ زِياد وَآلَ مَرْوانَ، وَلَعَنَ اللهُ بَني اُمَيَّةَ قاطِبَةً، وَلَعَنَ اللهُ ابْنَ مَرْجانَةَ، وَلَعَنَ اللهُ عُمَرَ بْنَ سَعْد، وَلَعَنَ اللهُ شِمْراً، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً اَسْرَجَتْ وَاَلْجَمَتْ وَتَنَقَّبَتْ لِقِتالِكَ، بِاَبي اَنْتَ وَاُمّي لَقَدْ عَظُمَ مُصابي بِكَ فَاَسْأَلُ اللهَ الَّذي َكْرَمَ مَقامَكَ وَاَكْرَمَني اَنْ يَرْزُقَني طَلَبَ ثارِكَ مَعَ اِمام مَنْصُور مِنْ اَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، اَللّـهُمَّ اجْعَلْني عِنْدَكَ وَجيهاً بِالْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي الدُّنْيا وَالاْخِرَةِ، يا اَبا عَبْدِاللهِ اِنّي اَتَقَرَّبُ اِلى اللهِ وَ اِلى رَسُولِهِ وَاِلى اَميرِ الْمُؤْمِنينَ وَاِلى فاطِمَةَ وَاِلَى الْحَسَنِ وَاِلَيْكَ بِمُوالاتِكَ وَبِالْبَراءَةِ (مِمَّنْ قاتَلَكَ وَنَصَبَ لَكَ الْحَرْبَ وَبِالْبَراءَةِ مِمَّنْ اَسَسَّ اَساسَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ عَلَيْكُمْ وَاَبْرَأُ اِلَى اللهِ وَاِلى رَسُولِهِ) مِمَّنْ اَسَسَّ اَساسَ ذلِكَ وَبَنى عَلَيْهِ بُنْيانَهُ وَجَرى فِي ظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ عَلَيْكُمْ وَعلى اَشْياعِكُمْ، بَرِئْتُ اِلَى اللهِ وَاِلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَاَتَقَرَّبُ اِلَى اللهِ ثُمَّ اِلَيْكُمْ بِمُوالاتِكُمْ وَمُوالاةِ وَلِيِّكُمْ وَبِالْبَراءَةِ مِنْ اَعْدائِكُمْ وَالنّاصِبينَ لَكُمُ الْحَرْبَ وَبِالْبَراءَةِ مِنْ اَشْياعِهِمْ وَاَتْباعِهِمْ، اِنّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ وَوَلِىٌّ لِمَنْ والاكُمْ وَعَدُوٌّ لِمَنْ عاداكُمْ فَاَسْأَلُ اللهَ الَّذي أكْرَمَني بِمَعْرِفَتِكُمْ وَمَعْرِفَةِ اَوْلِيائِكُمْ وَرَزَقَنِى الْبَراءَةَ مِنْ اَعْدائِكُمْ اَنْ يَجْعَلَني مَعَكُمْ فِي الدُّنْيا وَالاْخِرَةِ وَاَنْ يُثَبِّتَ لي عِنْدَكُمْ قَدَمَ صِدْق فِي الدُّنْيا وَالاْخِرَةِ وَاَسْأَلُهُ اَنْ يُبَلِّغَنِى الْمَقامَ الَْمحْمُودَ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ وَاَنْ يَرْزُقَني طَلَبَ ثاري مَعَ اِمام هُدىً ظاهِر ناطِق بِالْحَقِّ مِنْكُمْ وَاَسْألُ اللهَ بِحَقِّكُمْ وَبِالشَّأنِ الَّذي لَكُمْ عِنْدَهُ اَنْ يُعْطِيَني بِمُصابي بِكُمْ اَفْضَلَ ما يُعْطي مُصاباً بِمُصيبَتِهِ مُصيبَةً ما اَعْظَمَها وَاَعْظَمَ رَزِيَّتَها فِي الاِْسْلامِ وَفِي جَميعِ السَّماواتِ وَالاْرْضِ اَللّـهُمَّ اجْعَلْني فِي مَقامي هذا مِمَّنْ تَنالُهُ مِنْكَ صَلَواتٌ وَرَحْمَةٌ وَمَغْفِرَةٌ، اَللّـهُمَّ اجْعَلْ مَحْياىَ مَحْيا مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد وَمَماتي مَماتَ مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، اَللّـهُمَّ اِنَّ هذا يَوْمٌ تَبَرَّكَتْ بِهِ بَنُو اُمَيَّةَ وَابْنُ آكِلَةِ الاَْكبادِ اللَّعينُ ابْنُ اللَّعينِ عَلى لِسانِكَ وَلِسانِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي كُلِّ مَوْطِن وَمَوْقِف وَقَفَ فيهِ نَبِيُّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، اَللّـهُمَّ الْعَنْ اَبا سُفْيانَ وَمُعاوِيَةَ وَيَزيدَ ابْنَ مُعاوِيَةَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ اللَّعْنَةُ اَبَدَ الاْبِدينَ، وَهذا يَوْمٌ فَرِحَتْ بِهِ آلُ زِياد وَآلُ مَرْوانَ بِقَتْلِهِمُ الْحُسَيْنَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ، اَللّـهُمَّ فَضاعِفْ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَ مِنْكَ وَالْعَذابَ (الاَْليمَ) اَللّـهُمَّ اِنّي اَتَقَرَّبُ اِلَيْكَ فِي هذَا الْيَوْمِ وَفِي مَوْقِفي هذا وَاَيّامِ حَياتي بِالْبَراءَةِ مِنْهُمْ وَاللَّعْنَةِ عَلَيْهِمْ وَبِالْمُوالاةِ لِنَبِيِّكَ وَآلِ نَبِيِّكَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ ثمّ تقول مائة مرّة : اَللّـهُمَّ الْعَنْ اَوَّلَ ظالِم ظَلَمَ حَقَّ مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد وَآخِرَ تابِع لَهُ عَلى ذلِكَ، اَللّـهُمَّ الْعَنِ الْعِصابَةَ الَّتي جاهَدَتِ الْحُسَيْنَ (عليه السلام) وَشايَعَتْ وَبايَعَتْ وَتابَعَتْ عَلى قَتْلِهِ، اَللّـهُمَّ الْعَنْهُمْ جَميعاً ثمّ تقول مائة مرّة : اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا اَبا عَبْدِاللهِ وَعَلَى الاَْرْواحِ الَّتي حَلَّتْ بِفِنائِكَ عَلَيْكَ مِنّي سَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِكُمْ، اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَوْلادِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَصْحابِ الْحُسَيْنِ، ثمّ تقول : اَللّـهُمَّ خُصَّ اَنْتَ اَوَّلَ ظالِم بِاللَّعْنِ مِنّي وَابْدَأْ بِهِ اَوَّلاً ثُمَّ (الْعَنِ) الثّانيَ وَالثّالِثَ وَالرّابِعَ اَللّـهُمَّ الْعَنْ يَزيدَ خامِساً وَالْعَنْ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زِياد وَابْنَ مَرْجانَةَ وَعُمَرَ بْنَ سَعْد وَشِمْراً وَآلَ اَبي سُفْيانَ وَآلَ زِياد وَآلَ مَرْوانَ اِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثمّ تسجد وتقُول : اَللّـهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدَ الشّاكِرينَ لَكَ عَلى مُصابِهِمْ اَلْحَمْدُ للهِ عَلى عَظيمِ رَزِيَّتي اَللّـهُمَّ ارْزُقْني شَفاعَةَ الْحُسَيْنِ يَوْمَ الْوُرُودِ وَثَبِّتْ لي قَدَمَ صِدْق عِنْدَكَ مَعَ الْحُسَيْنِ وَاَصْحابِ الْحُسَيْنِ اَلَّذينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلامُ .

قال علقمة : قال الباقر (عليه السلام) : وان استطعت أن تزُوره في كُلّ يوم بهذه الزّيارة في دارك فافعل فلك ثواب جميع ذلك .

وروى محمّد بن خالد الطّيالسي عن سيف بن عميرة ، قال : خرجتُ مع صفوان بن مهران وجماعة من أصحابنا الى الغريّ بعدما خرج الصّادق (عليه السلام)فسرنا من الحيرة الى المدينة فلمّا فرغنا من الزّيارة أي زيارة امير المؤمنين (عليه السلام)صرف صفوان وجهه الى ناحية أبي عبد الله (عليه السلام) فقال لنا: تزورون الحُسين (عليه السلام) من هذا المكان من عند رأس امير المؤمنين (عليه السلام) من هاهُنا أومأ اليه الصّادق (عليه السلام) وأنا معه ، قال سيف بن عميرة : فدعا صفوان بالزّيارة الّتي رواها علقمة بن محمّد الحضرمي عن الباقر (عليه السلام) في يوم عاشوراء ثمّ صلّى ركعتين عند رأس امير المؤمنين (عليه السلام) وودّع في دبرهما امير المؤمنين (عليه السلام)وأومأ الى الحسين صلوات الله عليه بالسّلام منصرفاً وجهه نحوه وودّع وكان ممّا دعا دبرها :

يا اَللهُ يا اَللهُ يا اَللهُ، يا مُجيبَ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِّينَ، يا كاشِفَ كُرَبِ الْمَكْرُوبينَ، يا غِياثَ الْمُسْتَغيثينَ، يا صَريخَ الْمُسْتَصْرِخينَ، وَيا مَنْ هُوَ اَقْرَبُ اِلَيَّ مِنْ حَبْلِ الْوَريدِ، وَيا مَنْ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَيا مَنْ هُوَ بِالْمَنْظَرِ الاَْعْلى وَ بِالاُْفـُقِ الْمُبينِ، وَيا مَنْ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى، وَيا مَنْ يَعْلَمُ خائِنَةَ الاَْعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ، وَيا مَنْ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَهٌ، يا مَنْ لا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الاَْصْواتُ، وَيا مَنْ لا تُغَلِّطُهُ الْحاجاتُ، وَيا مَنْ لا يُبْرِمُهُ اِلْحاحُ الْمُلِحّينَ، يا مُدْرِكَ كُلِّ فَوْت، وَيا جامِعَ كُلِّ شَمْل، وَيا بارِئَ النُّفُوسِ بَعْدَ الْمَوْتِ، يا مَنْ هُوَ كُلَّ يَوْم فِي شَأن، يا قاضِىَ الْحاجاتِ، يا مُنَفِّسَ الْكُرُباتِ، يا مُعْطِيَ السُّؤُلاتِ، يا وَلِيَّ الرَّغَباتِ، يا كافِىَ الْمُهِمّاتِ، يا مَنْ يَكْفي مِنْ كُلِّ شَىْء وَلا يَكْفي مِنْهُ شَيءٌ فِي السَّماواتِ وَالاَْرْضِ، اَسْاَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّد خاتَمِ النَّبِيّينَ وَعَلِيِّ اَميرِ الْمُؤْمِنينَ، وَبِحَقِّ فاطِمَةَ بِنْتِ نَبِيِّكَ، وَبِحَقِّ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فَاِنّي بِهِمْ اَتَوَجَّهُ اِلَيْكَ فِي مَقامي هذا وَبِهِمْ اَتَوَسَّلُ وَبِهِمْ اَتَشَفَّعُ اِلَيْكَ، وَبِحَقِّهِمْ اَسْأَلُكَ وَاُقْسِمُ وَاَعْزِمُ عَلَيْكَ، وَبِالشَّأنِ الَّذي لَهُمْ عِنْدَكَ وَبِالْقَدْرِ الَّذي لَهُمْ عِنْدَكَ، وَبِالَّذي فَضَّلْتَهُمْ عَلَى الْعالَمينَ، وَبِاسْمِكَ الَّذي جَعَلْتَهُ عِنْدَهُمْ وَبِهِ خَصَصْتَهُمْ دُونَ الْعالَمينَ، وَبِهِ اَبَنْتَهُمْ وَاَبَنْتَ فَضْلَهُمْ مِنْ فَضْلِ الْعالَمينَ، حَتّى فاقَ فَضْلُهُمْ فَضْلَ الْعالَمينَ جَميعاً، اَسْاَلُكَ اَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد وَاَنْ تَكْشِفَ عَنّي غَمّي وَهَمّي وَكَرْبي، وَتَكْفِيَنِى الْمُهِمَّ مِنْ اُمُوري، وَتَقْضِيَ عَنّي دَيْني وَ تُجيرَني مِنَ الْفَقْرِ وَتُجيرَني مِنَ الْفاقَةِ وَتُغْنِيَني عَنِ الْمَسْأَلَةِ اِلَى الَْمخْلُوقينَ، وَتَكْفِيَني هَمَّ مَنْ اَخافُ هَمَّهُ، وَعُسْرَ مَنْ اَخافُ عُسْرَهُ، وَحُزُونَةَ مَنْ اَخافُ حُزُونَتَهُ، وَشَرَّ مَنْ اَخافُ شَرَّهُ، وَمَكْرَ مَنْ اَخافُ مَكْرَهُ، وَبَغْيَ مَنْ اَخافُ بَغْيَهُ، وَ جَوْرَ مَنْ اَخافُ جَوْرَهُ، وَسُلْطانَ مَنْ اَخافُ سُلْطانَهُ، وَكَيْدَ مَنْ اَخافُ كَيْدَهُ، وَمَقْدُرَةَ مَنْ اَخافُ مَقْدُرَتَهُ عَلَيَّ، وَتَرُدَّ عَنّي كَيْدَ الْكَيَدَةِ وَمَكْرَ الْمَكَرَةِ، اَللّـهُمَّ مَنْ اَرادَني فَاَرِدْهُ، وَمَنْ كادَني فَكِدْهُ، وَاصْرِفْ عَنّي كَيْدَهُ وَمَكْرَهُ وَبَأسَهُ وَاَمانِيَّهُ، وَامْنَعْهُ عَنّي كَيْفَ شِئْتَ وَاَنّى شِئْتَ، اَللّـهُمَّ اشْغَلْهُ عَنّي بِفَقْر لا تَجْبُرُهُ، وَبِبَلاء لا تَسْتُرُهُ، وَبِفاقَة لا تَسُدّها، وَبِسُقْم لا تُعافيهِ، وَذُلٍّ لا تُعِزُّهُ، وَبِمَسْكَنَة لا تَجْبُرُها، اَللّـهُمَّ اضْرِبْ بِالذُّلِّ نَصْبَ عَيْنَيْهِ، وَاَدْخِلْ عَلَيْهِ الْفَقْرَ فِي مَنْزِلِهِ، وَالْعِلَّةَ وَالسُّقْمَ فِي بَدَنِهِ، حَتّى تَشْغَلَهُ عَنّي بِشُغْل شاغِل لا فَراغَ لَهُ، وَاَنْسِهِ ذِكْري كَما اَنْسَيْتَهُ ذِكْرَكَ، وَخُذْ عَنّي بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَلِسانِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ وَقَلْبِهِ وَجَميعِ جَوارِحِهِ، وَاَدْخِلْ عَلَيْهِ فِي جَميعِ ذلِكَ الْسُّقْمَ وَلا تَشْفِهِ حَتّى تَجْعَلَ ذلِكَ لَهُ شُغْلاً شاغِلاً بِهِ عَنّي وَعَنْ ذِكْري، وَاكْفِني يا كافِيَ مالا يَكْفي سِواكَ، فَاِنَّكَ الْكافِي لا كافِىَ سِواكَ، وَمُفَرِّجٌ لا مُفَرِّجَ سِواكَ، وَمُغيثٌ لا مُغيثَ سِواكَ، وَجارٌ لا جارَ سِواكَ، خابَ مَنْ كانَ جارُهُ سِواكَ، وَمُغيثُهُ سِواكَ، وَمَفْزَعُهُ اِلى سِواكَ، وَمَهْرَبُهُ اِلى سِواكَ، وَمَلْجَأُهُ اِلى غَيْرِكَ، وَمَنْجاهُ مِنْ مَخْلُوق غَيْرِكَ، فَاَنْتَ ثِقَتي وَرَجائي وَمَفْزَعي وَمَهْرَبي وَمَلْجَئي وَمَنْجاىَ فَبِكَ اَسْتَفْتِحُ وَبِكَ اَسْتَنْجِحُ، وَبِمُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد اَتَوَجَّهُ اِلَيْكَ وَاَتَوَسَّلُ وَاَتَشَفَّعُ، فَاَسْاَلُكَ يا اَللهُ يا اَللهُ يا اَللهُ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ وَاِلَيْكَ الْمُشْتَكى وَاَنْتَ الْمُسْتَعانُ فَاَسْاَلُكَ يا اَللهُ يا اَللهُ يا اَللهُ بِحَقِّ مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد اَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَاَنْ تَكْشِفَ عَنّي غَمّي وَهَمّي وَكَرْبي فِي مَقامي هذا كَما كَشَفْتَ عَنْ نَبِيِّكَ هَمَّهُ وَغَمَّهُ وَ كَرْبَهُ وَكَفَيْتَهُ هَوْلَ عَدُوِّهِ، فَاكْشِفْ عَنّي كَما كَشَفْتَ عَنْهُ وَفَرِّجْ عَنّي كَما فَرَّجْتَ عَنْهُ وَاكْفِني كَما كَفَيْتَهُ، وَاصْرِفْ عَنّي هَوْلَ ما اَخافُ هَوْلَهُ، وَمَؤُنَةَ ما اَخافُ مَؤُنَتَهُ، وَهَمَّ ما اَخافُ هَمَّهُ بِلا مَؤُنَة عَلى نَفْسي مِنْ ذلِكَ، وَاصْرِفْني بِقَضاءِ حَوائِجي، وَكِفايَةِ ما اَهَمَّني هَمُّهُ مِنْ اَمْرِ آخِرَتي وَدُنْياىَ، يا اَميرَ الْمُؤْمِنينَ وَيا اَبا عَبْدِاللهِ، عَلَيْكُما مِنّي سَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ زِيارَتِكُما، وَلا فَرَّقَ اللهُ بَيْني وَبَيْنَكُما، اَللّـهُمَّ اَحْيِني حَياةَ مُحَمَّد وَذُرِّيَّتِهِ وَاَمِتْني مَماتَهُمْ وَتَوَفَّني عَلى مِلَّتِهِمْ، وَاحْشُرْني فِي زُمْرَتِهِمْ وَلا تُفَرِّقْ بَيْني وَبَيْنَهُمْ طَرْفَةَ عَيْن اَبَداً فِي الدُّنْيا وَالاْخِرَةِ، يا اَميرَ الْمُؤْمِنينَ وَيا اَبا عَبْدِاللهِ اَتَيْتُكُما زائِراً وَمُتَوَسِّلاً اِلَى اللهِ رَبّي وَرَبِّكُما، وَمُتَوَجِّهاً اِلَيْهِ بِكُما وَمُسْتَشْفِعاً بِكُما اِلَى اللهِ (تَعالى) فِي حاجَتي هذِهِ فَاشْفَعا لي فَاِنَّ لَكُما عِنْدَ اللهِ الْمَقامَ الَْمحْمُودَ، وَالْجاهَ الْوَجيهَ، وَالْمَنْزِلَ الرَّفيعَ وَالْوَسيلَةَ، اِنّي اَنْقَلِبُ عَنْكُما مُنْتَظِراً لِتَنَجُّزِ الْحاجَةِ وَقَضائِها وَنَجاحِها مِنَ اللهِ بِشَفاعَتِكُما لي اِلَى اللهِ فِي ذلِكَ، فَلا اَخيبُ وَلا يَكُونُ مُنْقَلَبي مُنْقَلَباً خائِباً خاسِراً، بَلْ يَكُونُ مُنْقَلَبي مُنْقَلَباً راجِحاً (راجِياً) مُفْلِحاً مُنْجِحاً مُسْتَجاباً بِقَضاءِ جَميعِ حَوائِجي وَتَشَفَّعا لي اِلَى اللهِ، انْقَلَبْتُ عَلى ما شاءَ اللهُ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ اِلاّ بِاللهِ، مُفَوِّضاً اَمْري اِلَى اللهِ مُلْجِأً ظَهْري اِلَى اللهِ، مُتَوَكِّلاً عَلَى اللهِ وَاَقُولُ حَسْبِيَ اللهُ وَكَفى سَمِعَ اللهُ لِمَنْ دَعا لَيْسَ لي وَراءَ اللهِ وَوَراءَكُمْ يا سادَتي مُنْتَهى، ما شاءَ رَبّي كانَ وَمالَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ اِلاّ بِاللهِ، اَسْتَوْدِعُكُمَا اللهَ وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي اِلَيْكُما، اِنْصَرَفْتُ يا سَيِّدي يا اَميرَ الْمُؤْمِنينَ وَمَوْلايَ وَاَنْتَ يا اَبا عَبْدِاللهِ يا سَيِّدي وَسَلامي عَلَيْكُما مُتَّصِلٌ مَا اتَّصَلَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ واصِلٌ ذلِكَ اِلَيْكُما غَيْرُ مَحْجُوب عَنْكُما سَلامي اِنْ شاءَ اللهُ، وَاَسْأَلُهُ بِحَقِّكُما اَنْ يَشاءَ ذلِكَ وَيَفْعَلَ فَاِنَّهُ حَميدٌ مَجيدٌ، اِنْقَلَبْتُ يا سَيِّدَىَّ عَنْكُما تائِباً حامِداً للهِ شاكِراً راجِياً لِلاِْجابَةِ غَيْرَ آيِس وَلا قانِط تائِباً عائِداً راجِعاً اِلى زِيارَتِكُما غَيْرَ راغِب عَنْكُما وَلا مِنْ زِيارَتِكُما بَلْ راجِعٌ عائِدٌ اِنْ شاءَ اللهُ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ اِلاّ بِاللهِ، يا سادَتي رَغِبْتُ اِلَيْكُما وَاِلى زِيارَتِكُما بَعْدَ اَنْ زَهِدَ فيكُما وَفِي زِيارَتِكُما اَهْلُ الدُّنْيا فَلا خَيَّبَنِيَ اللهُ ما رَجَوْتُ وَما اَمَّلْتُ فِي زِيارَتِكُما اِنَّهُ قَريبٌ مُجيبٌ.

قال سيف بن عميرة: فسألت صفواناً فقُلت له: انّ علقمة بن محمّد لم يأتنا بهذا عن الباقر (عليه السلام) انّما أتانا بدعاء الزّيارة ، فقال صفوان : وردت مع سيّدي الصّادق صلوات الله وسلامه عليه الى هذا المكان ففعل مثل الَّذي فعلناه في زيارتنا، ودعا بهذا الدّعاء عند الوداع بعد أن صلّى كما صلّينا وودّع كما ودّعنا ، ثمّ قال صفوان : قال الصّادق (عليه السلام) : تعاهد هذه الزّيارة وادعُ بهذا الدّعاء وزُر به فانّي ضامن على الله لكلّ من زار بهذه الزّيارة ودعا بهذا الدّعاء من قُرب أو بُعد انّ زيارته مقبولة وسعيه مشكور وسلامه واصل غير محجُوب وحاجته مقضيّة من الله تعالى بالغة ما بلغت ولا يخيبُه، يا صفوان وجدت هذه الزّيارة مضمُونة بهذا الضّمان عن أبي وأبي عن أبيه عليّ بن الحسين (عليهما السلام) مضموناً بهذا الضّمان عن الحسين (عليه السلام)والحسين (عليه السلام) عن أخيه الحسن (عليه السلام) مضمُوناً بهذا الضّمان، والحسن (عليه السلام) عن أبيه امير المؤمنين (عليه السلام)مضموناً بهذا الضّمان، وامير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مضمُوناً بهذا الضّمان، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عن جبرئيل (عليه السلام) مضموناً بهذا الضّمان، وجبرئيل عن الله تعالى مضموناً بهذا الضّمان، وقد آلى الله على نفسه عزّوجل انّ من زار الحسين (عليه السلام)بهذه الزّيارة من قُرب أو بُعد ودعا بهذا الدّعاء قبلت منه زيارته وشفعته في مسألته بالغة ما بلغت واعطيته سؤله ثمّ لا ينقلِب عنّي خائباً واقلبه مسروراً قريراً عينه بقضاء حاجته والفوز بالجنّة والعتق من النّار، وشفعته في كلّ من شفع خلا ناصب لنا أهل البيت، آلى الله تعالى بذلك على نفسه وأشهدنا بما شهدت به ملائكة ملكوته، ثمّ قال جبرئيل : يا رسول الله أرسلني الله اليك سُروراً وبشرى لك ولعليّ وفاطمة والحسن والحسين والائمة من ولدك وشيعتكم الى يوم البعث لا زلت مسروراً ولا زال علي وفاطمة والحسن والحسين وشيعتكم مسرورين الى يوم البعث ، قال صفوان : قال لي الصّادق (عليه السلام): يا صفوان اذا حدث لك الى الله حاجة فزُر بهذه الزّيارة من حيث كنت وادعُ بهذا الدّعاء وسل ربّك حاجتك تأتك من الله، والله غير مخلف وعده رسوله بجوده وبمنّه والحمد لله .

أقول : ورد في كتاب النّجم الثّاقب قصّة تشرّف الحاج السّيد احمد الرّشتي بالحضُور عند امام العصر أرواحنا فداه في سفر الحجّ وقوله (عليه السلام) له : لماذا لا تقرأ زيارة عاشوراء، عاشوراء عاشوراء عاشوراء ونحن سنرويها بعد الزّيارة الجامعة الكبيرة ان شاء الله .

وقال شيخنا ثقة الاسلام النّوري (رحمه الله) : أمّا زيارة عاشوراء فكفاها فضلاً وشرفاً انّها لا تسانخ سائر الزّيارات الّتي هي من انشاء المعصوم واملائه في ظاهر الامر وان كان لا يبرز من قلوبهم الطّاهرة الاّ ما تبلغها من المبدأ الاعلى بل تسانخ الاحاديث القدسيّة التي أوحى الله جلّت عظمته بها الى جبرئيل بنصّها بما فيها من اللّعن والسّلام والدّعاء، فأبلغها جبرئيل الى خاتم النّبيين (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي كما دلّت عليه التجارب فريدة في آثارها من قضاء الحوائج ونيل المقاصد ودفع الاعادي لو واضب عليها الزّائر أربعين يوماً أو أقلّ، ولكن أعظم ما انتجته من الفوائد ما في كتاب دار السّلام وملّخصه انّه حدث الثّقة الصّالح التّقي الحاج المولى حسن اليزدي المجاور للمشهد الغرويّ وهو من الّذين وفوا بحقّ المجاورة وأتعبوا أنفسهم في العبادة، عن الثّقة الامين الحاج محمّد عليّ اليزدي قال : كان في يزد رجل صالح فاضل مشتغل بنفسه ومواظب لعمارة رمسه يبيت في اللّيالي بمقبرة خارج بلدة يزد تُعرف بالمزار وفيها جملة من الصّلحاء، وكان له جار نشأ معه من صغر سنّه عند المُعلّم وغيره الى أن صار عشّاراً وكان كذلك الى أن مات ودفن في تلك المقبرة قريباً من المحلّ الَّذي كان يبيت في الرّجل الصّالح المذكور، فرآه بعد موته بأقلّ من شهر في المنام في زيّ حسن وعليه نضرة النّعيم، فتقدّم اليه وقال له : انّي عالم بمبدئك ومنتهاك وباطنك وظاهرك ولم تكن ممّن يحتمل في حقّه حسن الباطن ولم يكن عملك مقتضياً أنّ العذاب والنكال فبم نلت هذا المقام ، قال: نعم الامر كما قلت، كنت مقيماً في أشدّ العذاب من يوم وفاتي الى أمس وقد توفّيت فيه زوجة الاستاذ أشرف الحدّاد ودفنت في هذا المكان، وأشار الى طرف بينه وبينه قريب من مائة ذراع وفي ليلة دفنها زارها أبو عبد الله (عليه السلام) ثلاث مرّات وفي المرّة الثّالثة أمر برفع العذاب عن هذه المقبرة فصرت في نعمة وسعة وخفض عيش ودعة، فانتبه متحيّراً ولم تكن له معرفة بالحدّاد ومحلّه فطلبه في سُوق الحدّادين فوجده ، فقال له : ألك زوجة ؟ قال : نعم توفّيت بالامس ودفنتها في المكان الفلاني وذكر الموضع الَّذي أشار اليه ، قال : فهل زارت أبا عبد الله (عليه السلام) ؟ قال : لا ، قال : فهل كانت تذكر مصائبه ؟ قال : لا ، قال : فهل كان لها مجلس تذكر فيه مصائبه ؟ قال : لا ، فقال الرّجل : وما تريد من السّؤال ؟ فقصّ عليه رؤياه ، قال : كانت مواظبة على زيارة عاشوراء .

بنت العمران
22-04-2006, 11:46 AM
لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين لبيك يا حسين

بنت العمران
22-04-2006, 12:37 PM
اتمنى من الاعضاء الموالييون ان يجلبو محبتهم للحسين ويتكلمون هنا عن عشقهم له

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 01:07 PM
الإمام الهادي الخراساني (قدس سره)

نص ما كتبه سماحة آية الله العظمى فقيه الشيعة
السيد ميرزا هادي الخراساني الحائري (طاب ثراه)
سنة 1348هـ
في رسالة حول جواز التشبيه وضرب القامات والطبول في عزاء سيد الشهداء (عليه السلام).
الحمد لله على حسن بلائه في أوليائه وصلواته على أبصر نبلائه وأصبر أحبائه محمد الأمين وآله الميامين.
أما بعد فلا يكاد على كافة المؤمنين كان الله لهم حيث كانوا أن مظاهر عاشوراء وسائر ما يعتاده الشيعة الغراء في عزاء سيد الشهداء أرواحنا له الفداء من: محافل البكاء والإبكاء في المعابد القدسية والدور والأندية والمحتفلات الثابتة والسيارة في الأزقة والطرقات ليلاً ونهاراً، بما لها من المشاعل والأسرجة والخيول المسرجة والتشابيه والتماثيل المعهودة، وغيرها من التظاهرات المعتادة من أفضل القربات الإلهية والوسائل المطلوبة إلى الفوز العظيم والمثوبة الخالدة في العاجلة والآجلة.
ولا أرى أخف كلم ولا أدق على خلاف شيء من هذه الدعوة الإسلامية والتظاهر الديني إلا نفثة من السموم الأموية ونزعة مروانية شوّشت بعض الآراء الراكدة والأوهام الجامدة.
والتشبث بقاعدتي: حرمة اللهو ولا ضرر في المقام من قصور النظر، حيث أن قصد التلهي إنما هو ملاك صدق اللهو في هذه الأمور المعتادة وهو مفقود بالحس والعيان، زيادة على ما يقتضيه الأصل في فعل المسلم، فضلاً عن الغريق في بحر الوداد الحريق بلهيب المصائب، والنظر إلى ما تواتر وثبت بالضرورة من أخبار الحث إلى الزيارة في تلك الأزمنة مع ما كانت عليه من شدة الخوف وأعظم الخطر ونهاية التقية، يهدم أساس هذه التساؤلات.
وتحمل المشاق الدنيوية لنيل المثوبات الأخروية ضروري جميع الملبين وإنما تقتصر عنها همم هذا العصر الجديد المقصورة على المواد الطبيعية عن التوجه إلى الأسرار الغيبية، وإلا فالعياذ بالله انجرّ إلى توهم الضرر في البكاء من خشية الله تعالى وفي التعازي وهو إنكار ضروري المذهب والملة الإسلامية، مع أن المؤمن بالله وكمال قدرته يعلم أنه تعالى بيده أزمة الأمور وجري المقادير وأنه تعالى قادر على أن يجعل ذلك سبباً لتقوية البصر وما يتدارك به الضرر، كما هو محسوس في المواد الشايعة في هذه المظاهرات، وقصة النار ودخول الهنود فيها من مسلمين وغيرهم من المتواترات والمحسوسات.
الآثار الباقية:
وكيف كان فلا ينبغي لمسلم أن ينسى أو يجهل آثار ما تجرعه الإمام المظلوم من المصائب التي تعجز عن تحمل بعضها الجبال الراسيات، وتكاد أن تنفطر بتصورها السباع الشداد، بل يلزم تجديد العهد في كل عام وتعاهد تذكره مر الليالي والأيام لما فيه من إبقاء آثار الإسلام ونشر حقائقه وبث دعوته وسطوع أنواره وإظهاراً لما هو من أعظم المعجزات من جده الأكرم (صلى الله عليه وآله) وتصديق أخباره، فيعلم أنه لم تكن تلك الدعوات النبوية والبعثة الإلهية لأجل الدنيا وطلب الملك وجلب الرياسة حيث رأى وشاهد (صلى الله عليه وآله) وأخبر بأنه لا تنتج هذه الدعوة له ولعترته وأحبته من بعده إلا القتل والأسر والظلم والغدر. وكان يقول: نحن أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وأنهم سيلقون بعدي تشريداً وتطريداً وأنه ما منا إلا مسموم أو مقتول.
بل كان (صلى الله عليه وآله) يتذكر مصائب العترة الطاهرة ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً.
بل كان يبدل محافل سروره بمآتم الحزن والبكاء والإبكاء والنظر إلى مصارعهم وأخذ التربة من كربلاء وغير ذلك من متواترات الأخبار والآثار، ولكل مسلم في رسول الله أسوة حسنة.
فإذا كان لهذه المصائب مثل هذا التأثير قبل وجودها، فكيف تكون آثارها بعد وقوعها فتكون الآية الكريمة (فما بكت عليهم السماء والأرض)(8) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book06/#8) بمفهومها الدال على إمكان بكائهما، بل وقوعه في مصائبهم التي لا يشابه أدناها أعظم مصائب الأنبياء والمرسلين السالفين؟
ولذا قال (صلى الله عليه وآله): ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت، حيث أن أذية عترته عين أذيته، ألم تسمع: (فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها)؟
وبمقتضى ما وصل إلينا من الأخبار المتواترة أن آثار العترة الطاهرة وأنوار مشاهدهم الباهرة تتزايد يوماً فيوماً وتتعاظم جيلاً بعد جيل وتتظاهر قبيلاً بعد قبيل، ففي كلام زينب الكبرى عن أبيها وجدها (صلى الله عليه وآله) لزين العابدين (عليه السلام):
وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهوراً وأمره إلا علواً.
وها أنا ذا أذكر لكم واحداًَ من الكثير، فانظروا يا أهل العالم إلى إحدى معجزات الإسلام، فإن هذا خبر سيد الأنام من قبل ألف وثلاثمائة وزيادة من الأعوام، وقد سمعنا وشاهدنا من قديم الدهر آثاره حتى أن في هذه الأيام وقد منع الزائرون عن الوفود إلى قبر هذا المظلوم من إيران وغيرها من البلدان، لكن زادت عوضاً عن ذلك عادة لم تكن متداولة من قبل وهي: وفود المآتم والمواكب والجموع والتشابيه في زيارة الأربعين من جميع بلاد العراق بحيث صار يوم الأربعين عاشوراء ثانية، فلابد وإن يتزايد كل يوم أثر جديد للحزن والعزاء في مصيبة سيد الشهداء ليتحقق ما أخبر به الأئمة الصادقون ويفوز ببركاته المؤمنون وكل ذلك مما تواترت به الأخبار ووردت من طرق جميع فرق الإسلام حتى في صحاح أرباب السنة السنية ومسانيدهم المعتبرة ما لا يحصى.
ونذكر حديثاًَ واحداً رواه إمام المذهب الحنبلي أحمد بن حنبل في المناقب عن الربيع بن المنذر عن أبيه قال: كان الحسين بن علي (رضي الله عنه) يقول: من دمعت عيناه فينا بقطرة أعطاه الله تعالى الجنة.
وسمعت أنا شخصياً جدي الإمام زين العابدين (عليه السلام) يقول لي بلا واسطة راوٍ وذلك بين اليقظة والمنام ما معناه:
أخبروا المؤمنين بمصائبنا حتى يبكوا فتجب لهم الجنة. فقلت له:
سيدي قل حتى تجب لي أيضاً الجنة؟
فقال: حتى تجب لك أيضاً الجنة. وكان هذا بين النوم واليقظة ولأمره (عليه السلام) نشرت هذا البلاغ المبين والحمد لله رب العالمين.
حرره الجاني
هادي الخراساني الكربلائي
في 9 صفر 1347

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 01:08 PM
شكررررررررررررررررررا لكي يا بنت العمران على جهودك الكبيرة

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 01:09 PM
الإمام محمد الحسين كاشف الغطاء (قدس سره)

نص ما كتبه سماحة آية الله العظمى الإمام الشيخ
محمد حسين كاشف الغطاء النجفي (طاب ثراه)
في كتابه (الآيات البينات)
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد حمد الله والصلاة على أنبيائه وأوليائه يقول ناشر هذه الطرف وحاشر هذه التحف العبد الفقير إلى ربه (محمد بن المرحوم الشيخ عبد الحسين آل كاشف الغطاء) أن أستاذنا الأعظم حامل أمانة الشرع الشريف وكافل سدانة الدين الحنيف آية الله والحجة وصراطه والمحجة (الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء أدام الله بركات إفاضته وأيام إفادته ـ ما زال منذ ثلاثين عاماً يناضل عن دين الإسلام ويحامي ويذب عنه؛ قد أوقف نفسه سحابة عمره في سد ثغوره، وتشييد سوره، وأعلاء نوره، ودفع كل واردة سوء ترد عليه، وقطع كل يد تمد بالعدوان إليه، وقد اشتهر وانتشر من مؤلفاته في تلك المقاصد والمناحي ما لم تكتحل عين الدهر بمثلها نحو كتاب (الدين والإسلام) (والمراجعات الريحانية) مما بلغت تخوم الأرض وجازت أقاصي المعمور.
ولكن في هذه البرهة الأخيرة حيث نهض بأعباء الزعامة الدينية، واستوى على منصة الفتوى والمرجعية، واستغرقت أوقاته الثمينة العناية بمصالح العامة وقضاء حوائج الناس والبحث والتدريس وتوسيع نطاق التأليف في علم الفقه، والتوسع في أدلته كل ذلك مما عاقه عما كان عليه من الدفاع الديني والجهاد الإسلامي وبثّ الهداية والإرشاد لعامة الخلق إلى دين الحق.
ولكننا كنا ولا نزال حرصاً على استنارة كنوز معارفه والاستنارة بأنوار علومه وثقة منا بأنه في صناعة النقد والرد وتحقيق الحق وتمزيق الأباطيل لا يباري ولا يجاري وله المزبر الذي لا يشق غباره، ولا يدرك في السباق شاوه؛ الأخذ بأعنّة البراعة في الإنشاء لفظاً ومعنى وعلماً وعملاً مع الإحاطة بأسرار العلوم وغوامض الفنون، وخفايا المعارف وكنوز الشريعة وبواطن الدين وظواهره، لذلك كنا نترصد أي فادحة ترد على الدين وتريد أن تصدع بيضة الإسلام وتقضي على أُمهات عقائد المسلمين حتى إذا عثرنا به انتهزنا فرصة من أوقاته، وفراغاً من ساعاته، فعرضناها عليه، أو قدمناها إليه متعرضين بذلك في قمعها ودفعها لنفحات كلمه، أو رشحات قلمه، ثم نعود إليه ثانياً وثالثاً حتى نجمع من إفاضاته ومحاضراته في ذلك الموضع جملة كافية في إزاحة العلة ودفع تلك المضلّة، من ذلك عندما نشرت الصحف فتوى علماء المدينة لقاضي الوهابية (ابن بليهد) التي تذرع بها إلى هدم قبور أئمة البقيع (سلام الله عليهم).
وحينما تلوناها عليه صار يلقى ـ علينا محاضرةً في ردها وتفنيدها في كل أسبوع مرة أو مرتين وكانت تنشر في جريدة النجف ـ شذوذاً ونتفاً.
ولما شاعت الشبهة في مواكب؛ عزاء الحسين (سلام الله عليه) ؛ وقامت لها عواصم بلاد الشيعة وقعدت وبالأخص بلاد البصرة تواردت عليه البرقيات مستفتين عن جواز تلك المواكب وعدم جوازها فكتب فيها بقلمه الشريف جملة جوابات قالعة لجراثيم الشبهة وجادعة لخراطيم الضلالة.
وكنا ذات يوم سئلناه أن يلقى علينا شيئاً من شأن مذهب (البهائية) المعروفين بالبابية فألقى علينا نبذة وافية في شرح حالهم ومقدار جهلهم وضلالهم.
ثم أحببنا أن نضم تلك الشذور النفسية والأعلاق الثمينة التي عقمت أمهات الكتب والمؤلفات الغابرة والحاضرة عن الإتيان بواحدة من مثلها، أحببنا أن نضمها في مجموع يؤلف شتاتها، ويجمع متفرقاتها وبعد أن وفق الله لجمعه، رغبنا في نشره وطبعه نصرة للحقيقة، وخدمة للحق والفضيلة، وإخماداً للنائرة، وقطعاً لدابر الفساد والفتنة، إن شاء الله، وقد أعاننا على نشره بعض أعاظم العلماء في عواصم بلاد الشيعة شكر الله مساعيه، وغرّ أياديه؛ ثم استجزنا شيخنا الأعظم أدام الله أيامه في ذلك فتكرم بالإجازة وكان جملة منها قد طبع منفرداً وقد جمعناها هنا مع ما أضافه إليها ثانياً ويليق أن يرسم هذا المجموع الزاهر (بالآيات البينات، في قمع البدع والضلالات) فاغتنمه علقاً ثميناً، وفرقاناً مبيناً، فرقاناً بين الحق والباطل وتبياناً للهدى من الضلالة ولله الحمد والمنة على ذلك.
كتب مد الله ظله في أجوبة الأسئلة الواردة إليه عن فتواه في المواكب الحسينية زادها الله عزاً وكرامة، عدة مقالات وكتب مطولة ومختصرة ومتوسطة، ونحن ننتخب منها ثلاثاً على ذلك النسق، وكان أول استفتاء ورد إليه في النجف من جماعة من ذوي الفضل وهذه صورته:
السؤال:
ما يقول مولانا حجة الإسلام شيخنا الشيخ محمد حسين مد ظله العالي على رؤوس الأنام في المواكب المشجية التي اعتاد الجعفريون اتخاذها في العاشر من المحرم الحرام تمثيلاً لفاجعة الطف وإعلاماً لما انتهك فيها من حرمة الرسول (صلى الله عليه وآله) في عترته المجاهدين بالتمثيل للشهداء وجهادهم وما جرى عليهم وما جرى على الأطفال من القتل والقسوة وبإعلانهم الحزن لذلك الفادح بأنواعه من ندب ونداء وعويل وبكاء وضرب بالأكف على الصدور وبالسلاسل على الظهور فهل هذه الأعمال مباحة في الشرع الأزهر أم لا أفتونا مأجورين؟
فكتب دامت بركاته ما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
قال سبحانه وتعالى (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى)(1) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book06/#1) ولا ريب أن تلك المواكب المحزنة وتمثيل هاتيك الفاجعة المشجية من أعظم شعائر الفرقة الجعفرية شيد الله أركانها.
ونحن إذا لم نقل باستحبابها ورجحانها لتوفر الأدلة من الأخبار والأحاديث المتظافرة المشعرة بمحبوبية تلك المظاهرات لأهل البيت (عليهم السلام) فلا أقل من القول بالجواز والإباحة، وما يتداول ويستعمل فيها من ضرب الطبول ونحوه غير معلوم اندراجه فيما علم حرمته من آلات اللهو والطرب.
نعم لو علم كونها منها فاللازم تنزيه تلك الأعمال الشريفة مما يشينها ويحبط أجرها وفضلها الجسيم، وما احسب التعرض للسؤال عن تلك الأعمال التي استمرت السيرة عليها منذ مئات السنين وذلك بمشاهدة أعاظم العلماء لها وصلحاء أهل الدين مع عدم النكير من واحد منهم لا حديثاً ولا قديماً مع أنها بمرئى منهم ومسمع ما أحسب وضعها في مجال السؤال والتشكيك إلا دسيسة أموية أو نزعة وهابية يريدون أن يتوصلوا بذلك إلى إطفاء ذلك النور الذي أبى الله ألا أن يتمه ولو كره الكافرون.
كما أني لا ارتاب في أنه لو تمت لهم هذه الحيلة، ونجحت لا سمح الله هذه الوسيلة، وعطلت تلك المواكب والمراسم في سنتين أو ثلاث سرى الداء واستفحل الخطب وتطرقوا إلى السؤال والتشكيك فيما يقام في بلاد الشيعة من المآتم وجعلوا ذلك باباً إلى إماتة تلك المحافل والمحاشد التي بإحيائها إحياء الدين وبإماتتها إماتة ذكر الأئمة الطاهرين (سلام الله عليهم).
ومن له أقل إلمام ووقوف على المجتمعات والجمعيات التي عقدت في هذه الأعصار في مصر ودمشق وغيرهما وما أصبحت تنشره من المقالات والمؤلفات في إحياء ذكر بني أمية وتنزيههم وتبرير أعمالهم وتبرئتهم من قتل الحسن والحسين (عليهم السلام) والتنويه بذكر يزيد وأنه من الخلفاء الراشدين والأئمة المرضيين عرف من أين سرى هذا السم الخبيث، وجاءت تلك البلية التي تريد أن تقضي على حياة الشيعة وتزهق روح الشريعة ولا يروج هذا إلا على السذّج والبسطاء والمغفلين الذين يقتلون الدين باسم الدين من حيث لا يشعرون.
فالرجاء والأمل من جميع إخواننا المؤمنين ثبتهم الله بالقول الثابت وأيدهم بروح منه ترك الخوض في مثل هذه الأمور المتسالم عليها خلفاً عن سلف والتي هي من أعظم الوسائل إلى نيل الشفاعة والدخول في سفينة النجاة وأبواب الرحمة، وليصرفوا أوقاتهم الثمينة في الاتفاق والتعاضد والتعاون على البر والتقوى فيما يعود إلى إصلاح شؤون دينهم ودنياهم وجمع كلمتهم على الحق والهدى إن شاء الله تعالى، ولا يخوضوا في ما يوجب اختلاف الأمة وتفرقة الكلمة، والله ولي التوفيق وبه المستعان.
برقيات تتالى:
ثم تتابعت البرقيات من البصرة وغيرها سائلين منه دام علاه طالبين فتواه في تلك الأعمال فكتب إليهم كتاباً أبسط من الجواب المتقدم، وقد طبع في مطبعة الكاظمية بالبصرة، وانتشر بصورة منشور منفرد في عامة الأطراف، ونحن نذكر ذلك المنشور بحروفه المطبوعة حفظاً به:
بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد والمجد والصلاة على أمناء وحيه وأمراء أمره ونهيه صورة ما ورد من النجف الأشرف من الفتوى لجناب المصلح الكبير والعلاّمة الشهير صاحب الكتاب الدين والإسلام، العالم الرباني والزعيم الروحاني كبير مشاهير العصر وعظيم فقهاء المصر حجة الإسلام والمسلمين وعميد الإيمان والمؤمنين زعيم زعماء الحقيقة ورئيس رؤساء المذهب والطريقة وحيد الدهر وكبير نواب الدست الإمامي من العرب ورجل رجال العلم في القرن الرابع عشر الآية الكبرى في العالم الإسلامي الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء دام مجده حين سئل عن عنوان المواكب التي تندب الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) في الشوارع والطرقات وما اشتملت عليه:
جواب الإمام كاشف الغطاء:
إلى إخواننا وعباد الله الصالحين من السادة الأشراف والأماجد الكرام السيد هاشم البعاج والسيد عبد الباقي البعاج والحاج داود العطية وعبد الواحد العطية والملا جعفر أدام الله حراستهم وتوفيقهم، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وتحياته.
وردتنا برقيتكم فأزعجتنا غاية الإزعاج وما كنا نظن أن الأمر يبلغ إلى هذه المنزلة، ثم وردنا بعد ذلك كتاب من السيد الأمجد السيد هاشم أدام الله عزه في طيه الرسالة ذات الاسم الخشن الهائل، وكنا كتبنا في جواب السيد الأعز السيد فاخر البعاج حفظه الله ما كنا أن يعود حاسماً لتلك المشاجرة التي هي من أضر الحوادث في الحال الحاضر علينا معشر المؤمنين، ويكفينا عن وقوع الخلاف بيننا تهاجم الأعداء علينا من كل ناحية ومكان (ويلزم علينا اليوم أن تكون حادثة المدينة وهدم قبور أئمة البقيع (سلام الله عليهم) هي الشغل لنا عن كل خلاف الداعية لكل تعاضد بيننا وائتلاف).
أما الحكم الشرعي في تلك المظاهرات والمواكب فلا إشكال في أن اللطم على الصدور وضرب السلاسل على الظهور، وخروج الجماعات في الشوارع والطرقات بالمشاعل والأعلام مباحة مشروعة بل راجحة مستحبة وهي وسيلة من الوسائل الحسينية وباب من أبواب سفينة النجاة.
وأما الضرب بالطبول والأبواق وأمثالها، مما لا يعد من آلات اللهو والطرب فلا ريب أيضاً في إباحتها ومشروعيتها للإعلام والأشعار وتعظيم الشعائر.
التطبير:
وأما الضرب بالسيوف أو الخناجر والإدماء فهو كسوابقه مباح بمقتضى أصل الإباحة بل راجح بقصد إعلان الشعار للأحزان الحسينية، نعم إلا أن يعلم بعروض عنوان ثانوي يقتضي حرمة شيء من تلك الأعمال الجليلة مثل كونه موجباً للضرر بتلف النفس أو الوقوع في مرض مزمن أما الألم الذي يزول بسرعة فلا يوجب الحرمة.
وكذلك الخروج في الشوارع إذا أوجب الفساد بالمقابلة أو المقاتلة فهو حرام أيضاً، وهذه عوارض وقتية وموارد شخصية لا يمكن ضبطها، وليس على الفقيه إلا بيان الأحكام الكلية، أما الجزئيات فليست من شأن الفقيه ولا من وظيفته، على أن أستلزمها للفساد أحياناً لا يوجب تحريمها أبداً.
(أما الشبيه) فلا ريب أن أصل تشبه شخص بآخر مباح جائز. كيف وقد ألقى الله سبحانه شبه نبيه عيسى (عليه السلام) على أبغض خلقه وهو (يهوذا الأسخر يوطى) الذي نمّ على عيسى (عليه السلام) عند اليهود وحرضهم على قتله كما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم)(2) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book06/#2).
وكان أمين الوحي جبرائيل (عليه السلام) يتشبه بدحية الكلبي إذا حضر في السدة النبوية والملائكة تشبهت يوم بدر بأمير المؤمنين (صلوات الله عليه).
نعم خروج النساء سوافر محرم سواء كان في التشبيه أو غيره، وهذا لا يقتضي حرمة الشبيه بل ينبغي ويلزم التجنب عنه بنفسه ولو أن كل راجح يستلزم محرماً أو يقع فيه محرم تركناه لبطلت سنن الشريعة وقوّضت دعائم الدين، ولكن يلزم على أمناء العلم وحملة الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالموعظة الحسنة والقول اللّين فإنها أنجع وأنفع في تهذيب الأخلاق وإصلاح النفوس.
ووصيتي ونصيحتي ورغبتي وطلبتي من كافة إخواننا المؤمنين البصريين خصوصاً ومن في سائر الأقطار عموماً أمران مهمان:
(الأول): تنزيه المواكب الحسينية الشريفة من كل ما يشينها ويدلسها ويخرج بها عن عنوان مظاهر الحزن والفجيعة، إذ ليس الغرض من تكرار فاجعة الطف كل سنة بل كل يوم اللهو واللعب بقصة من الأقاصيص وعجيبة من الأعاجيب، بل في ذلك من الحكم السامية والأسرار المقدّسية ما يقصر عنه اللسان ويضيق به البيان، فاللازم تطهير تلك المواكب الشريفة عن كل ما يمس شرفها وكرامتها حتى يترتب عليها آثارها المشروعة وغاياتها الشريفة التي من أجلها وفي سبيلها بذل الحسين (أرواحنا فداه) نفسه وأفلاذ قلبه وأعز أهل بيته وأصحابه حتى جرى عليه من زوابع الفجائع ما لم يجر على بشر، ولا نحسبه يجري على أحد من بعده.
(الأمر الثاني) ـ ولعله أهم من الأول ـ: ألا وهو رفض هذه الخلافات والمشاجرات التي لا تعود إلا بالضرر المبيد والضعف المهلك علينا معشر المؤمنين إنما اللازم المحتم علينا سيما في مثل هذه الأعصار أن نكون يداً واحدة أمام العدو الذي لا يزال يجد ويدأب في هدم (بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه)(3) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book06/#3).
ولعمر الله والحق ـ لئن استمر هذا الحال من تخاذلنا وتضارب بعضنا ببعض وتكالب الأعداء علينا من كل حدب وصوب لنذهبن ذهاب أمس الدابر ولا يبقى لهذه الطائفة أثر ولا عين. فالله الله يا عبادي الله الصالحين في جمع الكلمة ولم الشعث وتدارك الخطر قبل فواته ورتق الفتق قبل اتساعه، ونبذ تلك المشاجرات المفرقة والمؤججة لنيران العداوة المحرقة على غير طائل.
كونوا يا عباد الله إخواناً في دين الله رحماء بينكم أشداء على أعدائكم ولا تعكسوا الآية، فإن ذلك أربح وأنجح وأفضل وأجمل في الدنيا والآخرة، والله سبحانه ولي التوفيق لنا ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأرجو أن يكون هذا القدر على اختصاره يغني عن تأليف الرسالة وعسى مع سنوح الفرصة أن يوفق الله سبحانه لذلك إن شاء الله.
17 صفر سنة 45
طبعت بالمطبعة الكاظمية في البصرة
وحيث لم تنحسم الشبهة، ولم تبرء العلّة، ولم تمسك ألسنة المعارضين بتلك البينات الشافية لذلك تظاهرت وتظافرت عليه البرقيات من عدة جهات يرقبون إليه في أن يكتب، ما هو أبسط من ذلك فعززهما بثالث لم يبق للشبهة مجالاً ولا للشك موضعاً وكتب بقلمه دامت بركاته ما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
(وله المجد والكبرياء)
إلى عموم إخواننا المؤمنين من أهالي البصرة ونواحيها ـ وفقهم الله جميعاً للعمل الصالح، والمتجر الرابح، والسعي الناجح إلى سعادة الدارين وفوز النشأتين إن شاء الله ـ بتوسط الأمجدين السيد هاشم البعاج والحاج داود العطية أدام الله لهما السلامة والكرامة.
سئلتم (أعزكم الله) في عدة برقيات وردت إلينا منكم ومراسلات تتابعت لدينا عنكم عن المواكب الحسينية ـ زاد الله شرفها ـ وعما يجري فيها من ضرب الرؤوس والصدور بالسلاسل والسيوف والإدماء وقرع الطوس والطبول والشبيه أو الخروج في الشوارع والأزقة بالهيئات المتعارفة والكيفيات المتداولة في أكثر بلاد الشيعة (نصرها الله) سيما في العتبات المقدسة دام شرفها.
التشكيكات:
ولعمري ما كنت أحسب أن هذا الموضوع يعرض على مطرقة النقد والتشكيك؛ أو يطرح في منطقة السؤال والترديد، كيف وقد مرت عليه الدهور والأحقاب وخضعت له أساطين الملة وأعلام الشريعة في جميع الأعصار والأدوار، وما أنكره منكر ولا اعترضه معترض، وهو بمرأى منهم ومسمع ومنتدى ومجمع؛ وقد كان يجري في القرن الماضي أزمنة السيد بحر العلوم وكاشف الغطاء (قدس الله أسرارهم) من التشبيهات التي كانت تمسى (الدائرة) ما هو أوسع وأشيع، وأكثر وأوفر، مما يجري في هذه العصور وفضلاً عن سكوت أولئك الأساطين كانوا يمدونهم بالمساعدة، ويعضدونهم بالحضور والمشاهدة وفي كشف الغطاء وجامع الشتات للمحقق القمي وغيرهما من أقرانهما ما يشهد بذلك أكبر شهادة.
دع عنك هذه الشواهد والمشاهد وانظر إلى المسألة من وجهها العلمي ومن حيث القواعد والأدلة.
(أما أولاً): فالأصول الأولية تقضي بإباحة جميع تلك الأعمال وعلى مدّعي الحرمة إقامة الدليل عليها والأصل مع المنكر ـ أي منكر الحرمة ـ ومطالبته بالدليل تضليل.
(وأما ثانياً): فكل واحد من تلك الأعمال على الإجمال مما يتخرج لمشروعيته وجه وجيه عند المتظلّع الفقيه من عمومات الأدلة ومحكمات القواعد المعقولة والمنقولة.
اللطم واللدم:
من ذا يشك ويرتاب في رجحان مواساة أهل البيت الرحمة وسفن النجاة والتأسي بهم في الأفراح والأتراح والضراء والسراء، أو من ذا يشك أن أهل البيت سلام الله عليهم قد لطموا في فاجعة الطف وجوههم، ولدموا صدورهم وقرح البكاء خدودهم وعيونهم، وفي زيارة الناحية المقدسة: (فبرزن من الخدور ناشرات الشعور لاطمات الخدود سافرات الوجوه) ولا تقل أن هذا مخصوص بيوم الطف وما قاربه، فقد روى الصدوق رضوان الله عليه أن دعبل لما أنشد الرضا (عليه السلام) تائيته المشهورة التي فيها: (إذاً للطمت الخدّ فاطم عنده الخ) لطمت النساء وعلا الصراخ من وراء الستر وبكى الرضا (عليه السلام) في إنشاد القصيدة حتى أغمي عليه مرتين..
فإذا جاز للرضا (عليه السلام) أن يتعرض لسبب الإغماء الذي هو أخ الموت، فلماذا لا يجوز لشيعته ضرب الرؤوس والظهور ولدم الصدور وأمثالها مما هو دون الإغماء بكثير؟
خروج المواكب في الطرقات:
بزغت شمس هذه الحقيقة المكنونة من عهدٍ يناهز الألف سنة أعني من زمن معز الدولة وركن الدولة حيث أمرا بخروج مواكب العزاء يندبون سيد الشهداء (سلام الله عليه) وبأيديهم المشاعل ليلاً حتى تعود بغداد وطرقاتها ضجة واحدة وذلك في أخريات القرن الرابع على ما ذكره ابن الأثير في كامله في مواضع وكان ذلك العصر الزاهي حافلاً بأكابر علماء مذهب الإمامية كالشيخ المفيد وابن قولويه والسيدين الإمامين المرتضى والرضي نور الله مراقدهم وكان ملوك آل بويه قيد إشارة أولئك الأساطين ورهن أوامرهم ونواهيهم وحسبك ما شاع وأخذ بمجامع الأسماع من أن السيد الرضي ورد لزيارة جده الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء في بعض السنين فرأى جماعة من الأعراب يعدون وهم ينوحون ويلطمون متهافتين للهجوم على الحائر الحسيني ـ أي كما هو المعروف من عزاء طويريج ـ فدخل في زمرتهم وانشأ في ذلك الحال على البديهة قصيدته الغراء المشهورة التي يقول في براعتها:


كربلا لا زالت كرباً وبلا ما لقى عندك آل المصطفى

ولولا خروج المواكب في الطرقات لبطلت الغاية وفسدت الثمرة وانتفى الغرض المهم من التذكار الحسيني بل ومن الشهادة الحسينية كما يعرفه كل متعمق في الأسرار.
وأما ترتب بعض المحرمات عليه من فتنة وفساد ومضاربة ومقاتلة فذلك لا يستوجب حرمة الخروج الراجح فإن حرمة الشيء لا توجب حرمة ما يقع فيه، ومن تغنّى في القرآن لا يقال له:
إن قراءة القرآن حرام، بل التغني بالقرآن حرام، فليس الخروج حراماً بل المضاربة والمقاتلة محرمة أينما كانت.
ضرب الرؤوس والظهور بالسيوف والسلاسل:
لا ريب أن جرح الإنسان نفسه وإخراج دمه بيده ـ في حد ذاته من المباحات الأصلية ولكنه قد يجب تارة وقد يحرم أخرى، وليس وجوبه أو حرمته إلا بالعناوين الثانوية الطارية عليه وبالجهات والاعتبارات فيجب كما لو توقفت الصحة على إخراجه كما في الفصد والحجامة، وقد يحرم كما لو كان موجباً للضرر والخطر من مرض أو موت وقد تعرض له جهة تحسنه ولا توجبه، وناهيك بقصد مواساة سيد أهل الإبا، وخامس أصحاب العبا، وسبعين باسل من صحبه وذويه، حسبك بقصد مواساتهم وإظهار التفجع والتلهف عليهم وتمثيل شبح من حالتهم مجسمة أمام عيون محبيهم، ناهيك بهذه الغايات و المقاصد جهات محسّنة وغايات شريفة ترتقى بتلك الأعمال من أخس مراتب الحطّة إلى أعلى مراتب الكمال.


(وإن الأولى بالطف من آل هاشم تأسّوا فسنّوا للكرام التأسيا)

أما ترتب الضرر أحياناً بنزف الدم المؤدي إلى الموت أو إلى المرض المقتضى لتحريمه، فذاك كلام لا ينبغي أن يصدر من ذي لب فضلاً عن فقيه أو متفقه.
(أما أولاً): فلقد بلغنا من العمر ما يناهز الستين وفي كل سنة تقام نصب أعيننا تلك المحاشد الدموية وما رأينا شخصاً مات بها أو تضرر ولا سمعنا به في الغابرين.
(وأما ثانياً): فتلك الأمور على فرض حصولها إنما هي عوارض وقتية، ونوادر شخصية، لا يمكن ضبطها و لا جعلها مناطاً لحكم أو ملاكاً لقاعدة، وليس على الفقيه إلا بيان الأحكام الكليّة،أما الجزئيات فليست من شأن الفقيه ولا من وظيفته.
والذي علينا أن نقول: إن كل من يخاف الضرر على نفسه من عمل من الأعمال يحرم عليه ارتكاب ذلك العمل.
ولا أحسب أن أحد الضاربين رؤوسهم بالسيوف يخاف من ذلك الضرب على نفسه ويقدم على فعله، ولئن حرّم ذلك العمل عليه فهو لا يستلزم حرمته على غيره.
وأما ما ورد في الأخبار وذكره الفقهاء في كتاب الحدود والديات من أقسام الشجاج (كالحارصة) وهي التي تقشر الجلد وفيها بعير (والدامية) وهي التي تأخذ من اللحم يسيراً وفيها بعيران وهلم جرّا إلى (الهاشمية) وفيها عشرة، فمعلوم أن المراد ما لو جناه إنسان على آخر عدواناً، لا ما إذا فعله الإنسان بنفسه، ضرورة أن الإنسان لا يملك على نفسه شيئاً، وهذا مما لا أظنه يخفى على جاهل فضلاً عن فاضل، هذا وأن بالأصل الذي شيدّناه من أن المباح قد تعرض له جهات محسّنة يتضح لك الوجه في جميع تلك الأعمال العزائية في المواكب الحسينية.
ضرب الطبول ونفح الأبواق وقرع الطوس:
كلها أمور مباحة، فإنك أيها السامع تحس وكل ذي وجدان أنها لا تُحدث لك بسماعها طرباً ولا خفةً ولا نشاطاً، بل وبالعكس توجب هولاً وفزعاً وكمداً وحزناً، فإذا قصد منها الضارب الإعلام والتهويل ونظم المواكب وتعديل الصفوف والمناكب، حسنت بهذا العنوان، ورجحت بذلك الميزان.
الشبيه ومواكب التمثيل:
مباح في حد ذاته ـ وإن كان بتشبيه الأدنى بالأعلى والسافل بالسامي، والشريف بالعامي وذي الميزة بالعادي، كيف لا وقد ألقى الله تعالى شبه نبيه وروحه عيسى (عليه السلام) على أبغض خلقه إليه (يهوذا الأسخر يوطى) الذي نمّ على عيسى وحثّ اليهود على صلبه. وكان أمين الوحي جبرائيل (عليه السلام) يتشبه بدحية الكلبي إذا حضر عند السدّة النبوية وتشبهت الملائكة بأمير المؤمنين (عليه السلام) يوم بدر.
وروى السيد ابن طاووس رضوان الله عليه في كتاب الإقبال في فضل زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) يوم المولود ما نصّه: وفي حديث عن الصادق (عليه السلام) وذكر زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: إنه يسمعك من قريب ويبلغه عنك من بعيد، فإذا أردت ذلك فمثّل بين يديك شبه القبر واكتب عليه اسمه وتكون على غسل ثم قم قائماً وقل أنت متخيّل بقلبك مواجهته (انتهى) إلى كثير من أمثال ذلك مما يضيق المقام عن تعداده كما يضيق المقام عن تعداد الحكم والمصالح والفوائد المترتبة على تلك المواكب التمثيلية، ولعلها أحد أسرار الشهادة ومُفادات الإمام (سلام الله عليه) بنفسه وبأعز الأنفس على وجه الأرض.
الدروس السامية:
إن تلك الأسرة السامية قد مثّلت للناس مقام استهانة النفس واحتقار هذه الحياة الفانية في جنب تلك الحياة السرمدية والسعادة الأبدية وبذل كل عزيز إزاء العزة والإباء، علّمت الناس البسالة والأقدام، والتفاني في الحفيظة، ومجانبة الخضوع والذلة، وما للنواميس الإلهية وللدين من القداسة والتعظيم الذي تهون عندها تلك الأرواح المقدسة، والأعراض المصونة، علّمت الناس قوّة العزائم التي تهون عندها العظائم وتسهل دونها المصاعب.
ولعمر الله الحق أن تعطيل تلك المظاهرات والمواكب لا يلبث رويداً حتى يعود ذريعة إلى سد أبواب المآتم الحسينية، عندها (لا سمح الله) لا يبقى للشيعة أثر ولا عين، ولتذهبن الشيعة ذهاب أمس الدابر، فإن الجامعة الوحيدة والرابطة الوثيقة لها هي المنابر الحسينية؛ والمآثر العلوية. وما تلك الهنابث والوساوس إلا من جراء هاتيك الدسائس ـ نزعة أموية ونزعة وهابية ـ يريدون إحياء ذكر بني أمية؛ وإزهاق الحقيقة المحمدية ـ (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)(4) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book06/#4).
ويحسن هنا أن نورد لك ما ذكره جدّنا الشيخ الأكبر في كتاب (كشف الغطاء) فإنه قد أحرز جوامع التحقيق، وتكفّل بإيصالك إلى الحقيقة من أقرب طريق.
قال (قدس سره) ما نصه: وأما بعض الأعمال الراجعة إلى الشرع ولا دليل عليها بالخصوص فلا تخلوا من أن تدخل في عموم الدليل، ويقصد بالإتيان بها الموافقة من جهته لا من جهة الخصوصية كقول: أشهد أن علياً ولي الله لا بقصد الخصوصية ولا بقصد النصوصية لأنهما معاً تشريع بل بقصد الرجحان الذاتي أو الرجحان الفرضي، لما ورد من استحباب ذكر اسم علي متى ذكر اسم النبي إلى أن قال:
وكما يصنع مقام تعزية الحسين (عليه السلام) من دق طبل إعلام، أو ضرب نحاس، وتشابيه صور، ولطم على الخدود والصدور، ليكثر البكاء والعويل، ثم ختم الفصل بقوله: وجميع ما ذكر وما يشابهه إن قصد به الخصوصية كان تشريعاً، وإن لوحظ الرجحانية من جهة العموم فلا بأس فيه ـ انتهى.
ولكنك عرفت مما قدمناه أن بعض تلك الأمور قد وردت فيه نصوص بالخصوص مثل اللطم واللدم فضلاً عن البكاء والعويل.
فذلكة المقام وخلاصة الفتوى:
إن واقعة الطف ـ وما جرى فيها من زوابع الفجائع ـ واقعة خرقت النواميس الطبيعية والغرائز البشرية فضلاً عن الشرائع الإلهية، وما رأت عين الدهر ولا سمعت واعية الأزمان بواقعة مثلها ولا تسمع بمثلها أبداً، وكما أنها أخذت بمجامع الغرابة والتفرّد في بابها فكذلك أحكامها غريبة الشكل، عديمة النظير، بديعة الأسلوب، متفردة في بابها.
الجزع والبكاء في المصائب مهما عظمت قبيح مكروه، ولكن صادق أهل البيت (سلام الله عليه وعليهم) يقول في حديث معتبر: البكاء والجزع كله مكروه إلا على الحسين (صلوات الله عليه).
شق الجيوب على الفقيد وخمش الوجوه محرم في الأشهر، ولكن صادق أهل البيت (سلام الله عليه) يقول في حديث وثيق: على مثل الحسين فلتشق الجيوب ولتخمش الوجوه ولتلطم الخدود.
إيذاء النفس وإدماء الجسد مرغوب عنه مذموم، سيما من الأعاظم وأرباب العزائم، والإمام الحجة (عجل الله فرجه) يقول في زيارة الناحية: فلأندبنك صباحاً ومساءً، ولأبكين عليك بدل الدموع دماً.
وقد سبقه إلى ذلك جدّه الإمام زين العابدين (عليه السلام) ففي بعض روايات المجلسي على ما يعلق ببالي من زمن متقادم: إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) كان أحياناً إذا قدم إليه قدح فيه ماء بكى حتى يملأه دماً.
وعلى هذه الوتيرة فاسحب وجرّ سائر الأعمال التي يؤتى بها بقصد الحزن والتوجّع لفاجعة الطف، وأنها لعمر الله باب الرحمة الواسعة وسفينة النجاة من كل هلكة، ومن ذا يقدر على سد باب رحمة الله؛ أو يقطع أعظم الذرائع والوسائل إلى الله.
ولكن رغبتي إلى إخواني المؤمنين ووصيتي إليهم ومسألتي منهم أمران:
(الأول): تنزيه تلك المواكب المقدّسة من كل ما يشينها ويدنّسها مما يوجب إلقاء الفتنة والفساد من المقابلة والتفاخر وحب الغلبة وتفوّق قبيل على قبيل وأمثال ذلك من الأخلاق الذميمة، فإن تلك الأعمال أعمال إلهية، ولها غايات روحية، فلا تدعوا للشيطان سبيلاً إلى إحباط أجرها ومحو أثرها وغاياتها.
(الثاني): وهو أهم وأعظم، ألا وهو المحافظة على اتفاق الكلمة ونبذ الخلاف والتفرّق، ولتكونوا يداً واحدة في حفظ هذه الجامعة المقدسة التي أوشكت أن تنحلّ عراها؛ وتضمحلّ قواها؛ ومن تدبّر في حالة الشيعة الحاضرة يجدها وخيمة العاقبة ذميمة المغبّة، تكاد تقضي على حياتها وتؤدي إلى هلاكها، يعرف ذلك أهله من ذوي التدبر والمعرفة.
وهذه حادثة المدينة وفاجعة أئمة البقيع كفى بها ذلاً وهواناً لنا معشر الإمامية، وكان يجب أن يكون هي الشغل الشاغل لنا عن كل خلاف ونزاع؛ وتنابذ وافتراق فالله الله يا عباد الله المؤمنين في جمع الكلمة، ولمّ الشعث، ورتق الفتق، ووحدة العدة والقوة، فإنها أربح وأنجح؛ وأفضل وأجمل في الدنيا والآخرة، وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
محاضرة زاهرة وكلمات باهرة:
ألقى علينا عمّنا الحجة والآية؛ وعلم الهداية؛ الشيخ السابق الذكر أدام الله ظله العالي؛ ذات يوم محاضرة نفيسة، وجدناها تتعلق أشد العلاقة بالفتوى المتقدمة فأحببنا إلحاقها بها، ونشرها هنا؛ وأن نضم ما صدر من فمه، إلى جنب ما صدر من قلمه، تعميماً للفائدة وخدمة للحقيقة، ونشراً للمعارف الدينية.
قال دامت بركاته: إن من أمعن النظر وسير غور الوقائع التاريخية في يده الديانة المقدسة الإسلامية وفلسفة نشوها وارتقائها، وانتشارها واعتلائها، وجد أقوى الأسباب العادية بعد العناية الربانية، هو سيف الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ومواقفه المشهورة، ومساعيه المشكورة، بحيث لولا كفاحه وصفاحه لما أخضرّ للإسلام عود، ولما قام له عمود، وكذلك من أعطى التدبر حقه وأمعن النظر في أسباب انتشار مذهب التشيّع، واتساع نطاقه، وارتفاع رواقه، لم يجد له سبباً حقيقياً، وسراً جوهرياً، سوى شهادة الإمام أبي عبد الله الحسين (صلوات الله عليه) بذلك الشكل الغريب، والوقع الهائل، ولولا شهادته (سلام الله عليه) لكانت الشريعة أموية، ولعادت الملة الحنيفية يزيدية، فحقاً أقول: ـ أن الإسلام علوي، والتشيّع حسيني.
أقول وحقاً ما أقول: ـ إن من ليس له حبل ولاءٍ خاص إلى علي (صلوات الله عليه) فليس من الإسلام على شيء، ومن ليس له حبل ولاءٍ خاص بالحسين (سلام الله عليه) فليس من التشيع على شيء.
ولعل من هنا تجد أن لكل شيعي علقة خاصة مع الحسين (عليه السلام) ليست له مع غيره من سائر الأئمة (سلام الله عليهم) مع أنه يعتقد بإمامتهم وفرض طاعتهم.
نعم، قد كان لنفس النبي (صلى الله عليه وآله) ولذات الأئمة (عليهم السلام) علقة خاصة بالحسين بخصوصه ليست لبعضهم مع بعض، فلقد كانت لهم لهجة خاصة بذكره، يعرفها من أنس بإخبارهم، ووقف على بعض أسرارهم، وهذه ميزة قد امتاز سلام الله عليه بها، ومزية قد تفرّد هو فيها، وكانوا جميعاً يشيرون إلى أن الحسين (عليه السلام) هو مستودع ذلك السر الإلهي الذي يستبين به الدين ويميّز الله به الخبيث من الطيب؛ والحق من الباطل. وما تبين الرشد من الغي، والهدى من الضلال، إلا الحسين (سلام الله عليه)، وإلا فقد ارتبك الأمر بعد النبي على عامة المسلمين واختلط الحابل بالنابل، والحق بالباطل، سيما بعد صلح أخيه الحسن (سلام الله عليه) الذي كان أيضاً بأمر من الله سبحانه، ولكن نهض الحسين (سلام الله عليه) تلك النهضة الباهرة فقشع سحب الأوهام؛ وانتزع النور من الظلام، وأصحر بالهدى لطالبه، وبالحق الضائع لناشده.
وهذه إحدى المزايا التي امتاز بها وتفرّد وكان من قبله من الأئمة ومن بعده يشيرون إليها، ويدلّون الناس عليها، وكانت نسبته إليهم في تلك على حد قول القائل:


ولست ترى في محكم الذكر سورةً تقوم مقام الحمد والكل قرآن

ويتفرّع من هذه المزية مزايا تفوت حدّ العدّ؛ ويحصر عنها لسان الحصر؛ كان من مزاياه التي انفرد بها؛ وامتاز عن غيره فيها:
أنه ربما رآه وكلّمه اعدى عدوٍ له ـ فانقلب أكبر محب له ـ.
وحسبك بحديث زهير بن القين وكان عثمانياً أبغض شيء إليه أن ينازل الحسين (عليه السلام) في منزل فما اجتمع به وكلمه بضع كلمات حتى طلّق الدنيا وزوجته وفداه بنفسه، ولا تحسب أن هذه من منفردات الشيعة ورواياتهم، فإن في كتب علماء السنة قد يوجد ما هو أعجب من ذلك.
هذا مجد الملك بن شمس الخلافة أحد وزراء العلماء في مصر، المتوفى في حدود الستمائة على ما ذكره ابن خلكان في ترجمته، ذكر في كتاب له ألّفه في محاسن المحاضرة وآداب المسامرة فقال: إن عصام بن المصطلق وكان شامياً أموياً قال:
دخلت المدينة فرأيت الحسين بن علي (سلام الله عليهما) ومعه غلمانه وحاشيته فاعجبني سمته ورواؤه؛ وحسنه وبهاؤه؛ وأثار الحسد ما كان يخفيه صدري لأبيه من البغض فجئت إليه وقلت له: أنت ابن أبي تراب؟ فقال: نعم.
فبالغت في شتمه وشتم أبيه.
فنطر إليّ نظرة عاطف رؤوف برقة ورحمة، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم، إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذّكروا فإذا هم مبصرون، وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون)(5) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book06/#5).
ثم قال لي: خفّض عليك، استغفر الله لي ولك، إنك لو استعنتنا لأعنّاك. ولو استرفدتنا لرفدناك، ولو استرشدتنا لأرشدناك.
قال عصام: فندمت على ما قلت وتوسّم مني الندم على ما فرض مني ـ فقال: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين)(6) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book06/#6).
ثم قال (عليه السلام): ـ أمن أهل الشام أنت؟
قلت: نعم.
فقال: شنشنة أعرفها من أخزم، حيّانا الله وإياك انبسط إلينا في حوائجك وما يعرض لك تجدنا عند أفضل ظنك إن شاء الله...
قال عصام: فضاقت عليّ الأرض بما رُحبت ووددت لو أنها ساخت بي، ثم انسللت من بين يديه لواذاً وما على وجه الأرض أحب إليّ منه ومن أبيه.
انتهى ما علق بخاطري من ذلك الكتاب وكم لهذه الواقعة من نظائر لا يسعها المقام ـ ولكن من عرف للحسين (عليه السلام) بعض هاتيك المزايا والخصوصيات لا شك أنه يستقل في عزائه الكثير، ويستحقر الأمر الخطير، ويرى دون ما يستحقه كل تلك الشعائر والمظاهرات، والمواكب والنزعات.
نعم وإذا كان الشامي الأموي بنظرة واحدة وكلمات معدودة يعود وما على وجه الأرض أحب إليه من الحسين وأبيه، فما عذر الشيعي في إبداء الوهم والتشكيك في المواكب الحسينية والشؤون العزائية؟
وأما والله لولا استمرار تلك الشعائر، وقيام أعواد هذه المنابر، واستدامة التوجّع والتفجّع، لانطمست أعلام التشيع؛ ولكني أختم كلمتي هذه بالآية الشريفة التي استشهد بها سلام الله عليه حيث قال: (إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون، وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون)(7) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book06/#7).
نسأله تعالى أن يمن علينا بنفوذ البصيرة، ونزع بذور الأغراض من لوح السريرة، لنرى الحقائق كما هي إن شاء الله والسلام.
انتهى ما ألقاه علينا من المحاضرة والخطبة شيخنا الحجة نفعنا الله بإفاداته، ومتعنا بطول بقائه إن شاء الله، والسلام عليكم أيها المؤمنون جميعاً ورحمة الله وبركاته.

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 01:11 PM
الإمام الخوئي (قدس سره)

ترجمة نص ما أفتى به سماحة المرجع الكبير آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (قدس سره) حول الشعائر الحسينية:
بسم الله الرحمن الرحيم
المنع من الشعائر المذهبية والتي من جملتها إقامة التعازي على الأئمة الهداة الطاهرين من أهل البيت (عليهم السلام) بالإضافة إلى أنه لا أساس له، مخالف لما ورد عنهم (عليهم السلام) من تشجيعها والحث عليها.
كما أنه لا تنافي بين نشر وتبليغ أهداف الإمام الحسين وسائر الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وبين ذكر مصائبهم، بل ذكر مصائبهم وإظهار الحزن والتأثر عليهم مؤكد لتحقيق أهدافهم، وذلك لما فيه من بيان ظلم الغاصبين لحقوقهم، والبراءة منهم، كما أن فيه الدرس الوافي للتعلم من سلوكهم ومظلوميتهم، والموالاة لهم، صلوات الله عليهم أجمعين.
16/ رجب الحرام / 1399 هجرية
الخوئي

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 01:13 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:


الإمام الحكيم (قدس سره)

نص ما كتبه سماحة الإمام المجاهد آية الله العظمى
السيد محسن الحكيم الطباطبائي


بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمد، ما سطره أستاذنا الأعظم (قدس سره) في نهاية المتانة، وفي غاية الوضوح بل هو أوضح من أن يحتاج إلى أن يعضد بتسجيل فتوى الوفاق، والمظنون أن بعض المناقشات إنما نشأت من انضمام الحزن على سيد الشهداء (عليه السلام) فالأمل بل اللازم والاهتمام بتنزيهها عن ذلك والمواظبة على البكاء والحزن من جميع من يقوم بهذه الشعائر المقدسة، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
2محرم الحرام 1367
محسن الطباطبائي الحكيم

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 01:14 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:


الإمام الحائري (قدس سره)

الترجمة الحرفية لما جاء في رسالة (منتخب الأحكام) لسماحة آية الله الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري (قدس سره) والمطابق لفتوى سماحة آية الله السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزيدي (قدس سره) في المتفرعات، حول التطبير وشدخ الرؤوس بالقامات في عزاء الإمام الحسين (عليه السلام):
سؤال: شدخ الإنسان رأسه بالقامات في يوم عاشوراء جائر أم لا؟.
جواب: جائز، إذا لم يكن مضراً بالنفس.

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 01:15 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:


فتوى الإمام الأصفهاني (السيد أبو الحسن) (قدس سره)

(س) في إقامة عزاء الحسين (عليه السلام) في المسجد بهذه الكيفية: وهي بأن تلبس الجدران بالسواد، وتعليق المصابيح، وفرش المسجد، وجعل أسباب الشاي والنركيلة وإقامة الخيمة، ودقّ المسامير في حيطان المسجد، هل يجوز مثل هذه التصرفات في المسجد، وإقامة العزاء؟ وهل يجوز اجتماع الناس هناك لذلك؟
(ج) الظاهر أن التصرفات التي لا تضر بالمسجد عرفاً، و لا تمنع عن الصلاة لا مانع منها.
(أنيس المقلدين/ الصفحة 63/مطبعة علمي طهران 1324هـ).

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 01:16 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:





الإمام الأنصاري (قدس سره)

وجاء في كتاب (سرور العباد) الرسالة العملية لسماحة آية الله العظمى الشيخ مرتضى الأنصاري (قدس سره) المحشّاة بحاشية سماحة آية الله المجدد الميرزا الشيرازي الكبير السيد محمد حسن (قدس سره):
جواز ورجحان التطبير الذي لا يوجب ضرراً على النفس قال في سرور العباد ـ آخرها الصفحة الثانية من المسائل المتفرقة (طبعة مطبعة آقا مهدي تبريزي عام 1304 هـ) ما ترجمته بالعربية:
(مسألة في إقامة عزاء الحسين (عليه السلام) إذا أورد شخص الجرح بمثل السيف ونحوه على نفسه ولم يكن مضراً جائز).
وجاء في كتاب (رنة الأسى بمراسم العزاء لسيد الشهداء) للشيخ عبد الله السبيتي (رحمه الله) نقلاً عن سماحة آية الله الميرزا علي الشيرازي نجل الميرزا الكبير الشيرازي (قدس سرهما): إنه كان يدفع بأمر من والده (قدس سره) ثمن الأكفان لمواكب التطبير في سامراء من أموال والده (قدس سره) الخاصة.

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 01:17 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:





الإمام الشيرازي (قدس سره)

نص ما كتبه سماحة المغفور له آية الله العظمى
الشيخ محمد كاظم الشيرازي


بسم الله الرحمن الرحيم

ما أفتى به أعلى الله مقامه صحيح
الأحقر
محمد كاظم الشيرازي

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 01:18 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:





آية الله البحراني (قدس سره)

ملخص ما أفتى به سماحة آية الله الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق (قدس سره) من كتاب الصلاة: لباس المصلي من الحدائق ج7 ص 118 بمناسبة ارتداء الملابس السود على الإمام الحسين (عليه السلام).
(ارتداء الملابس السود لأجل الإمام الحسين (عليه السلام) مستحب، ولا كراهة في الصلاة معها).

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 02:10 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:




الإمام الحمّامي (قدس سره)

نص ما كتبه سماحة المغفور له آية الله العظمى
السيد حسين الحمامي الموسوي


بسم الله الرحمن الرحيم

ما أفتى به الشيخ (قدس الله سره) صحيح شرعاً إن شاء الله تعالى.
الأحقر
حسين الموسوي الحمامي

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 02:11 PM
(1)

الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:



الإمام الخوئي (قدس سره)

نص ما كتبه سماحة الإمام آية الله العظمى
الحاج السيد أبو القاسم الخوئي


بسم الله الرحمن الرحيم

ما أفاد شيخنا الأستاذ (قدس سره) في أجوبته هذه عن الأسئلة البصرية هو الصحيح، ولا بأس بالعمل على طبقه، ونسأل الله تعالى أن يوفق جميع إخواننا المؤمنين لتعظيم شعائر الدين والتجنب عن محارمه.
الأحقر
أبو القاسم الموسوي الخوئي

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 02:12 PM
(1)

الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:




الإمام الشاهرودي (قدس سره)

نص ما كتبه سماحة آية الله العظمى
الإمام السيد محمود الشاهرودي


بسم الله الرحمن الرحيم

ما حرّر هنا شيخنا العلامة قدس الله تربته الزكية من الأجوبة عن المسائل المندرجة في هذه الصحيفة هو الحق المحقق عندنا، ونسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين لإقامة شعائر مذهب الإمامية، والرجاء من شبان الشيعة، وفقهم الله تعالى، أن ينزهوا أمثال هذه الشعائر الدينية من المحرّمات التي تكون غالباً سبباً لزوالها، إنه ولي التوفيق.
30 ذي الحجة الحرام سنة 1366هـ
محمود الحسيني الشاهرودي

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 02:12 PM
(1)

الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:






الإمام الشيرازي (قدس سره)

نص ما كتبه سماحة المغفور له الإمام آية الله العظمى السيد ميرزا عبد الهادي الشيرازي


بسم الله تعالى

ما ذكره قدس سره، في هذه الورقة، صحيح إن شاء الله تعالى
الأقل
عبد الهادي الحسيني الشيرازي

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 02:13 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:





الإمام الكلبايكاني (قدس سره)

نص ما كتبه سماحة المغفور له آية الله
السيد جمال الدين الكلبايكاني


بسم الله الرحمن الرحيم

ما حررّه شيخنا الأستاذ أعلى الله مقامه في هذه الورقة صحيح ومطابق لرأيي.
الأحقر
جمال الدين الموسوي الكلبايكاني

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 02:14 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:






الإمام المازندراني (قدس سره)

ترجمة نص ما جاء في كتاب (ذخيرة المعاد) الرسالة العملية الجامعة لفتاوى سماحة آية الله الحاج الشيخ زين العابدين المازندراني (قدس سره) حول الشعائر الحسينية:
الشبيه ومواكب التمثيل
سؤال: هل الشبيه الذي هو نوع من أنواع عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) المداول عندنا، وذلك بأن يقوم أحد بدور شمر بن ذي الجوشن، والآخر بدور عقيلة النبوة زينب (عليها السلام) مثلاً، مع أنه رجل، جائز أم لا؟.
جواب: لا بأس به بل هو ممدوح ما لم يشتمل على محرّم خارجي مثل الغناء ونحو ذلك.
المواكب الحسينية السيّارة
سؤال: لقد جرت العادة في بعض بلاد الهند، بخروج مواكب سيّارة في اليوم السادس والسابع من شهر محرم الحرام تحمل معها إعلام العزاء، وآلات اللهو من مثل الطبل والصنج، والدف والناي، يصحبها خلق كثير من الناس، وهم يتنقلون من دار إلى دار، ومن مأتم إلى مأتم، وكلما دخلوا في مأتم، بدأوا بضرب الطبول والدفوف والصنج والناي، حتى يفرغ المعزوّن من اللطم والعزاء.
فما هو حكم الاشتراك في هذه الأمور والتعاون مع أهل العزاء في هذه المآتم والمواكب السيارة، علماً بأن الغرض الوحيد منها، هو تجديد ذكريات عاشوراء وإثارة الحزن والأسى على الإمام الحسين (عليه السلام) وليست الوسائل والالآت تلك، إلا رمزاً للعزاء وإشعاراً به، فهل هو جائز أم لا؟.
جواب: الاشتراك في هذه المواكب الحسينية، وتكثير سواد أهل العزاء، مع غض النظر على أن كل واحد من البكاء والإبكاء، والرقة والحزن على الإمام الحسين (عليه السلام) مطلوب ومحبوب، موجب للأجر والثواب.
وأما ضرب الآلات المذكورة، فهي محرمة إن قصد منها مجرد اللهو والعبث، وأما لو كانت لأجل تصوير واقعة الطفوف والأعلام الحربي لهم، كما هو المعروف من أن كل فرقة من الجيش الأموي كانت تصل كربلاء، كانت تطبّل وتزمّر، إعلاناًَ بوصول قوّات جديدة، وفرحاً بازديادهم وتكاثرهم، فهو مما لا ضرر ولا إشكال فيه لأنه حكاية عن فعل الجيش الأموي، لا ابتغاءً للسرور والفرح.
وفقنا الله جميعاً إلى يوم القيامة، لإقامة العزاء على أولاد خير الأنام (عليهم أفضل التحية والسلام).
ضرب الطبل والصنج
سؤال: الطبل والصنج المعدّ لخصوص مواكب عزاء الإمام الحسين (عليه السلام)، ونظمها واجتماع الناس لها، بحيث لم تصنع إلا لهذا الهدف، حتى صار العرف لا يطلق عليها بأنها آلات لهو، بل يراها من وسائل التعزية وإثارة الحزن على الإمام الحسين (عليه السلام)، مما دعا بعضهم استعمالها في مصائب أعزّائهم من المرحومين، فهل هو جائر أم حرام؟.
جواب: لا ضرر ولا إشكال فيه بل هو مطلوب ومحبوب.
التظاهر بالعزاء وارتداء السواد
سؤال: التوّجع والتأوّه، والضرب على الرأس والصدر في مجالس عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) وسائر الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، حزناً عليهم، وتألماً لهم، وكذلك ارتداء السواد وما يشعر بالحزن والحداد طبعاً ما عدا العمامة والعباء على الإمام الحسين (عليه السلام)، هل هو جائز شرعاً أم لا؟ وإذا لم يكن جائزاً، فمن يقوم بتلك الأعمال هل يعدّ عاصياً أم لا؟.
جواب: لا ضرر ولا إشكال فيه، وليست بمعصية، بل هو مستحب.
قراءة لسان الحال
سؤال: بيان مصائب الإمام الحسين (عليه السلام) وفضائله، وكذلك بقية الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بلسان الحال، أو بمقتضى الحال، أو بما يقوم عليه شاهد الحال وقرائنه، هل هو جائر أم لا؟
ثم الذي يقرأ لسان الحال، هل يجب عليه أن ينبّه المستمعين بأن ما يقرأه هو من لسان الحال أم لا؟ وكذلك هل يجوز للخطيب أن يذكر الأحاديث والأخبار والقصص التاريخية في فضائل المعصومين (عليهم السلام) ومناقبهم، أو مصائبهم وأحزانهم، وإن رآها في كتب غير معتبرة، أو سمعها من خطيب آخر بإسناد، أو بلا إسناد، وإذا قرأها هل يعدّ بذلك عاصياً أم لا؟.
جواب: بيان المصائب والمناقب بلسان الحال جائز، لكن بشرط أن يكون مناسباً لمقام الإمام (عليه السلام)، وأن يكون منافياً لقدسيتهم، وعلى الخطيب أن يأشر بأنه لسان الحال، ويظهر في تعبيره ما هو مشير إلى ذلك، وأن يسند ما يرويه أو يقصه سواء كان قد رآه في كتاب معتبر أو غير معتبر لكن ليس عليه أن يذكر اسم الكتاب أو يعيّنه.
الشعر والنثر في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام)
سؤال: قراءة القصائد، أو النثر المشتمل على فضائل أو مصائب أهل البيت والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وكذلك الحاوي على وصف الشجاعة والشهامة والفرس والسيف، والنبل والرمح، وهكذا المتضمن ما يثير عواطف المستمعين ويجهشهم بالبكاء من مثل قوله: (وهاتف الغيب صرخ منادياً) أو: (فانبرى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو علي (عليه السلام) أو فاطمة (عليها السلام) ليقول كذا...) والحال أنه لم يكن في الحديث والرواية شيء من ذلك، فهل هو جائز أم لا؟.
جواب: قصائد المدح والرثاء على الأئمة المعصومين (عليهم السلام) مما لا ضرر ولا إشكال فيه، ولو أن في بعض الأخبار ورد النهي عن الشعر في يوم الجمعة حتى مع التصريح بأنه ولو كان في مدح الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، لكنها معارضة بأخبار أقوى مما لا تدع مجالاً للضرر والإشكال فيه.
وما يقرأه الخطيب أو الشاعر من شعر أو نثر وهو مناسب لمقام أهل البيت والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وداخل في لسان الحال، فهو لا ضرر ولا إشكال فيه، وإلا كان بلا معنى ولزم نصب القرينة على ذلك.
مشاركة العامة في مجالس الإمام الحسين (عليه السلام)
سؤال: المتعارف في بلاد الهند حيث تقام في عشرة عاشوراء مجالس العزاء على الإمام الحسين (عليه السلام)، أن يشترك فيها الشيعة والسنة، علماً بأن في السنّة والعامة من يشترك عن اعتقاد صادق، ليسمع المصائب التي يذكرها الخطيب، ومنهم من يشترك ليسمع قصائد الرثاء ويطلع على الفن الشعري الجميل، ومنهم من يشترك ليتفرج على المعزين وكيفية العزاء وكثرة المشتركين ومدى عظمتها وشوكتها، ومنهم من يشترك في العزاء عن اعتقاد صحيح ليعزّي الرسول بابنه الحسين (عليه السلام) أو لعادته في الحضور كل عام، وغير ذلك.
هذا وقد ثبت في الأخبار أن فاطمة (عليها السلام) وسائر الأئمة المعصومين (عليهم السلام) يحضرون مجالس عزاء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) فهل مشاركة هؤلاء يمنع من حضورهم (عليهم السلام) أم لا؟ وإذا كان ذلك مانعاً، فهل ينقص من ثواب المجلس وأجره أم لا؟.
ثم إذا كان من يقيم المجلس له القدرة على منع هؤلاء من المشاركة، وهو مع ذلك لا يمنعهم، فهل هو سبب في عدم حضورهم (عليهم السلام) في المجلس، والذي يسبب عدم حضورهم هل هو عاصٍ عند الله أم لا؟ وهل يثاب على إقامة هذا المجلس أم لا؟
جواب: في اعتقادي ـ طبعاً حسب ما يستفاد من الروايات ـ إن من يحضر في مجالس عزاء الإمام الحسين (عليه السلام)، حتى ولو كان كافراً ملحداً، ليس لأحد منعه، فإنه وإن مات على كفره، يخفف الله عنه من عذابه لأجل حضوره هذا، وإن عاش وسّع الله تعالى عليه في رزقه، أو عوّضه عن ثواب حضوره بقضاء حوائجه الدنيوية، أو صار ذلك سبباً وباعثاً إلى هدايته وإسلامه، وإذا لم يكن ذلك الكافر الذي حضر مجلس عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) له قابلية شيء من ذلك، عوّض به عن ذلك في آبائه وأمهاته، أو أجداده وجداته، أو أولاده وأحفاده، وهكذا فإن الله غفور شكور.
ثم أن مجيء الكافر لا يمنع من حضور الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، بل إنهم يفرحون بمشاركتهم. كما أن منعهم لم يكن معصية إذا كان صاحب المجلس مانعاً لهم، ولكنه ليس حسناً، وإلا فمنعهم معصية.
الإطعام في مجالس عزاء الإمام الحسين (عليه السلام)
سؤال: الإطعام والمأكولات التي توزع في مجالس عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) على المشاركين والحاضرين من الفقراء والمؤمنين، هل يضاعف في ثوابها وأجرها، أم تساوي مجرد الخيرات على الفقراء والمساكين في غير ذلك؟.
جواب: الإطعام للحاضرين في مجالس عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) من الفقراء والمؤمنين وباسم التعزية أكثر ثواباً وأجراً.
الإمام الحسين (عليه السلام) سفينة النجاة
سؤال: ما هو رأيكم فيمن يشترك في مجالس عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) ويبكي على مصابه، ويذهب إلى زيارته، ويُظهر حبه وإخلاصه لأهل البيت والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، لكنه يتسامح في أمور دينه، ويتساهل في التزامه بها، بحيث تفوته بعضها أحياناً، فهل بكاؤه هذا وإظهار إخلاصه، وولائه لأهل البيت والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) ينفعه حالة نزعه وموته. وفي قبره وبرزخه، وفي قيامته ومحشره؟ وهل يكون سبباً لنجاته من النار، وفوزه بالجنة، ونيله شفاعة الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) أم لا؟
ثم إذا لم تنله شفاعة الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، فلا يعني هذا، أن شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) التي كانت من أسرارها شفاعة المذنبين من أمة جده الرسول (صلى الله عليه وآله) أصبحت فاقدة لهذا السر العظيم؟.
جواب: طبعاً ـ حسب ما تضمنته الروايات ـ إن الله يغفر لمثل هؤلاء ببركة العزاء والبكاء، والإخلاص في المحبة لسيد الشهداء (عليه السلام)، وتنالهم شفاعته (عليه السلام) قطعاً، حتى إنه جاء في الحديث: إن من بكى على الإمام الحسين (عليه السلام) فخرجت من عينيه بمقدار جناح الذباب من الدموع، استحى الله جلّ جلاله أن يعذبه بالنار.
وجاء في حديث آخر: إن الحسين (عليه السلام) باب من أبواب الجنة

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 02:16 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:






الإمام المامقاني (قدس سره)

نص ما كتبه المغفور له سماحة الإمام
آية الله العظمى المامقاني
في رسالة خاصة
كتبها جواباً على سؤال وُجه إليه بهذا الصدد


بسم الله الرحمن الرحيم

(لا تنبغي الشبهة في هذه الأمور، بل لو أفتى فقيه متبحر بوجوبها كفاية ـ في مثل هذه الأزمنة، التي صمم فيها جمع على إطفاء نور أهل البيت ـ لا يمكن تخطئته...
وكل هذه الشعائر تسبب هداية جماعات كبيرة من غير المسلمين حتى أنهم قد يشاركون المسلمين في إقامة هذه الشعائر، بالمساعدات النقدية والعينية.
بل قد اعتاد في بعض بلاد الهند: أنهم يضرمون ناراً شديدة الحرّ ويحملون (قبة قاسم) فيدخلون من جانب ويخرجون من جانب، دون أن تؤثر النار فيهم أو في (القبة).
جزى الله من أنشأ اللطم والشبيه ونحوهما خيراً من أنفسهم خيراً من الإسلام...).

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 02:17 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:






الإمام المجدد الشيرازي (قدس سره)

أضاف أيضاً، نقلاً عن سماحة آية الله الشيخ جواد البلاغي (قدس سره) كما في كتاب (نصرة المظلوم) للشيخ إبراهيم حسن آل المظفر (رضي الله عنه):
أن مواكب التطبير كانت تجتمع في بيت سماحة آية الله الميرزا محمد حسن الشيرازي الكبير (قدس سره) وكانوا هناك يجرحون رؤوسهم ويشدخونها بالقامات ثم يخرجون منها والدماء تسيل من رؤوسهم على أكفانهم، كما أن الميرزا (قدس سره) كان قد تعهد بدفع ثمن أكفانهم التي يلبسونها في عزاء التطبير(2) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book06/#2).

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 02:18 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:





آية الله المدد (قدس سره)

نص ما كتبه سماحة المغفور له آية الله
السيد علي مدد الموسوي القايني


بسم الله الرحمن الرحيم

ما رقمه الأستاذ الأعظم طاب ثراه هو الحق الذي لا يشك فيه إلا المرتابون.
الأحقر الجاني
علي مدد القايني

wesam
22-04-2006, 03:47 PM
الله يجزاك خير يابنت العمران

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 05:18 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:








آية الله المرعشي

ترجمة نص ما صرّح به آية الله السيد كاظم
المرعشي (مد ظله) في تعليقه على استفتاء حول ما أفتى به سماحة آية الله النائيني (قدس سره) فيما يرتبط بإقامة الشعائر الحسينية:


بسم الله الرحمن الرحيم

ما أفتى به سماحة الأستاذ المحقق المرحوم آية الله العظمى النائيني (قدس سره الشريف) في رجحان وجواز إقامة عزاء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) بصورها المختلفة، في أعلى مراتب الصحة، ولا يشوبه شك ولا ترديد إلا من أعداء الدين، وإغواء الشياطين، وعلى محبي أهل البيت ومواليهم وشيعتهم، أن لا يقعوا عرضة لهذه التسويلات، بل عليهم أن يشتدوا في مقابل ذلك حماساً ونشاطاً في إقامة الشعائر الحسينية، وخصوصاً مجالس التعزية والقراءة، فإنها توجب الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة.
والله هو الهادي إلى الطريق المستقيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
1 شعبان المعظم 1401هـ
سيد كاظم المرعشي




و: آية الله المرعشي

ترجمة نص ما تفضل به سماحة آية الله السيد مهدي المرعشي (مد ظله) من الجواب على استفتاء حول ما أفتى به:
آية الله النائيني (قدس سره) فيما يتعلق بإقامة الشعائر الحسينية:


بسم الله الرحمن الرحيم

إقامة عزاء سيد الكونين أبي عبد الله الحسين (روحي وأرواح العالمين له الفداء) فرع مضيء من الأنوار الملكوتية، وشعار مبارك من الشعائر الإلهية.
وقد أثبت التاريخ أن مذهب التشيع هو المذهب الوحيد من بين المذاهب الإسلامية، الذي استطاع عبر إقامة الشعائر الحسينية من تحكيم موقعية الدين الإسلامي المبين، والترويج لأحكام سيد المرسلين، ونشر المذهب الجعفري وإيصال صداه إلى العالم الإسلامي، وإحياء القسط والعدل، وإدانة الظلم والعدوان، وإبادة المفسدين والظالمين وأعوانهم في القرون الماضية، وكذلك في الحاضر وسيظل ويبقى في القرون الآتية.
وإن ما أفاده الأستاذ سماحة آية الله العظمى الحاج ميرزا حسين النائيني (قدس سره) في هذا المجال إنما هو في الحقيقة نفحة من نفحات الرحمان، فقد صدر من أهله ووقع في محله.
وعلى المؤمنين أن يسعوا غاية جهدهم في متابعة ما أفتى به سماحته، وتطبيقه كاملاً وبحذافيره، دون أي تقصير.
والسلام على من اتبع الهدى.
9 شعبان المعظم 1401هـ
سيد مهدي المرعشي

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 05:19 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:






آية الله المظفر (قدس سره)

نص ما كتبه سماحة المغفور له آية الله
الشيخ محمد حسن المظفر
بسم الله وله الحمد
ما أفاده (قدس الله سره) صحيح لا إشكال فيه والله الموفق.
محمد حسن بن الشيخ
محمد المظفر

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 05:21 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:






آية الله النوري

ترجمة نص ما أجاب به آية الله الشيخ يحيى النوري (مد ظله) من طهران، في سؤال عن نظره بالنسبة إلى فتوى آية الله النائيني (قدس سره) فيما يتعلق بإقامة الشعائر الحسينية:


بسم الله الرحمن الرحيم

ما أفتى به أستاذ الفقهاء والمجتهدين، المرحوم آية الله النائيني (أعلى الله مقامه) هي فتوى جامعة ومقبولة.
25/ذي الحجة الحرام/1397 هجرية
العبد يحيى النوري
وقد كتب جماعة كبيرة من عظماء الفقهاء فيما سبق ما يخص بالموضوع ولا يسع المجال لذكر كل ما كتبوه بهذا الصدد، فإليك بعض ما كتبوه (قدس الله أسرارهم):

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 05:22 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:







آية الله شلال (قدس سره)

نص ما كتبه سماحة المغفور له الزاهد الورع المحدث آية الله العلامة الكبير الشيخ خضر بن شلال (قدس سره)
في كتابه (أبواب الجنان)
في الفصل السادس، من الباب الرابع من كتاب (أبواب الجنان) للشيخ خضر بن شلال العفكاوي (قدس سره) جاء ما يلي:
(الذي قد لا يشك في دلالة الأخبار المتواترة والآثار المتظافرة على مزيد استحباب اللطم على الرؤوس والصدور ولبس السواد وإظهار الجزع ونحوه.
(مما) قد يتخيل منع ما اشتمل على اللطم وصورة الرقص والجزع منه وهو في غير محله (ودعوى) وجود الدليل على حرمة اللطم والرقص والجزع في حيز المنع (كدعوى) إن اللطم المشتمل على الجزع وضرر النفس وصورة الرقص محرّم حتى في تعزية الحسين (عليه السلام) التي قد يستفاد من النصوص ـ التي منها ما دل على جواز زيارته ولو مع الخوف على النفس ـ جواز اللطم عليه والجزع لمصابه بأي نحو كان، ولو علم أنه يموت من حينه فضلاً عما لا يخشى منه الضرر على النفس التي قد تكون عند كثير من الناس أهون من المال الذي قد قامت ضرورة المذهب على مزيد فضل بذله في مصابه وزيارته.
(وكفاك) لطم بنات الحسين (عليه السلام) وأخواته، وخمش وجوههن وشق جيوبهن وإظهار الجزع مع احتمال عصمة بعضهن وعدم النكير شاهد ذلك من ذوي العصمة (والسيرة) القائمة على لطم الرؤوس والصدور على نحو يشبه الرقص الذي لا يحرم منه إلا ما دخل في اللهو الخارج عنه اللطم على أهل البيت (عليهم السلام) المقطوع بخروج اللطم عليهم والجزع لمصابهم عما قد يدل بعموم على حرمة اللطم والجزع الذي قد مر تصريح الصادق (عليه السلام) بكراهيته ما خلا مصاب الحسين (عليه السلام) (مع) أنه لا أقل من الشك الذي يرجع معه إلى الأصول والقواعد الحاكمة بجواز ذلك كله.. الخ)(1) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book06/#1).

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 05:23 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:







الإمام الطباطبائي اليزدي (قدس سره)

ترجمة نص ما أفتى به سماحة آية الله السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي صاحب العروة الوثقى (قدس سره) وذلك في حاشية وملحق في آخر الرسالة العملية لآية الله الشيخ جعفر الشوشتري (قدس سره) ضمن أسئلة وأجوبة حول الشعائر الحسينية، جاء في الصفحة 12 منها ما يلي:
لا يبعد رجحان ارتداء الملابس السود في شهر محرم، حداداً على الإمام الحسين (عليه السلام) وإظهاراً للحزن عليه، وذلك لرجحان الحزن والتحزن في تلك الأيام، وهو يتحقق بمظهر السواد وارتداء الثياب السود.
ومن ذلك الرجحان يظهر أن دلالة القائلة بكراهة ارتداء الثوب الأسود، تعني غير المستثنيات من الكراهة، ومنصرفة عن مثل الحزن وإظهار التحزن على الإمام الحسين (عليه السلام).
هذا بالإضافة إلى وجود بعض الأخبار الخاصة الدالة في بعض الروايات، على أن أهل البيت (عليهم السلام) كانوا قد ارتدوا الملابس السود حزناً على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، وحتى بعث لهم المختار برأس عبيد الله بن زياد لعنة الله عليه.
ومن هذا يعلم أنه حتى لو فرضنا عموم الكراهة من الأدلة، فهذا الحديث مخصص لذلك العموم، ومخرج للسواد على الإمام الحسين (عليه السلام) من الكراهة.
والحاصل: إن الكراهة غير معلومة، بل أن الرجحان غير بعيد. والله العالم.

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 05:24 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:






الإمام كاشف الغطاء الكبير (قدس سره)

كتب سماحة الإمام المغفور له آية الله العظمى
الحاج الشيخ جعفر كاشف الغطاء الكبير
في كتابه (كشف الغطاء) ونصه:
(... وأما بعض الأعمال الراجعة إلى الشرع، ولا دليل عليها بالخصوص فلا تخلو من أن تدخل في عموم الدليل، ويقصد بالإتيان بها الموافقة من جهته لا من جهة الخصوصية... إلى أن قال: كما يصنع في مقام تعزية الحسين (عليه السلام) من دق طبل إعلام أو ضرب نحاس وتشابيه صور، ولطم على الخدود والصدور ليكثر البكاء والعويل).

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 05:25 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:









الإمام كاشف الغطاء (قدس سره)

نص ما كتبه سماحة المغفور له آية الله المصلح
الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء


بسم الله الرحمن الرحيم

ما أفاده أعلى الله مقامه من ذكر فتاواه صحيح إن شاء الله.
محمد الحسين آل كاشف الغطاء.

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 05:26 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:






فتوى الإمام الكلبايكاني (السيد جمال الدين) (قدس سره)

(س) هل تشبه الناس ـ في مقام إقامة العزاء على الحسين (عليه السلام) ـ بواحد من الأئمة الأطهار (عليهم الصلاة والسلام)، أو أولادهم، لإكثار إبكاء الناس جائز أم لا؟
والذين يقولون لهؤلاء: أنتم تغضبون الأئمة الأطهار (عليهم الصلاة السلام) بذلك، مع أن مقصودهم إزالة الشعائر الإسلامية.
وفي خصوص الطبل والدمّام والصنج هل تجوز لجمع الناس في هذه الشعائر أم لا؟
(ج) الظاهر عدم الإشكال في (الشبيه)، بل هو داخل في عنوان: (الإبكاء) الذي ورد فيه: (من أبكى أو بكى أو تباكى وجبت له الجنة).
والحاصل أنه: حيث أن الغرض من: (الشبيه) تجسيم واقعة كربلاء، وتمثيل مظلومية (مظلوم كربلاء) (عليه وعلى آبائه آلاف التحية والثناء) على عامة الناس، وأعلام ظلم بني أمية ـ عليهم لعائن الله ـ على الملأ العام، وإبكاء الناس، فهذه أمور مندوبة في الشرع المقدس، بل هي من الشعائر الدينية.
ولا مجال للوسوسة وإبداء الإشكال فيها من الشيعة (إلا من كان في قلوبهم مرض).
نعم يجب في كل ما يتعلق بسيد الشهداء (عليه السلام) من الشبيه، والمواكب، وغير ذلك، تنزيهها من المحرمات الإلهية والمعاصي.
وأما الطبل والدمّام بغرض الإعلام، وتهييج الناس والتذكير بطبل المخالفين لأهل البيت في كربلاء كلما كان يصل جيش جديد لهم.
ففي الخبر كانوا إذا وصل عدد جديد لجيش عمر بن سعد ـ لعنه الله ـ يطبلون ويهلهلون ويفرحون.
هذه كلها للحسين (عليه السلام) لا مانع فيها.
نظير الدمام للحرب التي لا مانع فيها ـ كما ذكره الفقهاء (رضوان الله عليهم) ـ.
(ذخيرة العباد/الصفحة 260/طبع: مطبعة الزهراء في النجف الأشرف /1368هـ).

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 05:27 PM
الإمام المحقق النائيني (قدس سره)

لقد وجّه أهالي البصرة برقيات استفتائية إلى سماحة المغفور له آية الله العظمى، رئيس الفقهاء العظام، الشيخ محمد حسين النائيني، أعلى الله مقامه، فأجاب بما يلي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:
بعد السلام على إخواننا الاماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم.
وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً. وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكون ذلك موجباً لحرمته ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقدراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.
الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية نحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم.
5 ربيع الأول سنة 1345هـ
حرره الأحقر
محمد حسين الغروي النائيني
وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقية العلماء الأعلام فعلقوا عليها بما يلي:








الإمام الميرزا القمي (قدس سره)

ما أفتى به سماحة آية الله الميرزا أبو القاسم القمي صاحب القوانين (قدس سره) المتوفى عام 1231 هجرية ومرقده الشريف بمقبرة (شيخان) في مدينة قم المقدسة، حول السؤال على مجالس الشبيه والتمثيل والتمثيلية لحوادث عاشوراء المؤلمة ومراسيمها في أيام محرم، حيث قد أفتى سماحته بجوازه ورجحانه واستحبابه المؤكد مع كل ما هو متداول فيه. فقد جاء في كتاب (جامع الشتات) ج2 ص750 ما ترجمته بالعربية:
(سؤال) في ولاية تركستان في شهر محرم نصنع الشبيه لأجل أن يبكي العوام... هل هذا مضر أم لا؟
(جواب) صنع الشبيه لأجل البكاء، بأن يتشبه شخص بصورة الشهداء، أو الكفار والأشقياء ظاهراً ليس فيه ضرر الخ.
ثم أنه قد فصل ذلك فيما يلي:
ففي الصفحة: (787) جاء السؤال والجواب التاليان ـ بالترجمة العربية:
(السؤال) في أيام عاشوراء، هل يجوز التشبيه بصورة الإمام (عليه السلام) أو بصورة أعادي أهل بيته بهدف إبكاء الناس؟
وهل يجوز ارتداء الرجال أو غيرهم ملابس النساء تشبهاً بنساء أهل البيت (عليهم السلام) بنفس الهدف أم لا؟
(الجواب) أعلم أن تحقيق هذا المطلب... ـ إلى أن قال (قدس سره):
في التشبه بالمعصوم والأخيار ليس في النظر وجه للمنع، ويدل على الجواز عمومات البكاء والإبكاء والتباكي على سيد الشهداء وأتباعه، ولا شك في انه إعانة على هذه الأمور.
وربما يتوهم: أن هذا التشبيه هتك حرمة أكابر الدين.
وهذا التوهم فاسد، لأنه ليس المراد من هذا التشبيه الحاصل تشبيه النفس بالنفس والشخص بالشخص وإنما محض تشبيه الصورة، والزّي واللباس لتذكير أحوال هؤلاء (عليهم السلام).
وإن كان المراد هتك حرمتهم من جهة أنه لا ينبغي تمثيل الذل الذي وصلهم، ليطلع الناس على ذلك الذل فهذا أيضاً باطل.
لأن الأحاديث الواردة عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) هي التي أمرتنا بذكر تلك المصائب والنوائب هي فوق حد الإحصاء فنحن نمثّل تلك المصائب الواردة عليهم في أشخاص غيرهم.
هذا، مع ورود الأخبار بتشبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) بالأسد وهو حيوان، وتشبيه مولانا سيد الشهداء (عليه السلام) بالكبش الذي يقطع رأسه، والأخيار والمتقين بالغر المحجلين الذين قائدهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهي كثيرة.
فلماذا لا يجوز تشبيههم (عليهم السلام) بفرد من شيعتهم، وواحد من محبيهم، حتى يقال: أن ذلك هتك لحرمتهم؟
وهكذا تصوير الحرائر الراكبات على الإبل بغير وطاء ولا غطاء بأشخاص مشابهة أيّ أشكال فيه؟ مع وجود الأخبار الكثيرة بوقوع فعل ذلك، ونقرأها في المجالس.
وأما التشبه بغير أهل البيت (عليهم السلام) فلا دليل على المنع.
وما يتصور من المنع ـ مما هو معروف على الألسن ـ من أن من تشبه بقوم فهو منهم ـ والمظنون أنه مضمون رواية...
لكن يرد عليه:
(أولاً): أن هذا [المعمول خارجاً] لا يسمى تشبّهاً، فإن الظاهر من هذا التشبيه هو اعتبار الشخص نفسه منهم، وبطوعه ورغبته يدخل في لباسهم حتى يحسب من جملتهم.
(وثانياً): أن سلمنا أن العموم يشمله فنقول ـ بعد تسليم السند، والدلالة ـ: أن النسبة بين ذلك وبين عمومات الإبكاء من وجه، ولاشك أن عموم رجحان (الإبكاء) سنداً، ودلالة، واعتضاداً ارجح من هذا النوع من التشبيه.
وهكذا: إذا استدل على حرمة هذا التشبيه بحرمة إذلال المؤمن نفسه، فنقول: منعاً، وتسليماً، وتضعيفاً.
بل قد يُعد ذلك من أعظم المجاهدات، وفعله ـ طالباً لرضا الله تعالى ـ جهاد عظيم، وإن الله تعالى أكرم من أن يحرم من فيضه من أذل نفسه لله.
مضافاً: إلى أن الأشخاص مختلفون، فبعضهم لا يكون مثل ذلك إذلالاً لهم، لما يتعاطفون من المكاسب الوضعية عند الناس (كالنزح ونحوه) والغالب تشبّه مثل هؤلاء بأشكال الأعادي.
وأما مسألة التشبه بالنساء: فيظهر مما ذكرنا جوابه، وأنه يمنع عن كون التشبيه المحظور هو مثل ذلك، فإن المتشبه لا يقصد تشبه نفسه بالنساء، بل إنما يصور نفسه بمولاتنا زينب (عليها السلام) في نقل ما كانت تقول (عليها السلام) ووضع الشخص بردة على رأسه لغرض الإبكاء وهذا منصرف عنه التشبه بالنساء.
إذ الظاهر أن الممنوع هو التشبه بالنساء بما يختص بهن بدون غرض آخر.
وفي مثل ذلك لبس لباس النساء ليس لغرض نفسه كالنساء، وفرق كثير بين الأمرين... فتأمل جيداً حتى تجد الفرق.

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 05:29 PM
الفصل الأول من كتاب الامام الحسين قدوة وأسوة: الوليــد السعيــد

كان ذلك الفجر آلف وأبهى فجر، من السنة الثالثة للهجرة، حيث استقبل بأصابع من نور، وليداً ما أسعده، وما أعظمه.
في الثالث من شعبان غمر بيت الرسالة نور، سنيٌّ متألقٌ، إذ جاء ذلك الوليد المبارك واصطفاه الله ليكون امتداداً للرسالة، وقدوة للأمة، ومنقذاً للإنسان من أغلال الجهل والعبودية.
ولا ريب أننا سوف ننبهر إذا لاحظنا بيت الرسالة وهو يستقبل الوليد الجديد، فهذا البيت البسيط الذي يستقر على مرفوعته الأولى الرسول، الجد الرؤوم، والوالد الحنون.
وأتاه الخبر: أنه وُلِدَ لفاطمة (عليها السلام) وليد، فإذا به (صلى الله عليه وآله) يغمره مزيج من السرور والحزن، ويطلب الوليد بكل رغبة ولهفة !.
فماذا دهاك يا رسول الله !. بأبي أنت وأمي، هل تخشى على الوليد نقصاً أو عيباً ؟!
كلا.. إن تفكير صاحب الرسالة يبلغ به مسافات أوسع وأبعد مما يفكّر فيه أي رجل آخر، ومسؤوليته أعظم من مسوؤلية أب أو واجبات جد، أو وظائف قائد.. إنه مكوِّن أمة، وصانع تاريخ، ونذير الخالق تعالى إلى العالمين.
إنه يذهب بعيداً في تفكيره الصائب فيقول: لابد للمنية أن توافيه في يوم من الأيام، ولابد لجهوده أن تفسح أمامها مجالات أوسع مما بلغتها اليوم، فسوف تكون هناك أمة تدعى (بالأمة الإسلامية) تتخذ من شخص الرسول أسوة وقدوة صالحتين.
ولابد لهذه الأمة من هداة طاهرين، وقادة معصومين يهدون الأمة إلى الصراط المستقيم.. إلى الله العزيز الحكيم..
وسوف لا يكونون - كما أخبرته الرسالة مراراً - إلاّ ذريته هؤلاء، علي ابن عمه، وولداه (عليهما السلام)، ثم ذُرِّيتهم الطيبة من بعدهم !.
ولكن هل تجري الأُمور كما يريدها الرسول في المستقبل ؟. إن وجود العناصر المنحرفة بين المسلمين نذيرٌ لا يرتاح له الرسول (صلى الله عليه وآله) على مستقبل الأمة.
وإن الوحي قد نزل عليه غير مرة يخبره بأن المصير الذي رآه الحق المتمثل في شخص الرسول (صلى الله عليه وآله) هو نفس المصير الذي يترقبه الحق المتمثل في آله (عليهم السلام)، وأن العناصر التي قاومت الرسالة في عهده سوف تكون نفس العناصر التي تقاوم - بنفس العنف والإصرار - امتداد الرسالة في عهد أبنائه الطيبين صلوات الله عليه وعليهم.
فقد علم أنه سوف تبلغ الموجة مركزها الجائش، وسوف يقف أنصار الحق والباطل موقفهم الفاصل في عهد الإمام الحسين (عليه السلام)، هذا الوليد الرضيع الذي يُقلِّب وجهه فيظهر مستقبلُه على ملامح الرسول وهو يضطرب على ساعديه المباركتين.
والنبي (صلى الله عليه وآله) يلقي نظرةً على المستقبل البعيد، ويعرج فيه فيلقي نظرة أخرى على هذا الرضيع الميمون فيهزه البُشر حيناً، ويهيج به الحزن أحياناً، ولا يزال كذلك حتى تنهمر من عينيه الوضيئتين دموع، ودموع...
يبكي رسول الله (صلى الله عليه وآله).. وما أشجعه، وهو الذي يلوذ بعريشه أشجع قريش وأبسلها، علي بن أبي طالب (عليه السلام) حينما يشتد به الروع، فيكون أقرب المحاربين إلى العدو، ثم لايفل ذلك من عزمه ومضائه قدر أنملة، لكنه الآن يبكي وحوله نسوة في حفلة ميلاد.. فما أعجبه من حادث !..
تقول أسماء فقلت: فداك أبي وأمي ممَّ بكاؤك ؟! قال: على ابني هذا ؟
فقلت: إنه ولد الساعة يا رسول الله ؟!
فقال: (تقتله الأمة الباغية من بعدي. لا أنالهم الله شفاعتي)(1) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#1).
إن القضية التي تختلج في صدر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليست عاطفة إنسانية أو شهوة بشرية حتى تغريه عاطفة إعلاء ذكره وبقاء أثره في آله.
كلا.. بل هي قضية رسول. اصطفاه الله واختاره على علم منه، بعزمه ومضائه، وصدقه وإيمانه.
قضية مَن تَحمَّل مسؤولية أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال الرواسي.. إنها مسؤولية الرسالة العامة إلى العالمين جميعاً.
والحسين (عليه السلام) ليس ابنه فقط، بل هو قدوة وأسوة لمن ينذر من بعده، فنبأ مصرعه - هو بالذات - نبأ مصرع الحق بالباطل، والصدق بالكذب، والعدالة بالظلم... وهكذا.
فيبكي النبيُّ (صلى الله عليه وآله) لذلك، ويحق له البكاء..
أنها ظاهرة ميلادٍ غريبة نجدها الساعة في بيت الرسالة تمتزج المسرة بالدموع، والابتسامة بالكآبة.. فهي حفلة الصالحين تدوم في رحلة مستمرة بين الخوف والرجاء، والضحك والبكاء.
لنصغ قليلاً لنسمع السماء هل تشارك المحتفلين في هذا البيت الهادئ البسيط.
نعم. نسمع حفيفاً يقترب، ونظنه حفيف الملائك، فإذا بهم ملأوا رحاب البيت.
يتقدم جبرائيل (عليه السلام) فيقول:
(يا محمد ! العلي الأعلى يقرؤك السلام ويقول: علي منك بمنزلة هارون من موسى، ولا نبي بعدك. سمِّ ابنك هذا باسم ابن هارون ؟
فيقول النبي (صلى الله عليه وآله): وما اسم ابن هارون ؟
فيجيب: شُبَير.
فيقول النبي (صلى الله عليه وآله): لساني عربي ؟!
فيجيب جبرائيل: سَمِّه الحسين. فيسميه الحسين(2) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#2).
ويتقدّم فطرس.
ومن هو هذا الملك المهيضة جناحاه يحمله رفاقه ؟. إنه مطرود من باب الله، لم يزل في السجن يعذب، حتى واتته أفواج من الملائكة، فقال لهم: مالي أراكم تعرجون وتهبطون، أقامت الساعة ؟. فقال جبرائيل: كلا، وإنما ولد للنبي الخاتم وليد، فنحن ذاهبون إلى تهنئته الساعة. فقال: أفلا يمكن أن تحملوني إليه عله يشفع لي فيُشفّع ؟. فجاء به جبرائيل (عليه السلام).
فها هو ذا يتقدم إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) يتوسل به إلى الله.. فأومأ (صلى الله عليه وآله) إلى مهد الحسين وهو يهتز في وداعة، فراح الملك يلمس جوانب المهد بجناحيه المكسورتين، فإذا هو وقد ردَّهما الله عليه إكراماً منه لوجه الحسين (عليه السلام) عنده.
وتنتهي الحفلة، ويأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) الرضيع الميمون بيديه، ويحتضنه ويؤذن في إحدى أُذنَيه، ويُقيم في الأخرى. ثم يجعل لسانه في فم الوليد فيغذيه من رضابه الشريف ما شاء.
ثم يعقُّ عنه بعد أسبوع بكبشين أملحين، ويتصدَّق بزنة شعر رأسه بعد أن حلقه دراهم، ثم يعطِّره ويومئ إلى أسماء فيقول: (الدم من الجاهلية).
وهكذا ينقلب الجد الحنون إلى أسوة حسنة للمسلمين، فلا يكتفي بإجراء الآداب الإسلامية، وهي في روعتها ونضارتها - عملاً - وإنما ينسخ بالقول أيضاً لعنة الجاهلية، حيث كانوا يضمخون رؤوس ولدانهم بالدم إعلاناً لتوحشهم، وإيذاناً لطلب تِراتِهم.
ولم يزل ذلك الوليد المبارك يترعرع في أحضان الرسالة، ويعتني به صاحبها محمد (صلى الله عليه وآله) وربيبها علي (عليه السلام) حتى بلغ من العمر زهاء سنتين، ولكن لم يتفتح لسانه عن أداء الكلام أبداً.
عجباً. إن ملامح الوليد تدل على ذكاء مفرط، ومضاء جديد، ومع ذلك فَلِم لم يتكلم بعد، أيمكن أن يكون ذلك لثقل في لسانه ؟!
وذات يوم إذ اصطف المسلمون لإقامة صلاة الجماعة، يَؤمُّهم الرسول الأعظم، وإلى جانبه حفيده الحبيب الحسين (عليه السلام) ولمَّا تهيأ القوم للتحريم، كان الخشوع مستولياً على القلوب. والهدوء سائداً على الجو، والكل ينتظرون أن يُكَبِّر الرسول فَيُكَبِّروا معه، فإذا هم بصوته الخاشع الوديع يكسر سلطان السكوت ويقول: الله أكبر...
وإذا بصوت ناعم خافت يشبه تماماً صوت النبي (صلى الله عليه وآله) بكل نغماته ونبراته وما فيه من خشوع ووداعة يقول: الله أكبر...
إنه صوت الحسين (عليه السلام).
فكرر الرسول: الله أكبر... فأرجع الحسين الله أكبر، والمسلمون يستمعون ويكبِّرون، ويتعجبون !! فردد الرسول (صلى الله عليه وآله) ذلك سبعاً، ورجَّعه الحسين (عليه السلام) سبعاً، ثم استمر النبي (صلى الله عليه وآله) في صلاته والحسين (عليه السلام) يسترجع منه.
فقد كانت أول كلمة لفظها فم الحسين (عليه السلام) كلمة التوحيد: الله أكبر.
وفيما نخطوا مع التاريخ بعض الخطوات الفاصلة ننظر إلى هذا الوليد بالذات - ذلك الذي لم يفتح فمه إلاّ على كلمة الله أكبر - ننظر إليه بعد خمس وخمسين سنة وهو يمارس آخر خطوات الجهاد المقدس، ويعالج آخر لحظات الألم وقد طرح على الرمضاء، تلفحه حرارة الشمس، ويمزق كبده الشريف حر العطش، ويلفه حر السلاح المصلصل.
فنستمع إليه وهو يحرّك شفَتَين طالما لمستهما شَفَتا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتضرع إلى بارئه، يقول: (إلهي... رضاً برضاك، لا معبود سواك).
ولا يزال يتمتع حتى يُعرج بروحه الطاهرة المقدَّسة إلى السماء، عليه أفضل الصلاة والسلام.
وإذا ثبت بالتجارب الحديثة أن للوراثة آثارها البالغة، وأن للتربية حظها الكبير في إنماء خُلق الطفل وتكييف صفاته، فلا نشك في أن أبوي الحسين (عليه وعليهما السلام) كانا من أرفع الآباء خُلقاً، وأكرمهم نسباً. وإن تربيتهما كانت أحسن تربية وأشرفها وأقدرها على إنماء الأخلاق الفاضلة، والسجايا الحميدة في نفس الإنسان.
وهل نشك في ربيب الرسول ذاته، وربيب مَن ربّاهما الرسول فاطمة وعلي عليهم جميعاً صلوات الله وتحياته ؟.
أفلا نرضى من الله العزيز كلمته العظيمة في القرآن حيث يقول:
(مرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ فَبِأَيِّ ءَالآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ)[سورة الرَّحْمَنِ: الآية 19- 22]
فالبحران هما بحر النبوة ومنبعه فاطمة (عليها السلام) عن الرسول (صلى الله عليه وآله)، وبحر الوصاية من قِبَلِ عليٍّ (عليه السلام). فلابد لهذين البحرين - إذا التقيا - أن يخرج منهما اللؤلؤ الحسن، والمرجان الحسين (عليه السلام).
هذه هي الوراثة.. إنها أقدس وأرفع مما يُتصور.. ولا تسأل عن التربية، فلقد كانت أنصع وأروع من كل تربية، كان شخص الرسول (صلى الله عليه وآله) يهتم بالحسين (عليه السلام) وتربيته بصورة مباشرة.
وبين يديك حديثان تعرف منهما مدى رعاية الرسول (صلى الله عليه وآله) لشأن الحسين (عليه السلام)، مما يؤكد لك أن الحسين لم يكن ربيب علي وفاطمة (عليهما السلام) فقط، بل تربى على يد جدِّه النبيِّ (صلى الله عليه وآله) ذاته.
عن يعلى العامري أنه خرج من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى طعام دعي له. فإذا هو بالحسين (عليه السلام) يلعب مع الصبيان فاستقبل النبي (صلى الله عليه وآله) أمام القوم...
ثم بسط يديه فطفر الصبيُّ ههنا مرّة وههنا مرّة، وجعل رسول الله يضاحكه حتى أخذه فجعل احدى يديه تحت ذقنه والأخرى تحت قفاه، ووضع فاه إلى فيه وقبله(3) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#3).
واستسقى الحسن (عليه السلام) فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجدع له في غمر كان لهم(4) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#4) ثم أتاه به.
فقام الحسين (عليه السلام) فقال: (اسقنيه يا أبه) فأعطاه الحسن ثم جرَّع للحسين (عليه السلام) فسقاه.
فقالت فاطمة (عليها السلام): (كأن الحسن أَحبَّهما إليك)؟.
قال: (إنه استسقى قبله، وإني وإياك وهما وهذا الراقد - وأومأ إلى علي أمير المؤمنين (عليه السلام) - في مكان من الجنة)(5) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#5).
وظل الوليد النبيه يشبّ في كنف الرسول، وظلَّ الوالدين الطاهرين، والرسول يوليه من العناية والرعاية ما يبهر ألباب الصحابة ويحيِّزهم. ولطالما بعث الرسول بكلماته النيِّرة على سمع المئات المحتشدة من المسلمين يقول: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة). و (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا) ويقول: (حسين مني وأنا من حسين).
ويرفعه بين الناس - وهم ينظرون - فينادي: (أيها الناس هذا الحسين بن علي فاعرفوه).
ثم يردف قائلاً: (والذي نفسي بيده إنه في الجنة ومعه أحبَّاؤه).
و قد يتبوأ له مقعداً في حضنه المبارك ويشير إليه فيقول: (اللهم إني أُحبه فأَحبه).
ولطالمـــا يحمله هو وأخاه على كاهله الكريم وينقلهما من هنا إلى هناك، والملأ من المسلمين يشهـدون.
وهكذا ترعرع الوليد الحبيب في ظل الرسالة وفي كنف الرسول، وأخذ منهما حظاً وافراً من المجد والسناء.

1- بحار الأنوار: المجلد العاشر.
2- انظر كتاب قاموس اللغة - في مادة شبر - وكتاب بحار الأنوار: ج 104 ص 111.
3- مستدرك: ج 2 ص 626.
4- أي غرف لهم من قدح ماء.
5- معالم الزلفى: ص 259.

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 05:31 PM
الفصل الثاني من كتاب الامام الحسين قدوة وأسوة : بعد الرسول





وبعد الرسول - حيث ازدحمت الحوادث واختلفت النعرات - نراه يقف جنباً إلى جنب مع والده العظيم في قضية الحق ويعلنها في أوضح برهان.
والمسلمون هناك، يهتدون على من يهتدون.
ومرة أخرى نلتقي بالحسين (عليه السلام) وهو شاب يمثل شمائل أبيه المهيبة، ويقود الجيوش المزمجرة ضد طاغية الشام معاوية بن أبي سفيان.
وتتم على مضاء عزمه، ومضاء سيفه، وسداد فكره، وسداد خططه انتصارات باهرة ضد الطغيان الأموي الذي أراد أن يرجع بالأمة الإسلامية إلى جاهليتها الأولى، وقد فعل.
.. ثم تُدَبَّرُ مؤامرة لئيمة لاغتيال الإمام علي (عليه السلام) وينتهي الأمر بمصرعه الفاجع، وتلقي الأمة بأبهض مسؤولياتها وأخطرها على كاهل الإمام الحسن (عليه السلام) فيمارس الإمام الحسين جهاده المقدس في أداء أمانة الحق، ومسؤولية الأمة، ويحرض الشعب الإسلامي ضدَّ الباطل المحتشدة كل قواه في عرصات الشام، ويحذره من كل ما يُرتقب من مآسي وويلات على يد الطاغية إن تمَّ له الأمر.
وينتهي دور الإمام الحسن فيُقتل بسمٍّ يدسه إليه طاغية الشام.
فتقع دفة الخلافة الإلهية بيد الحسين (عليه السلام) ويتابعه المسلمون الواقعيون الذين لم يشاهدوا في بني أمية إلاّ مُلكاً عضوضاً كلُّ همّه القضاء على مقدسات الأمة ومشاعرها في آن واحد.
نعم، انتقلت الإمامة إلى رحاب الحسين (عليه السلام) في أوائل السنة الخمسين من الهجرة النبوية، ولنلقي نظرة خاطفة على الوضع السائد في البلاد الإسلامية آنذاك.
في السنة الواحد والخمسين: حج معاوية إلى بيت الله الحرام ليرى من قريب الوضع السياسي في مركز الحركة المناوئة لخلافته، حيث إن الحرمين كانا مقرا الصحابة والمهاجرين، وهم أبغض خلق الله لمعاوية لأنهم أشدهم خلافاً عليه.
فلما طاف بالبلاد المقدسة عرف أن الأنصار - بصورة خاصة - يبغضونه ويكرهون خلافته على أشد ما تكون الكراهية والبغض.
وذات يوم سأل الملأ حوله: ما بال الأنصار لم يستقبلوني ؟
فأجابه طائفة من زبانيته: إنهم لايملكون من الإبل ما يستطيعون استقبالك عليها.
وكان معاوية يعرف الحقيقة من برودة تلقي الأنصار مجيئه، فحينما سمع هذا الجواب الروتيني لمز وغمز وقال: ما فعلت النواضح - أراد الاستهزاء بساحة الأنصار، بأنهم كانوا ذات يوم من عمال اليهود في المدينة، أصحاب إبل تنضح الماء لبساتين اليهود، وكان في الحاضرين بعض زعماء الأنصار فأجابه - وهو قيس بن سعد بن عبادة - قائلاً:
أفنوها يوم بدر وأُحد وما بعدهما من مشاهد رسول الله حيث ضربوك وأباك على الإسلام حتى ظهر أمر الله وأنتم كارهون. أما إن رسول الله عهد إلينا أنّا سنلقي بعده أثرة.
ثم جاش صدر قيس فاندلعت منه شرارة فيها ذكريات الماضي الزاهر، وعواصف هذا اليوم الأسود، فقال وأمعن في إيضاح سوابق بني أمية ولواحقهم، وشرح ما كان من وقوفهم ضد الدعوة النبوية - أول يوم - وما كان من إنكارهم حق عليٍّ (عليه السلام) بعد ذلك، وما كان من أمر معاوية - بالذات - مع إمام زمانه، وما جاء عن لسان النبي (صلى الله عليه وآله) من الأحاديث بشأن علي، الذي افترضه معاوية مناوئه الوحيد على كرسي الحكم.
ولم يدر قيس ذلك اليوم ما الذي كان يحمله معاوية من بغض وكره - سوف يحدوان به إلى مالا تحمد عواقبه -.
ورجع معاوية يفكر في إجراء التدابير اللازمة ضد مناوآت الأنصار والمهاجرين. وأول خطة اتخذها هي التي سوف يُتلى عليك تفصيلها.
وعرف معاوية أن في البلاد الإسلامية كثرة واعية من المفكرين الذين محضوا عن تجارب الماضي القريب، ولمسوا حقيقة أمر الحزب الأموي الحاكم، كما آمنوا بقداسة الحق، وبوجوب متابعته، والدفاع عن نواميسه السامية مهما كلفهم الأمر.
وعرف كذلك أنه يستقر في مركز حركة هؤلاء الذين ناوأوه، عليّاً أولاً والحسن ثانياً، وهذا الإمام ثالثاً. ثم عرف أيضاً ما لهذا البيت العلوي من دعائم وطيدة، ومؤهلات كافية تنذر عرش الأمويين بالفناء العاجل.
فمن هنا بدأت خطته اللئيمة، ففكر في أن من يحب عليّاً وآل عليٍّ لا شك في أنه يستاء من مُلك بني أمية. إذاً فلنقلع حب الإمام أولاً من صدور الشعب المسلم، ولنستأصل مقاييس المسلمين التي يميزون بها الحق عن الباطل - الا وهي تمثل الإسلام الحق في بيت الرسالة -.
فأخذ يكتب إلى كل والٍ له في أطراف البلاد برسالة إليك نصها بالحرف:
أما بعد، انظروا إلى من قامت عليه البينة أنه يحب عليّاً وأهل بيته فأمحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه. ولا تجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.
وهذه أول محنة واجهها أنصار عليٍّ الذين كانوا يشكلون الجبهة المناوئة للحزب الأموي الحاكم. وقد كانت جبهةً شديدةً عنيفةً جدّاً.
ثم راح معاوية في ظلمه يخطو خطوة أخرى - أقسى من الأولى وأعنف كثيراً - فكتب إلى ولاته يقول: أما بعد، خذوهم على الظنة، واقتلوهم على التهمة.
ففكِّروا في هذه الكلمة: ( اقتلوهم على التهمة ) فهل تعرفون أقسى منها في قاموس المجرمين وأعنف حكماً ؟!
في مثل هذا الجو الرهيب كان يعيش الإمام الحسين (عليه السلام) وهو يتقلد منصب الخلافة الإلهية. ولا شك في أنه كان يؤلمه الشوك في طريق أصحاب الحق على الظنة، وإبادتهم بالتهمة.
ولكنَّ الظروف التي كان يعيشها لم تكن بالتي تجيز له المقاومة المسلحة ضد العدوان الأموي الأرعن؛ لأن معاوية كان يعالج الأمر بالمكر والخدعة، ويخدّر أعصاب الأمة بالأموال الطائلة من ثروة الدولة التي إن لم تُعط الفائدة فهناك شيء كان يسميه بجنود العسل، ويقصد به الغدر بحياة الشخصيات عن طريق السم يديفه في مطعمه أو مشربه، كما فعل ذلك بالإمام الحسن (عليه السلام) بواسطة زوجته الغادرة، وكان يستعمله دائماً ضدّ أولئك العظماء الذين لا يخضعون لسلطان المال والمنصب.
إما إذا استعصى عليه الإغراء بالمال أو القضاء بالسم، فيأتي دور القوَّة التي كان يستعملها بدون رحمة في مناسبة وغير مناسبة.
وبهذه الوسيلة الأخيرة قضى على الصحابي الكبير والزعيم الشيعي القدير: حِجْر بن عدي، حيث استدعاه هو وأصحابه إلى الشام، وقبل أن يصلوا إلى العاصمة أرسل سرية من شرطته فقتلت بعضهم ودفنت بعضهم أحياءً بغير جرم إلاّ أنهم كانوا أصحاب عليٍّ (عليه السلام) وقواد جيشه.
وكان مقتل حجر هذا منبِّهاً فعّالاً، للشعب الإسلامي الذي دعا إلى إعلان التمرد، حتى من بعض أصحاب الأمويين كوالي خراسان ربيع بن زياد الحارثي، حيث جاء المسجد ونادى بالناس ليجتمعوا، فلما اكتمل اجتماعهم قام خطيباً وذكر المأساة بالتفصيل وقال: إن كان في المسلمين من حمية شيء لوجب عليهم أن يطالبوا بدم حِجْرٍ الشهيد.
وحتى من مثل عائشة التي كانت بالأمس في الصف المخالف لعلي (عليه السلام) فإنها لما سمعت الفاجعة قالت: أما والله لقد كان لجمجمة العرب عز ومنعة، ثم أنشدت:


ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرِب


ومشت في الأوساط السياسية رجة تبعتها اضطرابات جعلت معاوية يندم من سوء فعله لأول مرة.
ولكن لم يكن مقتل حِجْر بالوحيد من نوعه، فقد رافقه مقتل الصحابي الكبير المعترف به لدى سائر المسلمين عمرو بن الحمق، الذي حُمل رأسه على الرمح لأول مرة في تاريخ الإسلام، حيث لم يُحمل فيه قبل ذلك اليوم رأس مسلم قط.
وتبع حادثة حِجْر وأصحابه الستة عشر حوادث مرعبة نشرت على دنيا المسلمين التوتر والاضطراب.
ويمكننا أن نكشف عن بعض مظاهر هذا التوتر بما يلي:
لقد سيطر زياد ابن أبيه على الكوفة والبصرة، ولقد كان متشيعاً قبل أن يُلحقه معاوية بنسبه، فكان يعرف أسرار الشيعة وخباياهم وزعماءهم وقادتهم. فلما استتب له الأمر راحَ يلاحقهم تحت كل حجر ومدر ويمعن فيهم القتل والتنكيل حتى ليَقول الرجل: أنا كافر لا أؤمن بنبيٍّ خير له من أن يقول: إني شيعي أؤمن بقداسة الحق وأكفر بالجبت والطاغوت.
فلما ضبط العراقيين إرهاب بني أمية رفع زياد كتاباً إلى البلاد الملكي هذا نصه بالحرف:
إني ضبطت العراق بشمالي، ويميني فارغة. فولني الحجاز أشغل يميني به..
ولما أذيع نبأ هذه الرسالة في المدينة المنورة اجتمع المسلمون في المسجد النبوي وابتهلوا إلى الله ضارعين: اللهم اكفنا يمين زياد.
ولسنا بصدد بيان أنه كفّ الله عنهم يمين زياد فعلاً، حيث أصابه الطاعون فمات ذليلاً، إلاّ أننا بصدد أن نعرف مدى الإرهاب المخيم على الأوساط السياسية حتى أن الناس يجتمعون للدعاء ضد والٍ واحد، رهيب الجانب، مرعب السلطة.
وإذا سألت عن موقف السبط، فنحن لا يهمنا من هذا الاستعراض الخاطف للأوضاع السياسية في عهد معاوية إلاّ لنعرف موقف الإمام الحسين (عليه السلام) منها.
ونستطيع أن نلمس موقفه بصورة إجمالية، إذا مضينا نفكر في هذه القضايا الثلاث،التي سنتلوها تباعاً.
1- كانت الأنباء تتوالى على المدينة بنكبات فجيعة، نزلت على رؤوس المسلمين بسبب مدحهم للإمام علي (عليه السلام) وبسبب تشيُّعهم لأهل البيت (عليهم السلام) تماماً بعد إعلان معاوية حكمه الصارم:
كل من نقل فضيلة عن علي فَقَدَ الأمان على نفسه وماله !. وكان ذلك في مستهل السنة الواحدة والخمسين بعد الهجرة النبوية. فدبر الإمام خطة جريئة نفذها بنفسه، فجمع الناس في محفل ضم من بني هاشم رجالاً ونساءً ومن أصحاب رسول الله، ومن شيعته أكثر من سبعمائة رجلٍ، ومن التابعين أكثر من مائتين، فقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
(أما بعد، فإن هذا الطاغية (يعني معاوية بن أبي سفيان) قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد علمتم وشهدتم، وإني أريد أن أسألكم عن شيء، فإن صدَقت فصدِّقوني، وإن كذَبت فكذِّبوني، وأسألكم بحق الله عليكم وحق رسول الله وقرابتي من نبيكم لما سترتم مقامي هذا، ووصفتم مقالتي، ودعوتم أجمعين في أمصاركم من قبائلكم مَن أمنتم من الناس.
اسمعوا مقالتي، واكتبوا قولي، ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم، فمن أمنتم من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقنا فإني أتخوف أن يدرس(1) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#1) هذا الأمر، ويذهب الحق ويُغلب (وَالله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)[سورة الصَّف: الآية 8]
ثم مضى الإمام في الخطبة القوية الهادرة، يذكِّر الجمع بعليٍّ (عليه السلام)، وفي كل مقطوعة يصبر هنيئة فيستشهد الأصحاب والتابعين على ذلك، وهم لا يزيدون على اعترافهم قائلين: اللهم نعم.. اللهم نعم.
حتى ما ترك شيئاً مما أنزل الله فيهم من القرآن إلاّ تلاه وفسره، ولا شيئاً مما قاله الرسول (صلى الله عليه وآله) في أبيــه وأخيــه وأمّه ونفسه وأهل بيته، إلاّ رواه، وفي كل ذلك يقول أصحابه: اللهم نعم. لقد سمعنا وشهدنا، ويقول التابعي: اللهم قد حدثني به من أصدِّقه وائتمِنه من الصحابة(2) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#2).
أما وقد أشهدوا الله على ذلك قال: (أنشدكم الله إلاّ حدثتم به من تثقون به وبدينه... ).
وكانت هذه خطة مناسبة للحدّ من طغيان معاوية في سب علي (عليه السلام)، بل كانت خطة معاوية لسياسة بني أمية قاطبة الذين ارتأوا محو سطور في التاريخ هي أسطع ما فيه وأروع ما يحتويه، ألا وهي مآثر أهل بيت الرسالة.
ولم يكتف بنو أمية في محوها بالقوة فقط بل لعبت خزينة الدولة دوراً بعيداً في ذلك أيضاً.
فقد كان الحديث يُشترى ويُباع كأي متاع آخر، وكان المحدِّثون أوسع الناس ثروة أو أنكاهم نقمة. إن رضوا فلهم كل شيء، وإن أبوا فعليهم كل شيء.
ربما كان معاوية وهو الداهية المعروف ينتظر من الإمام الحسين ذلك الاستنكار البالغ، بيد أنه لم يكن يفكّر في أن الأمر سوف يدبّر على هذا الشكل المرعب، وعلى أي حالٍ فقد كان الأمر مرتقباً.
ولكن حدث بعد هذا التظاهر الصارخ أمر لم يكن معاوية يحلم به أبداً.
2- إن عيراً لوالي اليمن كانت محملة بأنواع الأمتعة إلى البلاط الملكي لتوزع على أصحاب الضمائر المستأجرة.
ومرَّت هذه العير بالمدينة فاستولى عليها الإمام (عليه السلام) وامتلكها حقّاً شرعيّاً له، ليصرفه في مواقعه اللازمة.
وكتب إلى معاوية رسالة أرغمت أنفه وأطارت لبه وهذا نص الرسالة:
(من الحسين بن علي..
إلى معاوية بن أبي سفيان.
أما بعد فإن عيراً مرّت بنا من اليمن تحمل مالاً وحُللاً إليك لتودعها خزائن دمشق، وتعلّ بها بعد نهل ببني أبيك، وإني احتجت إليها وأخذتها والسلام..).
وأول ما لفت نظر معاوية من هذه الرسالة تقديم الإمام الحسين (عليه السلام) اسمه واسم أبيه على ذكر معاوية، ثم دعاؤه له باسمه الشخصي دون أن يشفعه بلقب (أمير المؤمنين) ويعتبر ذلك - في منطق القرون الأولى - تحدياً بليغاً لسلطة معاوية، بل يؤكد هذا في أن الكاتب قد خلع عن نفسه الرضوخ لسلطان الدولة الباطلة.
ثم جلب انتباهه موضوع أخذ اليد، وفيه أبلغ دليل على التمرد على السلطة الحاكمة.
بيد أن معاوية بدهائه عرف أن الظروف لا تقتضي إلاّ الإغماض عن أمثال هذه الأعمال، ولم يكن الإمام (عليه السلام) يريد أن يبتدئ بإعلان التمرد المسلح لأنه كان حريصاً على حفظ دماء المسلمين كحرصه على نشر الحقيقة.
فكتب إليه معاوية: في منطق مستعتب وبيّن أنه عارف بمكانته، وجليل شأنه، وانه لا يريد أن يمس ساحته بسوء. بيد أن خلفه من بعده سوف يكون له بالمرصاد.
ومضى الحسين (عليه السلام) في توطيد دعائم الحقيقة، ببث الوعي، وجمع الأنصار، ولازالت الأنباء تتوارد على البلاط الملكي بشأن الإمام، وأنه يعد العدة لثورة فاصلة.
بيد أن معاوية كاد يتم الأمر بالخدعة قبل أن يدبر النقمة لعدم مؤاتاة الظروف للساعة المرتقبة، فكتب رسالة أخرى إلى الإمام يستعتب ويؤنب، ويذكّر بالصلات الودية بينه وبين الإمام (عليه السلام).
ولكن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يعلم بالفجائع التي كانت تنقضّ على رؤوس الشيعة من محبي آل الرسول في كل بلد.
3- فكتب إليه برسالة أخرى يسرد فيها أعماله واحداً تلو الآخر.
(.. أما بعد فقد بلغني كتاب تذكر فيه أنه انتهت إليك عني أمور أنت لي عنها راغب، وأنا بغيرها عنك جدير، وان الحسنات لا يهدي لها ولا يسدد إليها إلاّ الله تعالى.
وأما ما ذكرت أنه رقى إليك عني، فإنه إنما رقَّاه إليك الملاّقون المشّاؤون بالنميمة المفرّقون بين الجمع، وكذب المعادون، ما أردت حرباً ولا عليك خلافاً.
وإني لأخشى الله في ترك ذلك منك ومن الأعذار فيه إليك، وإلى أوليائك القاسطين الملحدين - حزب الظلمة - وأولياء الشياطين.
ألست القاتل حِجْر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلِّين العابدين، كانوا ينكرون ويستفضعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم، ثم قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة جرأة على الله واستخفافاً بعهده.
أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه واصفــر لـونــه، فقتلته بعد ما أمنته وأعطيته من العهود ما لو فهمه الموصم لزلت قدمُه من رؤوس الجبال؟
أولست بمدَّعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف فزعمت أنه ابن أبيك وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الولد للفراش وللعاهر الحجر، فتركت سنَّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) تعمداً، وتبعت هواك بغير هدىً من الله. ثم سلطته على أهل الإسلام يقتلهم، ويقطع أيديهم وأرجلهم، ويسمِّل أعينهم ويصلبهم في جذوع النخل، كأنك لست من هذه الأمة، وليسو منك؟.
أولست قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد انه على دين علي صلوات الله عليه، فكتبت إليه: أن اقتلْ كلَّ من كان على دين عليٍّ، فقتلهم ومثّل بهم ؟..).
إلى آخر الكتاب الذي كان سوط عذاب يُلهب متن معاوية ومن دار في فلكه من المنحرفين.
وهكذا عاش الإمام (عليه السلام) الصوت الوحيد الذي غدا يرعد أمام كل بدعة، والسوط الفارع الذي بات يسوِّي كل تخلف أو تطرف في المجتمع، فلطالما حرض ذوي الفكر والجاه، وأثارهم على حكومة الضالين، بيد أنهم فضلوا مصالح أنفسهم على مصالح الدين، ولم يحفظوا ذممهم، في حين راحت ذمة الإسلام ضحية كل فاجر.
ولطالما خاطر الإمام الحسين (عليه السلام) بوقوفه أمام اعتداءات بني أمية على مصلحة الأمة الإسلامية، وعلى مقدسات الدين ونواميسه.
والواقع أننا لو أردنا أن نتصور الوضع الديني في عصر الإمام خالياً عنه وعن جهاده، لكنَّا نراه أحلك عصر مرّ به المسلمون، وأقساه وأعنفه. ولو كنَّا نتصور الإسلام وقد مرّ به ذلك العصر بدون أبي عبد الله (عليه السلام) لكنَّا نراه أضعف دين وأقربه إلى الانحراف.
فلم يكن هناك من قوة تستطيع الوقوف أمام المد الأموي الأسود، إلاّ شخص أبي عبد الله (عليه السلام) ومن دار في أفقه من الأنصار والمهاجرين، لأن الحروب التي سبقت عصر الإمام أعلنت عن تجارب سيئة جدّاً، واختبارات فظيعة لقوى الخير في المسلمين، وما كان من شتيتها موجوداً لفّته زوابع الترهيب، وأعاصير الترغيب، فراحت مع التي راحت أولاً.
وبقي المحامي والنصير الأول والأخير للإسلام، وهو الإمام الحسين (عليه السلام) الذي استطاع بسداد رأيه، ومضاء عزمه، وسبق قدمه، وسمو حسبه ونسبه، وما كان له من مؤهلات ورثها من جده رسول الله وأبيه علي أمير المؤمنين صلوات الله عليهما استطاع بكل ذلك أن يشكل جبهة قوية نسبيّاً أمام الطغيان الأموي الوسيع.
وكان ذلك شأنه في عصري معاوية ويزيد.
وها نحن قد استعرضنا جانباً موجزاً من عصر معاوية، وسوف أستعرض شيئاً قليلاً عن عصر يزيد، في الفصل الأخير، وسوف لا نذهب في سرد القضايا تفصيلاً، بل نجعلها موجزةً لسببين:
أولاً: اشتهار نهضته العظيمة في عهد يزيد حتى كاد يعيها كل شيعي مؤمن.
وثانيا: لأن ذلك يحتاج إلى موسوعة علمية كبيرة تحلل القضايا السياسية والدينية التي رافقت نهضة الحسين (عليه السلام) ليظفر من ذلك بأروع أمثلة الجهاد وأرفعها.
وهكذا يحق لنا أن ندع البحث أبتراً، لندخل بحوثاً أخرى، نتكلم فيها حول السمات الشخصية لسيد الشهداء الحسين(عليه السلام)، تاركين جانب الدين والسياسة لمجال أفسح، وفي بحث أوسع.

1- يمحى ويضمحل.
2- هذه المقطوعة من قول الراوي للحديث.

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 05:34 PM
الفصل الثالث من كتاب الامام الحسين قدوة وأسوة : الخلــق العظيــم

الكريــم السخــي:
1- جاء إلى الإمام الحسين (عليه السلام) أعرابي فقال: يا بن رسول الله قد ضمنت دية كاملة وعجزت عن أدائها، فقلت في نفسي: أسأل أكرم الناس. وما رأيت أكرم من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فقال له الحسين (عليه السلام): (يا أخا العرب، أسألك عن ثلاث مسائل، فإن أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال، وإن أجبت عن اثنين أعطيتك ثلثي المال، وإن أجبت عن الكل أعطيتك الكل).
فقال الأعرابي: أمثلك يسأل مثلي، وأنت من أهل العلم والشرف!؟
فقال الحسين (عليه السلام): (بلى، سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: المعروف بقدر المعرفة).
فقال الأعرابي: سل عما بدا لك، فإن أجبت وإلاّ تعلمت منك، ولا قوة إلاّ بالله.
فقال الحسين (عليه السلام): (أي الأعمال أفضل؟).
فقال الأعرابي: الإيمان بالله.
فقال الحسين (عليه السلام): (فما النجاة من الهلكة؟).
فقال الأعرابي: الثقة بالله.
فقال الحسين (عليه السلام): (فما يزين الرجل؟).
فقال الأعرابي: علم معه حلم.
فقال (عليه السلام): (فإن أخطأه ذلك ؟).
فقال: مالٌ معه مروءة.
قال: (فإن أخطأه ذلك؟).
فقال: فقرٌ معه صبر.
فقال الحسين (عليه السلام): (فإن أخطأه ذلك؟).
فقال الأعرابي: فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه فإنه أهل لذلك.
فضحك الحسين (عليه السلام) وأعطاه صرّة فيها ألف دينار، وأعطاه خاتمه، وفيه فص قيمته مئتا درهم، وقال: (يا أعرابي ! أعط الذهب إلى غرمائك، واصرف الخاتم في نفقتك ).
فأخذ الأعرابي ذلك وقال: الله أعلم حيث يجعل رسالته(1) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#1).
2- قال أنس بن مالك:
كنت عند الحسين (عليه السلام)، فدخلْت عليه جارية فحيَّته بطاقة ريحان فقال لها: (أنت حرة لوجه الله).
فقلت تحييك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها ؟!
قال: (كذا أَدَّبنا الله، قال: (وإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِاَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ)[سورة النساء: الآية 86] وكان أحسن منها عتقها)(2) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#2).
3- وجاء إليه أعرابي - فأنشده مقطوعة شعرية بيَّن بها حاجته فقال:


لم يَخِب الآنَ مَن رَجاك ومَن حرَّك من دون بابك الحلقــه

أنت جوادٌ، وأنت معتمــــــــدٌ أبوك قد كان قاتل الفسقــــه

لولا الذي كان من أوائلكـــــم كانت علينا الجحيم منطبقه

وكان الحسين يصلي آنذاك فلما فرغ من صلاته، لف على طرف رداء له أربعة آلاف دينار ذهب، وناوله قائلاً:


خذها فإِني إليــك معتـــــــــذرٌ واعلــمْ بأني عليك ذو شفقــه

لو كان في سرِّنا الغـداة عصاً كانت سمانا عليــــك مندفقـه

لكنَّ ريب الزمـان ذو غِيَـــــــرٍ والكفُّ مني قليلةُ النفقــــــه

فأخذ الأعرابي يبكي شوقا، ثم تصعدت من أعماقه آهات حارة، وقال: كيف تبلى هذه الأيدي الكريمة ؟..(3) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#3).
عــون الضعفــاء:
وهذه صفة تأتي كالفرع الذي سبقها من سجية الكرم، فإن النفس إذا بلغت رفعتها المأمولة حنَّت على الآخرين حنان السحابة على الأرض والشمس على الكواكب.
1- وُجد على كاهله الشريف بعد وقعة الطف أثراً بليغاً كأنه من جرح عدة صوارم متقاربة، وحيث عرف الشاهدون أنه ليس من أثر جرح عاديّ، سألوا علي بن الحسين (عليه السلام) عن ذلك ؟ فقال: (هذا مما كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين)(4) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#4).
2- ويذكر بهذه المناسبة أيضاً أن مالاً وزّعه معاوية بين الزعماء والوجهاء، فلما فصلت الحمالون تذاكر الجالسون بحضرة معاوية أمر هؤلاء المرسل إليهم الأموال حتى انتهى الحديث إلى الحسين (عليه السلام).
فقال معاوية: وأما الحسين فيبدأ بأيتام مَن قُتل مع أبيه بصفيِّن، فإن بقي شيء نحر به الجزر وسقى به اللبن(5) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#5).
ومعاوية كان من ألدِّ أعداء الحسين (عليه السلام) ولكنه يضطر الآن إلى أن يعترف بكرمه وسخائه، حيث لا يجد دون ذلك مهرباً.
وإلى هذا المدى البعيد يبلغ الحسين (عليه السلام) في الكرم، حتى لَيقف عدوّه الكذاب الذي لم يترك أحدا من الزعماء الأبرياء، إلاّ وكاد له بتهمةٍ، ووصمه بها وصمة.. حتى أن عليّاً سيد الصالحين، والحسن الزكي الأمين، فإن معاوية هذا يقف على منبرٍ يشيد بهما وبسجاياهما المباركة.
3- وقال (عليه السلام) يرغب الناس في الجود:


إذا جادت الدنيا عليك فجُدْ بها على الناس طرّاً، قبل أن تتفلتِ

فما الجود يفنيه إذا هي أقبلت وما البخل يبقيها إذا هي ولــتِ

وفعلاً كان الحسين (عليه السلام) العامل قبل أن يكون القائل، وسأتلو عليكم هذه القصة.
4- دخل (عليه السلام) على أسامة بـن زيد وهو على فراش المرض يقول: واغمَّاه، فقال: (وما غمَّك يا أخي؟) قال: دَيني وهو ستون ألف درهم. فقال: (هو عَلَيّ) قال: إني أخشى أن أموت قبل أن يُقضى، قال: (لن تموت حتى أقضيها عنك، فقضاها قبل موته)(6) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#6).
الشجاع والبطل:
نعتقد نحن الشيعة أن الأئمة الأثنى عشر قد بلغوا القمة من كل كمال، ولم يَدعو مجالاً للسمو إلاّ ولجوه فكانوا السابقين. بيد أن الظروف التي مرّوا بها كانت تختلف في إنجاز مؤهلاتهم بقدرها، وطبقاً لهذه الفلسفة فإن كل واحد منهم اختص بصفة مميَّزة بين الآخرين. وإن ميزة الإمام الحسين (عليه السلام) هي الشجاعة والبطولة بين سائر الأئمة (عليه السلام).
وكلما تصور الإنسان واقعة كربلاء ذات المشاهد الرهيبة، التي امتزج فيها الدمع بالدم، ويلتقي بها الصبر بالمروءة، والمواساة بالفداء، لاحت بسالة أبرز أبطالها الإمام الحسين (عليه السلام)، في أروع وأبهى ما تكون بطولة في التاريخ. ولولا ما نعرفه في ذات الإمام من كفاءاته البطولية التي ورثها ساعداً عن ساعد، وفؤاداً عن فؤاد، ولولا الوثائق التاريخية التي لا يخالجها الشك، ولولا ما نعتقده من أن القدوة الروحية لابد أن تكون آية الخلق ومعجزة الإله فلربما شككنا في كثير من الحقائق الثابتة التي يذهل دونها العقل، والفكر، والضمير.
كان الإمام الحسين (عليه السلام) يوم الطف ينزل إلى المعركة في كل مناسبة فيكشف إسراف الخيل، لتفصح عن جثمان صحابي أو هاشمي يريد بلوغ مصرعه.
ولربما احتدم النزاع عنيداً شديداً بينه وبينهم وهو يحاول بلوغ مصرع من يريده. فكانت تعد كل محاولة له من هذا النوع هجمة فريدة، ومع ذلك كان يكرر ذلك كل ساعة حتى قُتل أصحابه، وأبناؤه، وإخوانه جميعاً.
والمصيبة ذاتها كانت مما يُنيل من قوة الإنسان، كما تفُلّ من عزيمته، والعطش والجوع يضعفان المرء، ويذهبان بكل طاقاته، والحر سبب آخر يأخذ جهداً من المرء كثيراً.
ويجتمع كل ذلك في شخص الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء، ومع ذلك فإنه يلبس درعاً منصفاً، ذو واجهة أمامية فقط، ويهجم على الجيش الضاري، فإذا به كالصاعقة تنقض فيتساقط على جانبيه الأبطال كما تتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف.
فيقول بعض من حضر المشهد: إنه ما رأيت أشجع منه، إذ يكر على الجيش، فيفر أمامه فرار المعزى عن الأسد، وذلك في حين أنه لم يكن آنذاك أفصح منه إنساناً.
وحينما نرجع بالتاريخ إلى الوراء نجد من الإمام الحسين (عليه السلام) بطولات نادرة في الفتوحات الإسلامية. ثم في حروب الإمام علي (عليه السلام ). إلاّ أنها مهما بلغت من القوة والاصالة فإنها لا تبلغ شجاعته يوم عاشوراء، تلك التي كانت آية رائعة في تاريخ الإنسانية بلا شك.
يقول العقاد: وليس في بني الإنسان من هو أشجع قلباً ممن أقدم على ما أقدم عليه الحسين في يوم عاشوراء(7) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#7).
الزاهد العابد:
كان الحسين (عليه السلام) يحج كل سنة، إلاّ إذا حالت دون ذلك الظروف. وكان يمشي على قدميه إذا حج، وتقاد بجانبيه عشرات الإبل بغير راكب، فيتفقد كل مسكين فقير، صفرت يداه عن تهيئة راحلة للحج، فيسوق إليه الراحلة من الإبل التي معه.
وكان يصلي كل ليلة ألف ركعة، حتى سئل نجله الإمام زين العابدين (عليه السلام): ما بال أبيك قليل الأولاد؟. فأجاب: (إنه كان يصلي في كل ليلة ألف ركعة، فمتى يحرث).
الصابر الحكيم:
1- الصبر هو استطاعة الفرد على ضبط أعصابه في أحرج موقف. ولا ريب أن الإمام الحسين (عليه السلام).
كان يوم عاشوراء في أحرج موقف وقفه إنسان أمام أعنف قوة، وأقسى حالة.
ومع ذلك فقد صبر صبراً تعجَّبت ملائكة السماء من طول استقامته، وقوة إرادته، ومضاء عزيمته..
2- جنى عليه غلام جناية توجب العقاب، فأمر به أن يُضرب، فقال: يا مولاي ! (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)[سورة آل عمران: الآية 134] قال: (خَلُّوا عنه) فقال: يا مولاي ! (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)[سورة آل عمران: الآية 134] قال: (قد عفوت عنك) قال: يا مولاي (وَالله يُحِبُّ الْمحْسِنِينَ)[سورة آل عمران: الآية 134] قال: (أنت حر لوجه الله، ولك ضعف ما كنت أعطيك)(8) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#8).
الفصيح البديه:
لقد زخرت الكتب التاريخية بنوادره الرائعة من كلمات فصيحة يحسدها الدر في ألمع نضارته، وآلق روعته. وقد جُمع ذلك في كتب برأسها، إلاّ أني ذاكر لك الآن شيئاً قليلاً منها.
1- أبعد عثمانُ الصحابيَّ الكبيرَ أبا ذر (رض)، فشيَّعه عليٌّ وابناه (عليهما السلام)، فقال الإمام الحسين بالمناسبة:
(يا عمَّاه، إن الله قادر أن يغير ما قد ترى. والله كل يوم في شأن. وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك، وما أغناك عمّا منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم. فاسأل الله الصبر والنصر، واستعن به من الجشع والجزع، فإن الصبر من الدِّين والكرم، وإن الجشع لا يقدم رزقاً، والجزع لا يؤخر أجلاً)(9) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#9).
2- جاء إليه أعرابي فقال: إني جئتك من الهرقل والجعلل والأنيم والمهمم. فتبسم الحسين (عليه السلام) وقال: (يا أعرابي لقد تكلمت بكلام ما يعقله إلاّ العالمون).
فقال الأعرابي: وأقول أكثر من هذا، فهل أنت مجيبي على قدر كلامي؟ فأذِن له الحسين (عليه السلام) في ذلك فأنشد يقول:


هفا قلبي إلى اللهو وقد ودع شرخيـــــه

إلى تسعة أبيات على هذا الوزن.
فأجابه الحسين (عليه السلام) مثلها متشابهات منها:


فما رسم شيطاني قد تحت آيات رسمية

سفور درّجت ذيليــن في بوغاء فاعليـــة

ثم أخذ يفسر ما غمض من كلامه فقال:
(إما هرقل: فهو ملك الروم، والجعلل: فهو قصار النخل، والأنيم: بعوض النبات، والمهمم:
القليب الغزير الماء).
وهذه كانت أوصاف الأرض التي جاء منها.
فقال الأعرابي: ما رأيت كاليوم أحسن من هذا الغلام كلاماً، وأذرب لساناً، ولا أفصح منه منطقاً(10) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#10).
ومن روائعه المأثور قوله: (شر خصال الملوك الجبن عن الأعداء، والقسوة على الضعفاء، والبخل عن الإعطاء)(11) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#11).
ومن حكمه البديعة: (لا تَتكلف مالا تطيق، ولا تَتعرض لما لا تُدرك، ولا تعتدَّ بما لا تقدر عليه، ولا تنفق إلا بقدر ما تستفيد، ولا تطلب من الجزاء إلا بقدر ما صنعت، ولا تفرح إلاّ بما نلت من طاعة الله، ولا تتناول إلاّ ما رأيت نفسك له أهلاً)(12) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#12).
ومن بديع كلامه لما سئل: ما الفضل؟ قال: (ملك اللسان، وبذل الإحسان). قيل: فما النقص؟ قال: (التكلف لما لا يعنيك).

1- أعيان الشيعة: ج 4 ص 29 للسيد محسن الأمين.
2- أبو الشهداء: عباس محمود العقاد.
3- المعصوم الخامس: جواد فاضل. وفي المناقب: ج 4 ص 66.
4- أعيان الشيعة: ج 4 ص 132 السيد محسن الأمين.
5- أبو الشهداء: عباس محمود العقاد.
6- أعيان الشيعة: ج 4 ص 126 السيد محسن الأمين.
7- أبو الشهداء: عباس محمود العقاد ص 46.
8- الفصول المهمة: ص 159.
9- روضة الكافي: ص 207.
10- أبــو الشهداء: عباس محمود العقاد، نقلاً عن كتاب مطالب المسؤول لمحمد بن طلحة الشافعي: ص 73.
11- بلاغة الإمام الحسين: ص 128.
12- بلاغة الإمام الحسين: ص 154.

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 05:36 PM
الفصل الرابع من كتاب الامام الحسين قدوة وأسوة : نهضته





على الطريق:
أولاً: لم تكن الخلافة في المفهوم الإسلامي حقّاً يورث. ولكنَّ السلطة التي استبدت بالحكم في عصر عثمان أرادت أن تجعلها كذلك. ففي المحفل الحاشد الذي ضم كثيراً من المسلمين بينهم عثمان والإمام علي (عليه السلام)، جاء أبو سفيان شيخ بني أمية والوجيه لديهم، وهم الحزب الحاكم على الأوساط السياسية في البلاد الإسلامية - ذلك اليوم - جاء يتفقد طريقه بِعَصاً يحملها وقد كُف بصره.
وكان آنذاك قد شعر بانتهاء دوره في الحياة واقتراب منيَّته، فسأل أحد الجالسين هل في الحفل مَن يُخشى منه من غير بني أمية.
قال له رجل: ليس ههنا رجل غريب.
فقال: تَلَقَّفوها - أي السلطة - تَلَقُّفَ الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان لا جنَّة ولا نار !.
فأصاخ إليه كل سمع كان في بني أمية، ووعى نصيحته بكل التفات، ولم يعترض عليه يومئذ سوى أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، إذ وبَّخه على إعلانه الكفر، وأنَّبه فاعتذر قائلاً: لقد كنت مغروراً بهذا الرجل الذي نفى وجودَ أيِّ غريب في المجلس، وإلاّ لم يكن من الحزم أن أصارح مثلك بهذا.
وانتهى الحفل، وتفرق الجمع، إلاّ أنه كان ذا تأثير كبير في تسيير الأوضاع السياسية لمستقبل المسلمين.
أجل قد أفصح قول أبي سفيان عن خطة له مدروسة ساعده على تنفيذها الحزب الأموي:
أولاً: ومَن ابتغى السلطة، بل ومن ابتغى تقويض الأسس الإسلامية لأضغان قديمة، وأحقاد متراكمة.
ثانياً: تلك هي رغبة السيطرة على الحكم، ثم يَسهل عليهم كلّ ما يشاؤون.
وأبو سفيان - وهم معه - كانوا يستسهلون كل صعب، ويستحسنون كل قبيح في سبيل ذلك، ماداموا لا يعتقدون بجنة أو نار، ولا يؤمنون بنبي أو وصي، ولا يبالون لأي مقدَّس يُدحض، وأي شرف يُدنس، وأية سمعة تُساء، فإن أمامهم غاية يبررون في سبيل الوصول إليها كل واسطة، بل يعتبرون كل واسطة تؤدي إليها أمراً مقدَّساً ومحرماً. تماماً كالفكرة الجاهلية التي تمكنت من أدمغتهم البالية.
وحينما نجري مع الأحداث التي مرت بالعالم الإسلامي من أواخر عهد عثمان حتى قيام الدولة العباسية نجد أوفق التفاسير لها هذا الذي قدمناه لك الآن من كلام أبي سفيان، واعتقاده ومن تابعه.
فالحروب التي رافقت عصر الإمام علي (عليه السلام)، والحرمات التي هُتكت في عصر معاوية، والغارات التي شُنت في عهد يزيد، والمعارك التي شبت وأضرمت في عهد سائر الخلفاء الأمويين... كانت جميعاً جارية على هذا المبدأ، ومنفِّذة لهذه الخطة المدروسة.
فالحزب الأموي لم يفكر إلاّ في ابتزاز الأموال، وتشكيل السلطان، واستعباد الخلق بكل وسيلة. ومن أراد تفكيك الأحداث السياسية في هذه الحقبة الطويلة عن هذه الحقيقة الصريحة فقد أراد تفكيك المعلول عن علته، والمسبب عن سببه.
الحق الموروث:
وهكذا فإن الحزب الأموي شاء أن يجعل الخلافة حقّاً شخصيّاً وموروثاً منذ استبد بالحكم في عهد عثمان. إلاّ أن المسلمين أدركوا ذلك بوعيهم. وبتنبُّه كبار صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أمثال أبي ذر الغفاري، وعمرو بن الحمق الخزاعي فأشعلوها ثورة أطاحت بآمال بني أمية، ونسفت أحلامهم وما بنوا عليها من صروح خيالية.
بيد أنهم دبروا الأمر بشكل آخر كما يعرفه الجميع، حيث طالبوا بدم عثمان. وهذه أول آية تدل على أنهم اعتبروا أنفسهم وارثين الخلافة بعد عثمان. وإلاّ فما كان يمكنهم أن يطالبوا بذلك بعد أن يضموا صوتهم إلى سائر أصوات المسلمين، ويبايعوا عليّاً (عليه السلام)، لا بل إنهم يريدونها كسروية وقيصرية يرثها الحفيد، وتُبرم باسم الوليد وهو رضيع.
فما أغنى معاوية عن هذا الذي لج فيه وتهالك عليه.
لقـد رفع في الشام قميص عثمان حيث حشد تحته خمسين ألف مقاتل خاضبي لحاهم بدموع أعينهم، ورافعيه على أطراف الرماح، قد عاهدوا الله ألا يُغمدوا سيوفهم حتى يقتلوا قتلة عثمان، أو تلحق أرواحهم بالله.
هل كان نهج معاوية هو النهج الصحيح الأمثل لإنزال القصاص بأولئك القتلة؟
أكان طريق القصاص أن يمتنع من البيعة للخليفة الجديد الذي اختاره المهاجرون والأنصار في المدينة، ثم دخل المسلمون في بيعته أفواجاً من كل الأمصار والأقطار.
أكان طريق الثأر لعثمان ان يمتنع معاوية عن البيعة ويتمرد على الدولة في تلك الظروف المزلزلة التي لا تتطلب شيئاً كما تتطلب رأب الصدع وجمع الكلمة.
أكانت آية ولائه وحبه لعثمان أن يجعل من (قميصه) المضمخ بدمه رايةً يبعث تحتها كل غرائز الجاهلية، ويدير تحتها أتعس حرب أهلية تزلزل الإسلام وتفني المسلمين(1) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#1).
لم يكن الهدف الثأر لعثمان. وإلاّ فما حداه إلى أن يكتب إلى كلٍّ من طلحة والزبير يدعو كلاًّ منهما بإمرة المؤمنين، ويدَّعي انهما أحق بها من علي (عليه السلام) وأنه من ورائهما ظهير، قد اتخذ لهما البيعة من أهل الشام سلفاً.
وإنما كان هدفه أن يثير استفزازاً في العالم الإسلامي المتوتر، ويخرج من وراء ذلك بما يريد من الظفر بالسلطة المأمولة، والحزب الأموي من وراء القصد.
ولنترك هذا المشهد إلى مشهد آخر. فحينما نجحت مؤامرة معاوية وساعدته الأقدار على ابتزاز السلطة من يد أهلها، وهيأت له كل أهدافه وحققت له جميع شهواته، فما الذي حداه إذاً إلى استخلاف يزيد هذا السكِّير المقامر من بعده.
لا نستطيع تفسيراً لذلك إلاّ ما قد سبق من أن القضية كانت أعمق مما نخاله. فإنها ليست قضية استخلاف والد ولده فقط، بل هي تحويل الخلافة إلى مُلك أموي عضوض. صرح به مروان بن الحكم في عهد عثمان إذ قال للناس المحتشدين حول البلاط يطالبون بحقوقهم الشرعية: ما تريدون من مُلكنـا.
إذاً هو مُلك لكم تريدون الإبقاء عليه بما أُوتيتم من قوة وسلطان.. وراحت الأحداث تباعاً كلها تؤكد هذا التفسير حتى جاء أحد الموالين لبني أمية فصعد المنبر في حشد يضم زعماء المسلمين ذلك اليوم، ومعاوية متصدر وإلى جنبه يزيد.
فنظر إلى معاوية، ثم إلى يزيد ثم هز سيفه قائلاً:
أمير المؤمنين هذا ( معاوية ).
فإن مات فهذا ( يزيد ).
وإلاّ.. فهذا.. وهز السيف !!! فتقبل الناس خوفاً من آخر الثلاثة.
ومات معاوية، وكتب يزيد إلى الولاة بأخذ البيعة له. وجاء كتابه إلى المدينة. وطلب حاكم المدينة من الحسين (عليه السلام) البيعة ليزيد، فأبى. وكان من الطبيعي أن يأبى.
ثم حشد الحسين (عليه السلام) أهله، وأصحابه، وسار إلى مكة لإعلان ثورته، لا على يزيد فقط بل على الحزب الأموي، وعلى التوتر الذي يسود العالم الإسلامي أيضاً. ولا شك أنه سوف يربح القضية.
وبقي (عليه السلام) في مكة المكرمة أياماً، يعرف الناس مكانته السامية من الرسول (صلى الله عليه وآله) وسابقته الناصعة للرسالة، وقدمه الأصيل في قضايا المسلمين.
وأرسل يزيد إلى اغتياله مئة مسلح.. فعرف الحسين (عليه السلام) ذلك، فتنكَّب الطريق، وقصد الخروج إلى الكوفة.
لماذا ؟ لأسباب نوجزها فيما يلي:
1- لأنه إما أن يعلن الحرب على بني أمية وأنصارهم في مكة، وهو لا يريد ذلك لأنه يخالف قداسة البيت وحرمته أولاً، ولأنه إن ربحها لم يفد شيئاً، لأن من ورائه دولة مسلحة منتشرة قواها في كل مكان، في حين أن مكة تكفيها سرية تتجه من المدينة، حيث لا تزال حكومة الأمويين متمكنة هناك. فتطحنها طحناً، بينما الكوفة هي الآن أعظم قوة إسلامية على الإطلاق.
أضف إلى ذلك أن هناك من أُجراء بني أمية كثيرون يلفقون عليه من الروايات ما هو بريء منها، كما فعلوا بالنسبة إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
والحسين (عليه السلام) لا يهمه شيء كما يهمه معرفة الناس أنه على حق، وأن مناوئيه على باطل، حتى يُتبع نهج الحق الذي يمثله، ويترك نهج الباطل الذي يمثلونه.
ولو أعلنها حرباً عليهم لكانت النتيجة أن يقتل بسيف هؤلاء الوافدين من قبل السلطة وتحت ألبستهم أسلحة الإجرام.
2- وفي مكة ابن الزبير وهو يزعم بأنه أحق بالأمر من الحسين (عليه السلام) ولا يهمه أن يتحد مع يزيد الذي يدعي الآن أنه من مناوئيه في سبيل القضاء على الحسين، كما صنع ذلك أبوه في معركة البصرة، حيث اصطف بجانب مناوئي علي (عليه السلام) ليحظى بالخلافة دون الإمام.
3- والإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن يريد أن يشتغل به، وهناك القضية الكبرى حيث تحولت الخلافة في الشام إلى مُلك عضوض. وهذا انحراف يُجري الخلافة من حقٍّ إلى باطل، والأولى أشد وأمر من الثانية قطعاً.
4- إن مجرد سفره إلى العراق في حين يتقاطر الناس إلى مكة من كل حدب وصوب - يوم الثامن من ذي الحجة الحرام - إعلان كافٍ لهم عن هدفه، بل هو وحده كافٍ لتنبيه أهل الأمصار والأقطار النائية بما يحدث في العاصمة من حقيقة أمر الخلافة.
ثم سار بموكبه الحافل يقصد الكوفة، وقد أعلنت متابعة الإمام (عليه السلام) وأعطت البيعة له، وتواعدت على الحرب معه، كما كانت تحارب مع أبيه أهل الشام.
ومسلم بن عقيل ابن عمه والٍ عليهم، نافذ الكلمة، مطاعٌ أمين.
ثم اختلفت الرياح السود على الأوساط، وكما يبين الإمام (عليه السلام) نفسُه، خذلته شيعته وأنصاره، ونقضوا بيعته، وتلاشت قواه تحت ترهيب قوة الشام وترغيبها.
وهناك سبب آخر غيّر مجرى التاريخ، وهو التزام أنصار الحسين بالحق حتى في أشد الظروف وأعتاها. فهذا في جانب، وفي جانب آخر عدم ارتداع أهل الشام عن أي جريمة، وأي اغتيال وخدعة.
وهنا أنقل لكم قصتين فقط: ثم آتي بنظرتين لهما، حتى نعرف بالمجموع اختلاف السير والاتجاه بين الحسين (عليه السلام) وبين يزيد وأنصارهما.
كان مسلم بن عقيل الحاكم على الكوفة مطلق اليد. وكان عبيد الله بن زياد قد جاء إليها ليرجعها لبني أمية، ويرضي رجل من زعماء الشيعة يدعى هاني بن عروة. فعاده ابن زياد عله يستطيع أن يربحه.
وكان مسلم حاضراً فأمره هاني أن يختفي في مخدع، فإذا جاء ابن زياد، والي يزيد وزعيم المعارضة الأموية في الكوفة، ضرب عنقه وتخلص من شره وشر يزيد من بعده.
وجاء ابن زياد، وانتظر هاني خروج مسلم ساعة بعد ساعة تستطيل دقائقها ان لا يفوته الوقت.
ومع ذلك فلم يوافِهِ مسلم على الوعد، فأخذ ينشد أشعاراً يحرضه بتلميح على قتل ابن زياد، فأحس ابن زياد بالسر وخرج هارباً.
فلما جاء مسلم، وبَّخه هاني على استمهاله فقال:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (المسلم لا يغدر).
فقول رسول الله هو الميزان، وهو المقياس الأول والأخير للحركة في منطق أنصار الحسين (عليه السلام)، لأنهم لا يهدفون إلى غاية سوى بلوغ مرضاة الله تعالى، ولن تُبلغ مرضاته بمعصيته، ولا يطاع الله من حيث يعصى.
وانقلبت الأمور.. وقتل مسلم.. وجيء بخبر شهادته إلى الحسين (عليه السلام) وهو في طريقه إلى الكوفة، في منزل يدعى بـ (زبالة).
وهو إذ ذاك أحوج ما يكون إلى أنصار يؤيِّدونه وينصرونه، لأن أمامه الكوفة المخلوعة المغلوبة على أمرها، ووراءه مكة المحتشدة فيها قوى مناوئيه من أنصار بني أمية وغيرهم.
ومعه الآن زهاء ألف من الأنصار، أشد ما يكون احتياجاً إلى الإبقاء عليهم بكل وسيلة.
لكنه أبى إلاّ أن يصارحهم بالموضوع، ويبين لهم سقوط حكومته في الكوفة، وحرج موقفه، ويجيز لهم التخلي عنه إن شاؤوا.
استمعوا إلى خطبته حينما سمع بسقوط الكوفة في أيدي بني أمية:
(أيها الناس: إنما جمعتكم على أن العراق لي، وقد أتاني خبر فظيع عن ابن عمي مسلم يدل على أن شيعتنــا قد خذلتنا. فمن منكم يصبر على حر السيوف، وطعن الأسنة فليأت معنا، وإلاّ فلينصرف عنّا)(2) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book05/#2).
إنه لا يبتغي من وراء نهضته سوى الله. وإذاً فليعمل كما يريد الله صريحاً واضحاً فلا يخدع ولا يمكر.
وهنا ندع التاريخ يقص علينا عن أنصار يزيد قصتين أيضاً:
1- طلب ابنُ زياد الزعيمَ الشيعيَّ الآنف الذكر - هاني بن عروة - ليتفاوض معه في بعض الشؤون. واغتر الرجل وذهب إلى قصر الإمارة، فلما دخله أخذوه وعذبوه ثم قتلوه، في حين أنهم أعطوه الأيمان والمواثيق قبل قدومه القصر بأنه لا يمسُّه سوء منهم.
2- وحشدت شيعة علي (عليه السلام) أمرها وجاءت تحاصر قصر الإمارة تريد إنقاذ هانئٍ الذي خدعوه ومكروا به، ولم يكن - إذ ذاك - على قيد الحياة.
فإذا بأنصار بني أمية من فوق القصر، يطمئنون الناس ويهدئونهم بحياة هانئ، وأنه سوف يخرج إليهم بعد إجراء بعض المفاوضات.
ثم راحوا يهددونهم بجيش الشام، وأنه قد اقترب من حدود الكوفة مالهم به قبل أبداً، ورغَّبوهم بالأموال الطائلة التي سوف تهطل عليهم من الخزينة.. فإذا بالناس يتفرقون قليلاً قليلاً حتى سقطت الكوفة في أيدي هؤلاء.. وأول ما صنعوه قتل مسلم بعد ما قتلوا هانئ بن عروة غدراً ومكراً.
إن المستفاد من تاريخ النهضة الحسينية أن سبب سقوطها إنما كان هذه القصة بالذات، التي استقامت على وعود فارغة، وتهديد ماكر.
ثم حشد ابن زياد بعد استيلائه التام على الكوفة جيشاً باسم محاربة الترك والديلم، فلما اقتربت قافلة الإمام (عليه السلام) من الكوفة وجَّهه إليه ليقيِّده إليه أو إلى الموت. وأول سرية لقيت الحسين (عليه السلام) من الجيش، كانت مكونة من ألف مقاتل، وعلى رأسها الحر بن يزيد الرياحي. الذي طلب من الإمام (عليه السلام) إما البيعة وإما قدوم الكوفة أسيراً.. فأبى الإمام(عليه السلام) وأخذ طريقاً وسطاً بين طريق الكوفة والمدينة. وأرسل الحر كتابـاً إلى ابن زياد. فأجابه بلزوم محاربته، وحشد إلى الإمام جيوشاً بلغ عددها أكثر من ثلاثين ألف رجل، فالتقوا على صعيد كربلاء التي تبعد عن بغداد اليوم مئةً وخمسة كيلو مترات وعن الكوفة خمسة وسبعين كيلو متراً.
وكان ذلك اليوم عصر التاسع من شهر محرم الحرام، حيث جاءت رسالة ابن زياد إلى عمر بن سعد قائد جيش بني أمية يأمره بالحرب بعد منع الماء عن حرم الرسول (صلى الله عليه وآله).
واستمهلهــم الإمام الحسين (عليه السلام) سواد الليل، حتى إذا أفصحت ليلة العاشر من المحرم عن صبح كئيب، زحف الجيش على مخيم أبي عبد الله (عليه السلام) وقاوم أنصاره - وهم اثنان وسبعون بطلاً من أشجع أبطال العالم الإسلامي - وصُرعوا واحداً بعد الآخر بعد ما أبلوا بلاءً حسناً.
وقُتل أيضاً إخوة الإمام (عليه السلام) وعلى رأسهم بطل العلقمي أبو الفضل العباس(عليه السلام) واستشهد أبناؤه، حتى الرضيع في حضن والده، ولم يبق إلاّ الإمام (عليه السلام) فزحف إلى القوم وجاهد جهاداً عظيماً، وقتل من أهل الكوفة عدداً هائلاً، ولم تمض إلاّ ساعات حتى أصابه القدر سهمه الغدّار على يد حرملة الكاهلي لعنه الله، وأصابه الكفر برمحه على يد سنان بن أنس لعنه الله وبسيفه على يد شمر بن ذي الجوشن لعنه الله وأعد له جحيماً وعذاباً أليماً، فصرع شهيداً رشيداً ظامئاً مظلوماً، فعليه وعلى أنصاره ألف تحية وسلام.
ولما وقعت الواقعة الرهيبة، وانتهت بمصرع السبط وأصحابه الأطهار على أرض كربلاء بأبشع إجرام عرفه التاريخ، دوّى صداها في العالم الإسلامي، وزلزل عرش بني أمية زلزالاً.
ولم تمض مدة طويلة حتى اندلعت ثورات في كل مكان واستمرت حلقات متصلة، حتى انتهت بسقوط الدولة الأموية.
وإن كان الأمر لم ينته بسقوط بني أمية تماماً، حيث انحرفت القيادة الإسلامية أيضاً عن مجراها الصحيح، إلاّ أن ثورة أبي عبد الله (عليه السلام) ونهضته الجبارة كوَّنت جبهة قوية متماسكة تقف دون أي انحراف يريده المجرمون للحق ومفاهيمه.
والواقع أننا إذا تابعنا أحداث التاريخ بدقة، نرى أن كل دعوة صادعة ثارت على الطغيان في قرون متطاولة، إنما كانت نابعة عن حركة الإمام الحسين (عليه السلام).
وهكذا نستطيع أن نقول: إن نهضة الحسين (عليه السلام) ظلت قاعدة أصيلة للحركات الإصلاحية في التاريخ الإسلامي على طول الخط، وستظل هكذا إلى الأبد.

1- خالد محمد خالد عن كتابه في رحاب علي ص 162 - 163.
2- بلاغة الإمام الحسين (عليه السلام) ص 69.

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 06:16 PM
إسلام الراهب





لمّا جاؤا برأس الحسين (عليه السلام) ونزلوا منزلاً يقال له: قنّسرين اطّلع راهب من صومعته إلى الرأس فرأى نوراً ساطعاً يخرج من فيه ويصعد إلى السماء فأتاهم بعشرة آلاف درهم وأخذ الرأس وأدخله صومعته، فسمع صوتاً ولم ير شخصاً قال: طوبى لك، وطوبى لمن عرف حرمته، فرفع الراهب رأسه وقال: يا ربّ بحقّ عيسى تأمر هذا الرأس بالتكلّم معي، فتكلّم الرأس وقال:
يا راهب أيّ شيء تريد؟
قال: من أنت؟
قال: أنا ابن محمد المصطفى، وأنا ابن عليّ المرتضى، وأنا ابن فاطمة الزهراء، أنا المقتول بكربلا، أنا المظلوم، أنا العطشان وسكت.
فوضع الراهب وجهه على وجهه، فقال: ﻻ أرفع وجهي عن وجهك حتى تقول: أنا شفيعك يوم القيامة.
فتكلّم الرأس وقال: إرجع إلى دين جدّي محمد!
فقال الراهب: أشهد أن ﻻ إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله، فقبل له الشفاعة، فلمّا أصبحوا أخذوا منه الرأس والدراهم، فلمّا بلغوا الوادي نظروا الدراهم قد صارت حجارة.


35- بحار الأنوار 45/303 - 304.

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 06:17 PM
استشهاد بني هاشم


وبعد ما قتل أصحاب الحسين رضوان الله عليهم فعند ذلك وصلت النوبة إلى بني هاشم، وأول من قتل منهم علي بن الحسين الأكبر، وأمه ليلى، وفيه يقول الشاعر:


لــــــم تــــــر عـــــــين نظرت مثله من محـــــتف يــــمشي ومن ناعل

أعــــني ابن ليلى ذا السدى والندى أعني ابن بنت الشـــــرف الفاضل

لا يــــــــؤثر الــــدنـــــيا عــن دينه ولا يبـــــيع الحـــــــق بـــــــالباطل

وكان من أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً وخُلقاً، فاستأذن أباه في القتال فنظر إليه الحسين نظر آيس منه، وأرخى عينيه وبكى، ورفع سبابتيه أو شيبته الشريفة نحو السماء وقال: (اللهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إلى وجه هذا الغلام، اللهم امنعهم بركات الأرض وفرّقهم تفريقاً ومزّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً ولا تغفر لهم أبداً، ولا ترضي الولاة عنهم أحداً، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا).
ثم صاح: يابن سعد ما لك؟ قطع الله رحمك ولا بارك الله في أمرك، وسلّط عليك من يذبحك بعدي على فراشك، كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله، ثم رفع صوته وتلا: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ).
فحمل علي الأكبر على القوم وهو يقول:


أنـــــا عــــلي بن الحسين بـن علي نحــــــن وبيـــــت الله أولى بالنبي

أطعنـــكـــــم بــــالرمح حـــتى يثني أضربــــكم بالسيف أحمي عن أبي

ضـــــرب غـــــلام هـــاشمي علويّ والله لا يحــــــكم فــينا ابن الدعي

فشدّ على الناس وقتل منهم خلقاً كثيراً حتى ضجّ الناس من كثرة من قتل، فروي أنه قتل مائة وعشرين رجلاً، فرجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة وهو يقول: يا أبة العطش قد قتلني وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربة من الماء سبيل أتقوّى بها على الأعداء.


يشكــــو لخير أبٍ ظماه وما اشتكى ظمأ الحشا إلا إلى الظامي الصدي

كلٌ حشـــــاشته كصـــــــالية الغضا ولســـــــانه ظـــــمأ كــــشقة مبرد

فبكى الحسين وقال: وا غوثاه يا بني، يعزّ على محمد المصطفى وعلى علي المرتضى وعليّ أن تدعوهم فلا يجيبوك وتستغيث بهم فلا يغيثوك، يا بني قاتل قليلاً، فما أسرع أن تلقى جدك محمداً (صلّى الله عليه وآله) فيسقيك بكاسه الأوفى شربةً لا تضمأ بعدها أبداً، يا بني هات لسانك. فأخذ لسانه فمصّه، وأعطاه خاتمه وقال: أمسكه في فمك وارجع إلى عدوّك، فإني أرجو أن لا تمسي حتى يسقيك جدّك، ولدي عد بارك الله فيك.
فرجع مرتجزاً


الحـــــــرب قد بانت لها حقائق وظهــــرت مع بعضها مصادق

والله رب الـعرش لا نـــــــفارق جموعـــــكــم أو تغمد البوارق

ولم يزل يقاتل حتى قتل تمام المائتين، فضربه مرّة بن منقذ العبدي ضربةً صرعته، وضربه الناس بأسيافهم فاعتنق فرسه فاحتمله الفرس إلى معسكر الأعداء فقطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً، فلما بلغت روحه التراقي نادى رافعاً صوته: أبه هذا جدّي رسول الله قد سقاني بكأسه الأوفى شربةً لا أظمأ بعدها أبداً، وهو يقول: العجل العجل فإن لك كأساً مذخورة تشربها الساعة.
فجاءه الحسين ورفع صوته بالبكاء ولم يسمع أحد إلى ذلك الزمان صوت الحسين بالبكاء، فقال: قتل الله قوماً قتلوك، ما أجراهم على الرحمان وعلى انتهاك حرمة الرسول، أما أنت يا بني فقد استرحت من هم الدنيا وغمومها، وسرت إلى روح وريحان وجنّة ورضوان وبقي أبوك لهمّها وغمّها، فما أسرع لحوقه بك، ولدي علي ّعلى الدنيا بعدك العفا.


ابــــــنيّ هـــــــل لـــــــك عودةٌ حتــــــى أقــــــول مـــــــــسافر

كنـــــت الســــــواد لنــــــاظري فعليــــــك يـــــــبكي النــــــاظر

مــــــن شــــــاء بــــعدك فليمت فعـــــــليك كنـــــــت أحـــــــاذر

فــــإذا نطـــــــــقت فـــــمنطقـي بجمـــــــيل وصـــــــفك ذاكــــر

وإذا سكــــــت فــــــإن فــــــــي بــــــالي خــــــــيالــــــك خاطر

**

يا كوكبا مــــا كان أقصر عمره وكـــذاك تكون كواكب الأسحار

فعند ذلك خرجت زينب الكبرى من الخيام مسرعة وهي تنادي: وا ولداه؛ وا مهجة قلباه؛ فجاءت وانكبّت عليه، فجاء الحسين واخذ بيدها وردّها إلى الفسطاط، ثم نادى: يا فتيان بني هاشم هلمّوا واحملوا أخاكم إلى الفسطاط.
فجاء القاسم بن الحسن وهو غلام لم يبلغ الحلم فقال: يا عم الإجازة لأمضي إلى هؤلاء الكفرة؟ فقل له الحسين: يابن أخي أنت من أخي علامة وأريد أن تبقى لي لأتسلّى بك، فلم يزل القاسم يقبّل يديه ورجليه حتى أذن له، فقال له الحسين: يا بني أتمشي برجلك إلى الموت؟ فقال: يا عمّ وكيف لا؟ وأنت بين الأعداء بقيت وحيداً فريداً لم تجد محامياً.
فأركبه الحسين على فرسه فخرج القاسم ودموعه تسيل على خديه وهو يقول:


إن تنـــكروني فأنا نجل الحسن سبـط النبي المصطفى المؤتمن

هذا حــــسين كالأسير المرتهن بين أناس لاسقوا صوب المزن

وكان وجهه كفلقة قمر، فقاتل قتالاً شديداً حتى قتل على صغر سنه خمساً وثلاثين رجلاً، وقيل سبعين فارساً، فانقطع شسع نعله، فانحنى ليصلح شسع نعله، فضربه عمرو بن سعد الأزدي على رأسه فوقع الغلام لوجهه ونادى: يا عمّاه أدركني، فجاءه الحسين كالصقر المنقضّ فتخلّل الصفوف، وشدّ شدة الليث المغضب فضرب الحسين عمرواً قاتل القاسم بالسيف فاتقاه بيده فأطنّها من لدن المرفق، فصاح اللعين صيحة سمعها أهل العسكر ثم تنحّى عنه الحسين فحملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوا عمرواً من الحسين، فاستقبلته الخيل بصدورها وشرعته بحوافرها، ووطأته حتى مات إلى جهنم.
فلما انجلت الغبرة وإذا بالحسين قائم على رأس الغلام وهو يفحص برجليه فقال الحسين: يعز والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك فلا يعينك أو يعينك فلا يغني عنك، بعداً لقومٍ قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة جدّك وأبوك، هذا يوم والله كثر واتره وقلّ ناصره.
ثم احتمله على صدره ورجلاه تخطّان في الأرض خطّاً حتى ألقاه بين القتلى من أهل بيته.
ثم برز من بعده أخوه أحمد بن الحسن، وله من العمر ستة عشر سنة فقاتل حتى قتل ثمانين رجلاً، فرجع إلى الحسين وقد غارت عيناه من العطش فنادى: يا عمّاه هل من شربة ماء أبرّد بها كبدي؟
فقال له الحسين: يابن أخي اصبر قليلاً حتى تلقى جدّك رسول الله فيسقيك شربة من الماء لا تظمأ بعدها أبداً.
فرجع إلى القوم وحمل عليهم وقتل منهم ستين فارساً حتى قتل. وبرز أخوه أبو بكر بن الحسن وهو يقول:


إن تــــــنكروني فــــــأنا ابن حيدرة ضرغـــــــام آجــــامٍ وليث قسورة

عــــلى الأعادي مثل ريح صرصرة أكيلكم بالسيـــــف كـــــيل السندرة

فقاتل حتى قتل.
فعند ذلك خرج أولاد أمير المؤمنين (عليه السلام) وأول من خرج منهم أبو بكر بن أمير المؤمنين فقاتل حتى قتل.
وبرز عون بن أمير المؤمنين فقال له الحسين: كيف تقاتل هذا الجمع الكثير والجمّ الغفير؟ فقال: من كان باذلاً فيك مهجته لم يبال بالكثرة والقلّة، ثم حمل فقتل مقتلة عظيمة، فاحتوشه ألفان، ففرّقهم يميناً وشمالاً، وتخلّل الصفوف ثم رجع إلى الحسين فقبّله الحسين وقال له: أحسنت لقد أصبت بجراحات كثيرة فاصبر هنيئة.
فقال عون: سيدي أردت أن أحظى منك وأتزوّد من رؤيتك مرة أخرى، فرجع وقاتل ورُمي بسهم وقضى نحبه.
فعند ذلك وصلت النوبة إلى أولاد أم البنين، فقال لهم العباس بن أمير المؤمنين: يا بني أمي تقدّموا حتى أراكم قد نصحتم لله ولرسوله فإنه لا ولد لكم تقدّموا ـ بنفسي أنتم ـ فحاموا عن سيدكم حتى تموتوا دونه.
فبرز عبد الله بن أمير المؤمنين وعمره خمس وعشرون سنة، فقتل أبطالاً ونكّس فرساناً، فقتله هاني بن ثبيت الحضرمي عليه اللعنة.
ثم برز جعفر بن أمير المؤمنين فقاتل وقتل جمعاً كثيراً، فقتله هاني بن ثبيت الحضرمي.
فبرز عثمان بن أمير المؤمنين، وعمره إحدى وعشرون سنة فقاتل حتى قتل.
فبقي العباس بن علي قائماً أمام الحسين يقاتل دونه، وكان العباس بطلاً جسيماً وسيماً، يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطّان على الأرض خطا، ويلقّب بالسقّاء وقمر بني هاشم.
فجاء نحو أخيه الحسين فقال: يا أخاه هل من رخصة؟ فبكى الحسين حتى ابتلّت لحيته بدموعه فقال: أخي أنت العلامة من عسكري فإذا غدوت يؤول جمعنا إلى الشتات وتنبعث عمارتنا إلى الخراب، فقال العباس: فداك روح أخيك لقد ضاق صدري من الحياة الدنيا وأريد أخذ الثأر من هؤلاء المنافقين.
فقال له الحسين: فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء، فبرز العباس فلمّا توسّط الميدان وقف ونادى: يا عمر بن سعد هذا الحسين ابن بنت رسول الله يقول لكم: إنكم قتلتم أصحابه واخوته وبني عمّه وبقي فريداً مع أولاده وعياله وهم عطاشى، قد أحرق الظمأ قلوبهم فاسقوهم شربة من الماء لأن أولاده وأطفاله قد وصلوا إلى الهلاك... إلى آخر كلامه.
فلما سمع أهل الكوفة كلام أبي الفضل فمنهم من سكت ومنهم من جلس يبكي، وخرج شمر وشبث بن ربعي (عليهما اللعنة) وقالا: يابن أبي تراب قل لأخيك: لو كان كلّ وجه الأرض ماءاً وهو تحت أيدينا ما سقيناكم منه قطرة حتى تدخلوا في بيعة يزيد.
فتبسّم العباس فرجع إلى الحسين وأخبره بمقال القوم، فبكى الحسين حتى بلّ أزياقه من الدموع، فسمع العباس الأطفال وهم ينادون: العطش العطش فركب فرسه وأخذ رمحه والقِربة، وكان عمر بن سعد قد وكّل أربعة آلاف رجلاً على الماء لا يدعون أحداً من أصحاب الحسين يشرب منه.
فحمل عليهم العباس ففرّقهم وكشفهم وقتل منهم ثمانين رجلاً وهو يقول:


لا أرهـب الموت إذا الموت رقا حتى أوارى في المصاليت لقى

إني أنـــــا العباس أغدو بالسقا ولا أخــــاف الشر يوم الملتقى

حتى دخل الماء فلما أراد أن يشرب غُرفة من الماء ذكر عطش الحسين وال بيته فرمى الماء وهو يقول:


يا نفس من بعد الحسين هوني وبعــــــــده لا كـــنت أن تكوني

هــــــذا الحسين شارب المنون وتشربيــــــن بـــــارد المعـــين

هيهـــــــــات ما هذا فعال ديني ولا فعــــــال صـــــــادق اليقين

فملأ القربة وحملها على عاتقه وتوجّه نحو الخيمة فقطعوا عليه الطريق وأحاطوا به من كل جانب، وأخذوه بالنبال حتى صار درعه كجلد القنفذ من كثرة السهام، فكمن له زيد بن ورقاء من وراء نخلة وعاونه حكيم بن طفيل فضربه على يمينه فقطعها، فأخذ السيف بشماله وهو يقول:


والله إن قطــــعتـــم يمــــــــيني إنـــــي أحــــامي أبداً عن ديني

وعــــــن إمـــــام صادق اليقين نجــــــل النـــبي الطاهر الأمين

فقـاتل حتى ضعف. فقطعوا شماله فجعل يقول:


يا نـــــفس لا تخشي من الكفّار وأبشــــــري بــــــرحمة الجبّار

قد قطــــعوا ببغيــــــهم يساري فـــــأصلهم يــــــا رب حر النار

فجاء سهم وأصاب القربة وأريق ماؤها، فبقي العباس حائراً ليس له يد فيقاتل ولا ماء فيرجع إلى الخيمة، فضربه رجل بعمود من الحديد فسقط عن فرسه ونادى يا أخي أدرك أخاك...


عمدُ الحديد بكربـلا خسف القمر من هــــاشم فلتبكيه عليا مضر

أو مادرت من مهره العباس خر فمشـــى إليـه السبط ينعاه كسر

تَ الآن ظهري يا أخي ومعيني

فإنقضّ إليه الحسين كالصقر فرآه مقطوع اليدين مفضوخ الجبين مشكوك العين بسهم، فوقف عليه منحنياً وجلس عند رأسه يبكي، ففاضت نفس أبي الفضل فقال الحسين: أخي الآن انكسر ظهري وقلّت حيلتي وشمت بي عدوي.


فهــــوى عـــليه ما هنالك قائلاً اليوم بـان عن اليمين حسامها

الــــيوم آل إلـــى التفرّق جمعنا اليوم هـــــدّ عن البنود نظامها

اليوم سارعــــن الكتائب كبشها اليوم غاب عن الصلاة إمامها

اليوم نامت أعــــــين بك لم تنم وتـــــسهدت أخرى فعزّ منامها

**

عـباس تسمع زينباً تدعوك من لي يا حماي إذا العدى سلبوني

أو لسـت تسمع ما تقول سكينة عــــمّاه يوم الأسر من يحميني

ثم قام ورجع إلى الخيمة فاستقبلته ابنته سكينة، وقالت: أبتاه هل لك علم بعمّي العباس، فبكى الحسين وقال: يا بنتاه إن عمّك قتل.
وخرج محمد بن عبد الله بن جعفر، وامه زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين فقاتل حتى قتل.
ثم برز أخوه عون بن عبد الله بن جعفر، وأمه أيضاً زينب الكبرى فقتل جمعاً كثيراً حتى قتل.
وبرز أخوهما عبيد الله فقاتل حتى قتل.
وبرز غلام من أخبية الحسين، وفي أذنيه درّتان وهو مذعور فجعل يلتفت يميناً وشمالاً، وقرطاه يتذبذبان فحمل عليه هاني بن ثبيت الحضرمي فضربه بالسيف فقتله، فصارت أمه تنظر إليه ولا تتكلّم كالمدهوشة.
ثم نادى الحسين: هل من ذائب يذبّ عن حرم رسول الله؟ هل من موحّدٍ يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟
فارتفعت أصوات النساء بالبكاء والعويل، فتقدّم إلى باب الخيمة وقال لزينب: ناوليني ولدي الرضيع لأودّعه:


أخــــــــت إيتــيني بطفلي أره قبل الفراق فـــأتــــــت بـالطفل لا يـــهدأ والدمع مراق

يتلظّــــى عطشــاً والقلبُ منه في احتراق غائر العينين طاوي البطن ذاوي الشفتين

فبكى لــــمّا رآه يـــــــتلظّى مــــــــن أوام بدموع هاطـــلات تخجـــــل السحب سجام

فأتــــى الـــقوم وفـــــي كفّيه ذياك الغلام وهما من ظــــما قــــلباهــــما كالجـمرتين

فنادى يا قوم قتلتم أنصاري وأولادي، وما بقي غير هذا الطفل، إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل، لقد جفّ اللبن في صدر أمّه.
فرماه حرملة بسهم فوقع في نحره فذبحه من الوريد إلى الوريد. فوضع الحسين كفّيه تحت نحر الطفل فلمّا امتلأتا دماً رمى به إلى السماء وقال: هوّن عليّ ما نزل بي أنه بعين الله، اللهم لا يكونن طفلي هذا أهون عليك من فصيل ـ أي فصيل ناقة صالح ـ.
ثم عاد بالطفل مذبوحاً وحفر له بجفن سيفه ودفنه. وولد للحسين ابن وقت الظهر، فأتي به إلى الحسين وهو قاعد بباب الخيمة فأخذه في حجره فاذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، فرماه لعين فذبحه في حجر الحسين وإلى هذا أشار الشاعر:


ومنعــــــطفاً أهـوى لتقبيل طفله فـــــقبّل منه قبله السهم منحرا

لقد ولدا في ساعةٍ وهو والردى ومن قبله في نحره السهم كبّرا






فاجعة الطف / للقزويني

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 06:19 PM
استشهاد الأصحاب



وخطب فيهم خطبة أخرى، وأتمّ عليهم الحجّة فما أفاد فيهم الكلام ثم أناخ راحلته، ودعى بفرس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المرتجز فركبه، فعند ذلك تقدّم عمر بن سعد وقال: يا دريد أدن رايتك ثم أخذ سهماً ووضعه في كبد القوس وقال: اشهدوا لي عند الأمير فأنا أول من رمى الحسين، فاقبلت السهام من القوم كأنها شآبيب المطر، فقال الحسين لأصحابه: قوموا رحمكم الله فإن هذه السهام رسل القوم إليكم.
فاقتتلوا ساعة من النهار حملةً وحملةً، فلما انجلت الغبرة وإذا بخمسين من أصحاب الحسين صرعى، فعند ذلك ضرب الحسين بيده على لحيته الكريمة وقال: (اشتدّ غضبُ الله على اليهود إذ جعلوا له ولدا، واشتدّ غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة، واشتدّ غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر، واشتدّ غضبه على قوم اتّفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم، أما والله لا أجيبهم إلى شيء ممّا يريدون حتى ألقى الله وأن مخضّب بدمي).
ثم جعل أصحاب الحسين يبرزون واحداً بعد واحد، وكل من أراد منهم الخروج ودّع الحسين وقال السلام عليك يا أبا عبد الله. فيجيبه الحسين: وعليك السلام ونحن خلفك، ثم يتلو: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً).
ولا يبرز منهم رجلٌ حتى يقتل خلقاً كثيراً من أهل الكوفة، فضيّقوا المجال على الأعداء حتى قال رجل من أهل الكوفة يصفهم:
ثارت علينا عصابةُ أيديها على مقابض سيوفها، كالأسود الضارية تحطّم الفرسان يميناً وشمالاً، وتلقي أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها بين الورود على حياض المنية، والاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها).
ونعم ما قيل في حقّهم:


قـــــــومٌ إذا نـــــودوا لــــدفع ملمّةٍ والخـــــيل بـــين مدَعّسٍ ومكردس

لبسوا القـلوب على الدروع وأقبلوا يـــــتهافتون عـــلى ذهاب الأنفس

وأقبل الحرّ بن يزيد الرياحي إلى عمر بن سعد وقال: يا عمر أمقاتل أنت هذا الرجل؟
قال: إي والله قتالاً أيسرهُ أن تطير الرؤوس وتطيح الأيدي.
فقال الحر: أفمالكم فيما عرضه عليكم رضى؟
قال عمر: أما لو كان الأمر لي لفعلت، ولكن أميرك أبى.
فاقبل الحرّ حتى وقف موقفاً من الناس، فأخذ يدنو من الحسين قليلاً قليلاً، فقال له المهاجر بن أوس: ما تريد أن تصنع؟ أتريد أن تحمل عليه؟
فلم يجيبه الحر، وأخذه مثل الإفكل وهي الرعدة، فقال له المهاجر: إن أمرك لمريب، والله ما رأيت منك في موقف قطّ مثل هذا، ولو قيل لي من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك، فما هذا الذي أراه منك؟!
فقال الحر: إني والله أخيّر نفسي بين الجنّة والنار؛ فوالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قُطّعتُ وحُرّقت.
ثم ضرب فرسه قاصداً نحو الحسين ويده على رأسه وهو يقول: اللهم إليك أنبتُ فتُبْ عليّ، فقد أرعبتُ قلوب أوليائك وأولاد بنت نبيّك، فلما دنى من الحسين قال له: من أنت؟ قال: جعلني الله فداك أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعتُ بك في هذا المكان، وما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضته عليهم ولا يبلغون بك هذه المنزلة، وأنا تائبٌ إلى الله ممّا صنعتُ، فترى لي من ذلك توبة؟ قال: نعم يتوب الله عليك فانزل.
قال: أنا لك فارساً خير مني لك راجلاً أقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النزول يصير آخر أمري، فقال له الحسين: فاصنع رحمك الله ما بدا لك.
فاستقدم أمام الحسين فقال: (يا أهل الكوفة لأّمكم الهُبل والعبر أدعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم أسلمتموه، وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه عدوتم عليه لتقتلوه، أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجّه إلى بلاد الله العريضة، فصار كالأسير المرتهن لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضراً، وحلأتموه ونساءه وصبيته عن ماء الفرات الجاري الذي تشربه اليهود والنصارى والمجوس، وتمرغ به خنازير السواد وكلابه، وها هم قد صرعهم العطش، بئسما خلّفتم محمداً في ذريّته، لا سقاكم الله يوم الظمأ الأكبر).
فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل، فأقبل حتى وقف أمام الحسين واستأذن قائلاً: يابن رسول الله كنت أول خارجٍ عليك، فأذن لي لأكون أول قتيلٍ بين يديك، وأول من يصافح جدّك غداً، فأذن له الحسين فبرز مرتجزاً:


إنــــيّ أنا الحرّ ومأوى الضيف أضـــرب فــي أعناقكم بالسيف

عن خير من حلّ بأرض الخيف أضــــربكم ولا أرى مــن حيف

وحمل عليهم وقتل منهم نيفاً وأربعين رجلاً، فعقروا فرسه فجعل يقاتلهم راجلاً، ثم شدّت عليه عصابة فقتلوه، فلما صرع وقف عليه الحسين ودمه يشخب، فجعل الحسين يمسح الدم والتراب عن وجهه وهو يقول: بخٍ بخٍ يا حر، أنت الحر كما سمّتك أمك، وقضى نحبه وحملته عشيرته ودفنته.
وبرز برير بن خضير الهمداني بعد الحر، وكان من عباد الله الصالحين فجعل يحمل عليهم ويقولك (اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول الله وذريته الباقين)، حتى قتل منهم ثلاثين رجلاً فخرج إليه يزيد بن المغفّل أو معقل، وقرّرا المباهلة إلى الله في أن يقتل المحقّ منهما المبطل، فقتله برير، ثم حمل عليه القوم وقتلوه رحمه الله.
ثم برز مسلم بن عوسجة وجعل يقاتلهم قتالاً شديداً، وبالغ في قتال الأعداء وصبر على أهوال البلاء، حتى سقط صريعاً فمشى إليه الحسين ومعه حبيب بن مظاهر وبه رمق من الحياة، فقال له الحسين: رحمك الله يا مسلم، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً، ثم دن منه حبيب ابن مظاهر وقال: يعزّ والله عليّ مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة، فقال مسلم ـ بصوت ضعيف ـ: بشّرك الله بالخير، فقال حبيب: لو لا أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إليّ بكل ما أهمّك، فقال مسلم: أوصيك بهذا (وأشار إلى الحسين) قاتل دونه حتى تموت. فقال حبيب لأنعمنّك عينا.


نصــــروك أحياءً وعند مماتهم يوصي بنصرتك الشفيق شفيقا

أوصــى ابن عوسجةٍ حبيباً قال قـــاتل دونه حتى الحِمام تذوقا

ونادى أصحاب عمر بن سعد ـ مستبشرين ـ: قد قتلنا مسلم بن عوسجة، فصاحت جارية له وا سيّداه، يابن عوسجتاه.
فلما سمع ابنه ذلك دخل عند إمّه وهو يبكي فقالت: ما يبكيك؟ قال: أريد الجهاد، فقامت أمّه وشدّت سيفاً في وسطه وقالت: أبرز يا بني فإنك تجد رمحاً مطروحاً بين أطناب المخيّم. فخرج وأراد حمل الرمح فلم يتمكّن، وجعل يسحبه على الأرض سحباً، فبصر به الحسين فقال: إن هذا الشاب قد قتل أبوه في المعركة وأخاف أمّه تكره برازه فقال الغلام: يا سيدي إنّ أمي ألبستني لامة حربي فبرزَ مرتجزاً:


أميــــري حســــين ونعم الأمير ســـــرور فـــؤاد البشير النذير

عــــــليّ وفــــــاطمـــــة والداه فهــــــل تــــعلمون له من نظير

لـــه طـلعة مثل شمس الضحى لـــــه غـــــرّةٌ مـــــثل بدرٍ منير

فقاتل حتى قتل فاحتزوا رأسه، ورموا بالرأس نحو معسكر الحسين، فأخذت ا مه رأسه وقالت: أحسنت يا بني يا سرور قلبي يا قرّة عيني، ثم رمت براس ولدها وأخذت عمود الخيمة وحملت عليهم وهي تقول:


أنـــــا عـــــجوز سيدي ضعيفة خــــــاوية بــــــالية نحـــــــيفة

أضـــــربكم بضــــــربةٍ عنــيفة دون بــــــني فـــاطمة الشريفة

فأمر الحسين بصرفها ودعا لها.
ثم برز وهب بن عبد الله الكلبي، وكان نصرانياً ومعه أمه وزوجته فأسلموا على يد الحسين في أثناء الطريق ورافقوه إلى كربلاء، فأقبلت أمه وقالت: يا بني قٌم وانصُر ابن بنت رسول الله.
فقال: أفعل يا أماه ولا أقصّر، فبرز وهو يقول:


إن تنـــــكروني فأنا ابن الكلبي ســـوف تروني وترون ضربي

وسطوتي وجولتي في الحرب
فقتل جماعة منهم، ثمّ رجع إلى أمّه وقال: يا أماه ارضيِ عنّي؟
فقالت: ما رضيتُ حتى تقتل بين يدي الحسين، فقالت امرأته: بالله عليك لا تفجعني في نفسك، فقالت أمه: أعزب عنها ولا تقبل قولها، وارجع وقاتل بين يدي ابن بنت رسول الله تنل شفاعة جدّه يوم القيامة.
فرجع فلم يزل يقاتل حتى قتل تسعة عشر فارساً وعشرين راجلاً، ثم قطعت أصابع يده، وأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وأمي! قاتل دون الطيّبين حرم رسول الله، فاقبل كي يردّها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه وقالت: لن أعود أو أموت معك، فقال لها: كنت تنهينني عن القتال والآن تحرّضينني؟ قالت: يا وهب لقد عفتُ الحياة منذ سمعت نداء الحسين ينادي وا غربتاه وا قلّة ناصراه، أما من ذابّ يذبّ عنّا؟ أما من مجير يجيرنا؟
ثم استعان وهب بالحسين وقال سيدي ردّها، فقال الحسين: جزيتم من أهل بيت خيراً، إرجعي إلى النساء يرحمك الله، فانصرفت، وقتل وهب ورموا برأسه إلى عسكر الحسين، فأخذت أمّه الرأس فقبّلته وجعلت تمسح الدم من وجهه وهي تقول: الحمد لله الذي بيّض وجهي بشهادتك ـ يا ولدي ـ بين يدي أبي عبد الله الحسين. ثم رمت بالرأس وأخذت عمود الخيمة فقال لها الحسين: ارجعي يا أم وهب أنت وابنك مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
فذهبت امرأته تمسح الدم والتراب عن وجهه وهي تقول: هنيئاً لك الجنّة. فبصر بها شمرٌ فأمر غلامه فضربها بعمود فقتلها، هي أول امرأة قتلت في عسكر الحسين.
ولم يزالوا كذلك حتى دخل وقت الظهر، فجاء أبو تمامة الصيداوي وقال: يا أبا عبد الله أنفسنا لنفسك الفداء، هؤلاء اقتربوا منك، لا والله لا تقتل حتى أقتل دونك... وأحبّ أن ألقى الله عزّ وجلّ وقد صلّيت هذه الصلاة معك.
فرفع الحسين رأسه إلى السماء وقال: ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين، نعم هذا أول وقتها، ثم قال (عليه السلام): سلوا هؤلاء القوم أن يكفّوا عنّا حتى نصلّي، فأذّن الحسين بنفسه، وقيل: أمر مؤذّنه ليؤذّن، ثم قال الحسين: ويلك يابن سعد أنسيت شرائع الإسلام؟ اقصر عن الحرب حتى نصلّي وتصلّي بأصحابك ونعود إلى ما نحن عليه من الحرب، فاستحى ابن سعد أن يجيبه، فناداه الحصين ابن نمير ـ عليه اللعنة ـ قائلاً: صلّ يا حسين ما بدا لك فإن الله لا يقبل صلاتك.
فأجابه حبيب بن مظاهر: ثكلتك أمك، ابن رسول الله صلاته لا تقبل وصلاتك تقبل يا خمّار؟!
فقال الحسين لزهير بن القين وسعيد بن عبد الله: تقدّما أمامي حتى أصلّي الظهر. فتقدّما أمامه في نحو نصفٍ من أصحابه حتى صلّى بهم صلاة الخوف، وسعيد تقدّم أمام الحسين فاستهدف لهم فجعلوا يرمونه بالنبال كلّما أخذ الحسين يميناً وشمالاً قام بين يديه فما زال يرمى إليه حتى سقط على الأرض وهو يقول: اللهم العنهم لعن عادٍ وثمود، اللهم أبلغ نبيّك عني السلام. وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإنني أردت بذلك نصرة ذرّية نبيّك ثم مات رحمه الله.
وخرج حبيب بن مظاهر وودع الحسين وجعل يقاتل وهو يقول:


أنا حبيـــــــب وأبـــــي مــظاهر فـــــارس هيجاء وحرب تسعر

أنــــــتم عـــــدّ عــــــــدّة وأكثر ونحـــــــن أوفــى منكم وأصبر

وأنـــــــتم عــــــند الوفاء أغدر ونحــــــن أعـــلى حجّة وأظهر

فقتل اثنين وستين فارساً ثم قتل فبان الانكسار في وجه الحسين، فقال الحسين: لله درّك يا حبيب لقد كنت فاضلً تختم القرآن في ليلة واحدة.
وتقدّم زهير بن القين وقاتل قتالاً لم ير مثله، ثم رجع ووقف أمام الحسين وجعل يضرب على منكب الحسين ويقول:


فدتــــــك نـــــفسي هادياً مهديّاً اليــــــوم ألقـــــى جــــدّك النبيّا

وحسنا والمرتضى عليّا
إلى آخر أبياته، فكأنّه ودّع الحسين وعاد يقاتل حتى قتل مائة وعشرين رجلاً، ثم قتل رحمه الله، ووقف عليه الحسين وقال: لا يبعدك الله يا زهير، ولعن قتلك لعن الذين مسخوا قردة وخنازير.
وجاء عابس بن شبيب الشاكري ومعه شوذب مولى آل شاكر، فقال عابس: يا شوذب ما في نفسك أن تصنع اليوم؟
فقال: ما اصنع! أقاتل معك دون ابن بنت رسول الله حتى اقتل، فقال له عابس: ذلك الظنّ بك، أما الآن فتقدّم بين يدي أبي عبد الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه وحتى أحتسبك أنا، فإنه لا عمل بعد اليوم وإنما هو الحساب.
فتقدم شوذب واستأذن وقاتل وقتل.
وتقدّم عابس إلى الحسين سلّم عليه وقال: يا أبا عبد لله، والله ما أمسى على وجه الأرض قريب أو بعيد أعز عليّ ولا أحبّ إليّ منك ولو قدرت أن أدفع عنك الضيق أو القتل بشيء أعزّ على من نفسي ودمي لفعلته، السلام عليك يا أبا عبد الله، إشهد أني على هداك وهدى أبيك، ثم مشى بالسيف مصلتاً نحو القوم.
فصاح رجل من أهل الكوفة: هذا أسد الأسود هذا ابن شبيب. فأخذ عابس ينادي: إلا رجل ألا رجل؟ فلم يتقدّم إليه أحد، فنادى عمر بن سعد:
إرضخوه بالحجارة، فرمي بالحجارة من كلّ جانب، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره خلفه، ثم شدّ على الناس.
قال الراوي: فوالله لقد رأيته يطرد أكثر من مائتين من الناس، حتى اثخنه بالجرح ضرباً وطعناً ورمياً وقتلوه رضوان الله عليه.
وأقبل جون مولى أبي ذر الغفاري يستأذن في القتال، فقل الحسين: يا جون أنت في إذن مني فإنما تبعتنا طلباً للعافية، فلا تبتل بطريقنا، فقال جون: يابن رسول الله أنا في الرخاء الحسُ قِصاعَكم وفي الشدّة أخذلكم؟! والله إنّ ريحي لنتن، وإن حسبي للئيم، وإن لوني لأسود، فتنفّس عليّ بالجنة فتطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيّض وجهي، لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دماءكم.
فأذن له الحسين فبرز يرتجز ويقول:


كيــــــف يرى الكفّار ضرب الأسود بالمـــــشرفيّ والقــــــنا المـــــسدّد

يذبّ عـــــــن آل النــــــبي أحـــــمد يــــــذبّ عنــــــهم بـــاللسان واليد

فقتل خمساً وعشرين رجلاً ثم قتل، فوقف عليه الحسين وقال: اللهم بّيض وجهه وطيّب ريحه، واحشره مع الأبرار، وعرّف بينه وبين محمد وآل محمد.
وخرج غلام تركي وهو يقول:


البــحر من طعني وضربي يصطلي والجوّ مـــــن نبلي وسهمي يمتلي

إذا حســــــامي فــــي يميني ينجلي ينــــــشقّ قــــلب الحاســـد المبخل

فقتل جماعة ثم سقط فجاءه الحسين وبه رمق يومي إلى الحسين، فبكى الحسين وبه رمق يومي إلى الحسين، فبكى الحسين واعتنقه ووضع خدّه على خدّه، ففتح الغلام عينيه وتبسّم وفاضت نفسه.
ثم برز عمرو بن خالد الصيداوي وقال للحسين: يا أبا عبد الله جعلتُ فداك هممت أن الحق بأصحابك وكرهت أتخلّف فأراك وحيداً من أهلك قتيلاً، فقال له الحسين: تقدّم فإنا لاحقون بك عن ساعة، فقاتل حتى قتل، وبرز ابنه خالد مرتجزاً فقاتل حتى قتل.
ثم جاء حنظلة بن اسعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين يقيه السهام والرماح بوجهه ونحره.
فقال له الحسين: يابن أسعد إنهم استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق. فقال: صدقت جعلت فداك أفلا نروح إلى الآخرة ونلتحق بإخواننا؟
فقال له الحسين: بلى، رح إلى ما هو خير لك من الدنيا وما فيها وإلى ملك لا يبلى، فقال: السلام عليك يا أبا عبد الله، صلى الله عليك وعلى أهل بيتك، عرّف الله بيننا وبينك في الجنّة، فقال الحسين: آمين آمين.
فاستقدم وقاتل قتال الأبطال وصبر على احتمال الأهوال حتى قتل.
فبرز سعد بن حنظلة التميمي، وقاتل قتال الأسد الباسل، وبالغ في الصبر على الخطب النازل، حتى سقط صريعاً بين القتلى وقد اثخن بالجراح، فلم يزل كذلك وليس به حراك حتى سمعهم يقولون: قتل الحسين فتحامل، وأخرج سكّيناً من خُفّه وجعل يقاتلهم بها حتى قتل.
وخرج عمرو بن قرظة الأنصاري فاستأذن الحسين فأذن له، فقاتل قتال الأسد الباسل، وكان لايأتي إلى الحسين سهم إلا اتقّاه بيده، ولا سيف إلا تلقّاه بمهجته، فلم يكن يصل إلى الحسين سوء حتى اثخن بالجراح. فالتفت إلى الحسين وقال: يابن رسول الله أوفيت؟ فقال الحسين: نعم، أنت أمامي في الجنة، فاقرأ رسول الله عني السلام وأعلمه أني في الأثر.
وبرز جابر بن عروة الغفاري، وكان شيخاً كبيراً قد شهد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بدراً وحنيناً، فجعل يشدّ وسطه بعمامة، ثم شدّ جبينه بعصابة ثم رفعهما عن عينيه والحسين ينظر إليه ويقولك شكر الله سعيك يا شيخ، فبرز وقاتل حتى قتل ثمانين رجلاً، ثم قتل.
وبرز عبد الله وعبد الرحمن الغفاريان فقالا: السلام عليك يا أبا عبد الله أحببنا أن نقتل بين يديك فقال (عليه السلام): مرحباً بكما أدنوا مني؛ فدنوا منه وهما يبكيان فقال: يا بني أخي ما يبكيكما؟ فوالله أني ارجوا أن تكونا بعد ساعة قريري العين؟
فقالا: جعلنا الله فداك والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك، نراك قد أحيط بك ولا نقدر أن ننفعك، فقال الحسين: جزاكما الله يا بني أخي بوجدكما ومواساتكما إيّاي بأنفسكما أفضل جزاء المتقين، ثم استقدما وقالا: السلام عليك يابن رسول الله، فقال: وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته، وقاتلا حتى قتلا.





فاجعة الطف / للقزويني

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 06:20 PM
المؤمن ومصاب الحسين (عليه السلام)



أنا قتيل العبرة ﻻ يذكرني مؤمن إلاّ استعبر.


32- أمالي الصدوق 118، المجلس 28، ح 7، وكامل الزيارات ص 108، ب 36، ح 3: حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن ابن أبي الخطاب، عن الحكم بن المسكين، عن أبي بصير، عن الصادق جعفر بن محمد، عن آبائه (عليه السلام) قال: قال أبو عبدالله الحسين بن علي (عليه السلام).

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 06:22 PM
أخلاق الحسين(عليه السلام)





من صفات المعصوم القائد والإمام الاتصاف بالخلق الرفيع، وهذه ميزة متجسدة في خلق الإمام أبي عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام)، باعتباره صاحب مسيرة كبرى لتركيز إسلام جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفيما يلي بعض ما روي في هذا الباب:
روي عن الحسن بن علي قال (عليهما السلام):وفد أعرابي المدينة فسأل عن أكرم الناس بها، فدُلَّ على الحسين (عليه السلام)، فدخل المسجد فوجده مصلياً فوقف بإزائه وأنشأ:


لم يخب الآن من رجاك ومن حرَّك من دون بابك الحلقه

أنـت جـواد وأنت معـتـمد أبوك قد كان قاتل الفسقه

لو لا الذي كان من أوائلكم كانت علينا الجحيم منطبقه

قال: فسلَّم الحسين (عليه السلام) وقال: يا قنبر، هل بقي من مال الحجاز شيء؟ قال: نعم، أربعة آلاف دينار. فقال: هاتها قد جاء من هو أحقٌّ بها منّا، ثم نزع برديه ولفَّ الدنانير فيها، وأخرج يده من شقِّ الباب حياءً من الأعرابيِّ وأنشأ:


خذها فإنّي إليك معتذر واعلم بأنّي عليك ذو شفقه

لو كان في سيرنا الغاة عصا أمست سمانا عليك مندفقه

لكنَّ ريب الزمان ذو غير والكف منِّي قليلة النفقه

قال: فأخذها الأعرابيُّ وبكى، فقال له: لعلك استقللت ما أعطيناك. قال: لا ولكن كيف يأكل التراب جودك؟، وولى وهو يقول:


مطهرون نقيات جيوبهم تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

وأنتم أنتم الأعلون عندكم علم الكتاب وما جاءت به السور

من لم يكن علوياً حين تنسبه فماله في جميع الناس مفتخر(1) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#1)

ومن أخلاقه (عليه السلام): مرَّ الحسين بمساكين يأكلون في الصفة. فقالوا: الغداء، فنزل وقال: (صلى الله عليه وآله وسلم)إن الله لا يحب المتكبرين(عليهم السلام) فتغدّى معهم، ثم قال لهم: (صلى الله عليه وآله وسلم)قد أجبتكم فأجيبوني(عليهم السلام)، قالوا: نعم، فمضى بهم إلى منزلـه فقال للرباب: (صلى الله عليه وآله وسلم)أخرجي ما كنت تدّخرين(عليهم السلام) (2) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#23).
قال أنس: كنت عند الحسين (عليه السلام) فدخلتْ عليه جارية فحيته بطاقة ريحان، فقال لها: (عليه السلام)أنت حر لوجه الله(عليه السلام) فقلت له: تجيئك جارية تحييك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها؟ قال: (عليه السلام)كذا أدّبنا الله، قال الله: > وإذا حييتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردُّوها < وكان أحسن منها عتقها(عليه السلام)(3) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#24).
عن علي بن موسى، عن آبائه (عليهم السلام): (عليه السلام)أنّ الحسين بن علي دخل المستراح فوجد لقمة ملقاة فدفعها إلى غلام له فقال: يا غلام اذكرني هذه اللقمة إذا خرجت، فأكلها الغلام، فلما خرج الحسين قال: يا غلام اللقمة. قال: أَكلتها يا مولاي. قال: أنت حر لوجه الله تعالى. فقال له رجل: اعتقته يا سيدي؟ قال: نعم، سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من وجد لقمة ملقاة فمسح منها ما مسح وغسل منها ما غسل وأكلها لم يسغها في جوفه حتى يعتقه الله من النار، ولم أكن لأستعبد رجلاً أعتقه الله من النار(عليه السلام)(4) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#25).
رويَ أنّ أعرابياً من البادية قصد الحسين (عليه السلام) فسلَّم عليه فرد (عليه السلام)، فسأله حاجة وقال: سمعت جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (عليه السلام)إذا سألتم حاجةً فاسألوها من أحد أربعة، إما من عربي شريف، أو مولى كريم، أو حامل القرآن، أو ذي وجه صبيح(عليه السلام) فأما العرب فشرفت بجدك، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل، وأما الوجه الصبيح فإنّي سمعت جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (عليه السلام)إذا أردتم أن تنظروا إليّ فانظروا إلى الحسن والحسين(عليه السلام) فقال الحسين له: (صلى الله عليه وآله وسلم)ما حاجتك؟(عليهم السلام) فكتبها على الأرض، فقال له الحسين: (عليه السلام)سمعت أبي علياً (عليه السلام) يقول قيمة كل امرئ ما يحسنه، وسمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: المعروف بقدر المعرفة، فأسألك عن ثلاث خصال. فإن أجبتني عن واحدة فلك ثلث ما عندي، وإن أجبتني عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي، وإن أجبتني عن الثلاث فلك كل ما عندي، وقد حملت إليَّ صرة مـختومة وأنت أولى بها(عليه السلام) فقال: سل عما بدا لك، فإن أجبت وإلاّ تعلمت منك، فأنت من أهل العلم والشرف، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.
فقال الحسين: (عليه السلام)أي الأعمال أفضل؟(عليه السلام).
قال: الإيمان بالله والتصديق برسوله.
قال: (عليه السلام)فما نجاة العبد من الهلكة؟(عليه السلام).
قال: الثقة بالله.
قال: (عليه السلام)فما يزين المرء؟(عليه السلام).
قال: علم معه حلم.
قال: (عليه السلام)فإن أخطأه؟(عليه السلام).
قال: فمال معه كرم.
قال: (عليه السلام)فإن أخطأه ذلك؟(عليه السلام).
قال: فقر معه صبر.
قال: (عليه السلام)فإن أخطأه ذلك؟(عليه السلام).
قال: فصاعقة تنزل عليه من السماء فتحرقه، فضحك الحسين (عليه السلام)، ورمى له بالصرّة وفيها ألف دينار، وأعطاه خاتمه وفيه فص قيمته مائتا درهم، وقال: (عليه السلام)يا أعرابي أعط الذهب إلى غرمائك، واصرف الخاتم في نفقتك(عليه السلام) فأخذ ذلك الأعرابي وقال: الله أعلم حيث يجعل رسالته(5) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#26).
هذه الأخلاق العالية لم تصدر من إنسان عادي، بل هي أخلاق الأنبياء والأوصياء، وإنّها لدليل على أهليته للإمامة والخلافة والرئاسة.
ومن أخلاقه (عليه السلام): لما التقى الحسين (عليه السلام) وأصحابه مع الحر بن يزيد التميمي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حَرّ الظهيرة والحسين وأصحابه معتمون متقلدو أسيافهم، فقال الحسين لفتيانه: (عليه السلام)اسقوا القوم وارووهم من الماء، ورشِّفوا الخيل ترشيفاً(عليه السلام) فقام فتيانه فرشفوا الخيل ترشيفاً، فقام فتية وسقوا القوم من الماء حتى أرووهم، وأقبلوا يملؤون القصاع والأتوار والطِّساس من الماء ثم يدنونها من الفرس، فإذا عبَّ فيه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت عنه، وسقوا آخر حتى سقوا الخيل كلها. ولما حضر وقت الصلاة قال الحسين (عليه السلام) للحر: (عليه السلام)أتريد أن تصلي بأصحابك؟(عليه السلام).
قال: لا، بل تصلّي ونصلّي بصلاتك(6) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#27).
نعم، هذه أخلاق الحسين (عليه السلام) يسقي أعداءه الماء، ويرشف خيلهم اقتداءً بأبيه علي (عليه السلام) في واقعة صفين عندما استولى (عليه السلام) على الماء سمح لهم بالسقي والشرب، بعكس معاوية وأصحابه حينما كانوا مستولين على الماء منعوا علياً وأصحابه منه، وهكذا في واقعة الطف لما أمر عبيد الله بن زياد جيش عمر بن سعد بأن يمنعوا الماء عن الحسين وأصحابه وأهل بيته، وقد تم ذلك بالفعل. عندما أقبل الحر بن يزيد على أهل الكوفة وهو عند الحسين فقال: لأُمكم الهَبل والعُبـْر، دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه فصار في أيديكم كالأسير! قد حلأتموه ونساءه وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهود والنصارى والمجوس، وتتمرغ فيه خنازير السواد، لبئسما خلفتم به مـحمداً في ذريته، فدعوا هذا الرجل يمضي في بلاد الله، أما أنتم مؤمنون؟ وبنبوة مـحمد مصدقون؟ وبالمعاد موقنون؟ لا أسقاكم الله يوم الظماء(7) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#28).
وكتب ابن زياد إلى عمر بن سعد يأمره أن يمنع الحسين ومن معه الماء، فأرسل عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وبين الماء، وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام، ونادى ابن حصين الأزديّ: يا حسين، أما تنظر إلى الماء؟ لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً، فقال الحسين: اللهم اقتله عطشاً ولا تغفر له أبداً، قال فمرض فيما بعد فكان يشرب الماء القُلّة ثم يقيء ثم يعود فيشرب،... فمازال كذلك حتى مات. وذكر البلاذري: فمات ابن حصين بالعطش، كان يشرب حتى يبغر(8) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#29) فيما يروى، فمازال ذاك دأبه حتى لفظ نفسه(9) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#30).
ويقال: إنّ عمرو بن الحجاج قال: يا حسين، هذا الفرات تلغ فيه الكلاب، وتشرب منه الحمير والخنازير، والله لا تذوق منه جرعة حتى تذوق الحميم في نار جهنم(10) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#31).
ونادى المهاجر بن أوس التميمي: يا حسين، ألا ترى إلى الماء يلوح كأنّه بطون الحيّات،(11) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#32) والله لا تذوقه أو تموت، فقال الحسين: (عليه السلام)إنّي لأرجو أن يوردنيه الله، ويحلئكم(12) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#33) عنه(عليه السلام)(13) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#34).
هذا موقف معسكر يزيد بن معاوية من الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه لما منعوهم الماء، وإن دل على شيء إنما يدل على قساوة قلوبهم إضافة إلى مروقهم من الدين، فبالأمس كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يتحمل عطش ولده الحسين (عليه السلام) لما طلب منه الماء، وهذا ما رويَ عن جابر قال: كنا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه الحسين بن علي فعطش فطلب له النبي ماء فلم يجده فأعطاه لسانه فمصه حتى رويَ(14) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#35).




1- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 185 ح 3517؛ مناقب آل أبي طالب: ج 4 ص 65؛ بغية الطلب:ج 6 ص 2593.
2- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 181 ح 3517.
3- الفصول المهمة: ص 175.
4- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 148؛ ذخائر العقبى: ص 231.
5- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 156.
6- أنساب الأشراف: ج 3 ص 169؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 302؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 551؛ الأخبار الطوال: ص 249.
7- أنساب الأشراف: ج 3 ص 189؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 326؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 564؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 252.
8- يبغر: أي كان يشرب إلى أن يمتلئ جوفه من الماء فما يروى، ولا يسكن عطشه.
9- لفظ أنفاسه: أي حتى مات، يقال: لفظ فلان نفسه.
10- أنساب الأشراف: ج3 ص181؛ الكامل في التاريخ: ج2 ص556؛ تاريخ الطبري: ج4 ص311.
11- المضبوط في جل المصادر (الحيتان) وهو جمع حوت، والكلام كناية عن شعشعة الماء وتموجه.
12- يحلئكم: أي يطردكم عنه ويمنعكم عن وروده.
13- أنساب الأشراف: ج 3 ص 181.
-14 مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 152.

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 06:23 PM
إرادة الله شـــــاءت




لمّا هلك معاوية بن أبي سفيان طلب يزيد بن معاوية من عماله في جميع الأمصار تجديد البيعة له، ولكنّ الحسين (عليه السلام) رفض بيعة يزيد لكونه متلبّساً بالفسق والفجور والخمور، إضافة إلى أنه ليس أهلاً للخلافة والإمامة؛ لكونه من الشجرة الملعونة في القرآن الكريم، وشجب المسلمون هذا العمل الشنيع، ومصادر كتبهم تصرح بذلك.
ولهذا الأمر قرر الحسين (عليه السلام) الخروج إلى العراق، وقد نصحه بعض الصحابة والتابعين بعدم الخروج إلى العراق إلاّ أنه (عليه السلام) رفض ذلك، لأنّه لا يريد مـخالفة الإرادة الإلهيّة، فكان خروج الإمام الحسين (عليه السلام) مستنداً إليها، أي إنه سار بأمر من قبل الله تعالى كما تصرح أحاديث الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وإخبار جبرائيل النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك، ولقد أشرنا إلى بعض تلك الروايات من طرق أهل السنة في واقعة فاجعة الطفّ.

وإليك بعض النصائح التي وجهت إليه، منها:
عن الشعبي قال: إنّ ابن عمر كان بماء له فقدم المدينة فأُخبر بخروج الحسين فلحقه على مسيرة ثلاث ليال من المدينة، فقال له: أين تريد؟ قال: (عليه السلام)العراق(عليه السلام) قال: لا تأتهم؛ لأنّك بضعة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والله لا يليها منكم أحد أبداً، وما صرفها الله عنكم إلاّ للذي هو خير لكم. فقال له الحسين: (عليه السلام)هذه بيعتهم وكتبهم(عليهم السلام) فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: أستودعك الله من قتيل والسلام(1) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#1).
ومن وصايا مـحمّد بن الحنفيّة إلى الحسين (عليه السلام) عند خروجه: أشير عليك أن تنجو بنفسك عن يزيد بن معاوية، وعن الأمصار ما استطعت... فقال له الحسين (عليه السلام) (صلى الله عليه وآله وسلم)يا أخي، والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية(عليهم السلام) وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (صلى الله عليه وآله وسلم)اللهمّ لا تبارك في يزيد(عليهم السلام) ثم قال: (صلى الله عليه وآله وسلم)وإني قد عزمت على الخروج إلى مكة(عليهم السلام)(2) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#2).
وعن ابن سعد بسنده قال: فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله، إني لكَ ناصحٌ ومُشفِقٌ، وقد بلغني أنه كاتَبَكَ قومٌ من شيعتك فلا تخرجْ إليهم، فإني سمعتُ أباك يقول بالكوفة: (صلى الله عليه وآله وسلم)والله لقد مَلِلْتُهم ومَلُّوني، وأبغضتهم وأبغضوني، وما بلوتُ منهم وَفَاءً، ولا لهم ثَبَاتٌ ولا عَزْمٌ ولا صَبْرٌ على السيف(عليهم السلام)(3) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#3).
وأتاه عبد الله بن عباس ومعه جماعة من أهل ذوي الحنكة والتجربة والمعرفة بالأُمور فقال له: يا ابن عم، إنّ الناس قد أرجفوا بأنّك سائر إلى العراق؟ فقال: (عليه السلام)نعم(عليه السلام) قال ابن عباس: فإني أُعيذك بالله من ذلك، أتذهب - رحـمك الله - إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوهم... فـلا آمن أن يغـرّوك ويكذّبوك ويـخذلوك ويُستـنفروا إليك فيكونوا أشدّ الناس عليك.
قال الحسين (عليه السلام): وإني استخير الله وأنظر.
ثم عاد ابن عباس إليه فقال: يا ابن عم، إنّي أتصبّر فلا أصبر، إنّي أتخوّف عليك الهلاك، إن أهل العراق غدر فأقم بهذا البلد، فإنك سيد أهل الحجاز... إلاّ فإن في اليمن جبالاً وشعاباً وحصوناً ليس لشيء من العراق مثلها، واليمن أرض طويلة عريضة، ولا بيك بها شيعة فَأَتِها، ثم ابثث دعاتك وكتبك يأتك الناس.
فقال له الحسين: (صلى الله عليه وآله وسلم)يا ابن عم، أنت الناصح الشفيق ولكني قد أزمعت المسير ونويته(عليهم السلام) فقال ابن عباس: فإن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وأصبيتك، فوالله إني لخائف أن تقتل...
ثم خرج ابن عباس من عنده، فمرَّ بابن الزبير وهو جالس فقال له: قرّت عينُك يا ابن الزبير بشخوص الحسين عنك وتخليته إيّاك والحجاز، ثم قال:
يــا لَـكِ من قُــبّـــرةٍ بـمـعمَرِ


خَلا لكِ الجَوُّ فبيضي واصفُري ونَقِّري ما شئتِ أن تُنقِّري(4) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#4)

قالوا: ولما كتب أهل الكوفة إلى الحسين (عليه السلام) بما كتبوا به فاستحفّوه للشخوص، جاءه عمرو بن عبد الرحمن المخزومي بمكّة فقال له: بلغني أنّك تريد العراق، وأنا مشفق عليك من مسيرك؛ لأنك تأتي بلداً فيه عماله وأُمراؤه، ومعهم بيوت الأموال، وإنما الناس عبيد الدينار والدرهم! فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره، ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه وذلك عند البذل وطمع الدنيا، فقال له الحسين (عليه السلام): جزاك الله خيراً من ناصح نصحت، ويقضي الله(عليهم السلام)(5) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#5).
وكتب إليه عبد الله بن جعفر يُحذِّره ويُناشده الله، فكتب إليه: (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّي رأيتُ رؤيا، رأيت فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمرني بأمرٍ أنا ماضٍ له(عليهم السلام)(6) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#6).
وقالوا: وعرض ابن الزبير على الحسين (عليه السلام) أن يقيم بمكّة فيبايعه ويبايعه الناس، كأنما أراد بذلك أن لا يتّهمه، وأن يعذر في القول، فقال الحسين: (عليه السلام)لأن أُقتل خارجاً من مكّة بشبر أحبّ إليَّ من أن أُقتل فيها، ولأن أُقتل خارجاً منها بشبرين أحب إليَّ من أن أُقتل خارجاً منها بشبر(عليه السلام) (7) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#7).
فقام ابن الزبير وخرج من عنده، فقال الحسين (عليه السلام) لجماعة كانوا عنده من خواصه: إن هذا الرجل - يعني ابن الزبير - ليس في الدنيا شيء أحب إليه من أن أخرج من الحجاز، وقد علم أن الناس لا يعدلون بي مادمت فيه إني خرجت منه لتخلوا له(8) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#8).
وهذه النصحية عكس نصيحته عندما رأى اختلاف أهل مكة إلى الحسين (عليه السلام) لما وردها، لأنه أراد أن يتخلص منه حتى يتوجه أهل مكة إليه، فقدم إليه نصيحة مغشوشة كما ذكرها المسعودي في تاريخه.

وبلغ ابن الزبير أنه - يعني الحسين - يريد الخروج إلى الكوفة وهو أثقل الناس عليه، قد غمّه مكانه بمكّة؛ لأنّ الناس ما كانوا يعدلونه بالحسين، فلم يكن شيء يُؤتاه أحبّ إليه من شخوص الحسين عن مكة، فأتاه فقال: أبا عبد الله ما عندك؟ فو الله لقد خفت في ترك جهاد هؤلاء القوم على ظلمهم واستذلالهم الصالحين من عباد الله، فقال الحسين: (عليه السلام)قد عزمتُ على إتيان الكوفة(عليه السلام) فقال: وفَّقَكَ الله، أما لو أن لي بها مثل أنصارك ما عدلْتُ عنها، ثمّ خاف أن يتّهمه(9) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#9)...
وخرج الحسين (عليه السلام) وعبد الله بن الزبير من ليلتها إلى مكّة، فقدما مكّة، فنزل الحسين دار العباس بن عبد المطّلب، ولزم ابن الزبير الحِجْر، ولبس المَعَافريَّ، وجعل يُحَرِّض الناس على بني أُميَّة، وكان يغدو ويروح إلى الحسين، ويشير عليه أن يقدم العراق، ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك، وكان عبد الله بن عباس ينهاه عن ذلك ويقول لا تفعل(10) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#10).
قال الحسين (عليه السلام) لابن عباس: (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنـي مسـتوطن هذا الحرم - يـعني مكّة - ومقيم فيه أبداً ما رأيت أهله يحبّوني وينصروني، فإذا هم خذلوني، استبدلت بهم غيرهم، واستعصمت بالكـلمة التي قالها إبراهيم الخليل (عليه السلام) يوم أُلقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل، فكانت النار عليه برداً وسلاماً(عليهم السلام)(11) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#11).

فلما أصبح الحسين (عليه السلام) وإذا برجل من الكوفة يكنى أبا هرة الأزدي، أتاه فسلّم عليه، ثمّ قال: يا ابن بنت رسول الله، ما الذي أخرجك عن حرم الله، وحرم جدّك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال الحسين (عليه السلام): (صلى الله عليه وآله وسلم)يا أبا هرة إنّ بني أُميّة أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله يا أبا هرة لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسهم الله ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً، وليسلطن الله عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهن فحكمت في أموالهم وفي دمائهم(عليهم السلام)(12) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#12).
وقالوا: وكان زهير بن القين البَجَلي بمكّة - وكان عثمانيّاً - فانصرف من مكة متعجّلاً، فضمّه الطريق وحسيناً، فكان يسايره ولا ينازله، ينزل الحسين في ناحية وزهير في ناحية، فأرسل الحسين إليه في إتيانه، فأمرته امرأته دملم بنت عمرو أن يأتيه فأبى، فقالت: سبحان الله، أيبعث إليك ابن بنت رسول الله فلا تأتيه؟! فصار إليه ثمّ انصرف إلى رحله، قال لامرأته: أنت طالق، فالحقي بأهلك فإني لا أُحب أن يصيبك بسببي إلاّ خير، ثمّ قال لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتبعني وإلاّ فإنّه آخر العهد، وصار مع الحسين(13) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#13).

هذا الرجل لقد وصل به الموقف الحسيني إلى طلاق زوجته، هذا هو العشق الإلهي للشهادة من أجل نصرة الإسلام، فكلّ واحد منّا إمّا أن ينضمّ إلى معسكر الحسين (عليه السلام) أو إلى معسكر يزيد بن معاوية؛ لأنّه صراع بين الحقّ والباطل والخير والشرّ ولا ثالث لهما، أليس كذلك؟
وكان موقف الحرّ واضحاً للعيان في واقعة الطف يوم عاشوراء، وذلك لمّا زحف عمر نحو الحسين أتاه الحرّ بن يزيد فقال له: أصلحك الله، أمقاتل أنتَ هذا الرجل؟ قال له: إي إي والله قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي... فأقبل يدنو نحو الحسين قليلاً قليلاً، وأخذتْه رِعدة، فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أَوْس: والله إنّ أمرك لمريب! والله ما رأيت منك في موقف قطّ مثل ما أراه الآن! ولو قيل مَنْ أشجعُ أهل الكوفة لما عدوتُك. فقال له: إنّي - والله - أُخيّر نفسي بين الجنّة والنار، ووالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قطّعت وحُرّقت، ثمّ ضرب فرسه فلحق بالحسين (عليه السلام) فقال له جعلني الله فداك يا ابن رسول الله أنا صاحبك الذي حبستُك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجـعجـعت بك في هذا المكان، والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردّون
عليك ما عرضتَ عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، فقلت في نفسي لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم، ولا يرون أني خرجت من طاعتهم، وإني لو سولت لي نفسي أنهم يقتلونك ما ركبت هذا منك، وإني قد جئتك تائباً مما كان منِّي إلى ربي، ومواسياً لك نفسي، حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك لي توبة. قال: نعم يتوب الله عليك ويغفر لك، ما اسمك قال: أنا الحرّ بن يزيد قال: أنت الحرّ كما سمتك أمك، أنت الحرّ إن شاء الله في الدنيا والآخرة أنزل قال: أنا لك فارساً خير مني راجلاً، أقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النزول ما يصير آخر أمري قال الحسين: فاصنع يرحمك الله ما بدا لك.
ثم قال: يا ابن رسول الله كنت أول خارج عليك، فأذن لي أن أكون أوّل قتيل بين يديك، فلعلي أن أكون مما يصافح جدّك مـحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) غداً في القيامة. فقال له الحسين (عليه السلام): إن شئت فأنت ممن تاب الله عليه وهو التواب الرحيم(14) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#14).
قال الراوي: هذا ما كان من أمر الحسين ونزوله بأرض كربلاء وأما ما كان من أمر ابن زياد، فإنه أتاه رجل من عسكر الحر من غير علمه وقال اعلم أيها الأمير أن الحسين نزل في أرض كربلاء... فعند ذلك اطلق منادياً في الكوفة: يا معشر الناس من يأت برأس الحسين، فله ملك الري عشر سنين، وأرسل في البصرة منادياً بمثل ذلك، فقام إليه عمر بن سعد، وقال: أنا آتيك برأسه. فقال له: امضِ وامنعه من شرب الماء وائتني برأسه. فقال: سمعاً وطاعة فعند ذلك، عقد له الراية والإمرة على ستة آلاف فارس.
وسار قاصداً كربلاء، لقتال الإمام الحسين (عليه السلام) وهناك ينبري لنا في ميدان الطف، موقف (الحر بن يزيد الرياحي) الذي سيبقى عالقاً في ذاكرة تاريخ الأحرار في العالم، لما لموقفه من أثر بالغ لفعله في النفوس، حيثُ أن الحُرَّ تَركَ وراء ظهره زعامة قبيلته (تميم) ومنصبه الدنيوي فهو (قائد لشرطة بن زياد) ووجيه من وجهاء الكوفة، وشجعاتها، لم يَمُت للإمام الحسين (عليه السلام) بصلة قربى سوى الدين.. فتراه إنحازَ لمعسكر ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليختم حياته بنصرته، والذود عن حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مضحياً بحياته دونهم، ليبقى خالداً ما بقي في الحياة نبض لقلب.
بينما نرى لـ (عمر بن سعد) موقفاً مغايراً لموقف الحر، بالرغم من أن لعمر هذا صلة قرابة بالإمام الحسين (عليه السلام) ولكن الدنيا أغرته، فأعمت بصيرته واستسلم لها طائعاً لضعف إيمانه بالله والدين الحنيف، فرضيَّ بعافيتها وقدمها على سعادة الآخرة، طمعاً بملكِ الري، الذي وعده به (ابن زياد) فتهالَك دونه، وقاد البغاة لقتال الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء، وبلغ ولوغه في الإثم، أن يحرق الخيام، ويسبي عيال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويحمل رأس الحسين، على قناة، إلى الكوفة، أملاً في إمارة الري، فلا بلغ مناه وأذله الله في الدنيا والآخرة.
وشتان ما بين موقف الحر العظيم في نبذة الانحراف والإنصياع إلى أوامر السلطة الباغية، وموقف ابن سعد الوضيع، الذي تبع هوى نفسه قائلاً:


فو الله ما أدري وإني لواقـف أفكـر في أمري على خطرين

أأترك ملك الري والري منيتي أم أرجع مـأثوماً بقتل حسين

فإن صدقوا فيما يقولون إنني اتوب إلى الرحمن من سنتين

وإن كـذبـوا فـزنـا بـدنـيا دنية ومـلـك عـقيم دائم الحجـلـين

ألا إنـما الــدنيا لخير معجلٍ وما عاقل باع الوجود بدين(15) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#15)

وهكذا سقته تلك النفس الأمارة بالسوءِ الذلةِ والهوان، فنبذه ابن زياد صاحبه وانكر وعده له واقتصاص المختار منه ثأراً للإمام الحسين (عليه السلام) فمضى إلى جهنم بوجهٍ كالحٍ، وهذا مصير كل مَن يبيع آخرته بدنياه، وشتان ما بين الموقفين، فأين الثرى من الثريا، وهل مِن مُعتبر.


أيـنَ مَنْ خـانـوا حسيناً أينُهم سَــجّلَ الـتـاريـخُ عـاراً فـعـلَـهُـمْ

هل ترى يا صاحبي قبراً لهم فوق هذي الأرض في عرضٍ وطول


1- أنساب الأشراف: ج 2 ص 466؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 221؛ الخصائص الكبرى: ج 2 ص 125؛ ذخائر العقبى: ص 256؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2604؛ تاريخ الخلفاء: ص 206.
2- كتاب الفتوح: ج 5 ص 30.
3- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 411 رقم: 270؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 413.
4- أنساب الأشراف: ج 2 ص 465 ح 293؛ الأخبار الطوال: ص 244؛ بغية الطلب: ج6 ص 2611.
5- أنساب الأشراف: ج 2 ص 465، أنه (عليه السلام) أجاب ابن عباس بما أقنعه، وأنّه لو لم يخرج لكانوا يستحلّون به حرمة الكعبة!! الفصول المهمة: ص 185؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 415؛ الأخبار الطوال: ص 244؛ الفصول المهمة: ص 183؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 202 ح 3542.
6- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 414 رقم: 270.
7- أنساب الأشراف: ج 2 ص 467، هذا الحديث أيضاً دالّ على أنه (عليه السلام) كان يعلم بأنه يقتل، وإنما خرج من مكة لئلا يقتل فيها فيستحلّ به حرمة الحرم.
8- الفصول المهمة: ص 184.
9- مروج الذهب: ج 3 ص 67.
10- تهذيب الكمال: ج 6 ص 415.
11- كتاب الفتوح: ج 5 ص 44.
12- المصدر نفسه: ص 123.
13- أنساب الأشراف: ج 2 ص 470.
14- الكامل في التاريخ: ج 2 ص 563؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 324؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 9.
15- الفصول المهمة: ص 187؛ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 261.

يالثارات فاطمة
22-04-2006, 06:24 PM
الحسين(عليه السلام) وعالم الرؤيا






عن أُم الفضل بنت الحارث أنها دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا رسول الله أني رأيت البارحة حُلماً منكراً. قال: (صلى الله عليه وآله وسلم)وما هو؟(عليهم السلام) قالت: إنه شديد. قال: وما هو؟ قالت: رأيت كأنّ قطعة من جسدك قُطعت ووُضِعت في حجري، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (صلى الله عليه وآله وسلم)رأيت خيراً، تلد فاطمة إن شاء الله غلاماً فيكون في حجرك(عليهم السلام) فولدت فاطمة الحسين (عليه السلام) فكان في حجري كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدخلت يوماً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فوضعته في حجره، ثم حانت منّي التفاتة فإذا عينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تهريقان من الدموع، فقلت: يا نبيّ الله، بأبي أنت وأُمي ما لك تبكي؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)أتاني جبرئيل (عليه السلام) فأخبرني أن أُمتي ستقتل ابني هذا(عليه السلام) فقلت: هذا؟! فقال: (عليه السلام)نعم وأتاني بتُربةٍ من تُربته حمراء(عليه السلام)(1) (http://www.14masom.com/14masom/05/mktba5/book17/#1).

عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يرى النائم بنصف النهار وهو قائم أشعث أغْبر بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأُمي يا رسول الله ما هذا؟ فقال: (عليه السلام)دم الحسين وأصحابه لم أزل ألْتَقِطُهُ منذ اليوم(عليه السلام) فأحصي ذلك اليوم فوجدوه وقد قتل في ذلك اليوم، فاستشهد الحسين كما قال له (صلى الله عليه وآله وسلم) بكربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة، ويعرف الموضع أيضاً بالطفّ. قتله سنان بن أنس النخعي، و