المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا أنا شيعي؟؟



أميرة الجنة
14-09-2006, 09:16 AM
روّاد التشيع الأوائل:
جندب بن جنادة, أبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر, سلمان الفارسي, المقداد بن عمر بن ثعلبة الكندي, حذيفة بن اليمان صاحب سر النبي, خزيمة ابن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين, الخباب بن الأرث الخزاعي أحد المعذبين في الله, سعد بن مالك أبو سعيد الخدري, أبو الهيثم بن التيهان الأنصاري, قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري, أنس بن الحرث بن منبه أحد شهداء كربلاء, أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد الذي استضافه النبي صلى الله عليه وآله, عند دخوله المدينة, جابر بن عبد الله الأنصار أحد أصحاب بيعة العقبة, هاشم بن أبي وقاص المرقال فاتح جلولاء, محمد بن الخليفة أبي بكر تلميذ الإمام علي وربيبه, مالك بن الحرث الأشتر النخعي, مالك بن نويرة ردف الملوك الذي قتله خالد بن الوليد, البراء بن عازب الأنصاري, أبي بن كعب سيد القراء, عبادة بن الصامت الأنصاري, عبد الله بن مسعود صاحب كتاب النبي صلى الله عليه وآله, ومن سادات القراء, أبو الأسود الدؤلي, ظالم بن عمير واضع أسس النحو بأمر الإمام علي, خالد بن سعيد بن أبي عامر بن أمية بن عبد شمس خامس من أسلم, أسيد بن ثعلبة الأنصاري من أهل بدر, الأسود بن عيسى بن وهب من أهل بدر, بشير بن مسعود الأنصاري من أهل بدر ومن القتلى بواقعة الحرة بالمدينة, ثابت أبو فضالة الأنصاري من أهل بدر, الحارث بن النعمان بن أمية الأنصاري من أهل بدر, رافع خديج الأنصاري ممن شهد أحداً ولم يبلغ وأجازه النبي صلى الله عليه وآله, كعب بن عمير بن عبادة الأنصاري من أهل بدر, سماك بن خرشة أبو دجانة الأنصاري من أهل بدر, سماك بن خرشة أبو دجانة الأنصاري من أهل بدر, سهيل بن عمرو الأنصاري من أهل بدر, عتيك بن التيهان من أهل بدر, ثابت بن عبيد الأنصاري من أهل بدر, ثابت بن حطيم بن عدي الأنصاري من أهل بدر, سهيل بن حنيف الأنصاري من أهل بدر, أبو مسعود عقبة بن عمر من أهل بدر, أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله, الذي شهد مشاهده كلها مع مشاهد علي عليه الصلاة والسلام, وممن بايع البيعتين العقبة والرضوان وهاجر الهجرتين للحبشة مع جعفر وللمدينة مع المسلمين, أبو بردة بن دينار الأنصاري من أهل بدر, أبو عمر الأنصاري من أهل بدر, أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري من أهل بدر, عقبة بن عمر بن ثعلبة الأنصاري من أهل بدر, قرظة بن كعب الأنصاري, بشير بن عبد المنذر الأنصاري أحد النقباء ببيعة العقبة, يزيد بن نويرة بن الحارث الأنصاري ممن شهد له النبي بالجنة, ثابت بن عبد اله الأنصاري, جبلة بن ثعلبة الأنصاري, جبلة بن عمير بن أوس الأنصاري, حبيب بن بديل بن ورقاء الخزاعي, زيد بن أرقم الأنصاري شهد مع النبي سبع عشرة وقعة, أعين بن ضبيعة بن ناجية التميمي, الأصبغ بن نباتة, يزيد الأسلمي من أهل بيعة الرضوان, تميم بن خزام, ثابت بن دينار أبو حمزة الثمالي صاحب الدعاء المعروف, جندب بن زهير الأزدي, جعدة بن هبيرة المخزومي, حارثة بن قدامة التميمي, جبير بن الجناب الأنصاري, حبيب بن مظاهر الأسدي, حكيم بن جبلة العبدي الليثي, خالد بن أبي دجانة الأنصاري, خالد بن الوليد الأنصاري, زيد بن صوحان الليثي, الجاج بن غرابة الأنصاري, زيد بن شرحبيل الأنصاري, زيد بن جبلة التميمي, بديل بن ورقاء الخزاعي, أبو عثمان الأنصاري, مسعود بن مالك الأسدي, ثعلبة أبو عمرة الأنصاري, أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي, عبد الله بن حزام الأنصاري شهيد أحد, سعد بن منصور الثقفي, سعد بن الحارث بن الصمد الأنصاري, الحارث بن عمر الأنصاري, سليمان بن صرد الخزاعي, شرحبيل بن مرة الهمداني, شبيب بن رت النميري, سهل بن عمر صاحب المربد,سهيل بن عمر أخو سهل المار ذكره, عبد الرحمن الخزاعي, عبد الله بن خراش, عبد الله ب سهيل الأنصاري, عبيد الله بن العازر, عدي بن حاتم الطائي, عروة بن مالك الأسلمي, عقبة بن عامر السلمي, عمر بن هلال الأنصاري, عمر بن أنس بن عون الأنصاري من أهل بدر, هند بن أبي هالة الأسدي, وهب بن عبد الله بن مسلم بن جنادة, هاني بن عروة المذحجي, هبيرة بن النعمان الجعفي, يزيد بن قيس بن عبد الله, يزيد بن حوريت الأنصاري, عميرة الليثي, عليم بن سليم التميمي, عمير بن حارث السلمي, علباء بن الهيثم بن جرير وأبوه الهيثم من قواد الحملة في قتال الفرس بواقعة ذي قار, عون بن عبد الله الأزدي, علاء بن عمر الأنصاري, نهشل بن ضمرة الحنظلي, المهاجر بن خالد المخزومي, مخنف بن سليم العبدي الليثي, محمد بن عمير التميمي, حازم بن أبي حازم النجلي, عبيد بن التيهان الأنصاري, وهو أول المبايعين للنبي ليلة العقبة, أبو فضالة الأنصاري, أويس القرني الأنصاري, زياد بن النضر الحارثي, عوض علاط السلمي, معاذ بن عفراء الأنصاري, عبد الله بن سليم العبدي الليثي, علاء بن عروة الأزدي, لقاسم بن سليم العبدي الليثي, عبد الله بن رقية العبدي الليثي, منقذ بن النعمان العبدي الليثي, الحارث بن حسان الذهلي صاحب راية بكر بن وائل, بجير بن دلجة, يزيد بن حجيمة التميمي, عامر بن قيس الطائي, رافع الغطفاني الأشجعي, سالم بن أبي الجعد, عبيد بن أبي الجعد, زياد بن أبي الجعد, أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس من أمراء السرايا أيام النبي صلى الله عليه وآله, ومن خلّص أصحاب الإمام علي عليه الصلاة والسلام, حرملة بن المنذر الطائي أبو زبيد, والمجموع مائة وثلاث وثلاثون.
هذه شريحة أو نماذج من الرواد الأوائل في التشيع ذكرتهم بدون انتقاء أو اختيار وإنما مررت بكتب الرجال فذكرت منها هذه المجموعة وقد نصت على تشيعهم المصادر التالية- الكامل للمبرد, وأسد الغابة, أوفست حرف الألف, وفجر الإسلام, والاستيعاب, ومدخل موسوعة العتبات المقدسة الفصل الخاص بالشيعة بقلم عبد الواحد الأنصاري-.
فما أكثر من يقرأ ولا يتجاوز مضمون السطور عينيه, وقد يقرأ أحياناً ولا يريد أن يصدق ما يقرأ مع توفر شرائط الصحة فيما يقرأه ومع وجود الثقة النفسية بمضمون ما يقرأه, ولكنه التكوين النفسي الذهني الذي ينشأ عليه الإنسان منذ الصغر فيكاد يكون غريزة من الغرائز التي يطبع عليها الإنسان.

أريد أن أعرض هنا تعقيب على نوعية الرواد الأوائل هي:-
أولاً: إن هؤلاء الشيعة الذين مر ذكرهم مع أنهم كانوا من الذاهبين إلى أولوية الإمام علي عليه الصلاة والسلام, بالخلافة لأنه الإمام المفترض الطاعة المنصوص عليه ومع اعتقادهم بأن من تقدم عليه أخذ ما ليس له ومع امتناع كثير منهم من البيعة للخليفة الأول واعتصامهم ببيت الإمام علي عليه الصلاة والسلام, مع كل ذلك لم يعرف عن أحد منهم أنه شتم فرداً من الصحابة أو تناوله بطريقة غير مستساغة بل كانوا أكبر من ذلك وأصلب عوداً من خصومهم – مما يدل على أن بعض من عرف بظاهرة شتم الصحابة إنما صدر منه ذلك كمعلية رد فعل لأفعال متعددة- إنهم مع اختلافهم مع الحكم لم يلجأوا إلى شتم أو بذاء لأنهم يعرفون أن الحقوق لا يوصل لها بالشتم وليس الشتم من شيم الأبطال, والذي يريد أن يسجل ظلامة أو يشير إلى حق سليب فإن طرق ذلك ليس الشتم في شيء, وإنما هناك مناهج سليمة في الوصول إلى ذلك. وقد حرص أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام, على تربية أتباعه على المنهج السليم, ومن مواقفه في ذلك, ما رواه نصر بن حازم قال: مر أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام, على بعض من كان في جيشه بصفين فسمعهم يشتمون معاوية وأصحابه فقال لابن عدي ولعمر بن الحمق وغيرهما: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين تشتمون وتبرأون ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم من سيرتهم كذا وكذا ومن أعمالهم كذا وكذا كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم اللهم احقن دماءهم ودماءنا, وأصلح ذات بيننا وبينهم وأهدهم من ضلالهم حتى يعرف الحق من جهله منهم, ويرعوي عن الغي والعدوان منهم من لهج به لكان أحب إلي وخيراً لكم, فقالوا: يا أمير المؤمنين نقبل عظتك ونتأدب بأدبك- صفين لنصر بن مزاحم, ص15- وهذا الموقف منه عليه الصلاة والسلام يشعرهم أن الشتم وسيلة نابية وليست كريمة, بالإضافة إلى أن الشتم مدعاة للإساءة بمقدسات الشاتم نفسه ومن هنا حرم الفقهاء شتم الصنم إذا أدى إلى شتم الله تعالى مستفيدين من قوله تعالى:"ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم" 108- الأنعام, من أجل ذلك كله كان الشيعة أطهر ألسنة من أن يشتموا وأبعد عن هذا الموقف النابي ولذلك هناك الكثيرون من الباحثين يؤكدون هذا الجانب في حياة الرواد الأوائل من الشيعة مع أنهم يثبتون عقيدتهم بتقديم الإمام علي عليه الصلاة والسلام, ومن هؤلاء:
أ*- د. أحمد أمين:
يقول عن هؤلاء إنهم قسم المقتصد الذي يرى أن أبا بكر وعمر وعثمان ومن شايعهم أخطأوا إذ رضوا أن يكونوا خلفاء مع علمهم بفضل علي وإنه خير منهم- فجر الإسلام, ص268-.
ب*- ابن خلدون يقول:
كان جماعة من الصحابة يتشيعون لعلي ويرون استحقاقه على غيره ولما عدل به إلى سواه تأففوا له إلا أن القوم لرسوخ في الدين وحرصهم على الألفة لم يزيدوا في ذلك على النجوى بالتأفف والأسف- تاريخ ابن خلدون, ج3,ص364-.
ت*- ابن حجر في الاستيعاب:
يقول في ترجمة أبي الطفيل: عامر بن واثلة بن كنانة الليثي أبو الطفيل أدرك من حياة النبي (ص) ثمان سنين وكان مولده عام أحد ومات سنة مائة ويقال: إنه آخر من مات ممن رأى النبي, وقد روى نحو أربعة أحاديث وكان محباً لعلي وكان من أصحابه في مشاهده وكان ثقة مأموناً يعترف بفضل الشيخين(أبو بكر وعمر) إلا أنه يقدم علياً انتهى باختصار- الإيستيعاب ج2,ص452-.
وبعد هذه المقتطفات أود أن ألفت النظر إني خلال مراجعاتي كتب التاريخ لم أر في الفترة التي تمتد من بعد وفاة النبي حتى نهاية خلافة الخلفاء من عمد إلى الشتم من أصحاب الإمام, وإنما هناك من قيم الخلفاء وقيم الإمام وحتى في أشد جمحات عاطفة الولاء لم نجد من يشتم أحداً ممن تقدم الإمام بالخلافة يقول أبو الأسود الدؤلي:-
أحب محمداً حباً شديداً وعباساً وحمزة والوصيا
يقول الأرذلون بنو قشير طوال الدهر ما تنسى عليا
أحبهم لحب الله حتى أجيء إذا بعثت على هويا
بنو عم النبي وأقربوه أحبّ الناس كلهم إليا
فإن يك حبهم رشداً أصبه ولست بمخطئ إن كان غياً- الكامل للمبرد هامش رغبة الأمل ج7-.

يضاف لذلك أنه حتى في الفترة الثانية أي عهد الأمويين كان معظم الشيعة يتورعون عن شتم أحد من الصحابة, أو التابعين: يقول ابن خلكان في ترجمة يحيى بن يعمر: كان شيعياً من القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لغيرهم- وقبات الأعيان ج2,ص269.
الشيعة غير الروافض
إن هذا الزمن الذي نشأ فيه نعت الشيعة بالروافض هو في أيام الأمويين, ولذلك جاءت النصوص تنعت الروافض بأنهم قسم من الشيعة لا الشيعة كما يريد البعض ومن تلك النصوص:
- محمد مرتضى الزبيدي في تاج العروس قال:
والروافض كل جند تركوا قائدهم والرافضة فرقة منهم, والرافضة أيضاً فرقة من الشيعة قال الأصمعي سموا بذلك لأنهم بايعوا زيد بن علي ثم قالوا له تبرأ من الشيخين فأبى وقال لا كانا وزيري جدي فتركوه ورفضوا وارفضوا عنه- تاج العروس,ج5,ص34-.
- إسماعيل بن حماد الجوهري قال في الصحاح:
عند مادة رفض مورداً نفس المضمون الذي ذكره الزبيدي فكأنه نسخه طبق الأصل- صحاح الجوهري,ج3,ص1078-.
- القاضي عياض:
فرق القاضي عياض في كتابه ترتيب المدارك في أعلام مذهب مالك بين الشيعة والرافضة وذلك حينما قارن مذهب الإمام مالك بغيره فقال:
فلم نر مذهباً من المذاهب غيره أسلم منه فإنّ فيهم الجهمية والرافضة والخوارج والمرجئة والشيعة إلا مذهب مالك فإنا ما سمعنا أحداً من نقلة المذاهب قال بشيء من هذه البدع- ترتيب المدارك ج1,ص51-.
ومن الواضح من هذه الجملة أن الرافضة غير الشيعة لمكان التغيير الناتج من العطف- واللي شاك في اللي ذكرته أقول له نحن نفتخر إنا روافض لأن نرفض الباطل ونأيد الحق-.
أسباب الشتم
لا بد من الرجوع إلى مجموعة من الأسباب التي تشكل فعلاً عنيفاً استوجب رد الفعل ومن هذه الأسباب ما يلي:
أ*- المطاردة والتنكيل المروع للشيعة وبالشيعة وما تعرضوا له من قتل وإبادة على الظنة والتهمة وفي أحسن الحالات الملاحقة لهم والمحاربة برزقهم ومنعهم عن عطائهم من بيت المال وفرض الضرائب عليهم وعزلهم اجتماعياً وسياسياً وتستطيع الرجوع إلى التاريخ الأموي في الكوفة وغيرها من المدن الشيعية لتقف بنفسك على ما وصلت إليه الحالة وما انتهى إليه ولاة الأمويين من قسوة ومن هبوط في الإنسانية إلى مستويات يتبرأ منها الوحش في العهدين الأموي والعباسي- انظر مروج الذهب للمسعودي جـ3, وانظر تاريخ الطبري جـ6.
إن مثل هذا الاضطهاد يستلزم التنفيس عن الكبت فقد يكون هذا التنفيس في عمل إيجابي بشكل من الأشكال وأحياناً قد يكون سلبياً فيلجأ إلى الشتم.
ب*- إن الذي أسس هذه الظاهرة هم الأمويون أنفسهم لأنهم شتموا الإمام علي عليه الصلاة والسلام, على المنابر وشتموا أهل البيت لمدة ثمانين سنة واستمر هذا الوضع حتى أن محاولة عمر بن عبد العزيز لم تنجح في منع الشتم وكانت كلمة الأمويين وبالذات معاوية أنهم إنما أسسوا شتمه ليدرج عليه الصغير ويهرم عليه الكبير, فنشأت مقابل ذلك ردة الفعل. ومما عمق هذه الظاهرة: هو الالتواء في معالجة هذه المشكلة من قبل بعض أعلام السنة. وعلى سبيل المثال نجد ابن تيمية يؤلف كتابه الصارم المسلول في كفر من شتم الرسول أو أحد أصحاب الرسول., ويحشد فيه الأدلة على كفر الشاتم ولكنه مع ذلك ومع علمه بما قام به معاوية والأمويين الذين قاموا بشتم الإمام علي عليه الصلاة والسلام, وأهله. إن علي بن أبي طالب أخو رسول الله صلى الله عليه وآله ومن ضحى بكل ذرة من كيانه في خدمة الإسلام والمسلمين فلماذا لا يكفر شاتمه؟ وستسمع الجواب طبعاً بأنه تاب وغفر الله له وانتهى الأمر.

وإليك مثالاً أخر: لقد تولى يزيد بن معاوية الحكم لمدة ثلاث سنوات قتل في سنة منها الحسين وأهل بيت رسول الله وسبى عيالهم وذبح أطفالهم وعمل فيهم أعمالاً لا تصدر من كسرى وقيصر.
وفي سنة ثانية قتل عشرة آلاف من المسلمين وسبعمائة من الصحابة حملة القرآن, واستباح المدينة ثلاثة أيام وسمح لجند أهل الشام أن يهتكوا أعراض المسلمات وذبح الأطفال حتى كان الجندي الشامي يأخذ الرضيع من ضرع أمه ويقذف به الجدار حتى ينتشر مخه على الجدار وأجبر الناس على بيعة يزيد على أساس أنهم عبيد له, وأخاف المدينة وروع الناس وأحال أرض المدينة المنورة إلى برك من الدماء وتلول من الأشلاء.
وفي سنة ثالثة سلط المنجنيقات على الكعبة وهدمها وأحرقها وزعزع أركانها وجعل القتال داخل المسجد الحرام وسال الدم حتى في قاع الكعبة وقد استعرض ذلك مفصلاً كل من تاريخ الحميس للديار بكري والطبري وابن الأثير والمسعودي في مروج الذهب وغيرهم من المؤرخين في أحداث سنة ستين حتى ثلاث وستين من الهجرة. ومع ذلك كله تجد كثيراً من أعلام السنة يخطئون من يخرج لقتال يزيد وأن الخارج عليه يحدث فتنة ووصل الأمر إلى حد تخطئة الحسين عليه الصلاة والسلام, سيد شباب أهل الجنة فكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم, عندما قال:"الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" ما كان يعلم بأنه يقاتل يزيد وحينما يقول النبي صلى الله عليه وآله:"إن الحسين وأصحابه يدخلون الجنة بغير حساب"- تهذيب التهذيب لابن حجر جـ2- لم يأخذ في حسابه أنهم خارجون على يزيد {اللهم أهد قومنا}, وكأن ابن العربي المالكي أعرف بمصائر الأمور من النبي نفسه الذي يرسم للحسين مصيره ويأمره بتنفيذ ذلك, {أرأيت معي إلى أي مستوى من المهازل تصل الدنيا؟}.
وهذا الإمام الغزالي يقول وأمام عينيه عشرات من كتب السير والتاريخ التي تؤكد بالطرق الموثوقة بشاعة الأحداث التي تمت بأمر يزيد وبفعله المباشر لبعضها. يقول في باب اللعن من كتابه إحياء العلوم:
فإن قيل: هل يجوز لعن يزيد لأنه قاتل الحسين, أو أمر به, قلنا هذا لم يثبت أصلاً فلا يجوز أن يقال إنه قتله أو أمر به ما لم يثبت, فضلاً عن لعنه, لأنه لا يجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق, إلى أن قال: فإن قيل: أن يقال:((قاتل الحسين لعنه الله, أو الآمر بقتله لعنه الله)) قلنا: الصواب أن يقال قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله- إحياء العلوم جـ2 صــ 276ــ.
بربك هل تملك أعصابك وأنت تسمع مثل هذا الكلام يصدر من مثل هذا الشخص؟. وهل كتب السير والتاريخ عند المسلمين والتي نصت على صدور هذه الأحداث أمراً ومباشرةً من يزيد كلها لا تثبت أفعال يزيد ولا تدينه؟! وعنده أن يزيد وأمثاله من قتلة الأنبياء وأبناء الأنبياء ممن يوفقون للتوبة؟! إن كل وسائل الإثبات لا تثبت إدانة يزيد عند الغزالي, ولكن يثبت عنده من طيف رآه أنه رأى الله تعالى واجتمع به ووضع يده بيده وحادثه وأفاض عليه من نوره- أنظر الغدير للأميني جـ11صــ 161ــ.
يقول صاحب مفتاح السعادة: إن أبا بكر النساج ألحد الغزالي في قبره وخرج متغير اللون فسألوه عن ذلك فقال: رأيت يداً يمنى خرجت من تجاه القبلة وسمعت منادياً ينادي ضع يد محمد الغزالي في يد سيد المرسلين- المصدر السابق بالصفحات ذاتها- إن أمثال هذه المواقف تثبت بوسائل إثبات من هذا النوع ولكن كتب التاريخ كلها لا تشكل وسيلة إثبات في إدانة يزيد!.. ويصل الأمر إلى رمي آل البيت بالشذوذ فضلاً عن عدم ترتيب الأثر على شتمهم كما في مقدمة ابن خلدون.
ويقول ذلك ونصب عينيه أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في أهل بيته كما رواه ابن حجر في صواعقه"في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدجين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله تعالى فانظروا من توفدون" ونصب عينيه أيضاً ما قاله النبي صلى الله عليه وآله في المستدرك:
"ومن أحب أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنة التي وعدني بها ربي وهي جنة الخلد فليتول علياً وذريته من بعدي فإنهم لم يخرجوكم من هدى ولن يدخلوكم باب ضلالة"- مستدرك الحاكم جـ3 صــ 148ـــ.
ومع ذلك كله فأهل البيت شاذون مبتدعون في نظر الشعوبي ابن خلدون إني والله يعلم إذ أورد أمثال هذه المقاطع إنما أريد وضع اليد على الدملة التي أهلكنا التهابها عبر السنين. إن أمثال هذه المواقف إنما تعمق جذور الخلاف فيكون التنفيس عنها سلبياً أحياناً, إن كتاب المسلمين مسؤولون عن شجب هذه المواقف التي رحل واضعوها وبقيت مصدر بلاء على المسلمين. وإن مما يبعث على الاستغراب أن يسكت علماء وكتاب المسلمين على أقوال ابن خلدون وأمثاله مع قيام الأدلة على أن آل محمد هم الامتداد المضموني لمحمد صلى الله عليه وآله, بالإضافة إلى ذلك كله إن السنن التي تروى عن طريق أهل البيت عليهم الصلاة والسلام, لا يعمل بها بينما يعمل ببدع واستحسانات وردت عن طريق غيرهم خذ مثلاً مسألة الأذان الذي حذف منه فقرة حي على خير العمل مع ثبوتها وأنها جزء من الأذان بطرق مختلفة يقول صاحب مبادئ الفقه في هذا الموضوع ما يلي:-
كيفية الأذان هي: الله أكبر, الله أكبر, الله أكبر, الله أكبر, أشهد أن لا إله إلا الله, أشهد أن لا إله إلا الله, أشهد أن محمداً رسول الله, أشهد أن محمداً رسول الله, حي على الصلاة, حي على الصلاة, حي على الفلاح, حي على الفلاح, الله أكبر, الله أكبر, لا إله إلا الله.
هذا هو الأذان الذي اتفق البصريون والكوفيون على كلماته, وتبعهما الشاميون والمصريون ومذهب الحجازيين والزيدية والمالكية إلى أن كلمة الله أكبر في أول الأذان مرتان لا أربع وعليه عمل أهل المدينة وأما((الصلاة خير من النوم)) فليست من الأذان الشرعي: ففي تيسير الوصول عن مالك أنه بلغه أن المؤذن جاء عمر يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائماً فقال: الصلاة خير من النوم فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح. ولذلك قال أبو حنيفة: هذه الجملة تزاد بعد إكمال الأذان لأنها ليست من السنة.
أما((حي على خير العمل)) فمذاهب العترة أنها بين حي على الفلاح وبين الله أكبر, <<دليلهم في ذلك من كتب السنة ما يلي: روى البيهقي في سننه أن علي بن الحسين زين العابدين كان يقول إذا قال حي على الفلاح حي على خير العمل ويقول هو الأذان الأول.
وأورد في شرح التجريد مثل هذه الرواية عن ابن أبي شبيه ثم قال: وليس يجوز أن يحمل قوله((هو الأذان الأول)) إلا على أنه أذان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وزاد رواية أخرى عن ابن عمر: أنه ربما زاد في أذانه حي على خير العمل, وأورد البيهقي هذه الرواية عن ابن عمر أيضاً.
وقال علاء الدين مغلطاي الحنفي في كتاب التلويح شرح الجامع الصحيح: ما لفظه: وأما حي على خير العمل فذكر ابن حزم أنه صح عن عبد الله ابن عمر وأبي أمامة سهل بن حنيف أنهما كانا يقولان في أذانهما((حي على خير العمل)) وكان علي بن الحسين يفعله وذكر سعد الدين التفتازاني في حاشيته على شرح العضدي على مختصر الأصول لابن الحاجب أن حي على خير العمل كان ثابتاً على عهد رسول الله وأن عمر هو الذي أصر أن يكف الناس عن ذلك مخافة أن يثبط الناس عن الجهاد ويتكلوا على الصلاة.
وقال ابن حميد في توضيحه: وقد ذكر الروياني, أن للشافعي قولاً مشهوراً بالقول به, وقد قال كثير من علماء المالكية وغيرهم من الحنفية والشافعية أن حي على خير العمل كان من ألفاظ الأذان.
وبعد كل ما ذكرته من روايات صحيحة في طرق أهل السنة فلماذا يا ترى لا يعمل بما ورد عن آل محمد وبطريقتهم من السنن الصحيحة مع أنهم محال رحمة الله وبيوتهم مهابط وحيه وصدورهم عيبة علم النبي ألا يبعث هذا على الدهشة؟.
في حين نرى من غيرهم أحكاماً لا تلتقي بحال من الأحوال مع المدارك السليمة ومع ذلك يؤخذ بها وتعتبر مدركاً من المدارك فعلى ماذا تحمل هذه الأمور إن لم تحمل والعياذ بالله على البعد عن آل محمد وهم عدل الكتاب بنص النبي عليه الصلاة والسلام خذ مثلاً: ما ذهب إليه بعض فقهاء السنة من أن الإنسان إذا ترك الصلاة عمداً لا يجب عليه قضاؤها أما إذا تركها نسياناً فيجب عليه قضاؤها – نيل الأوطار للشوكاني- واعتقد أن ذلك يخرج على رأي من يقول إن الكافر لا يكلف بالفروع, وحيث إن التارك عمداً يمكن أن يكون تركه لها لعدم الإيمان بها أساساً فهو كافر ومهما يكن فإن هذا من الفروع البعيدة عن روح الأحكام الصحيحة.{والتعليق لكم}.
{}{}{}{}{}{}{}
شبهات وردود
خان الأمين:
وقالوا بأن الشيعي حين ينتهي من الصلاة يضرب بكفه على ساقه ثلاثاً ويقول: خان الأمين أو: تاه الأمين, وأغرب ما سمعت أو قرأت هي هذه التهمة, والحمد لله الذي جعل خصوم أهل الحق من الحمقى حيث سلكوا الطرق المعوجّة في خصومتهم, فقد سمعت أحدهم يحلف بالله بأنه ما كان ينقل هذه التهمة لو لم يسمعها بأذنيه من الشيعة.
وإني كشيعية أتحدى أن يعطيني هذا المتكلم أو غيره رقماً واحداً لوجود هذا في كتاب ولو شيعي جاهل أو تفوه به ولو طفل من أطفال الشيعية, والله يا أخي نحن نقول: الله أكبر, الله أكبر, الله أكبر, لا إله إلا الله, الله أكبر
الخمس:
ومما اعترضوه علي: مسألة الخمس, وقد أوجبها الله تعالى في الغنيمة؛ وهي تعني غنيمة الحرب, فلماذا أوجبه الشيعة في أرباح المكاسب؟.
الجواب بكلمة: هي من المسائل الفرعية تخضع للدليل الشرعي الذي استفاد فقهاؤنا الأبرار من مذهب أهل البيت عليهم السلام؛ فقد ورد في رواياتهم:( الخمس في كل ما أفاد الناس ).
قال الله تعالى:(واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله ورسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل)
وإيجاب أهل البيت عليهم السلام الخمس في أرباح المكاسب يعتمد أحد الوجهين التاليين:-
أ*- توسيعاً لمدلول الغنيمة في الآية وأخذاً بمعناها اللغوي العام وهو(كل فائدة)؛ وإن كان موردها الفوائد التي تحصل عن طريق الحرب, لكن المورد كما يقولون لا يخصص الوارد, فتبقى الآية على مدلولها اللغوي العام وهي إيجاب الخمس في كل فائدة.
ب*- بيان مورد آخر من موارد وجوب الخمس لم يرد ذكره في الآية؛ كما في صلاة الآيات الواجبة بالسنة القطعية, بينما لم يرد ذكرها في القرآن مع الفرائض الأخرى.
فمن ملك منجماً من ذهب أو فضة أو حديد أو نفط أو نحاس أو زفت أو كبريت وما إلى ذلك ففيه الخمس, عشرون بالمائة, ومن وجد مدخراً من آثار السابقين أو أخرج شيئاً من البحر كاللؤلؤ والمرجان أو ورث من إنسان مالاً ثابتاً أو منقولاً, وكان المورث لم يؤد الخمس ففي ذلك ضريبة 20بالمائة وكل ما يكسبه الإنسان من أرباح التجارة والصناعة والعمل والإيجارات والوظيفة والهدية والوصية, وما إلى ذلك يستثنى منه مؤنته ومؤنة من يعول سنة كاملة وما زاد عن مؤنة السنة ففيه الخمس, ومن اشترى طعاماً أو وقوداً وفضل منه شيء عن السنة ففيه الخمس, ومن اشترى ثياباً تزيد عن حاجته وبقيت عنده أكثر من سنة ففيها الخمس.
وكما أن هناك روايات صحيحة وردت في كتب العامة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, وهي توجب الخمس في (الركاز)؛ وهو المقدار المعين من الذهب والفضة, حيث قال صلى الله عليه وآله: في (الركاز الخمس)- رواه كل من ابن عباس وأبي هريرة وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك, كما في مسند أحمد, وسنن ابن ماجة, وصحيح مسلم, وشرح صحيح مسلم للنوري, وصحيح البخاري, والركاز: الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت, وهو تفسيره صلى الله عليه وآله وسلم للركاز, كما جاء في كتاب الخراج للقاضي أبي يوسف: ص22-, فلماذا أوجب أبو حنيفة مثلاً الخمس في الركاز في حين كان وجوب الخمس في الآية مختصاً بالغنيمة؟ إذا من الممكن أن تكون الآية ذكرت مورداً واحداً من موارد وجب الخمس؛ وهو غنائم الحرب, وتركت بيان الموارد الأخرى؛ لوجوب الخمس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام في الوقت المناسب.
فعلى أي حال ليس لك أن تناقشني في مسألة فرعية أخضع فيها للدليل الشرعي الذي أعرفه من مذهبي, ولي طرقي الصحيحة التي تربطني بأئمتي, وإنما لك أن تناقشني في أصل تبعيتي لأهل البيت عليهم السلام وقد أقمت لك الأدلة فيها, ووضح الصبح لذي العينين.

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــيتبع

alfa-beta
15-09-2006, 03:31 AM
باسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قرات نتفا من موضوعكم هذا وقد شدتني لقراءة الموضوع بالكامل لكن الوقت ضيق وساقرؤه ان شاء الله غدا ان تمكنت واذا كان عندي تعليق ساعلق
على كل اشكركم على هذا الموضوع

islamway
15-09-2006, 03:56 AM
أبو الأسود الدؤلي...!!!!!::33::

alfa-beta
15-09-2006, 04:11 AM
باسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حقا قد شدني الموضوع ولم اقم حتى قراته وتعليقي فيما بعد
شكرا لكم على الموضوع

أسدالله الغالب
15-09-2006, 07:45 AM
موضوع قيم ورائع

أبو الأسود الدؤلي من خيرة شيعة آل محمد صلوات الله وسلامه عليهم

alfa-beta
15-09-2006, 03:12 PM
باسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم
حقا ان الموضوع جدير بالاهتمام هذا تقريبا ثاني اوثالث موضوع اجده بعيد عن الكلام الذي لا فائدة منه بين المواضيع التي لااجد فيها الا التنابزات والسباب وحوارات لا فائدة منها الا زيادة الشرخ الذي اصاب هذه الامة واتمنى ان يكون المتدخلين في مستوى النقاش العقلاني والعلمي دونما النقاشات الفارغة.
قلتم شيئا عن ما تقولونه بعد الانتهاء من الصلاة وان مخالفيكم يتهمونكم انكم تقولون خان الامين وقلتم انكم تقولون "الله اكبر"
مخالفيكم هم كذلك يقولون هذا بعد الانتهاء من الصلاة والدليل هو ما جاء في كتاب فتح الباري الذي يشرح كتاب صحيح البخاري :

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّكْبِيرِ قَالَ عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ كَانَ أَبُو مَعْبَدٍ أَصْدَقَ مَوَالِي ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ عَلِيٌّ وَاسْمُهُ نَافِذٌ .
الذي اثارني كثيرا واعجبني في موضوعكم هوالتالي:
أريد أن أعرض هنا تعقيب على نوعية الرواد الأوائل هي:-
أولاً: إن هؤلاء الشيعة الذين مر ذكرهم مع أنهم كانوا من الذاهبين إلى أولوية الإمام علي عليه الصلاة والسلام, بالخلافة لأنه الإمام المفترض الطاعة المنصوص عليه ومع اعتقادهم بأن من تقدم عليه أخذ ما ليس له ومع امتناع كثير منهم من البيعة للخليفة الأول واعتصامهم ببيت الإمام علي عليه الصلاة والسلام, مع كل ذلك لم يعرف عن أحد منهم أنه شتم فرداً من الصحابة أو تناوله بطريقة غير مستساغة بل كانوا أكبر من ذلك وأصلب عوداً من خصومهم – مما يدل على أن بعض من عرف بظاهرة شتم الصحابة إنما صدر منه ذلك كمعلية رد فعل لأفعال متعددة- إنهم مع اختلافهم مع الحكم لم يلجأوا إلى شتم أو بذاء لأنهم يعرفون أن الحقوق لا يوصل لها بالشتم وليس الشتم من شيم الأبطال, والذي يريد أن يسجل ظلامة أو يشير إلى حق سليب فإن طرق ذلك ليس الشتم في شيء, وإنما هناك مناهج سليمة في الوصول إلى ذلك. وقد حرص أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام, على تربية أتباعه على المنهج السليم, ومن مواقفه في ذلك, ما رواه نصر بن حازم قال: مر أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام, على بعض من كان في جيشه بصفين فسمعهم يشتمون معاوية وأصحابه فقال لابن عدي ولعمر بن الحمق وغيرهما: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين تشتمون وتبرأون ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم من سيرتهم كذا وكذا ومن أعمالهم كذا وكذا كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم اللهم احقن دماءهم ودماءنا, وأصلح ذات بيننا وبينهم وأهدهم من ضلالهم حتى يعرف الحق من جهله منهم, ويرعوي عن الغي والعدوان منهم من لهج به لكان أحب إلي وخيراً لكم, فقالوا: يا أمير المؤمنين نقبل عظتك ونتأدب بأدبك- صفين لنصر بن مزاحم, ص15- وهذا الموقف منه عليه الصلاة والسلام يشعرهم أن الشتم وسيلة نابية وليست كريمة, بالإضافة إلى أن الشتم مدعاة للإساءة بمقدسات الشاتم نفسه ومن هنا حرم الفقهاء شتم الصنم إذا أدى إلى شتم الله تعالى مستفيدين من قوله تعالى:"ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم" 108- الأنعام, من أجل ذلك كله كان الشيعة أطهر ألسنة من أن يشتموا وأبعد عن هذا الموقف النابي ولذلك هناك الكثيرون من الباحثين يؤكدون هذا الجانب في حياة الرواد الأوائل من الشيعة مع أنهم يثبتون عقيدتهم بتقديم الإمام علي عليه الصلاة والسلام, ومن هؤلاء:
أ*- د. أحمد أمين:
يقول عن هؤلاء إنهم قسم المقتصد الذي يرى أن أبا بكر وعمر وعثمان ومن شايعهم أخطأوا إذ رضوا أن يكونوا خلفاء مع علمهم بفضل علي وإنه خير منهم- فجر الإسلام, ص268-.
ب*- ابن خلدون يقول:
كان جماعة من الصحابة يتشيعون لعلي ويرون استحقاقه على غيره ولما عدل به إلى سواه تأففوا له إلا أن القوم لرسوخ في الدين وحرصهم على الألفة لم يزيدوا في ذلك على النجوى بالتأفف والأسف- تاريخ ابن خلدون, ج3,ص364-.
ت*- ابن حجر في الاستيعاب:
يقول في ترجمة أبي الطفيل: عامر بن واثلة بن كنانة الليثي أبو الطفيل أدرك من حياة النبي (ص) ثمان سنين وكان مولده عام أحد ومات سنة مائة ويقال: إنه آخر من مات ممن رأى النبي, وقد روى نحو أربعة أحاديث وكان محباً لعلي وكان من أصحابه في مشاهده وكان ثقة مأموناً يعترف بفضل الشيخين(أبو بكر وعمر) إلا أنه يقدم علياً انتهى باختصار- الإيستيعاب ج2,ص452-.
وبعد هذه المقتطفات أود أن ألفت النظر إني خلال مراجعاتي كتب التاريخ لم أر في الفترة التي تمتد من بعد وفاة النبي حتى نهاية خلافة الخلفاء من عمد إلى الشتم من أصحاب الإمام, وإنما هناك من قيم الخلفاء وقيم الإمام وحتى في أشد جمحات عاطفة الولاء لم نجد من يشتم أحداً ممن تقدم الإمام بالخلافة يقول أبو الأسود الدؤلي:-
أحب محمداً حباً شديداً وعباساً وحمزة والوصيا
يقول الأرذلون بنو قشير طوال الدهر ما تنسى عليا
أحبهم لحب الله حتى أجيء إذا بعثت على هويا
بنو عم النبي وأقربوه أحبّ الناس كلهم إليا
فإن يك حبهم رشداً أصبه ولست بمخطئ إن كان غياً- الكامل للمبرد هامش رغبة الأمل ج7-.

يضاف لذلك أنه حتى في الفترة الثانية أي عهد الأمويين كان معظم الشيعة يتورعون عن شتم أحد من الصحابة, أو التابعين: يقول ابن خلكان في ترجمة يحيى بن يعمر: كان شيعياً من القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لغيرهم- وقبات الأعيان ج2,ص269
بالخصوص العبارات التالية:
ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم من سيرتهم كذا وكذا ومن أعمالهم كذا وكذا كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم .
لانني لا ارى في اساليب اتباعكم الا الابتعاد عن نهج ائمتكم .فالسؤال هل انتم حقا شيعة؟كما تقولون
وشكرا

أميرة الجنة
15-09-2006, 11:09 PM
بالطبع نحن شيعة, ومالسبب في قولك هذا
لانني لا ارى في اساليب اتباعكم الا الابتعاد عن نهج ائمتكم .فالسؤال هل انتم حقا شيعة؟كما تقولون..
أرجو التوضيح ..........!!!

وشكراً

alfa-beta
16-09-2006, 01:15 AM
باسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم
العضو المحترم
اميرة الجنة
ساوضح لكم كما قلتم
لانني لا ارى في اساليب اتباعكم الا الابتعاد عن نهج ائمتكم .فالسؤال هل انتم حقا شيعة؟كما تقولون
لانني الاحظ في ردود بعض اتباعكم او مواضيعهم ينهجون اسلوب الاستفزازات لرموز مخالفيكم ولمزهم وبعض الاحيان شتمهم .وهذا يتنافى مع ما كتبتموه في موضعكم اعلاه.
وشكرا

الدكتور سامي
16-09-2006, 01:35 AM
ونسيتم شخصا هاما




















































































ابن سبأ

أميرة الجنة
17-09-2006, 02:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم أكمل بحثي......
ت/ الشبهات والردود:
الشعائر الحسينية:
وينتقدوننا؛ لأننا نحيي الشعائر الحسينية بمختلف أشكالها, من مآتم, وبكاء, وزيارة لقبره, وكل ذلك مما لا يستسيغه القوم, أو هو ممّا يفرق بين المسلمين.
أقول: هناك منطقان نعتمد عليهما في إحياء الشعائر الحسينية, وهما لا يختصان بنا كشيعة؛ بل يعمّان كل المسلمين لو تدبروا, بل أنّ أحد المنطقين يجب أن يدفع الإنسانية برمتها لإحياء ذكرى الحسين إن أرادت الكمال, والمنطقان هما:
1- الحسين بن علي عليه السلام سبط الرسول صلى الله عليه وآله, وأحد ريحانتيه من الدنيا, وسيد شباب أهل الجنة, وأحد المطهرين من الرجس, بنص آية التطهير وبإجماع المسلمين, وواحد من القربى الذين فرض الله مودتهم في أعناقنا كمسلمين, كما في آية المودة:(قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى), وهو الذي أعرب عن منزلته الرسول صلى الله عليه وآله, كما جاء في صحيح الترمذي,- ورواه ابن ماجة في صحيحه, والحاكم في المستدرك, وأحمد بن حنبل في سنده, وابن الأثير في أسد الغابة, والمتقي الهندي في كنز العمال, وآخرون من أئمة الحديث وأرباب السنن-, حيث روى بسنده, عن ابن يعلى بن مرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
"حسين مني وأنا من حسين, أحبّ الله من أحبّ حسيناً, حسين سبط من الأسباط"
وجاء في صحيح الترمذي- وفي مسند بن حنبل, وحلية أبي نعيم, وتاريخ الخطيب البغدادي, وتهذيب التهذيب, وخصائص النسائي, والإصابة لابن حجر, وكنز العمّال للمتقي, وعشرات آخرون من رواة الحديث- أيضاً, في مناقب الحسن والحسين عليهما السلام, روى بسندين عن أبي سعيد الخدري؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
"الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة".
إن شخصية كالحسين عليه السلام, يقتل مظلوماً بأبشع قتلة, فأيّ مسلم يوالي النبي صلى الله عليه وآله, وأهل بيته ولا يواسيهم في هذه المصيبة مهما مرّت الأزمان؟
بل وأي إنسان يحمل عاطفة الإنسانية لا يتصدع قلبه ولا تسيل دموعه ولا تلتاع نفسه لما جرى على أهل بيت رسول الله في كربلاء؟!
يقول دعبل الخزاعي:
لا أضحك الله سنّ الدهر إن ضحكت وآل أحمد مظلومون قد قهروا
أليس من مظاهر حب الأشخاص مشاركتهم في السراء والضراء؟.
ثم جاء الأئمة من أهل البيت عليهم السلام بعد شهادة الحسين عليه الصلاة والسلام في كربلاء يحثّون موالي آل محمد على إحياء أمر الحسين بكلّ صورة مشروعة, ويذكرون ما أعدّ الله من الثواب الكبير, والدرجات الرفيعة في الآخرة لمن أحيا شعائر الحسين عليه السلام, ومهما ذكر لشعائر الحسين عليه السلام من ثواب كبير؛ فإنها لا تخرج عن صفة الاستحباب الشرعي, والأمر المستحب لا يزاحم الواجب ولا يصل إلى أهميته أبداً, ولذلك نجد في رواياتنا أنّ الإمام الصادق عليه السلام يقول لعشيرته ومواليه عند موته:"لا تقولوا جعفر بن محمد يشفع لنا يوم القيامة, إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفاً بصلاته"- الفروع من الكافي-.
والفلسفة في هذا الحث الشديد من أهل البيت عليهم السلام, لتؤدي دورها ضد الباطل والظلم والزيف باستمرار, وعلى المدى الطويل.
(عاشوراء) موسم العطاء الرباني, موسم الفضيلة والتقوى والأخلاق, موسم العلم والمعرفة, ورمز لانتصار مبادئ الحق على جيوش الضلال .. وإذا كان عطاؤه قد بلغ (غاندي) محرر الهند الذي تعلم من الحسين عليه السلام كيف يكون مظلوماً لينتصر, فإن المسلمين عامة وشيعة الإمام خاصة أولى بهذا العطاء.
(اقتلوا كربلاء) مقولة صرح بها يزيد- فيزيد وخلال فترة حكمه ثلاث سنوات ارتكب ثلاث جرائم يبدى لها الجبين وتقشعر لها الإنسانية: 1- قتل سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته وأصحابه وأسر عياله وأطفاله وسعى لإخماد لهيب الثورة وصداها ولكن"ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين". 2- أباح مدينة الرسول صلى الله عليه وآله ثلاثة أيام لعسكره وتجاوزوا على النساء حتى أنه ولد في ذلك العام ألف طفل أو أكثر من الحرام. 3- أرسل جيشاً ومعهم المنجنيق لهدم الكعبة وفعل ذلك- والحجاج – صب جل اهتمامه للقضاء على أتباع وأنصار مدرسة الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسين عليهما السلام والقضاء على كربلاء, وكتب السيرة والتاريخ خير شاهد على هذه الحقيقة- وهارون – سعى لمحو كربلاء وآثارها وكرب قبر الإمام الحسين عليه السلام وهدم الأبنية التي كانت محيطة به, وقطع السدرة التي كان يستدل بها الزوار على موضع القبر. والرسول صلى الله عليه وآله لعن قاطع السدرة ثلاث مرات, انظر بحار الأنوار ج45 ص398, ومنع بناء البيوت في كربلاء وفتح الأسواق فيها. (انظر تراث كربلاء ص34والبحار ج45). والمتوكل- كان أكثر عنفاً وأكثر ضراوة وقسوة في العداء لأهل البيت عليهم السلام ومواليهم فكان يتبع آل أبي طالب وشيعة الإمام الحسين عليه السلام وزواره في كل مكان, ومنع زيارة الإمام الحسين عليه السلام وأصدر حكم الإعدام على زوار قبره, وأقام في المسالح أناساً يتربصون لزيارة القبر أو يهتدي لموضع القبر, ولكن شيعة الإمام ومحبيه كان نداءهم: (لو قتلنا عن آخرنا لما أمسك من بقي منا عن زيارته), وأمر بتهديم قبر الإمام عليه السلام وحرث أرضه سبع عشرة مرة وأسال الماء عليه, وفي إحدى المرات أمر المتوكل بالأبقار لتمر على قبر شهداء كربلاء فلما بلغت قبر الإمام الحسين عليه السلام لم تمر عليه وضربوا الأبقار بالعصي وتكسرت العصي وما جازت على قبر الإمام عليه السلام ولا تخطته؛ كما أن التاريخ يحدثنا أنه لم يستطع علوي واحد أن يستوطن كربلاء من بعد مصرع الإمام الحسين عليه السلام عام 61هـ حتى وفاة المتوكل عام 247هـ (انظر تراث كربلاء وتاريخ الطبري ج11والبحار ج45 ص397).والحكومة العثمانية- كالعادة طمعت الدولة العثمانية في مدينة كربلاء, فنهبوا خيراتها..و في عهد السلطان عبد المجيد الثاني عام 1258هـ حيث دخل المدينة, بعد أن ضربها بالمدافع, واستباحها ثلاثة أيام سلباً ونهباً, فقتل 20ألف شخص, ولجأ الناس إلى ضريح الإمام الحسين عليه السلام , لكن الجيش دخل الحرم, وقتل كل من لاذ بالقبر.(انظر تراث كربلاء ص367وص385وكتاب السلاسل الذهبية للسيد محمد صادق بحر العلوم) وتعرضت المدينة إلى حوادث أخرى. والبهلوي الأول- اتبع الطاغية رضا بهلوي سياسة التعلمن أي محو الدين, فقتل رجال الدين وهداة الأمة, ومنع من ارتياد الزي الديني, ومنع بناء الحسينيات والمساجد والمدارس الدينية, وأجبر النساء على التبرج والاختلاط, وسلب الحريات وصادر الأموال, وحارب الشعائر والمقدسات ومنع عقد المآتم والبكاء على الإمام الحسين عليه السلام وتخليد ذكراه, ومنع توزيع الماء في الشوارع والأزقة مواساة لشهيد الطف عليه السلام, ومنع نصب الرايات السوداء على البيوت في إحياء ذكرى سيد الشهداء عليه السلام.- وعشرات الطغاة الآخرين- "يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون"- من أمثال (البكر وصدام) حيث هدما الحوزة العلمية في النجف وكربلاء, وقتل صدام أكثر من ثلاثين ألف إنسان, وهدم المساجد والحسينيات والمدارس والمكتبات والمستوصفات ومقابر العلماء وألوف الدور والبساتين والأسواق والمراكز التجارية, وضرب بمدافعه قبة الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام وأضرحتهما كذلك.
وارتكب مجزرة بشعة في الحرمين المطهرين يندى لها الجبين, فكانت الدماء تلطخ كل مكان, كما فعل جيش يزيد بالمدينة المنورة وحرم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم, وفعل الحجاج بالمسجد الحرام بأمر الخليفة الأموي.
لكن سنة الله في الحياة إعلاء راية الحق وإظهاره وإزهاق الباطل واندحاره, لذا ذهب الطغاة والجبابرة وبقيت كربلاء حية نقية, مصدراً للإشعاع الديني والفكري, ومنبعاً للأخلاق الفاضلة, وبقيت كربلاء نبراساً للمجاهدين والأحرار, وسراجاً للأمم والشعوب, ومدرسة لتربية العلماء والمبلغين وحملة الأقلام, منذ استشهاد الإمام عليه السلام وإلى يومنا هذا وإلى يوم ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف).
وكما قالت عقيلة الهاشميين زينب(سلام الله عليها) للإمام زين العابدين عليه السلام: <وينصبون- الناس- لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء عليه السلام, لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام, وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهوراً وأمره إلا علواً>.- كامل الزيارات ص362-.
وقالت عليها السلام ليزيد:
<فكد كيدك, واسعي سعيك, وناصب جهدك, فو الله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا>- ورد في زيارة السيدة زينب عليها السلام.{وهذا ملاحظ في وقنا الحاضر, إلى أين ذهب يزيد يا ترى, أقول لك ذهب إلى مزابل التاريخ, وانظر إلى قبة الحسين عليه الصلاة والسلام شاهقة عالية تناطح السحاب, اللهم صل على محمد وآل محمد, تماماً كما قالت الحوراء زينب سلام الله عليها}.
http://www.flashfp.net/uploader/modules/up-pic/pic/uploads/c46d8d01f8.jpg (http://www.flashfp.net/uploader/modules/up-pic/pic/uploads/c46d8d01f8.jpg)

وقد ذهب صدام كما ذهب من قبله الطغاة(وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)- الشعراء,277.
وعلى أي حال فمهما كانت هذه الفلسفة فنحن خاضعون لمذهب أهل البيت عليهم السلام في تخليد النهضة الحسينية المقدسة.
هذا هو المنطق الشرعي والإنساني لإحياء معالم الحسين عليه السلام, وهو منطق المودة للقربى ومواساة الرسول صلى الله عليه وآله في مصاب ولده, وإتباع أهل البيت عليهم السلام, فإن لنا بهم أسوة "ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً", والعاطفة الإنسانية لما جرى على الأبرار من البشر.
2- المنطق العقلاني: هذا المنطق هو الآخر يدفعنا لإحياء ذكريات عاشوراء؛ وذلك لأن في إحيائها تكريماً للإنسان العظيم في تاريخ الرسالة, وإنّ أمةً لا تكرم عظمائها فهي محكومة بالفشل, لأن الذي يرسم تاريخ الأمة ويصنع كيانها هم العظماء.
وإننا حين نهمل عظمائنا نكون قد أهملنا تاريخنا ككل, وحكمنا على وجودنا باللغو, فحين أعتز بعقيدتي الإسلامية وبكياني الإسلامي؛ يجب أن أعتز بصانعي هذا الكيان وبروّاد هذه المسيرة, ومن يا ترى أعطى وبذل وصنع وقدّم للأمة وللرسالة؛ كالحسين بن علي؟ بعد النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام؟
وهذا بحث يحتاج إلى تعميق كثير.
إنّ تقديسنا للحسين عليه السلام ناشئ من تقديسنا للإسلام العظيم.
إننا نبكي ونتأثر لما جرى على الحسين عليه السلام؛ وفي نفس الوقت نكبر تلك الروح المفعمة بالإيمان حين نقرأ عن الحسين عليه السلام وهو يملأ كفّه من دم رضيعه ويرمي به إلى السماء قائلاً:"اللهم إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى", فلا تتوقع انفصالي عن الحسين عليه السلام إلا حين أنفصل عن إسلامي العزيز, وهذا هو المحال بعينه.
إن في إحياء ذكرى الحسين عليه الصلاة والسلام بمختلف الأساليب المعقولة والمشروعة؛ تخليداً لعظمائنا, وشكراً لهم على ما قدموا في سبيلنا, وفي سبيل رسالتنا, ودعوة للآخرين كي يهتدوا بهداهم.
إن في إحياء ذكرى الحسين عليه السلام إحياءً للملاحم البطولية المؤمنة التي أدار رحاها سبط رسول الله صلى الله عليه وآله ورمز من رموزنا المقدسة, وإحياء للروح الإيمانية الجبارة, والإرادة العقائدية التي لم تقهر تحت أعتى الظروف وأقساها.
إن إحياء ذكرى الحسين عليه السلام يعني إحياء تلك الشعارات التي رفعها الحسين عليه السلام وأصحابه الأحرار في كربلاء؛ والتي من شأنها إحياء المسلمين في كل مكان وزمان, ألا ما أحوجنا إلى تلك الشعارات: (لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما)- (ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة والذلّلة, وهيهات منّا الذلّة, يأبى الله ذلك لنا ورسوله, وحجور طابت وطهرت, ونفوس أبيّة من أن تحمل طاعة اللئام على مصارع الكرام).
تلك الكلمات التي كانت تنصبّ كالحمم على رؤوس الأعداء, وذلك الانفجار الثوري النبوي الذي كان ينطلق تحت سيل الدم والنار والحديد وأمام جثث الضحايا من الأخوة والأولاد والأنصار, وفي كابوس مأساة عطش النساء والأطفال وصراخهم الذي كاد يشقّ عنان السماء.
حقاً أقول لكم: الكلمات عاجزة عن وصف ذلك المشهد, أمّا أنا فأحسّ في نفسي الآن بشيء لا أستطيع أن أترجمه لكم, شيء هو مزيج من الإكبار والإعظام, والرحمة والعزاء والعطف للصفوة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم, شيء نطقت عنه دموعي التي جرت دونما خيار.
ولذلك كله؛ فلو أعطت الإنسانية يوم عاشوراء حقّه, لاحتفلت به كيوم للحرية والكرامة الإنسانية, هذا مجمل ما في الأمر.
يبقى أنهم يقولون: إنّ في إحياء ذكرى الحسين عليه السلام تعرضاً للسلف, وإثارة للأحقاد والضغائن بين المسلمين.
ولكن هذا القول غريب جداً, فذكرى الحسين عليه السلام هي ذكرى الصراع بين فريقين من البشر؛ فريق جاهلي, وفريق مسلم, وإبراز للوجه الإسلامي الناصع والوجه الجاهلي القبيح, بل الكاسر.
فهل في ذلك غضاضة؟
إننا ننبرء في قضية الحسين من كل من اشترك ضدّ الحسين عليه السلام ولو تسمّى بالإسلام.
فهل أنت أيها المسلم المعاصر من الذين يرضون عن أولئك الذين تسببوا في مقتل سيد شباب أهل الجنّة بشكل أو آخر؟
فالمسلمون في ذلك الزمان فريقان: فريق اشترك في قتل الحسين ولو بشكل غير مباشر؛ فنحن نبرء منه والإسلام لا يعترف بالأسماء مثل اعترافه بالواقع, وفريق آخر يشارك ضدّ الحسين عليه السلام؛ فنحن على وئام مع هذا الفريق؛ إذاً فأين يكمن معنى التفرقة بين المسلمين؟؟
هل تريدون أن نترضى عن قتلة الحسين عليه السلام, لنكون بعيدين عن التفرقة, ولنكون قد وحدنا بين مسلمي الأسماء ومسلمي الواقع؟
اللهم إنّي أبرأ إليك من دين أو مذهب يرضى بقتل رموزه وقادته, ويساوي بين الظالم والمظلوم!!
فالحسين عليه السلام قد تدارك الإسلام, وكان ثمن تداركه هذا, تقديم دمه الطاهر, والتضحية بثمانية عشر فتى من أهل بيته الطاهرين الذين لم يكن لهم على وجه الأرض من شبيه. فكلما يذكر الإمام الحسين عليه السلام يذكر إلى جانبه: الإسلام, القرآن, الحرية, الاستشارية, المؤسسات الدستورية, التعددية الحزبية, الأخوة الإسلامية, الحقوق الإنسانية الفردية والاجتماعية, العدالة العامة والضمان الاجتماعي, التقدم والازدهار, الرقي والحياة الرغيدة, السعادة والهناء, كما ويذكر إلى جانبه: الحرب ضد التجبر والطغيان, وضد الدكتاتورية والاستبداد, وضد التوحش والبربرية, وضد التقهقر والرجعية, وضد الفقر والجهل, وضد الاستثمار والاستعمار, وضد الكبت والحرمان.
السماء والأرض يبكيان الإمام الحسين عليه السلام
إن في قصة الإمام الحسين عليه السلام كوامن جليلة, وخفايا كثيرة, قد كشف لنا عن بعضها أئمة أهل البيت عليهم السلام, منها: بكاء السماوات والأرض, والشمس والفلك, والوحش والطير, فعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام:"زوروا الحسين عليه السلام ولا تجفوه, فإنه سيد شباب أهل الجنة.. وشبيه يحيى بن زكريا, وعليهما بكت السماء والأرض"- البحار, ج45,ص201.
وفي خبر ابن شبيب عن الإمام الرضا عليه السلام:"إنه بكت السماوات السبع والأرضون لقتله"- البحار, ج45,ص201.
وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام في حديث طويل جاء فيه:"إن أبا عبد الله لما قتل, بكت عليه السماوات السبع, والأرضون السبع, وما فيهن وما بينهن, ومن يتقلب في الجنة والنار, وما يرى وما لا يرى.."- البحار,ج45,ص202.
وعن أبي جعفر عليه السلام قال:"بكت الإنس والجن والطير والوحش على الحسين بن علي عليهما السلام حتى ذرفت دموعهما"- البحار,ج45,ص205.
وعن زرارة قال:"قال أبو عبد الله عليه السلام يا زرارة إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً بالدم, وإن الأرض بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة... وما اختضبت منا امرأة ولا ادهنت, ولا اكتحلت, ولا رجلت, حتى أتانا رأس عبيد الله بن زياد لعنه الله, وما زلنا في عبرة بعده..."- البحار,ج45,ص206.
فبكاء السماء والأرض وما فيهما وما بينهما على الإمام الحسين عليه السلام حقائق كامنة لقصة الإمام الحسين عليه السلام نحن لا نعلمها, وإنما كشف لنا عنها أهل البيت عليهم السلام الذين اطلعهم الله على غيبه وعلى حقائق الأمور وواقعيتها.
ومنها: بكاء الملائكة وضجيجها, فعن الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال:"ما لكم لا تأتونه يعني: قبر الحسين عليه السلام؟ فإن أربعة آلاف ملك يبكون عند قبره إلى يوم القيامة"- البحار,ج45,ص222.
وعن محمد بن حمران قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:"لما كان من أمر الحسين بن علي ما كان, ضجّت الملائكة إلى الله تعالى وقالت: يا رب أيفعل هذا بالحسين صفيك وابن نبيك؟ قال: فأقام الله ظلّ القائم(عجل الله فرجه) وقال: بهذا انتقم له من ظالميه"- البحار,ج45,ص221.
وعن أبي جعفر عليه السلام قال:"أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكون الحسين إلى يوم القيامة, فلا يأتيه أحد إلا استقبلوه, ولا يمرض أحد إلا عادوه, ولا يموت أحد إلا شهدوه"- البحار,ج45.ص223.
{ وكتير من القصص تأيد اللي ذكرته, فكتير من المصابين بأمراض بتكون مستعصية- متل السرطان- على الأطباء, بيلتجأوا لضريح الإمام الحسين بن علي عليهما السلام, وبقدرة المولى جل وعلا بيشفوا على طول إذا كانوا متسلحين باليقين, وهذا إن دل, دل على المكانه العظيمة للإمام سلام الله عليه, ولا تنسوا قول الله تعالى:" ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً بل أحياءً ولكن لا تشعرون"وقوله تعالى:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون".}.
ومنها كذلك: نوح الجن وبكاؤها, فعن ابن نما في مثير الأحزان قال: ناحت عليه الجن, وإنه كان نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله منهم: المسور بن مخزمة, يستمعون النوح ويبكون.
وذكر صاحب الذخيرة عن عكرمة: إنه سمع ليلة قتله عليه السلام بالمدينة مناد يسمعونه ولا يرون شخصه:
أيها القاتلون جهلاً حسيناً ابشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء تبكي عليهم من نبي وملك وقبيل
قد لعنتم على لسان ابن داوود وموسى وصاحب الإنجيل- البحار, عن تاريخ ابن عساكر, ج4,ص341.
وفي (كامل الزيارات) مسنداً له قال: بكت الجن على الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام فقالت:
ماذا تقولون إذ قال النبي لكم ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بأهل بيتي وإخواني ومكرمتي من بين أسرى وقتلى ضرجوا بدم- البحار,ج45,ص237.
وقد نقل أحد الزهاد قائلاً: إنه سمع بكاء امرأة من الجن ليلة عاشوراء وهي تنوح وتبكي على الإمام الحسين عليه السلام.
ونقل سماحة آية الله العظمى السيد محمد هادي الحسيني الميلاني (1313-1395هـ) إلى ابنه سماحة آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي(قدس سره), أنه كان يسمع نياح الجن في ليالي عاشوراء وهي تنوح وتبكي على الإمام الحسين عليه السلام.
{وطبعاً مو أي واحد, يمكن يسمع نياح وبكاء الجن, لازم يصل إلى درجة معينة من الإيمان}.
وهذه وأمثالها حقائق كامنة, وواقعيات باطنة, لا يمكن انكارها, ولا يصح تكذيبها, رغم خفائها علينا, وذلك لأنها موجودة أخبر عنها الصادقون, وشهدها المتقون, وهي كلها ترتبط بقصة الإمام الحسين عليه السلام, وتدل على ارتباطها الوثيق بالغيب والماورائيات, وبالوحي والسماء.
لقد جاء في التاريخ أن ما يقرب من عشرين مورداً تلا رأس الإمام الحسين عليه السلام آيات القرآن الحكيم, وتكلم وهو مفصول عن بدنه الشريف, مرفوع فوق القناة, فلقد قرأ الإمام الحسين عليه السلام القرآن الكريم على الرمح, وفي مجلس عبيد الله بن زياد, وفي مجلس يزيد بن معاوية شارب الخمر, ولاعب القمار والشطرنج, كما قرأ أبوه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في أيام ولادته الأولى, القرآن الحكيم وهو ابن ثلاثة أيام أي عندما خرجت به أمه فاطمة بنت أسد من الكعبة بعد أن ولدته فيها, وكما قرأ عيسى بن مريم من قبله في المهد صبياً قوله تعالى:"آتاني الكتاب", وذلك ليذكر الناس كل الناس وإلى يوم القيامة, بأهمية الكتاب العزيز, الذي إذا عمل به الناس سعدوا في الدنيا, وليس العمل بآية الصلاة والصوم فقط, بل بكل الآيات الكريمة, بآية الأخوة(إنما المؤمنون أخوة), وبآية الأمة الواحدة(وإن هذه أمتكم أمةً واحدةً وأنا ربكم فاتقون), وبآية إتباع الرسول صلى الله عليه وآله(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) و.....
إلى غير ذلك من أحكام الكتاب الحكيم, ومن سنة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم, ومن سيرة أهل بيته الطاهرين عليهم السلام المنسية عند المسلمين, والمتروكة في أوساطهم.
وقد منع القرآن من البدعة في الدين بعنف قاصف, فالقرآن الذي يأبى للنبي صلى الله عليه وآله أن تذكر كنيته حين التخاطب, فيقول:(ما كان محمد أبا أحد من رجالكم, ولكن رسول الله, وخاتم النبيين)-الأحزاب,40.
ويأمر المسلمين بالصلاة والسلام عليه قائلاً:(إن الله وملائكته يصلون على النبي, يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)- الأحزاب56. هو هذا القرآن الذي يهدد النبي صلى الله عليه وآله بأخطر تهديد سمعه الرسول في حياته, إذ سوّل له البعض أن يغير شيئاً من أحكام الله, أو يتقول على الله بعض الأقاويل, فيقول:"وإن كادوا ليفتنوك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً* ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا* إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً)- بني إسرائيل, 76-78. (ولو تقول علينا بعض الأقاويل* لأخذنا منه باليمين* ثم لقطعنا عنه الوتين* فما منكم من أحد عنه حاجزين- الحاقة,45-48.
وهذا العنف الرهيب من القرآن في المنع عن البدعة يكشف عن مدى خطورتها. وضخامة جريمتها, كما أن هذه الآيات حددت مفهوم البدعة, بأنها الافتراء على الله والتقول عليه.
وما دامت هذه الآيات قد حددت خطورة البدعة, ومفهومها فكل من قال:إن الشيء كذا واجب, دون أن يجد على وجوبه دليلاً معتبراً فقد ابتدع, وكل من قال: إن الشيء كذا حرام, دون أن يجد دليلاً على حرمته فقد ابتدع, وهكذا بالنسبة إلى الاستحباب, والكراهة.
فنحن لا نجد في مجموعة الأدلة التي وصلت إلينا من المعصومين عليهم السلام, دليلاً يقول: إن الشعائر الحسينية محرمة ولا دليلاً يقول: إن اللطم على الحسين عليه السلام حرام, أو أن لبس السواد حرام, أو أن التطبير حرام... وما داموا يحرمون ما لا دليل على تحرمته فهم يفترون على الله ويتقولون عليه, وبالتالي فهم يبدعون في الدين بدعة.
والواقع إن الأدلة الشرعية, ليست ساكتة عن حكم الشعائر الحسينية, حتى يتاح للمدعيين أن يفتروا على الله الكذب, وإنما هي واضحة تفيد أن الشعائر الحسينية مباحة بطبيعتها الأولية ومستحبة بطبيعتها الثانوية.
أما كون الشعائر مباحة بطبيعتها الأولية, فتدل عليها أصالة الإباحة العقلية والشرعية, لأن أنواع الحكم الشرعي خمسة: الوجوب, والحرمة, والاستحباب, والكراهة, والإباحة, وهذه الأحكام الخمسة, عامة تشمل كافة الأعمال والأقوال الصادرة عن العباد, وكافة الأشياء الموجودة في متناول العباد, فكل عمل أو قول أو شيء, لابد أن يكون محكوما بأحد هذه الأحكام الخمسة, إذ لم يترك الشارع عملاً أو قولاً أو شيئاً لم يحكم عليه بحكمة, ولم يصدره إلى العباد ولو في ضمن الأدلة العامة فكل ما لم يوجد له حكم من الأحكام الخمسة, فهو مباح للأدلة الأربعة, فأما القرآن فقد دلت عليه آيات منه, منها قوله تعالى:(لا يكلف الله نفساً إلا ما أتيها) ومنها قوله:(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وقوله:(وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم, حتى يبين لهم ما يتقون) ومنها قوله:(ليهلك من هلك عن بينة, ويحيى من حي عن بينة). وهذه الآيات تتفق على أن الله تعالى لا يؤاخذ العباد على شيء لم يبينه لهم.
وأما من السنة فأخبار كثيرة. فعن الني صلى الله عليه وآله وسلم:"... رفع عن أمتي تسعة... وما لا يعلمون..." وفي غوالي اللئالي عن الإمام الصادق عليه السلام:"كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي" وفي أمالي الشيخ بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام:"الأشياء مطلقة, ما لم يرد عليك أمر أو نهي, وكل شيء يكون فيه حلال وحرام, فهو لك حلالاً أبداً, حتى تعرف الحرام فيه بعينة, فتدعه"... وفي الحديث المشهور:" ما حجب الله علمه عن العباد, فهو موضوع عنهم".
{وما أتوقعكم تختلفوا معي في هذا}.
وأما من الإجماع فيكفي فيه اتفاق عامة الأصوليين, وأكثر الإخباريين على أن الحكم الشرعي هو الإباحة, إذن فأصالة الإباحة محكمة في كل شيء لم يرد فيه حكم إلزامي, والشعائر الحسينية من الأشياء التي لم يرد فيها حكم إلزامي, والشعائر الحسينية من الأشياء التي لم يرد فيها حكم إلزامي فتكون مشمولة بأصالة الإباحة. فمن حرمها فقد ابتدع في الدين لأنه أسقط الأصل عن الاعتبار بلا مبرر. وهنا يسرع أصحاب هذه الدعوة الباطلة إلى القول بأن التطبير وضرب الأكتاف العارية بالسلاسل, مضر بالصحة, وكل شيء يضر بالصحة فهو حرام.
والجواب عنه, أولاً:-
ليس في الشعائر الحسينية ما يضر بالصحة, فالتطبير لا يزيد على جرح الرأس ونزف كمية محدودة من الدم لا تضر الجسم, بل تنفعه كالحجامة والفصد. وأما ضرب الأكتاف بالسلاسل فإنه لا يضر الأكتاف بل يسبب قوة جلدها.
وأما إذا كان هناك إنسان يضر به أية واحدة من هذه الشعائر بحيث يؤدي إلى هلاك نفسه أو طرف من أطرافه, فإنه يحرم عليه بحيث يؤدي إلى هلاك نفسه أو طرف من أطرافه, فإنه يحرم عليه بالنسبة إلى نفسه فقط, ولكن هذا يدخل تحت العناوين الثانوية التي لا تؤثر على أحكام العناوين الأولية , فكل شيء إذا أصبح ضررياً يحرم وإن كان بعنوانه الأولي واجباً كالصوم والحج. فهل هذا يبرر أن نقول: أن الصوم والحج محرمان لأنهما قد يؤديان إلى ضرر؟
وثانياً:
إن الضرر الذي يحرم تحمله باتفاق العقل والشرع هو الضرر الذي يكون بلا هدف عقلاني صحيح, وأما إذا تحمل الإنسان مشقة مضرة لهدف عقلاني فلا دليل على حرمته كتحمل أصحاب الحرف الشاقة صعوبات تبري أجسامهم وتضعف جميع أجهزتهم العضلية دون أن يكون محرماً عليهم.
ثالثاً:
ليس في الشرع دليل يقول: إن كل ما يضر بالصحة حرام, حتى يصح التمسك بعمومه. كل ما يوجد في هذا الباب هو قوله تعالى:"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" وأحاديث جمة تفيد: إن إهلاك النفس, أو إهلاك أحد الأطراف حرام, ولا نناقش في حرمة النفس أو الطرف, فمن انتحر, أو شل أحد أعضاءه فقد اقترف جريمة كبيرة, ولكن ليس كل ما يضر بالصحة, داخلاً في عنوان إهلاك النفس أو الطرف.
وأما قول النبي صلى الله عليه وآله:"لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" فيجاب عنه أولاً:-
بأنه مختص بغير الأحكام الصادرة في مورد الضرر, كالجهاد, والحج, والخمس, والزكاة, وتمكين النفس من الحدود, والقصاص, والتعزيزات, والصبر على المصائب, ومجاهدة النفس بترك الأخلاق الرديئة, وتحمل المرأة أوجاع الحمل والولادة.
وثانياً:-
أن هذا الحديث, يعني عدم وجود الأحكام الضررية في أصل الشرع لا حرمة تحمل الضرر مطلقاً.
ولهذا لا يحرم صوم الدهر سوى العيدين, وإدامة الوضوء, والتزام جميع النوافل, والسعي ماشياً إلى الحج والعتبات المقدسة, وإحياء الليالي بالعبادة.
كل هذا, بالإضافة إلى وجود أدلة تدل على أن المعصومين كانوا يتحملون الضرر بأنفسهم, ويقررون تحمل الضرر لغيرهم.
فإن آدم عليه السلام بكى على فراق الجنة, حتى فتح الدمع في خديه أخدودين. ويعقوب بن إسحاق انتحب على فراق نجله يوسف, حيث قال له:"بالله تفتأ تذكر يوسف, حتى تكون من الهالكين" وحتى قال الله تعالى:"... وتولى عنهم, وقال يا أسفي على يوسف, وابيضت عيناه من الحزن, فهو كظيم)-يوسف,54.
وورد في أحاديث زهد يحيى بن زكريا عليه السلام:"إن الدمع خدّ خدّيه, وأكل منهما, حتى وضعت أمه عليهما لبداً".
وورد في شعيب عليه السلام:"إنه بكى حباً لله وخشيةً منه, حتى عمى فرد الله بصره, ثم بكى حتى عمى, فرد الله بصره, ثم بكى حتى عمى فرد الله بصره".
والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وقف في محراب العبادة حتى تورمت قدماه والأدلة على ذلك كثيرة.., وكذلك فاطمة الزهراء سلام الله عليها وقفت في محرابها حتى تورمت قدماها.
ففي البحار عن الحسن عليه السلام:"ما كان في الدنيا أعبد من فاطمة كانت تقوم حتى تورم قدماها"وتورم القدم ونزول الماء إليها من الوقوف مرض خطير يعجز الطب عن معالجتها معالجة شافية.و..و.. , وكذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كان في كل ليلة يناجي الله ويذكر الموت والقبر والنار حق تعتريه- من خوف الله- غشوة يخرّ منها كالخشبة اليابسة.
وإن الإمام الحسين عليه السلام حمل على كتفه الجراب إلى دور اليتامى والمساكين حتى وجد على كتفه- بعد قتله- جرح لم يعرفه الأعداء فلما سألوا الإمام زين العابدين عليه السلام قال: إنه أثر الجراب, وروي في البحار عن أبي مخنف عن الجلودي:"إن الحسين عليه السلام لما أقحم فرسه على الفرات وولجه وغرف منه غرفة ليشرب سمع صائح القوم يقول:"حسين أدرك خيمة النساء فقد هتكت" فرمى الماء من يده وخرج فإذا الخيمة سالمة. بينما كان العطش قد اضر به, حتى حال بينه وبين السماء كدخان وكان ترك شرب الماء مضراً به حتماً".
والإمام السجاد عليه السلام بكى وانتحب على أبيه الحسين حتى قال مولى له: جعلت فداك يا بن رسول الله إني أخاف أن تكون من الهالكين. وقال له بعض أصحابه: إنك لتبكي دهرك, فلو قتلت نفسك ما زدت على هذا.
وقد عاش السجاد دائم السقم, دائم الحزن, نحيف البدن, وأصفر لونه بالاستدامة على العبادة, وعمشت عيناه من السهر, ودبرت جبهته, وخرف أنفه من السجود, و...
والإمام الكاظم عليه السلام قد هزل من العبادة, حتى إذا سجد بدا كأنه ثوب مطروح على الأرض.
وفي رياض المصائب: إن العباس لما ملك الماء يوم العاشر واغترف غرفة من الماء ليشرب, تذكر عطش الحسين ومن معه فرمى الماء على الماء".
وإن الرباب زوجة الحسين عليه السلام آلت على نفسها بعد رجوعها إلى المدينة أن لا تستظل تحت سقف, وعاشت بعد الحسين سنة واحدة, ثم ماتت كمداً. وقيل أنها أقامت على قبره سنة وعادت إلى المدينة فماتت أسفاً عليه.
وهذه الأعمال والكثير من أمثالها التي ملأت السيرة الطاهرة, تدل على أن مجرد الإضرار بالصحة غير محرم في الإسلام, بل محمود إن كان في سبيل الله, كما يظهر من وصف أمير المؤمنين عليه السلام للمتقين في خطبته المشهورة- راجع نهج البلاغة, خطبة المتقين-.
وروى ابن قولويه في كامل الزيارات عن الإمام الصادق عليه السلام:إنه قال: أيما مؤمن مسه أذى فينا صرف الله عن وجهه الأذى.."
ومن كل هذا ظهر: إن كل ما يضر بالصحة ليس حراماً, كما يبدو لبعض الناس, بل قد يكون مستحباً شرعاً. ونحن نفضل الشعائر الحسينية واحدة, ونعرضها على الأدلة الشرعية, لنتأكد من رأي الإسلام فيها.
_____________________________يتبع>>>>>>>

أميرة الجنة
17-09-2006, 02:34 AM
وردي عليك يا أخ الدكتور سامري كالتالي:
((المغربي إدريس الحسيني كان على المذهب السني, وانتقل للمذهب الشيعي))
http://www.flashfp.net/uploader/modules/up-pic/pic/uploads/d48de222b1.jpg (http://www.flashfp.net/uploader/modules/up-pic/pic/uploads/d48de222b1.jpg)
من هم الشيعة؟
إن التسمية التي أطلقت على الفريقين، ليست وفية للحقيقة. وهي أسماء سموها من عند أنفسهم، واستخدام الأسمين في الأبعاد التضليلية كان من دأب الأمويون فالنقطة الحساسة التي توحي بها المفارقة بين الاسمين هو أن ((سنة)) الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها شمُّتها في عنوان ((السنة والجماعة)) في الوقت الذي لا رائحة لها في عنوان ((مذهب الشيعة)) هذا يعني أن مذهب الشيعة يقف مقابلاً لمذهب ((السنة والجماعة)) بما هي الممثل الوحيد لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! هذا التشويه والتضليل قد آتى أكله على امتداد الأيام التي تلت عصور المحنة، فلقد أصبح الشيعة يفتقدون للمسوغات النقية والإعلامية في ذهن الجمهور.
الشيعة لغة، هم الأتباع والأنصار. وفي لسان العرب هم الذين يجتمعون على الأمر وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة. وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع.
وفي القرآن الكريم :( وإن من شيعته لإبراهيم)
يقول الكميت:
ومـــــالـي إلا آل أحمـد شيـــــــــــــعة ومـــــالــي إلا مذهــب الحـــــــــق مذهـــبا

و((الشيعة)) اصطلاحاً: يراد بهم أتباع وأنصار آل البيت عليهم الصلاة والسلام وهم الذين ناصروهم في كل محنهم وسلكوا سبيلهم ووالوهم.
يقول ابن خلدون: (اعلم إن الشيعة لغة هم الصحب والأتباع ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على أتباع علي وبنيه (رضي الله عنهم)).
تاريخ ابن خلدون،الفصل السابع والعشرون صـــ348 ــــ

والشيعة حسب تعريف علمائهم، هم الذين يسلكون سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مأخوذه من عترته الطاهرة. وأعداء الشيعة طالما تحاملوا على الشيعة، ملتمسين كل سلبية غريبة وإلصاقها بهم وفي ذلك قال طه حسين(( وما أكثر ما شنع خصوم الشيعة على الشيعة)) - إسلاميات طه حسين – صـــ 761ـــــ
يقول إدريس الحسيني : (إن التشيع ليس بدعة في تاريخ الإسلام. ولطالما حاول البعض إلصاقه بالعهود المتأخرة. بل لقد بلغت القسوة ببعضهم فربطه "بالفرس".
وكانت لهذه الدعايات أثر علي في البداية, مع أنني لم أستسلم لها بسهولة, واستقرت قناعتي في النهاية بعد أن تأكدت من تلك الحبكات الخرافية, ففي"فجر الإسلام" لأحمد أمين- وهو من أكبر المناصبين للشيعة- يقول:(كانت البذرة الأولى للشيعة, الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) أن أهل بيته أولى الناس أن يخلفوه)- فجر الإسلام,366.
وفي دحض فكرة"فارسية" التشيع, قال:(والذي أرى- كما يدلنا التاريخ- أن التشيع لعلي بدأ قبل دخول الفرس في الإسلام, ولكن بمعنى ساذج, وهو أن علياً أولى من غيره من وجهتين, كفاءته الشخصية وقرابته للنبي)- 277-.
فالذين لا يعلمون من إخواننا السنة يجب أن يدركوا, كما أدركت- منذ فتحت قلبي للحقيقة- أن أغلب علمائهم من "فارس".
ومنهم: الترمذي والنسائي وابن ماجة القزويني والإمام الرازي والقاضي والبيضاوي وأبو زرعمه الرازي, والفيروز آبادي(صاحب القاموس المحيط) والزمخشري والإمام فخر الدين الرازي, والكازروني وأبو القاسم البلخي والقفال المروزي والتفتازاني والراغب الأصفهاني والبيهقي والتبريزي الخطيب, والجرجان وأبو حامد الغزالي.. وغيرهم مما يعجز عن عدهم اللسان ويضيق عنهم المقام. فأعلام"السنة والجماعة" الفطاحل, وعلماؤهم النحارير ومحدثوهم النقاريس, كانوا من بلاد"فارس").


ليست التسمية-إذاً- هي موضوع الإشكال, وإنما الواقع الفعلي للمذهبين هو موضوع النقاش. إذ إننا ونحن ننظر في سنة الرسول صلى الله عليه وآله القولية والفعلية والتقريرية. سوف نتبين أي الفريقين أقرب إليها.
إن الشيعة لم يكونوا يوماً مبتدعة, بل إن مذهبهم قائم في الأساس على"النص". وإذا ثبت إن الإسلام الحقيقي بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تمثل في عليعليه الصلاة والسلام فإن التشيع لعلي عليه الصلاة والسلام هو التعبير المرحلي عن التشيع بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالثبات على تعاليمه وتوصياته في حق علي عليه الصلاة والسلام والذي هو الإسلام.
فاسم"السنة" أتى استراق للفرصة لمحاصرة"الشيعة" اصطلاحياً, لأن التيار السائد يومها لم يكن له الحجة سوى اللعب على وتر المفاهيم القشرية. وكان اليوم الذي تحولت فيه الخلافة إلى ملك عضود, هو عام الجماعة, ومنها جاء"السنة والجماعة"!.

يقول إدريس الحسيني :(كان همي أن أبحث عن الإسلام الحق, فأنا لم أكن أبحث عن التمذهب. وما إن دخلت في لجج التاريخ, حتى تبين لي أن الباحث عن اللامذهبية, كالباحث عن السراب. إن الإسلام, تفرق أهله إلى فرق لا تحصى, وما بقي من إسلام حق, بدا للمتمذهبين, مذهباً, فأي المذاهب إذاً تمثل الإسلام الصحيح؟ أو حتى ما يقارب90 في المائة من الإسلام الصحيح؟.
ومن يضمن لي يومها إن هذه الفرقة أو تلك, هي الأقرب إلى"الحقيقة" وأنا في خضم المعترك أبحث عن خشبة نجاة؟! ولكنني لم أشك في القرآن الكريم. ففيه عثرت على مقومات البحث عن الحقيقة. تعلمت أن من شروط البحث عن الحقيقة, عدم الاستماع إلى القول الواحد, وإلى الفرقة الواحدة. ولكن((الذين يستمعون القول, فيتبعون أحسنه).
كما رأيت أن الله يمدح القلة ويذم الكثرة, حسب معايير الحق والباطل.. حيث يقول(وقليل من عبادي الشكور)
كما يقول ذاماً الكثرة الجاهلة(أكثرهم لا يعقلون).
إن قلبي بدأ ينفتح, شيئاً فشيئاً على التاريخ, والشيعة الآن أصبحوا جزءاً من الإسلام, وهذا ما توصلت إليه آنذاك, لقد كان الرسول صلى الله عليه وآله أول من تكلم عن الشيعة, ووصفهم للصحابة. وأول من ربط التشيع بالإمام علي عليه السلام, وهو يريد بذلك إثارة المستقبل في ذهن الصحابة, ويلفت المسلمين إلى قيمة الإمام علي عليه الصلاة السلام, في الآن والمستقبل. ليكونوا معه حينما يقع ما يقع. وإلا ماذا يعني أن يقول:"رحم الله علياً, اللهم أدر الحق معه حيثما دار"؟- صحيح الترمذي, والمستدرك على الصحيحين, وشرح النهج, والفتح الكبير, وجامع الأصول-.
أخرج ابن عساكر- الدر المنثور, وبألفاظ مختلفة في: شواهد التنزيل, وتفسير الطبري, وفرائد السمطين, والصواعق المحرقة, وتذكرة الخواص- عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله, فأقبل علي عليه الصلاة والسلام فقال النبي صلى الله عليه وآله:"والذي نفسي بيده, إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة. ونزلت(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية).
وروى ابن حجر في الصواعق المحرقة, وهو من أكبر الناقمين على الشيعة عن ابن عباس أنه قال, لما أنزل الله تعالى((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)), قال رسول الله صلى الله عليه وآله, لعلياً عليه الصلاة والسلام:"هم أنت وشيعتك, تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين, ويأتي عدوك غضاباً مقمحين.
قال: من عدوي؟ قال: من تبرأ منك ولعنك"- الصواعق المحرقة,ص96-.
وروى الحمويني الشافعي في فرائد السمطين أن الآية الكريمة:(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) نزلت في علي عليه السلام, فكان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم, إذا أقبل علي عليه السلام قالوا قد جاء خير البرية- فرائد السمطين (1/156).
وروى ابن الغازي المالكي في مناقبه عن ابن عباس, قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن قوله تعالى:((والسابقون السابقون أولئك المقربون))- الواقعة,10-11- فقال: قال لي جبريل:"ذلك علي وشيعته هم السابقون إلى الجنة لكرامته"- المناقب لابن الغزالي, وبألفاظ أخرى في: شواهد التنزيل, والدر المثور, والبداية والنهاية, فضائل الخمسة, وتفسير ابن كثير, والصواعق المحرقة, والعقد الفريد-.
ولما كانت الأحاديث التي ربطت الآية بعلي عليه الصلاة والسلام وشيعته, قد تواترت واستعصى تكذيبها, لما كان رواتها من فطاحل أهل السنة والجماعة, حاول ابن حجر- في صواعقه المحرقة- أن يفلسفها ويخنقها بترهاته المعهودة, قائلاً: عن علي عليه السلام قال:"إن خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا علي إنك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين ويقدم عليه عدوك غضاباً مقمحين,...قال ابن حجر: وشيعته هم أهل السنة ولا تتوهم الرافضة, والشيعة قبحهم الله"- الصواعق المحرقة- 153-155-.
ولا أحد يشك في هذا التهافت الباطل. إذ كيف يستقيم كلام هذا- المخرف- وهل يظن أنه يكتب للأرانب؟ إذا كان شيعة علي عليه الصلاة والسلام هم أهل السنة, فأعداؤه من؟ هل هم شيعته الذين قاتلوا إلى جنبه الطاغوت الأموي؟ ونحن إلى الآن, لم نجد تراث بني أمية سوى عند أهل السنة, ولم نجده عند الشيعة قط.
ومن المؤسف بالنسبة لي, أن بدأت أخسر بعض كتابي المقربين. الذين ما ألفنا منهم سوى العمق في الدراسة والتحليل. إنه عزيز علي أن أرى صاحب ((التاريخ الإسلامي)) محمود شاكر, >>>> يقول: بل لم تكن كلمة الشيعة تحمل أكثر من معنى التأييد والمناصرة. ولكنها غدت مع الزمن فكراً خاصاً وعقيدة خاصة, ونسب إلى الأوائل أقوال لم يقولوها وأخبار لم يعرفوها, وأفكار لم تخطر على بالهم أبداً>- التاريخ الإسلامي- الخلفاء الراشدون والعهد الأموي. لمحمود شاكر.
وكان على أستاذنا الجليل أن يبحث أكثر من ذلك. فمع أنه لم ينكر أن كلمة"الشيعة" كانت في البداية. إلا أنه لم يحفر في الخلفيات التاريخية, التي أظهرت التشيع كحالة مذهبية, انفردت بأفكار وعقائد خاصة, فأستاذنا لم يحدثنا عن الآخرين, وهل ثبتت أفكارهم وعقائدهم؟! لقد ابتعد المسلمون بالأفكار والعقائد في صفائها الإسلامي الأول, حتى بدت لهم عقائد أهل البيت عليهم الصلاة والسلام وكأنها متحركة. فهم أشبه بمن يعتقد بحركة الجبال والأشجار من وراء نافذة القطار, ثم هل خصوصية هذه الأفكار والعقائد, دليل على أخطائها؟).


ويتحدث الحسيني كذلك بأنه كان متأكداً من أن هؤلاء يجتهدون في دائرة أخطائهم, ويتألقون في فلسفة الباطل.
فالشيعة لغةً واصطلاحاً, هم أولئك الذين تمحوروا حول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, ومن بعده حول آل البيت عليهم الصلاة والسلام استجابة للنصوص الواردة.
ولم يكن يختلف تصور إدريس الحسيني للتاريخ عن وعي أهل السنة والجماعة به, ووصف التاريخ عند أهل السنة والجماعة بأنها عملية لجم مبرمجة, وبأنها قيود توضع على عقل الإنسان, ويستطرد قائلاً:"لقد علمونا أن نرفض عقولنا لنكون كائنات(ربوت) توجهنا كمبيوترات مجهولة"
يقول إدريس الحسيني:(من الدروس التي حقنوا بها وعينا. هو ما كان في التاريخ الإسلامي, هو الصواب المطلق. ولم يكن في الإمكان أبدع مما كان.. وإن الإيمان كل الإيمان, هو التصديق بما وقع. والخلافة الرشيدة, حبكة جميلة جداً, بل وإنها تكاد تطفح إبداعاً. وما زلت أضحك من نفسي, لتقبلها بسذاجة الأميين.
لقد تلقيت منهم واقع الخلافة الراشدة من دون مناقشة. وإذا راودتني الشكوك والتساؤلات قمعتها, لتستقيم على التزام التجاهل. واذكر أن الشك راودني وأنا ابن الخامسة عشر عاماً. غير أنني طويت الصفحة وتعمدت نسيانه.
لقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو راض عن أصحابه من الشرق إلى الغرب.وإنه خلف وراءه رباعية اسمها: أبو بكر, عمر, عثمان, علي, وكنت أتساءل أحياناً ما إذا كان التسلسل كان متوقعاً منذ البداية, فكيف مات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكيف خلفه هؤلاء الأربعة بالتوالي؟ أهل السنة والجماعة علمونا, أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم, مات وهو راض عن الجميع, وأنه قال لأبي بكر, صل بالناس. ومن هذا استنبط عمر بعقله المستنير, أن أبا بكر, هو الجدير بالخلافة, فبايعه, ثم لما كان عمر هو فاروق الأمة, استطاع أن يصرف الناس إلى مبايعة أبي بكر, فبايعوه رغبة.. ولم يتخلف عنه أحداً أبدا.!! وأن الشورى التي جرت في السقيفة كانت عملية إسلامية, متأصلة في الشريعة. وحتى علي عليه الصلاة والسلام لم يتمرد عن المبايعة.
وجاء عمر, وبقي خليفة عادلاً ضرب أروع مثال الزهد والشهامة والعدل.. ثم استشهد من قبل"أبي لؤلؤة" المجوسي. وترك الأمر في ستة أشخاص, منهم عثمان وعلي بن أبي طالب. وكان أن سلمت الخلافة لعثمان بعد أن رفض علي عليه السلام الأخذ بسنة الشيخين أي سنة أبي بكر وعمر واقتصر على القول "بسنة الله ورسوله"!
وبقي عثمان-ذو النورين- سائراً على طريق الإيمان والعدالة وفي عهده كثرت الخيرات. وما قيل عنه وأثير من دعايات مغرضة, كان مصدره دس المنافقين. وأن كل ما فعله عثمان كان اجتهاداً. وفي النهاية مني هذا الأخير بأعداء من الخوارج, اقتحموا عليه الدار, وقتلوه. وبعد ذلك بويع علي بن أبي طالب, ومن ثم بدأت الفتنة.
وكل ما وقع بعد ذلك كانت له تبريرات ويحرم علينا التفصيل فيها والإمعان في الاستفسار عنها. وخير الناس عندها يومئذ من ألتزم الصمت أو قال: تلك فتنة طهرنا الله منها, فلنطهر منها ألسنتنا؟
تمر هذه الفتنة لأن فيها تظهر حقيقة معاوية بن أبي سفيان, وعمر بن العاص, وعائشة بنت أبي بكر, وطلحة والزبير.. وكل هؤلاء قاموا بأشياء تناقض الصورة التي نقلت لنا عنهم, فالذي قتل الحسين عليه الصلاة والسلام, وسبى نساءه, هو "أمير المؤمنين" يزيد بن معاوية.
نغمض أعيننا ونفتحها على تاريخ أيديولوجي جاهز, كتبته أقلام التزلف, حيث تغدو عندنا الدولة الأموية, دولة الإسلام المقبولة, بغض النظر عن الدماء التي سفكت, والأعراض التي هتكت, والمفاهيم التي نسخت, فمعاوية بن أبي سفيان "أمير المؤمنين" يروي له التاريخ عندنا أروع المناقب وأسمى الفضائل.
لقد وقع ما وقع بين علي ومعاوية, وكل ذلك كان اجتهاداً, وكانت فتنة, سقط فيها علي ومعاوية معاً.
جاءني يوماً أحد أصدقائي الطلبة, يسألني عن معاوية وقتاله لعلي عليه الصلاة والسلام في صفين, وقبل أن أباشر في الجواب, نطق أحد الحاضرين قائلاً: اللعنة عليه! فنهرته, ثم قلت: أعوذ بالله, لماذا تلعنه؟ قال: لأنه قاتل علياً. قلت له: ومع ذلك, فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تسبوا صحابتي.
وبهذه الكلمة البائسة الغبية, استطعت أن اسكت صديقنا.
فمعاوية رجل مؤمن. كان شديد البكاء في دين الله. وكريماً يعطي بلا حساب. يقول محمد بن عبد الوهاب:<وبالجملة فلم يكن ملك من ملوك الإسلام خيراً من معاوية ولا كان الناس في زمن ملك من ملوك المسلمين خيراً منهم في زمن معاوية إذا نسبت أيامه إلى أيام بعده>.
بل وإن الإمام علي لم يتحرك بدافع الشرع في حربه مع معاوية, ولم يكن واجباً قتال أهل الشام في زمن الإمام حسن, يقول محمد بن عبد الوهاب:<قال العلماء رحمة الله عليهم – يعلق إدريس الحسيني على عبارة "قال العلماء" فيقول من هم هؤلاء العلماء؟ هل هم علماء السنة, أم علماء الحنابلة أم الوهابيين؟ أفصح عنها وحررها من ظلاميتها يا ابن عبد الوهاب!- إن قتال أهل الشام ليس بواجب, قد أوجبه الله ورسوله. ولو كان واجباً لما مدح النبي صلى الله عليه وآله الحسن بتركه..>- ويعلق الحسيني قائلاً: ولو كان ابن عبد الوهاب يحمل شيئاً من الذكاء, لتذكر أن الرسول صلى الله عليه وآله مدح شيعة علي عليه الصلاة والسلام لنصرتهم إياه-.
والإمام علي كان لا يرى معاوية رجلاً فاسقاً. بل إنه رآه خير الرجال الذين يمكنهم ردّ الفتنة.
يقول ابن عبد الوهاب:< من ذلك ما أخرجه غير واحد من أهل العلم>- ويعلق: ما زلت أناقش ابن عبد الوهاب في هذا التلبيس, من هم هؤلاء الذين ذكروا هذا الحديث ولماذا يخفي أسماءهم, وما أدرانا لعلهم عنده أهل علم وعندنا ليسوا كذلك!!- أن علياً(رض) قال:<لا تكرهوا إمارة معاوية, فإنكم لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها>- يعلق : ولذلك ما ترك علي عليه الصلاة والسلام جهداً إلا واستخدمه في قتال معاوية!-.

بل إن معاوية كان يشهد بعلمه وفقهه. وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس(رض) أن رجلاً قال له: هل لك في أمير المؤمنين معاوية إنه أوتر بركعة فقال: أصاب إنه فقيه(( هذه شهادة ابن عباس وهو من أكبر علماء الإسلام))- ولما كان معاوية كثير الفقه والعلم والفضل, سئل الإمام النسائي عن سبب عزوفه عن تخريج كتاب حول معاوية نظير "الخصائص" فقال: ماذا أقول فيه "لا أشبع الله بطنك؟!"إنه الشيء الوحيد الذي حصل عليه من فضل من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم!.-
أما الحسن فلم يكن فتاناً مثل الآخرين, إنه رجل مؤمن ليس له ميزة عن الآخرين سوى إنه ابن فاطمة بنت رسول الله, بل فيه عيب, ولكنه صنع حسناً عندما تخلى عن الخلافة لمعاوية حقناً للدماء. وهو بذلك أفضل من أبيه. يقول ابن عبد الوهاب:<ومن ذلك انسلاخ الحسن(رض) الخلافة لمعاوية. قال أبو عمر بن عبد البر في الاستعياب في ترجمة الحسن بن علي(رض) كان رحمه الله حليماً ورعاً, دعاه ورعه (الذي لم يوجد ربما في أبيه) وفضله إلى ترك الملك والدنيا رغبةً فيما عند الله. وقال: والله ما أحب منذ عرفت ما ينفعني وما يضرني أن ألي أمر أمة محمد(صلى الله عليه وآله) على أن يهراق في ذلك محجة دم. وكان من المبادرين في نصرة عثمان(رض) والدابين عنه. ولما قتل أبوه علي(رض) بايعه أكثر من أربعين ألفاً كلهم قد بايعوا أباه علياً-قبل موته- على الموت, وكانوا أطوع للحسن وأحب فيه منهم في أبيه- ويعلق الحسيني قائلاً:إنها النزعة الناصبية التي لم تفارق الوهابية منذ نشوئها وإلى اليوم.- فبقي نحو سبعة أشهر خليفة في العراق وما وراءها من خراسان-.
ثم سار إلى معاوية وسار معاوية إليه, ولعل بذلك كان هذا العام هو عام الجماعة, حيث سكت الضمير, وبقي حكم الأمة بين أصابع أحفاد بني عبد الدار.
أما الذين ناصروا معاوية وأججوا الفتنة, مثل عمرو بن العاص, وأبي هريرة وأشباههم, فقد كانوا مؤمنين بالنص -وكذلك يعلق هنا قائلاً: ومن الغريب, والمضحك, أن يكون الإيمان هو حالة مع الله تكتسب بالجهد والتربية, وتثبت بالنص لواحد دون الآخر.. فتلك روائع العدل الإلهي عند الوهابيين.-
عن أبي هريرة قال, قال النبي (صلى الله عليه وآله) "ابنا العاص مؤمنان عمرو وهشام" وأما معاوية, فقد ورد أنه من أهل الجنة.
ولم يكن الحجاج سوى تلك الشخصية المؤمنة في التاريخ الإسلامي الذي تنقل عنه الحكم والعبر والمواعظ.
وذات مرة قلت لأحد المشايخ الكبار:
عجباً, لست أدري كيف يقبل المسلمون بأمثال الحجاج بن يوسف الثقفي, ذلك السفاح, ما وقر عالماً ولا عامياً.
فقال شيخنا الموقر: أعوذ بالله, نحن أهل السنة والجماعة, نعتقد في إيمانه وإسلامه, وقد قال فيه العلماء خيراً رغم كل ذلك, فهو من الصالحين, لأنه"شكل القرآن"؟!!-إن الحجاج هذا, قتل كثير من الصحابة والعلماء وعامة المسلمين وسفك دماءهم, ويعز على أهل السنة تكفيره. أما ورعهم عن تكفير الشيعة, فزهيد, لأنهم يسبون الصحابة: وهذا هو الجهل المبين؟-.
كذلك سارت الأمور. وسقط ملك بني أمية, وجاء بنو العباس وكان الرشيد وكان المأمون.. "وكان يا ما كان"وكان الإيمان بعد الإيمان... وكان ربك غفوراً رحيماً!.
والخلافة اعتبرتها شورى ودليلي على ذلك السقيفة, وما فعله أبو بكر تجاه عمر بن الخطاب, هو مجرد استثناء لأنه لم يوجد البديل الكفء.
والخلافة كما تعلمتها من السنة ليست مناصب إلهية. وإنما هي شأن من شؤون الدنيا, تم بالاتفاق, وإن الاتفاق الذي تم في السقيفة صحيح وتام, وأن يفرض عمر رأيه أمر طبيعي, لأن الحق نزل على لسان عمر كما في الروايات. وأن الرسول قد أخطأ وأصاب عمر أكثر من مرة. وأن محمداً(صلى الله عليه وآله)يقول: " كلما تأخر عني الوحي , ظننت أنه نزل عليك يا عمر"{أستغفر الله ربي وأتوب إليه}.
فليس عيباً أن يفرض عمر رأيه في السقيفة, لأنه أكثر شدة في دين الله, يفر منه الشيطان. أما عن أئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام فإنهم مجاهيل. لا نعرفهم.
وما زالوا كذلك حتى ورد علينا التيار السلفي وسمومه النجدية التي لم تفلح في اقتحام مجتمع أصيل في حبه للبيت النبوي.
لقد أدركت منذ البداية أن العقيدة الوهابية أخشن من أن تحتضن قلبي, ومن هذه النافذة استطعت اكتشاف التراث الروحي لآل البيت النبوي(ع) وحالات الأئمة من آل البيت مع الله, مما لا يبلغه أهل المقامات العليا في العرفان الإلهي..ولقد خروا أما الإمام زين العابدين(علي بن الحسين عليه الصلاة والسلام) عاجزين, وأعلنوا أنه من أهل الأسرار. لقد جاء التيار السلفي, ليوقف علياً ومعاوية على قدم المساواة.
ويكون أولئك الرموز من العترة الطاهرة, مجرد أفراد من المسلمين ليس إلا, أما باقي الأئمة من آل البيت عليهم الصلاة والسلام, فليسوا شيئاً, ولم نعرف عنهم ما يميزهم. وإننا لنعرف سفيان الثوري, وابن المسيب, والزهري, وسعيد بن جبير, وأبا يزيد البسطامي و.. و.. ولا نعرف شيئاً عن الإمام الصادق , والباقر, والهادي.. وقليل منا من يعرف أسماءهم ولا أحد يعرف عن تفاصيل سيرتهم! ليس ذلك لخلو آثارهم. وإنما بسبب التعتيم المفروض على فضائلهم منذ بداية الأئمة. وإلا فإنها راسخة في عمق التاريخ.
وكانت الفضائل المزيفة لرجالات العامة بلغت حداً, تحجب فيه بضبابها الكثيف, عظمة آل البيت عليهم الصلاة والسلام. فعمر بن الخطاب. كان في كل فضائله على قدر من الكمال لا يسمح لشخصية مثل الإمام علي عليه الصلاة والسلام, بالظهور في ثقافة السنة والجماعة. فهو الذي يصيب يوم يخطئ النبي صلى الله عليه وآله وهو الذي لو تدخل الأمة جميعها إلى النار لنجى منها, وإن الله نصر به الإسلام- ويعلق:إن الجهل والعمى هو الذي يجعل الإنسان يصدق هذه الحكايات الجوفاء.. وأتحدى كل هذا العالم السني من الشرق إلى الغرب, أن يثبت لي دور عمر بن الخطاب في معركتين مصيريتين للأمة هما: بدر وأحد, هذا دون أن أضيف الخندق والباقي الكثير- .
أما أبو بكر من قبله فهو كل شيء. فلقد وضع إيمان الأمة في كفة ووضع إيمان أبي بكر في كفة, فرجحت كفة أبي بكر, وإنه الصديق الأكبر. وإن الله بعث جبريل إلى محمد صلى الله عليه وآله ليبلغه السلام, ويبلغ أبا بكر من ربه السلام, ويقول له إن الله راض عنك فهل أنت راض عنه! ويكفي هذا! يكفي أن يكون رب السماوات والأرض يلتمس من أبي بكر الرضى!!!.
وأما عثمان, فهو ذو النورين, الذي تستحي منه الملائكة. ولا تستحي من الآخرين. وإنه الرجل الذي صرف كل أمواله في نصرة الإسلام. وأنه من المهاجرين السابقين للإيمان.
وأما عائشة بنت أبي بكر, فهي كل شيء, وكأن الرسول صلى الله عليه وآله ترك النبوة لديها, فهي أم المؤمنين الوحيدة دون غيرها التي يجب أخذ نصف الدين عنها.
وهكذا ظلت صورتهم في ذهني, وكنت بين الفينة والأخرى اسمع أن الشيعة غنوص, وسبئيون. ولم أكن أعرف القصة بالضبط. ولم أكن أعرف كيف استطاع عبد الله بن سبأ أن يمرر هذا التراث الشيعي الهائل,إلى أصحاب علي عليه الصلاة والسلام, ولست أعرف من هو هذا الشخص الذي أنعم الله عليه, بهذه المقدرة على الإبداع, وكأنه قفز من ألف سنة إلى الأمام ليتلقى فنون التسلل والدعاية في مراكز (المخابرات الأمريكية والسوفياتية)!


من هو ابن سبأ؟, هذا ما بقيت أتساءل عن معرفته, ولم أجد له جواباً عند علماء السنة, سوى تكرار لتلك الروايات المغرضة! وفجأة رأيت نفسي إنسان جديد, فكانت الأزمة يومها, أزمة يقين, وما أثقلها من أزمة على طلاب الحقيقة)
ثم قال: ( طرحت سؤالاً على نفسي: لماذا هؤلاء شيعة ونحن سنة؟
تحول هذا السؤال في ذهني إلى شبح يطاردني في كل مكان، تجاهلت الأمر في البداية وتناسيته حتى أخفف عن نفسي مضاضة البحث.
وقع بين يدي كتابات يتحدثان عن فاجعة كربلاء وسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، الأمر هنا أشد مرارة من ذي قبل. إنني ولأول مرة أجد كتاباً يحمل لهجة من نوع خاص. مناقضة تماماً لتلك الكتب التي عكفت على قراءتها لم أكن أعرف إن صاحب الكتاب رجل شيعي، لأنني ما كنت أتصور أن الشيعة مسلمون! فكانت تختلط عندي المسألة الشيعية بالمسألة البوذية أو السيخية. والوضع ((السني)) لا يجد حرجاً في أن يملي علينا ذلك. ولا يستحي من الله ولا من التاريخ ليغذي نزعة التجهيل والتمويه. وفجأة وجدت نفسي مخدوعاً. لماذا هؤلاء لا يكشفون الحقائق للناس، كما هي في الواقع؟ لماذا يتعمدون إبقاءنا على وعينا السخيف، تجاه أكبر وأخطر مسألة وجدت في تاريخ المسلمين؟ لماذا لا يتأثرون بفاجعة الطف العظمى، تلك التي ماجت في دمي الحار بالأنصاف والتوق إلى العدالة، فتدفقت بالحسرة والرفض والمطالبة بالحق الضائع في منعطفات التاريخ الإسلامي.
كنت في تلك الفترة صاحب بساطة عقائدية كباقي الناس، وببساطتي هذه كنت أبدو أوعاهم عقيدة، وكنت ذا ثقافة أحادية، هي ثقافة أهل السنة والجماعة، فالجو الذي أحاط بي، هو جو الصحوة البتراء النائمة.
فأبيت إلا أن أغزو الظلم قبل أن يغزوني..
وفي لحظة –من عمري- ذهبية- طرحت سؤالاً:
ترى ما هو الظلم الذي مازلت كل حياتي أشتكي منه وأرفض من خلاله كل الأوهام على نفسي؟
لم أجد جوباً شافياً في ذهني، سارت كلمات فضفاضة فارغة من مضامينها العلمية والواقعية، تدق الطبول في ذهني. حتى صرت كالمهووس، لا قرار لي..
فاجعة الطف!!
هذه وحدها الحدث الذي أعاد رسم الخريطة الفكرية النقية في ذهني. إن هذا الظلم الذي أشكو منه اليوم ليس جديداً على الأمة، فلقد سبقه ظلم أكبر. وعلى أساس هذا الظلم القديم قامت أفكاري: إن هؤلاء الظالمين اليوم يسلكون طريقاً أسسه رجالات يشكلون حجر عثرة أمام مسيرة الأئمة من آل البيت عليهم الصلاة والسلام حتى إذا ورد جيل المحنة حالياً، فأراد أن ينظم مشروعاً لمعارضة الظلم السياسي في الأمة على قاعدة الظلم نفسه الذي كانت سبباً في التمكين لهؤلاء الظلمة.
سؤال المجتمع على ظلمه الحاضر.. فما الفرق بين الماضي والحاضر؟
كنت كلما طرحت سؤالاً على نفسي، رأيت شيطاناً يعتريني ويقول دع عنك هذا السؤال. فهل أنت أعظم من ملايين المسلمين الذين وجدوا قبلك؟ وهل أنت أعلم من هؤلاء الموجودين؟..حتى تحسم في هذه المسألة.
كنت أعلم أن هؤلاء الملايين لم يطرحوا هذا السؤال على أنفسهم بهذه القوة والإلحاح. وكنت أعتقد إن هذه المسألة لا تحتاج إلى شهادة أزهرية حتى نحسم فيها, إنها مسالة ظلم بواح.عرفه القاصي والداني من العالم.
وهل معرفة الظلم تحتاج إلى عقلية أفلاطونية رفيعة.
ثم لماذا تقولون((ملايين المسلمين )) أنا أريد أن تقولوا ملايين ((من)) المسلمين، هم أصحاب مذهب السنة والجماعة، لأن الخطاب الأول إذا قيل بهذا اللفظ فهو ينطوي إذاً على مزاجية خاصة. هي مزاجية الإلغاء لملايين المسلمين غير أهل السنة والجماعة وهم الشيعة, الإمامية, والزيدية في هذا العالم.
قالوا : (لا, مع ذلك فأنت صغير، ولا يجوز على أي حال شق الصف ومخالفة الجماعة)) لأن الرسول صلى الله عليه وآله يقول : ((يد الله مع الجماعة))! ((وإن أمتي لا تجتمع على ضلالة)) وعلى كل حال، فلم تكن هذه الاعتراضات الوسواسية بالتي تردني عن اندفاعي إلى كشف الحجاب عن الحقيقة المخبوءة . لكن شيئاً حز في نفسي وهو هذه الكثرة الغالبة. لقد كبرت في عيني وصعب علي مخالفتها. لولا أن هداني الله، بيد أن شيئاً واحداً جعلني انتصر عليها ولا أبالي، وهو إنني وجدتها جاهلة، وقد تمكنت من الصمود أمام الأمواج البشرية المتدفقة. والتي ليس لها منطق في عالم الحقائق سوى كثرتها.
كنت أطرح دائماً على أصدقائي، قضية الحسين المظلوم، وآل البيت عليهم الصلاة والسلام لم أكن أطرح شيئاً آخر، فأنا ظمآن إلى تفسير شافي لهذه المآسي، لأنني وبالفطرة التي أكسبنيها كلام الله جل وعلا لم أكن أتصور، وأنا مسلم القرن العشرين، كيف يستطيع هؤلاء السلف الصالح أن يقتلوا آل البيت عليهم الصلاة والسلام تقتيلاً! لكن أصحابي هنا قاوموني ، وعز عليهم أن يروا فكري يسير حيث لا تشتهي سفينة الجماعة. وعز عليهم أن يتهموني في نواياي.
وجدت نفسي أمام موجة عارمة من التساؤلات جعلتني حتماً أقف على قاعدة اعتقادية صلبة إنني لست من أولئك الذين يحبون أن يخدعوا أو ينوموا.
إن هذه الفكرة التي انقدحت في ذهني باللطف الإلهي جعلتني أدفع أكبر ثمن في حياتي. وكلفتني الفقر والهجرة والأذى.. ما زادني ذلك إلا إيماناً وإصراراً. وتذكرت مقولةً شهيرة للإمام علي عليه الصلاة والسلام لما قال له أحد شيعته: إني أحبك يا أمير المؤمنين فأجابه: إذاً ، فأعد للفقر جلبابا.
لم تكن عندي يومها المراجع الكافية لاستقصاء المذهب الشيعي ولكني أسندت ذلك القليل الذي أملكه من كتب الشيعة بدراساتي النقدية والمعمقة لكتب (أهل السنة والجماعة).
قال لي أحد المقربين يوماً:
من الذي شيعك، وأي الكتب اعتمدتها؟!
قلت له: أما بالنسبة لمن شيعني، فإنه جدي الحسين عليه الصلاة والسلام ومأساته الأليمة ، أما عن الكتب فقد شيعني صحيح البخاري والصحاح الأخرى.
قال: كيف ذلك؟
قلت له: اقرأها، ولا تدع تناقضاً إلا أحصيته، ولا ((رطانةً)) إلا وقفت عندها ملياً.. إذ ذاك ستجد بغيتك.
كان لدي أخ أصغر مني ، يسألني باستمرار عن التشيع.
وكنت أقول له : أنت تعرف كيف تقرأ، فعليك بالبحث الشخصي، وإذا أوقفك شيء ساعدتك، فأنا أضجر من أن أورث للآخرين أفكاراً جاهزة. ولعله اليوم وصل.
ويعلم الله، فإنني رسخت قناعاتي الشيعية من خلال مستندات أهل السنة والشيعة أنفسهم. ومن خلال ما زخرفت به من متناقضات. وكان الكتاب أحياناً يتعرض بالشتم والسباب للشيعة، وإذا بي ازداد بصيرة ببراءتهم، كما لا أخفي واقع روحي تمزقت، وهي تلهث خلف المخرج من هذه التناقضات، ويشهد الخالق وهو حسبي، إنني كنت أسهر الليالي وأنا اقرأ وأدعو الله أن يجد لي مخرجاً، وكان دعائي الذي يلازمني: (( اللهم أرني الحق حقاً وارزقني أتّباعه وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجّتنابه)).


في يوم من الأيام ولم يبقى لي سوى أن اخلع جبة أهل السنة والجماعة. فلم يبقى أمامي دليل واحد يسند مصداقية مذهبهم غير أن العادة حالت بيني وبين التغيير، وما أصعب المرء وهو يتحول من مذهب لآخر ، وما أشد برزخ الانتقال الإعتقادي. لا بد لي إذاً من محفز روحي يشجعني على هذا الانتقال، لا بد لي من شمّة رحمانية تكشف لي الغطاء عن الاختيار الرشيد.
كانت ليلة غنية بالطلب من الرحمان، والإلحاح عليه، لكشف هذه الغمة عني، فلقد أوصلني عقلي إلى هذه النقطة، ولم يبقى لي إلا التوسل بالخالق الجليل.
في تلك الليلة، رأيت رؤية أودعت في قلبي طمأنينة رائعة رأيت إنني قصدت بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانت عائشة هي من فتح لي الباب، وسألتها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأشارت إلى إنه هناك في الغرفة، دخلت عليه صلى الله عليه وآله وهو مستلق على فراشه يتأمل السماء اقتربت منه وإذا به ينتبه إلي، فأخذ مكانه جالساً، وسلمت عليه، وعيني من الرهب دامعة، وكان الطعام الذي وضعه لي صلى الله عليه وآله من جنس طعام العرب، لكن خال من اللحم، كنت منشغلاً بطرح السؤال فأخشى أن تفوتني الفرصة فسألته عن الشيعة كانت يومها الحرب العراقية الإيرانية على أشدها وقد بدا العالم جميعه يلتفت إلى إيران على أنها العدو الأول، وسألته يومئذٍ عن سلامة موقف الخميني ( قدس سره) فأقرني وكأنني فهمت من تأمله الحزين.. حزنه على هذه الأمة المفتونة.. ومآسيهم وان هذا حتماً يؤلمه... فطأطأ رأسه وقال لي : نعم يا بني، نعم.
ثم دعاني إلى الطعام فأكلت والدموع لم تجف من عيني.
إن الأمة التي قتلت الحسين عليه الصلاة والسلام وسبت أهله الطاهرين، لا يمكن الثقة بها مطلقاً، ولا يمكنني أن أؤول هذه الأحداث لصالح الفكر السائد، مثلما لا استطيع تأويل الدم الطاهر بالدم الطبيعي. إن هذه الدماء التي سالت، ليست مياهاً نهرية. إنما هي دماء أشرف من أوصى بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الأمة. أفقدتني الأمة الثقة في نفسها. ومهما قالوا فإنهم لن يقنعوني بأن دم الحسين عليه الصلاة والسلام لم يرق بيد مسلمين حكموا الأمة الإسلامية، وكان تعامل أئمة السنة والجماعة معهم، تعاملاً حسناً).

نعم, فالأمة التي لم ترع أبناء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعده، لا يمكن أن ترعى سنته بعده. قل ما شئت. قل إن المسلمين في العهد الأول اجتهدوا في قتل أهل البيت عليهم الصلاة والسلام وقل إن هذه الأفكار التي وردت في كتب الشيعة دخيلة ولا حقيقة لها في التاريخ الإسلامي. ولكن هل يستطيع واحد من المسلمين، من المحيط إلى المحيط، أن يدّعي أن الحسين عليه الصلاة والسلام لم يمت شهيداً مظلوماً بأمر من أمير المؤمنين ( يزيد بن معاوية) وبفتوى رسمية من ( شريح القاضي) وسيوف الجيش الأموي الحاقد، في بيئة ترعرع فيها فكر العامة، وعلى أثر حدث فريد من نوعه في تاريخ الإسلام، هو حدث تحويل الخلافة إلى ملك عضوض- أي من خلافة مغتصبة إلى ملك عضوض أنكى وأمر-، حيث ينصب( يزيد بن معاوية) غصباً على المسلمين وإن العام الذي اضطر الحسن عليه الصلاة والسلام أن يتنازل عن الخلافة لمعاوية، حقناً للدماء. سمي عام الجماعة؟
كلا وألف... كلا ... فلا يستطيع أحد ذلك، لأن التاريخ أبى إلا أن يبقى أميناً لقضايا المستضعفين ولو كره المفسدون.

ويقول إدريس الحسيني : (في ذلك الوقت كنت أبحث عن شيء واحد، هو أن أتأكد من حقيقة العلاقة والتلازم الشيعي، والأئمة من آل البيت عليهم الصلاة والسلام، وهل هم فعلاً مصدر هذه الأفكار؟ أو أن الفكر جديد كل الجدة، ولم يكونوا قد تداولوه في عصر الأئمة؟
إنني أدركت بعد ذلك إن الأئمة أكبر من أن يتبعوا غيرهم، وما ثبت في التاريخ الإسلامي أن تعلّم إمام من أئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام على يد عامي، بل هم في الأغلب كانوا أساتذة لأئمة أهل السنة والجماعة، الذين ما لبثوا أن مالوا واستكانوا لرغبة الأمراء والخلفاء، وسكتوا عن أشياء، وضخموا أخرى. وأخضعوا فكر الأمة لغريزة(البلاط).
والسؤال: هل ما عليه الشيعة اليوم من عقيدة وعبادات كان جارياً في عصر الأئمة؟
بينما كنت أتصفح تفسير ( ابن كثير) إذا بي أعثر على تفسير الآية الكريمة ( وامسحوا برؤسكم وأرجلكم) حيث أورد وجهات لنظر الفقهية المختلفة، وبين القائلين بالغسل والقائلين بالمسح استحضر خطاباً للحجاج بن يوسف الثقفي، يقول فيه بالغسل، وكان هو الخطاب الحاسم في تفسير ابن كثير للآية الكريمة، وأورد قصته عن أصحاب زيد بن علي (رضي الله عنه) قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي إسماعيل بن موسى أخبرنا شريك عن يحيى بن الحرث التيمي يعني الخابر قال نظرت في قتلى أصحاب زيد فوجدت الكعب فوق ظهر القدم وهذه عقوبة عوقب بها الشيعة بعد قتلهم تنكيلاً بهم في مخالفة الحق وإصرارهم عليه – تفسير ابن كثير للآية 28 سورة المائدة- وهكذا قتلوا في المعركة وسخت جثثهم)
حيث انقلبت أكعابهم إلى ظهر الرجل.
الله اكبر وشهد شاهد من أهلها، إن هذه الممارسة الفقهية والعبادية لم تأت من الأهواء اللاحقة، بل كانت متداولة في عصر الأئمة، وتحت سمع واحد من قيادات بني هاشم والمقربيين ، وهو زيد بن علي بن الحسين ( رض) فإذا كان زيد بن علي (رض) وأصحابه مسخوا في تفسير ابن كثير، فيا تاريخ سجل، أنني أول الممسوخسن! إن هذا ليس هو أول لغم في تراث أهل الجماعة يفجر غضبي، ففي مقدمة ابن خلدون حقيقة أخرى، يجب الوقوف على وقاحتها. إذ قال: (( وشذ أهل البيت في مذاهب ابتدعوها ، وفقه انفردوا به))!.
إن هذا يعني أن المتهم الأول هم آل البيت عليهم الصلاة والسلام الذين قال فيهم الرب سبحانه ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)
هذان المثالان طمأناني على مدى تماذج الشيعة بآل البيت عليهم الصلاة والسلام وكان أهل البيت عليهم الصلاة والسلام أيضاً موضع اتهام مع أشياعهم.
خرجت إلى السياق بقوة، بعد أن تشعبت بكل المقومات السجالية والكلامية وبعد أن وقفت على آخر تزرعات العامة وحصلت لي سجالات كثيرة وحوارات طوال، مع مختلف طبقاتهم، ويعلم الله أنهم كانوا في كل الأحوال ضعيفي الحجة، سقيميها، هزيلي المنطق عليليه لا يصمدون أمام أبسط مقولة عقلية في الحوار. كيف يراد لي أن اسلك مذهباً يقوم على الصنمية التاريخية، إنني أدركت منذ البداية إني لم أكن على الإسلام كما كانوا يدّعون. وإنما على مذهب من الإسلام اسمه ( مذهب أهل السنة والجماعة) كيف يعقل أن تلغى المذاهب الأخرى؟ ويبقى مذهب واحد، مستبد بعقول الناس، ولم تكن له قدرة على الاستمرارية، إلا لأنه مذهباً رسمياً، لكل الدول التي تعاقبت على الخلافة فيما بعد).


هل أصل الشيعة سبئية؟
يقول إدريس الحسيني في هذا الإطار:<<أظن أن الذين قالوا بذلك، كانوا ((بهلوانيين)) أكثر مما هم مؤرخون، ففي عصر استخدام العقل والمعايير العلمية، طرح السبئية يدل على ركاكة عقل وفجاجة فكر وربما جهل اغلبهم (التاريخ) مستقلاً عن ( المذهبية), ويحاول الكثير من المؤرخين إبراز (السبئية) كمفتاح لفهم الظاهرة (الشيعية) وذلك لأنها أقرب المفاهيم إلى المؤرخ ((البهلواني)) حيث لا تكلفه عناء البحث فيكتفي بالقشور ويستنكف عن الغوص في الأعماق>>.

عبد الله بن سبأ: لقد أثبت المحقق السيد العسكري في كتابه الرائع ما يلي: إن جميع الروايات التي يرويها المؤرخون والمؤلفون من العلماء والباحثين المعاصرين ترجع في نهايتها إلى مصدر واحد ( تاريخ الطبري)، فكلهم استقوا منه (أسطورة السبائية) في التاريخ وعنه صدروا.
أما الطبري المؤرخ نفسه، فقد اعتمد في نقل أسطورة (السبائية) على الراوي (سيف بن عمر)، وسيف بن عمر نصّ العلماء على جرحه وتضعيفه وزندقته. وأثبت السيد المحقق بالاستقصاء التفصيلي تناقض روايات سيف بن عمر مع الروايات التي يرويها الآخرون حول أحداث التاريخ الإسلامي، فالنتيجة: أن أقدم مرجع لأسطورة ( عبد الله بن سبأ) هو تاريخ الطبري؛ فكل من نقل هذه الأسطورة يكون قد نقلها من الطبري، أو من مصدر آخر ناقل عن الطبري، والطبري نفسه، فقد اعتمد أسطورة السبائية على (سيف بن عمر) الزنديق المتهم الضعيف، وبعد كل ذلك هل يصح الاعتماد ومن يطلب مزيداً من التحقيق فعليه بمراجعة كتاب (عبد الله بن سبأ) للعلامة المحقق السيد مرتضى العسكري وثمة نقطة في شيء تكرر مثل هذه المقولة؟

إني كشيعية – أقول لك : إن شعاري في الحياة هو: ( التوحيد، الرسالة ، الولاية) ؛ الولاية بمعنى : حب آل محمد وإتباع فقههم في الشريعة، ورواياتهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والاعتقاد النظري بخلافتهم المباشرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والتي تمتد إلى الإمام الثاني عشر المعاصر.
وسوف أقدم لك الأدلة، فلك أن تناقش أدلتي وتنقلني من الضلال إلى الهدى حسب زعمك.
أما أن تقول : إن أصلك سبئي، وأن مصدرك يهودي، وإن جذرك مجوسي، فهل هذا منطق علمي؟ وبالتالي هل يقبل عاقل هذا المنطق؟
ورحم الله المعري حين قال:
وإذا أتتــك مذمتي من ناقــــــــــص فهي الشهادة لي بأني كــــــــــــــامل

وما أسهل الشتم والاتهام إذا تجرد الإنسان من التقوى والمنطق، إني واثقة من أدلتي التي تقودني إلى النجاة من نار جهنم في الآخرة، ولا ينفعك أن تسبني أو تسطر التهم ضدي، أجل لا ينفعك شيء، ولن يزحزح الشيعي عن معتقده إلا أن تخطيء الدليل وتحكم بضلال الهادي.
وأنا أقو لك: إن أدلتي لا تقبل الخطأ، والحق واضح وما شاء الله أن يخفي الحقيقة عن الناس، وفي نفس الوقت أعذر من جهل هذه الحقيقة إذا لم يكن مقصراً في ذلك، وسوف اذكر أدلة في هذا البحث إن شاء الله ولكن الآن سوف أدخل في قصة عبدالله بن سبأ:
فلقد قالوا :إن أصل تكون (الشيعة) كطائفة؛ رجل يدعى ( عبد الله بن سبأ)؛ وهو يهودي من اليمن، كان قد ظهر إسلامه في عهد عثمان، وخاض عملية نشر الأفكار الهدامة، مستيقناً بمفاهيم يهودية، فالفتنة في زمن عثمان قيل إنها من تدبير شخص اسمه (عبد الله بن سبأ) وإنه لما أسلم صار يشيع بين الناس وصاية الإمام علي عليه الصلاة والسلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن هنا تكون مذهب ( الشيعة).
أقـــــــــول : لا يهمني وجود ابن سبأ هذا أو عدم وجوده وقيامه بهذا العمل أو عدم قيامه وإنما يهمني أن الذي وضع لبنة التشيع هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( إن هذا وشيعته هم خير البرية) مشيراً على الإمام علي عليه الصلاة والسلام , كما ذكرت. والمحققين اليوم قد أثبتوا بالأرقام بأن عبد الله بن سبأ هذا شخصية أسطورية لا واقع لها في الخارج، وممن ذهب إلى ذلك ( الدكتور طه حسين) عميد الأدب العربي المعاصر، حيث قال: إن ( ابن سبأ) هذا شخصية وهمية اختلقها خصوم الشيعة لهم، ولقد جلى الحقيقة كالشمس سماحة المحقق السيد مرتضى العسكري في كتابه ( عبد الله بن سبأ) أثبت بالأدلة أسطورية الشخصية، لقد أجاد المؤرخون من السنة، تقنية التصوير التاريخي- حينما جعلوا عبد الله بن سبأ صورة تبلغ حد الأسطورة، وجعلوا منه مرجعاً لأفكار كانت هي المرتكز الأساسي للمعارضة، التي تزعمها كبار الصحابة ، ضد عثمان.
ولما كانت معارضة عثمان، ذات مسلك جماهيري، تقدمه رجال من كبار الصحابة، حاول المؤرخون السنة، التلفيق على عاداتهم والتهجم على احد أكابر الصحابة، وهو أبو ذر الغفاري واعتبروا عبد الله بن سبأ، هو ملهم أفكار أبي ذر وهو الذي حرضه على معاوية بالشام، وبالتالي على خلافة عثمان، ولكننا لسنا بصدد الحديث عن أبي ذر(رض) إذا بدك تعرف راجع – إسلاميات- لطه حسين ومروج الذهب, وابن سبأ هذا كان مجهول الأثر، ولم يعرف عنه في الأنساب أصل، وكل ما قيل إنه يهودي من صنعاء وأسمه مبهم، إذ هناك عشرات من عبد الله ، ينسبون إلى ( سبأ ) يمكن نطلق عليهم هذا الاسم، ولا نعلم هل أريد به ( عبد الله السبائي)) الذي كان في عهد الإمام علي عليه الصلاة والسلام وهذا لم يكن شيعياً بل كان على رأس الخوارج الذين قاتلوا علياً عليه الصلاة والسلام وحاربوه.
والغريب في الأمر أنهم ينسبوا فكرة(الوصية) و(العصمة) إلى عبد الله بن سبأ، وقالوا بأنه أول من قال بها. وإنه استلهمها من الفكر اليهودي، ولست ادري متى كان اليهود يعترفون بالعصمة لأنبيائهم وبالأحرى لأوصيائهم واليهود أكثر الملل تقتيلاً لأنبيائها!!.
فابن سبأ هذا الذي يقال إنه أول محرض ضد عثمان لم يثبته التاريخ فيجب أن تتضح الأسباب التاريخية لنشوء فكرة السبئية وتنقشع الغيوم ولا تنقشع على الذين مازالوا متمسكين بالعظام التاريخية.
ويقول الإدريسي كذلك في هذا الصدد:((لقد تبين لي وأنأ أبحث أن في تاريخنا مبدعين، لا يعجزون عن حبك الأساطير في أرقى ضالاتها)).

وليست هذه أول خرافة، تلقى بهذا الشكل ( التهريجي) على التشيع بل هناك أخريات من تلكم الشبهات المحبوكة بالأصابع المأجورة والمسيئة بالترغيب والترهيب الأموي، لابد من الوقوف على هزالها.

ويقول أيضاً إدريس الحسيني: ( إنني ما زلت أنزع الأشواك من أقدام التاريخ الإسلامي لأكّون لنفسي رؤية موضوعية حوله.
وقد جاء في الحديث النبوي الشريف:(( افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي ثلاثة وسبعين فرقة)) – رواه ابن ماجه- وابن مالك-
والغريب إن الناجية واحدة والباقي في النار!
ثم رحت أطرح على نفسي السؤال تلو السؤال. ما أدراني أنني على حق؟
ترى لو إنني ولدت في إيران أو العراق أو لينان " ماذا سأكون يا ترى؟ ما ذنبي، إن كنت أجهل الفئة الناجية؟ ما ذنبي، ما ذنبي؟ وكنت مقتنعاً إن الله منح الإنسان العقل حتى يستنير بنوره. وإن العقل رسول باطن، يرشد إلى أسلم السبيل وأهداها.
وليكن ما يكون. ولكن لا بد لي أن أفكر، وأمارس كينونتي في الوجود لأبرى ذمتي طلباً للحق والتماساً للنجاة، وبعدها أطلب العذر على تقصيري. والوصول إلى الحق لا بد أن يحصل بالاجتهاد والبحث الحثيث.
كان أثقل شيء علي يومئذ، أن أقرأ تاريخ (( الفتنة الكبرى)) ومازلت أتذكر الأصحاب، وقد بدأوا يوجهون لي النقد، لأنني بدأت أخرج من الإيمان، وأهتم بالفتن. إنني كنت أدرك أنهم لا يقولون إلا ما لقنوه. وبرمجوا عليه في تعاملهم مع (( الفتنة الكبرى)) حيث البؤرة الوحيدة التي تعكس حقيقة الانحراف الذي طرأ على نفوس الكثير من الذين أكبرهم التاريخ في أذهاننا إكباراً زائداً.
كان همي أن أعرف الفئة الناجية، ولم أكن أتصور أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يتحدث عن خلاف الأمة ولا يعطيها مفاتيح النجاة، إذن، لما كان نبياً هادياً، فماذا ذنب مسلمي القرون اللاحقة؟!
ثم عدت للحديث لأرى هل في أحشائه ما يرشدني إلى الهدى ويجنبني الضلال. وما أثارني هو تعامل مختلف الفرق، مع هذا الحديث. إذا كل فرقة تتبناه لصالحها. فقد قرأت مرة لسعيد قال: بأنه بإجماع الجمهور إن الفئة الناجية هي أهل السنة والجماعة. وتساءلت عن الحل في هذه الكلمات هل الجمهور يتفق على نفسه؟ وليس هو أول من قالها بل كثرت في كتابات المتقدمين أيضا. لقد روي معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام فينا فقال: ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب........ وإن هذه الملة ستفترق إلى ثلاث وسبعين :
اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة ، وهي الجماعة))-سنن أبي داؤود-
والجماعة التي وطد أركانها معاوية، كانت تعني العداء المطلق لآل البيت عليهم الصلاة والسلام، الجماعة التي بقيت وفية لمعاوية، حيث تجتمع جميعها على سب ولعن علي عليه الصلاة والسلام من على المنابر.

وعلى كل حال، فإنني لم أفهم من كلمة ((الجماعة)) حلاً يشفي غليل عقلي علماً أن الجماعة التي تحدث عنها معاوية، هي الجماعة التي استجابت له، في حكم الجاهلية. وبها قاتل الإسلام في شخص علي عليه الصلاة والسلام وبمثيله قتل ابنه (يزيد) الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام وباقي عترته الطاهرة.
والحق كل ما أفهمه، ليس مسألة كمية، عددية. والجماعة هي أن تكون على حق ولو كنت لوحدك- كما قالها ابن مسعود- وليتني اعرف أي الصحابة الذين ذكرهم حديث عمر الجديرون بالأتباع وأيهم اتبع وقد تفرقوا فرقاً ونحلاً؟ وسمعتهم مرة يقولون : (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) ولست اعلم أن هذا الحديث المشكوك فيه عند أهل الرواية طعن فيه ابن حزم، وابن حنبل، هل يحتوي على أقل قدر من المنطق. وكيف اهتدي سواء اتبعت علياً أو معاوية، أبا ذر أو عثمان... أبا هريرة أو عمار... ولعمري كيف يجتمع النقيضان؟!
وهبني سلمت بهذا الحديث على علته، أفلست على السنة والهداية إذا سلكت طريق علي عليه الصلاة والسلام؟ أوليس هو على الأقل من الصحابة؟ وإذا قالوا إنه بريء ونزيه، وإنه لم يخالف الجماعة، قلنا عن بعض الأصحاب لماذا قتلوا حسيناً، لماذا نفوا أبا ذر، لماذا قتلوا عماراً لماذا مثلوا محمد بن أبي بكر و... و... و ... ؟ إذا قالوا إنها السياسة ، قلنا : ولماذا لم يتقوا الله في السياسة؟!

إنني ورثت مجموعة تقديسات متناقضة تجرعتها على حين غفلة من نضجي ووعيي التاريخي. ورثت حب أبي ذر وعثمان، علي ومعاوية، وخالد بن الوليد وفاطمة الزهراء ... سواء بسواء ... لا ميزان ولا درجات... ولكن التاريخ، علمني أن لا أكون متناقضاً للحقيقة. وإلا كيف يتسع القلب لحب السيء ونقيضه. كيف أحب أبا ذر ( رضي الله عنه) وعثمان الذي نفاه إلى (الربذة) حتى يرضي عشيرته؟! وواحداً من الطلقاء، (معاوية) إذا كان المؤلفة قلوبهم.
وكيف أجمع بين حب معاوية ويزيد السفاكين، وبين حب علي وبنيه وتركة النبوة ومشكاة النور الإسلامي؟! لم تتمكن مني مراوغات التاريخ وجيل ((القصاصين)).
والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل مسلم على نفسه: لماذا أنا مع هذه الفرقة ولست مع تلك؟
هل الوراثة هي السبب أم الاجتهاد والقناعة؟
إذا كانت القناعة كما يدعي البعض، فهي تعني الانسحاب من المذهب والبدء في مسيرة للبحث المحايد والمتكافئ، أو قراءة التاريخ من أجل البحث عن الصواب، والاستعداد النفسي لخسران الكثير من المسلمات، والقراءة عن هذه الفرقة وكأنها فرقة القارئ، ثم تحكيم العقل، والقرآن والوجدان. وجدير بنا القول آنئذٍ: ( اللهم ما عرفتنا من الحق فحملناه وما قصرنا عنه فبلغناه)- دعاء الإمام زين العابدين عليه الصلاة والسلام –الصحيفة السجادية-
أما أن نصم الآذان ونعمي الأبصار، بحجة الإيمان والتقوى فهو خداع نفسي وهروب من ضغوط الحق، ودفن للرأس في الرمال).

http://www.flashfp.net/uploader/modules/up-pic/pic/uploads/c92919861a.jpg (http://www.flashfp.net/uploader/modules/up-pic/pic/uploads/c92919861a.jpg)

alfa-beta
17-09-2006, 02:59 AM
باسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم
الاخة الفاضلة اميرة الجنة
اعتدر عن الجملة التي كتبتها سابقا :
(لانني لا ارى في اساليب اتباعكم الا الابتعاد عن نهج ائمتكم .فالسؤال هل انتم حقا شيعة؟كما تقولون)
وجاء التوضيح فيما بعد:
(لانني الاحظ في ردود بعض اتباعكم او مواضيعهم ينهجون اسلوب الاستفزازات لرموز مخالفيكم ولمزهم وبعض الاحيان شتمهم .وهذا يتنافى مع ما كتبتموه في موضعكم اعلاه.
وشكرا)
والان اتابع موضوعكم باهتمام.وشكرا

أميرة الجنة
17-09-2006, 03:04 AM
شكراً لك أخي الكريم,,,
وأتمنى أن نصل إلى الفائدة المرجوة...والله الموفق,,
وأنتظر ردك...
وبالنسبة لمصادر البحث.. سوف أذكرها عندما أنتهي...

alfa-beta
17-09-2006, 03:23 PM
باسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم
العضو المحترم كاتب المقال
اشكركم جزيل الشكر على هذا الموضوع الجدير بالقرائة والاهتمام
قلتم
وأنتظر ردك...
هذا الذي كتبتوه بحث في التارخ الاسلامي والرد لا يكون ارتجالي الرد يجب ان يكون بحثا كذلك.
لقد وقعت لي هزات في موضوعكم لكن اعنفها ...... فاجعة .....كربلاء

السيِّدة الموسوي أم حُسين
18-09-2006, 12:47 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كل الشكر للأخت الفاضلة أميرة الجنة على ما اتحفتنا به من كلمات في غاية الأهمية .......

على كل مسلم أن يطلع على ما كتبت ليتعرف على الشيعة وحقيقتهم......

و لايجب على المرء فقط أن يستمع من هذا وذاك دون التأكد مما قيل لعلها تكون محض كلمات خرافية سطرت....

و لاتنسي أختاه في كل مرة كتابة اسماء المصادر.....

وفقكم الله لما يحب ويرضى....

والله من وراء القصد......والسلام

هواي انت ياحسين
18-09-2006, 02:21 AM
باسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم
العضو المحترم كاتب المقال
اشكركم جزيل الشكر على هذا الموضوع الجدير بالقرائة والاهتمام
قلتم
وأنتظر ردك...
هذا الذي كتبتوه بحث في التارخ الاسلامي والرد لا يكون ارتجالي الرد يجب ان يكون بحثا كذلك.
لقد وقعت لي هزات في موضوعكم لكن اعنفها ...... فاجعة .....كربلاء

والأعنف لدي ان الناس ظالمة سيدي الحسين ووالله انك لمظلوم ياسيدي ولعن الله أمة قتلتك وأمة سمعت بذلك فرضيت به::46:: ::46:: ::46::

أميرة الجنة
19-09-2006, 10:04 PM
البكاء
أما طبيعة البكاء فإنها مباحة, بل ربما تستكشف محبوبيتها من بعض الآيات- لأنه ينم عن رقة القلب- بخلاف الضحك- الذي يكشف عن القسوة والغفلة-كقوله تعالى:"..فليضحكوا قليلاً, وليبكوا كثيراً, جزاءً بما كانوا يكسبون".
وتبدو هذه الحقيقة, في وصف القرآن للمؤمنين الأبرار بكثرة البكاء, حيث قال:".. إذا يتلى عليهم, يخرون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا* ويخرون للأذقان يبكون, ويزيدهم خشوعاً". وحيث قال"..وممن هدينا واجتبينا, إذ تتلى عليهم آيات الرحمن, خروا سجداً وبكياً".
ومن الطبيعي أن يحب الإسلام البكاء لأنه يحل العقد النفسية التي يعجز العلم عن معالجتها. لأن الأزمات والخسائر التي تصدم الإنسان, تترسب في قلبه على شكل عقد, لا يحلها سوى الانتقام, ممن سبب له تلك النكبة, فالبكاء طريق للتخلص من تلك العقدة, وهو الدواء الوحيد.
ولهذا السبب تكون النساء أقل عقداً من الرجال, لأنهن لا يعانين أزمة نفسية, إلا ويفرجن عن أنفسهن بالبكاء, فينفضن عنهن العقد قبل أن تتركز, وأما الرجال فإنهم حيث يستنكفون عن التوسل بالدموع لمعالجة قضاياهم, ويستعصي الدمع في آماقهم دون التوسل بالدموع لمعالجة قضاياهم, ويستعصي الدمع في آماقهم, يخلف كل أزمة في أنفسهم عقدة تأخذ مجراها إلى تصرفاتهم, رويداً رويداً, فيصبحون أصحاب شذوذ, من حيث يظنون أنهم عباقرة ينكرهم المجتمع.
وكما ذكرت سابقاً أن للمعصومين وقفات كانوا يبكون فيها كالنبي آدم ويعقوب,عليهم السلام, وكذلك النبي الأعظم صلى الله عليه وآله بكى على ولده إبراهيم, فسأل عن سبب بكاءه, فأجابهم:<القلب يحترق, والدمع يجري ولا نقول ما يغضب الرّب>.وأن فاطمة الزهراء عليها السلام بكت على أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله, حتى ماتت بغصتها, ولم تر بعد أبيها إلا باكية العين معصبة الرأس, منهدة الركن, يغشى عليها ساعة بعد ساعة. والإمام السجاد عليه السلام بكى على أبيه الحسين بقية حياته.
فالبكاء محبوب عند الله وفي جميع الأديان سواء أكان من خشية الله, أو على نكبة, وأما البكاء على مآسي أهل البيت عليهم السلام ومأساة الطف بالذات فإنه مستحب, وعليه ثواب عظيم.
وهناك أخبار كثيرة تدل على أن الله لم يبعث على وجه الأرض نبياً ووصياً, إلا ذكره بمصاب الحسين عليه السلام فبكى عليه قبل استشهاده وإن النبي والزهراء وجميع الأئمة عليهم السلام بكوا على الحسين عليه السلام بكاءً شديداً حتى كان من ألقاب الحسين عليه السلام"صريع الدمعة الساكبة" و"عبرة كل مؤمن ومؤمنة" وحتى بكته أسرته يوم ميلاده, وحتى قال الإمام الرضا عليه السلام:(إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلا) وقال الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف- في زيارة الناحية مخاطباً جده الشهيد:"ولئن أخرتني الدهور, وعاقني عن نصرك المقدور فلأندبنك صباحاً ومساءً ولأبكين عليك بدل الدموع دماً"{ أما بالنسبة للإمام المهدي عجل الله فرجه فهذا بحث آخر سنتناوله إن شاء الله}.
وفي المستدرك بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال:<نظر النبي صلى الله عليه وآله إلى الحسين عليه السلام وهو مقبل فأجلسه في حجره, وقال: إن لقتل الحسين عليه السلام حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً. ثم قال أبو جعفر: بأبي قتيل كل عبرة, قيل: وما قتيل كل عبرة؟ قال: لا يذكره مؤمن إلا بكى>.
وأما الأخبار الصادرة في فضل البكاء على الإمام الشهيد, فهي كثيرة أذكر منها ما يلي:-
في كامل الزيارة, عن أبي حمزة, عن الإمام الصادق عليه السلام:"إن البكاء والجزع مكروه للعبد, في كل ما جزع, ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي فإنه مأجور".
وروى الصدوق في الأمالي, بإسناده عن الإمام الرضا عليه السلام:(من تذكر مصابنا, وبكى لما ارتكب منا, كان معنا في درجتنا يوم القيامة ومن ذكر مصابنا, فبكى وأبكى, لم تبك عينه يوم تبكي العيون, ومن جلس مجلساً يحيى فيه أمرنا, لم يمت قلبه يوم تموت القلوب).
وروى علي بن إبراهيم, عن الإمام الصدق عليه السلام:
"من ذكرنا أو ذكرنا عنده, فخرج من عينيه دمع مثل جناح بعوضة, غفر الله له ذنوبه, ولو كان مثل زبد البحر".
فهذه الأخبار والمئات من أمثالها تكشف عن الجانب الآخروي لفضل البكاء على سيد الشهداء بصورة خاصة, وأهل البيت جميعاً بصورة عامة.
وللبكاء على أهل البيت جميعاً, وعلى الحسين بصورة خاصة جوانب دنيوية قد يكون أبرزها الجانب التربوي لأن البكاء على شيء لا يكون إلا بعد انفعال الباكي بالحادث الأليم الذي اكتنف ذلك الشيء حتى يبكي عليه, ولكل حادث مجرم وضحية ومن الطبيعي أن يؤدي الانفعال إلى تحيز الباكي للضحية ومعاداة المجرم, فتهيج فيه الثورة على الظالم والإشفاق على المظلوم . والبكاء على الحسين يعني توجيه الباكي نحو جميع الفضائل وإثارته ضد جميع الرذائل, وهكذا لا تبدو الأحاديث السابقة مبالغة في تكثير ثواب البكاء على الإمام الشهيد, وإنما تعبر عن ثواب البكاء بمقتضى أثر البكاء.
المأتم
والمأتم هو المجلس الذي تعد فيه مصائب إنسان, ومآتم الإمام الحسين عليه السلام هي المجالس التي تعقد لسرد مصائبه فيها وإقامته للحين موجبة لإقامة ثورة الحسين حية خالدة, ولولا المآتم التي أقيمت على الإمام الحسين عليه السلام لنا استطاعت تلك الثورة اجتياح حكومة بني أمية, وحكومات تلتها وورثت انحرافها.
فالإمام الحسين عليه السلام لم يكن إمام جيل بل إمام الأجيال إلى يوم القيامة, فلا بد أن تكون كافة أعماله وأقواله عالمية خالدة, وإغلاق ذلك الجيل على ثورة الإمام الحسين عليه السلام أكبر جريمة تجاه شخص الإمام, لأنه يعني تحديد رسالته التي من أجلها خلق ومن أجلها قتل.
وقد يكون هذا الهدف من أهم العوامل التي كانت تدفع الأئمة عليهم السلام إلى إقامة المآتم بأنفسهم, وإلحاحهم على الشيعة بإقامة المآتم على سائر أفراد أسرهم, وعلى الحسين بالذات.
وفي زيارة الإمام الرضا عليه السلام الموروثه:"..السلام على من أمر أهله بالنياحة عليه قبل وصول المنية إليه..".
وفي المجالس السنية: حكى دعبل الخزاعي قال: دخلت على سيدي ومولاي علي بن موسى الرضا,{الإمام الرضا سلام الله عليه سمّ من قبل المأمون العباسي, حيث وضع له السم في العنب, ولما تناوله عليه السلام, وهو يعلم بذلك , خرج من المجلس فسأله المأمون إلى أين يا بن العم , قال له إلى المكان الذي أخذتني إليه, وهذا ثابت في الروايات عند كلا الفريقين} في أيام عشرة محرم, فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب, وأصحابه من حوله, فلما رآني مقبلاً, قال لي:" مرحباً بك يا دعبل, أحبّ أن تنشدني شعراً, فإن هذه الأيام أيام حزن كانت على أهل البيت وأيام سرور كانت على أعدائنا خصوصاً بني أمية, يا دعبل من بكى وأبكى على مصابنا- ولو واحداً- كان أجره على الله. يا دعبل من ذرفت عيناه على مصابنا, وبكى لما أصابنا من أعدائنا, حشره الله معنا في زمرتنا. يا دعبل, من بكى على مصاب جدي الحسين غفر الله له ذنوبه البتة". ثم أنه نهض, وضرب ستراً بيننا وبين حرمه, وأجلس أهل بيته من وراء الستر ليبكوا على مصاب جدهم الحسين, ثم ألتفت إلي وقال:"يا دعبل إرث الحسين, فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حياً, فلا تقصر في نصرتنا ما استطعت". قال دعبل فاستعبرت وأنشأت أقول:
((أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً وقد مات عطشاناً بشط فرات))
((إذن للطمت الخد فاطم عنده وأجريت دمع العين في الوجنات))
وفي رياض الأحزان:".. وأقامت أم البنين زوجة أمير المؤمنين العزاء على الحسين, واجتمع عندها نساء بني هاشم يندبن على الحسين وأهل بيته, وبكت أم سلمة وقالت: فعلوها ملأ الله قبورهم ناراً".
وفي تاريخ الطبري والبداية لابن كثير, واللهوف وأمالي الصدوق:((...لما خطبت السيدة زينب عليها السلام في مجالس يزيد هزت من في المجلس حتى راح الرجل يحدث جليسه بالضلال الذي غمرهم, فلم ير يزيد مناصاً من أن يخرج الحرم من المجلس إلى خربة لا تكنهم من حر ولا برد فأقاموا فيها ينوحون على الحسين ثلاثة أيام...)).
وغيرها الكثير من الروايات ... فالمآتم الرجالية والنسائية تجوز بل تستحب على نمط واحد.
لبس الأسواد
إن السواد أغمض الألوان, والنظر إليه يولد في النفس كآبة وانقباضاً, فهو بطبيعته رمز الحزن, فلذلك اعتاد المفجوعون لمصيبة أن يقتمصوا السواد, وهذه عادة سبقت الإسلام واستمرت بعده, ولم تختص بالمسلمين بل جرت على غيرهم سواءً بسواء, فإن الفرس والروم والألمان والروس يسودون رؤوس أعلامهم إذا انكبوا بكارثة زلزال أو غرق سفينة,أو.. والأفراد يحملون الأشرطة السوداء في موت قريب أو صديق.
وقد ورثت الشيعة من الشعارات الحسينية, لبس السواد, واكساء الجدران بالسواد, تعبيراً عن تفجعهم بفاجعة الطف. كما أن لبس السواد, يؤثر في النفس لا بسلبية, تأثيراً قوياً يكهرب أعصابهم, ويوحي إليهم أبداً, بأنهم مفجوعون بكارثة الطف, فينفعلون بهذا الإحياء الدائم, ويتحيزون للحسين ومبادئه وأهدافه, ويثورون ضد يزيد ومبادئه وأهدافه.
ويمتاز لبس السواد عن البكاء, بأن البكاء عبير ثورة مؤقتة سرعان ما تنتفض ثم لا تلبث أن تهدأ, بينما السواد يوقظ في قلوب لابسيه تذكراً دائم الالتفات, كدقات الساعة الرتيبة المستمرة.
على أن لبس السواد في العرف شعار يرمز إلى فجيعة لابسه بمصاب, فمن الطبيعي أن يكون مستحباً في ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام للعمومات النادبة إلى تجديد عزائه كل عام.
غير أن هناك رأي يقول بحرمة لبس السواد, استناداً إلى الروايات الناهية عن لبس السواد, فإنها أما قاصرة الدلالة أو قاصرة السند أو قاصرة السند والدلالة معاً.
وقد ذكر صاحب الحدائق هذه الروايات, ثم عقبها بقوله: "ولم يستبعد استثناء لبس السواد في مأتم الحسين عليه السلام من هذه الأخبار لما استفاضت به الأخبار من الأمر بإظهار شعائر الأحزان عليه".
وأما التعليل الوارد في بعض الروايات الناهية عن لبس السواد فيكفي لحمل النهي فيها على الكراهة, لما هو مثبت في الفقه, إذا كان نهي فإنه لا يؤدي إلى تحريمه بل يكون مكروهاً, وإذا كان أمراً لا يكون واجباً بل يكون مستحباً, فإذا كانت شيء لباس لأهل النار, أو لغة لأهل النار, لا يسبب حرمة نظيره في الدنيا, وإلا كان هناك الكثير من الأشياء قد حرمت وهي مباحة بل مستحبة في الفقه.
عن أمير المؤمنين عليه السلام:"لا تلبسوا السواد فإنه لباس فرعون".
فاتخاذ اللباس الأسود على نحو ما فعل فرعون مكروه, لا مطلق اتخاذ السواد, فأكثر المعصومين عليه السلام لبسوا السواد في المصائب وفي غير المصائب.
فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد لبس السواد كما في مستدرك الوسائل:(كان لرسول الله صلى الله عليه وآله عمامة من سواد يتعمم بها, ويصلي فيها).
والإمام علي والإمام الحسن والإمام الحسين وكذلك الإمام زين العابدين والإمام الصادق والإمام علي الهادي عليهم سلام الله, قد لبسوا السواد وتدل الروايات على ذلك .. لكني لا أريد الإطالة في موضوع لبس السواد لأنه على ما أعتقد إنه واضح.
وبقيت هذه العادة مطردة في الشيعة أيام الأئمة الأطهار عليهم السلام حيث كانوا يلبسون السواد في أول يوم من شهر محرم وينزعونه يوم التاسع من ربيع الأول, وأقرهم الأئمة على هذه العادة.
ففي المحتضر, بإسناد متصل إلى أحمد بن إسحاق القمي عن أبي محمد الحسن العسكري عن أمير المؤمنين عليه السلام- في فضل اليوم التاسع من ربيع الأول- أنه قال:"هذا يوم الاستراحة ويوم تنفيس الكربة ويوم الغدير الثاني.. ويوم نزع السواد ويوم ندامة الظالم..الخ".
وستبقى هذه العادة حتى يظهر الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف, فيكون شعارهم"يا لثارات الحسين" وتكون علامتهم اللباس الأسود.
ففي الوسائل عن علي بن المغيرة عن أبي جعفر قال:" كأني بعبد الله بن شريك العامري, عليه عمامة سوداء ذؤابتاها بين كتفيه, يصعد الخف في الجبل, بين يدي قائمنا أهل البيت, في أربعة آلاف فيكبرون".
وابن شريك ليس من ذرية الرسول صلى الله عليه وآله لكن لبسه للعمامة السوداء رمز حداده على الإمام الحسين عليه السلام, كما أن نغمة أصحاب الإمام المنتظر(عج):"يا لثارات الحسين" دلالة على أنها انتقامية من المتطاولين على الإسلام الذي مثل الثورة من أجل الإمام الحسين عليه السلام.


{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس, فأظهر اللهم لنا وليك وابن بنت نبيك, المسمى باسم رسولك(ص), حتى لا يظفر بشيء من الباطل إلا مزقه, ويحق الحق ويحققه, وأجعله اللهم مفزعاً لمظلوم عبادك, وناصراً لم لا يجد له ناصراً غيرك ومشيداً لما ورد من أعلام دينك وسنن نبيك محمداً(ص), اللهم وسر نبيك محمداً(ص) برؤيته, ومن تبعه على دعوته, وارحم استكانتنا بعده, اللهم اكشف هذه الغمة عن هذه الأمة بظهوره وعجل لنا ظهوره, إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا برحمتك يا أرحم الراحمين, العجل.. العجل يا مولاي, يا صاحب الزمان}.

شق الجيب
وشق الجيب, أمر طبيعي عفوي ينساق إليه المصاب, فالإنسان لا يقاسي مصيبة إلا وترتفع درجة حرارته, وتزداد ضربات قلبه فيحتاج إلى مزيد من التهوية حتى لا ينصدع, فتسرع الرئة التنفس, غير أن حاجة القلب إلى التهوية قد تكون أكثر من قدرة الرئة على التنفس فيبادر المصاب إلى شق جيبه, بإيحاء طبيعي كما يغمض أجفانه بحركة عصبية طبيعية ليوفر على القلب التهوية من خارج صدره.
ولهذا يكون شق الجيب, من نوع غمض الأجفان, غير داخل في نطاق الشرع لأنه يصدر غالباً بلا وعي تام, بالإضافة إلى إنه كثيراً ما ينقذ المصاب عن السكتة القلبية.
روى المفيد, عن علي بن الحسين عليهما السلام:(أن زينب لما سمعت الحسين ينشهد هذه الأبيات:


((يا دهر أف لك من خليل كم لك بالإشراق والأصيل))

لطمت وجهها, وهوت إلى جيبها وشقته, وخرت مغشية عليها).
وقد روى:"أن زينب وجميع النساء شققن الجيوب ولطمن الخدود" في وفاة أمير المؤمنين عليه السلام.
على أن الشرع أباح شق الجيوب, ليس على الإمام الحسين فقط, ولا على المعصومين فحسب, وإنما لكل رجل وامرأة أن يشقا الجيب في موت كل قريب لهما, ولكن باستثناء.
ففي جواهر الكلام, عن خالد بن سدير قال:"سألت أبا عبد الله عن رجل شق ثوبه على أبيه أو على أمه أو على أخيه أو على قريب له؟ فقال: لا بأس بشق الجيوب, قد شق موسى بن عمران على أخيه هارون ولا يشق الوالد على ولده, ولا الزوج على امرأته, وتشق المرأة على زوجها... ولقد شققن الجيوب, ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي, وعلى مثله تشق الجيوب, وتلطم الخدود"
وهذه الرواية صحيحة قد اتفق الأصحاب على العمل به حتى ابن إدريس الذي لا يعمل بالآحاد.
إذن فلا مانع من شق الجيوب على كل فقيد, عدى من استثنى كما لا مانع من شق الجيوب على الحسين عليه السلام بل يستحب لدخوله في عموم العزاء المندوب تجديده على الحسين عليه السلام.
اللطم
لقد تألم كل شيعي عاصر فاجعة الطف, وكل شيعي يولد بعدها إلى يوم القيامة, تألماً عاطفياً وعقائدياً لا يوازيه التألم بالكوارث الشخصية, فقد تمثلت في تلك الحادثة الرهيبة المظلومية من جانب أهل البيت في أجل صورها, وتمثلت فيها الوحشية من جانب صورة بني أمية في أبشع صورها, وهذا اللقاء بين المظلومية والوحشية كان جديراً بإثارة عاطفية فائرة في كل من يشعر بأقل ارتباط مع أهل البيت, بل في كل من تنبض فيه الإنسانية.
كما أن هذه الصدمة العظيمة نزلت على شخصية مقدسة, يعتبرها الشيعة ثالت أئمتهم وابن بنت رسولهم العظيم فكانت الصدمة جديرة بإثارة عقائدية في كلمن يؤمن بالتشيع عقيدة دينية صحيحة وقد ازدوجت هاتان الإثارتان في الشيعة فكانت مصيبتهم بتلك الكارثة أعظم من مصيبتهم بكوارثهم الشخصية والإنسان المصاب يشعر بثقل المصيبة على كاهله فيحاول التسلل منها حتى يعود إلى حالته الطبيعية.
وطريقة التخلص من المصائب هي التعبير المناسب عنها, فإذا كانت المصيبة هينة يمكن التخلص بالتعبير اللفظي, وإذا كانت كبيرة ترفض الزوال إلا بالتعبير اللفظي والبكائي, وإن كانت أكبر احتاجت إلى تعبيرات أخرى.
وحيث أن مصيبة الشيعة بالإمام الحسين عليه السلام كانت أعظم المصائب احتاج التخلص منها إلى التعبير عنها بجميع ألوان التعبير.
وأول موكب أتت به الشيعة هو موكب اللطم. وكيفيته هو أن يجتمع حشد من الشيعة- أيام العشرة الأولى من محرم الحرام, وفي وفيات المعصومين عليهم السلام- في مكان مقدس لضرب أنفسهم لدماً على الصدور وربما لطماً على الخدود وضرباً على الرؤوس. ويمارسون عملية اللدم واللطم بأساليب منسقة حزينة, ويصعد شاعر على منبر وينشد قصائد منظومة بأسلوب خاص, تذكر اللاطمين بمصائب أهل البيت , وهم يتجاوبون مع الشاعر في ترديد الأبيات.
ويطلقون على هذه العملية اسم((اللطم)).
واللطم تعبير عفوي عن استبداد مصيبة بإنسان, فلا يختص بوقت دون وقت ومجتمع دون مجتمع, ويظهر من بعض النصوص أن اللطم ليس مختصاً بالدنيا, ففي الجنة لطمت الحور العين على الحسين عليه السلام, كما في الزيارة:"ولطمت عليك الحور العين.." وعندما أنشد دعبل الإمام الرضا عليه السلام قوله:
((أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً وقد مات عطشاناً بشط فرات))
((إذن للطمت الخد فاطم عنده وأجريت دمع العين في الوجنات))
لم يقل له الإمام الرضا عليه السلام: من أين علمت ذلك؟ لأنه تعبير طبيعي عفوي لا بد أن يصدر عن كل من داهمته فاجعة كبرى.ويكفي دليلاً على إباحة اللطم, عدم ورود النهي عنه, فيشمله أصل الإباحة, الثابت بالعموميات الدالة على أن"كل شيء مطلق, حتى يرد فيه نهي" و"كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام"و" الأشياء مطلقة ما لم يرد عليك أمر أو نهي".
ويدل على رجحان اللطم على الإمام الحسين عليه السلام ثلاثة أنواع من الأدلة:-
النوع الأول: الأدلة العامة التي تشجع إقامة العزاء على الحسين عليه السلام. كقول النبي صلى الله عليه وآله للزهراء عليها السلام, يوم ولادة الحسين عليه السلام, واصفاً لشيعته بأنهم:(..يجددون العزاء عليه كل عام), واللطم من المظاهر الجلية لتجديد العزاء.
النوع الثاني: الأدلة الخاصة النادبة إلى اللطم على الإمام الحسين عليه السلام كقول الإمام الصادق عليه السلام في حديثين روى أحدهما ابن الجواهري عن خالد بن سدير, وروى الثاني الشيخ الطوسي:"ولقد شققن الفاطميات, ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي, وعلى مثله تلطم الخدود, وتشق الجيوب".
النوع الثالث: الأدلة الخاصة التي تدل على أن الفاطميات لطمن الإمام الحسين عليه السلام, في حياته وبعد شهادته- وقد سبقت عدة أحاديث, في الحديث عن شق الجيب,,, وعندما ورد الحسين إلى كربلاء وأخبر بمصيره مصير آله فيها((بكى النسوة, ولطمن الخدود, وشققن الجيوب)), وفي ليلة عاشوراء حينما أنشد أبياتاً ترمز إلى دنو الموت منه".. ثم أهوت زينب إلى جيبها فشقته ولطمت على وجهها, وبكى النسوة معها ولطمن الخدود".
وفي رواية المفيد, في وصف اليوم الحادي عشر:
(.. وحمل نساؤه على أحلاس أقتاب بغير وطاء. وساقوهن كما يساق سبي الترك والروم في أسر المصائب والهموم, ولما نظرت النسوة إلى القتلى صحن وضربن وجوههن) وفي مجلس التأبين الذي أقمنه في الشام وصفن بـ (الفاطميات اللاطمات على الخدود, والصارخات).
بقي هنا سؤالان:
السؤال الأول: هل أن عمل أهل بيت الحسين عليه الصلاة والسلام حجة؟.
والجواب من وجهين:
أولاً: لو اعترفنا بأن عمل أهل بيت الحسين ليس بحجة طالما لم يكونوا معصومين, فإن تقرير الإمام زين العابدين والإمام الباقر بعد شهادة الإمام الحسين عليهم الصلاة والسلام حجة, وقد كن النسوة يلطمن بمحضر من الأئمة فلم ينهوهن عنه ولو نهاهن أحد منهم لامتنعن لوصل إلينا فتقريرهم لعملهن حجة يكفي دليلاً على الجواز.
ثانياً: لا نعترف بأن عمل أهل بيت الحسين ليس بحجة بل عملهم حجة وإن لم يكونوا معصومين كما أن أعمال الفقهاء وأقوالهم حجة تكشف عن الأعمال الشرعية مع أنهم ليسوا بمعصومين إذ لا يشترط في حجية عمل كل واحد وقوله أن يكون معصوماً وإلا لوجب إلغاء الإسلام كله, فعمل أهل بيت الحسين الذين ولدوا وترعرعوا تحت تربية عدد من الأئمة الأطهار, وبلغوا أقصى مراتب العدالة حجة يكشف عن رأي الشرع.
ومما يدل أيضاً على حجية عمل أهل بيت الحسين عليه الصلاة والسلام أن الإمام الصادق استدل على جواز شق الجيب بعمل الفاطميات في حديثين ذكرتهما سابقاً.
السؤال الثاني: إن الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام نفسه نهى نساءه عن جميع هذه الأعمال- في ليلة عاشوراء- حين أوصاهن بقوله:"يا أختاه, يا أم كلثوم, يا فاطمة, يا رباب أنظرن إذا قتلت, فلا تشقن علي جيباً ولا تخمشن علي وجهاً ولا تقلن هجراً".
والجواب من وجهين:
أولاً: إنه كان ينهي نساءه عن الجزع قبل مقتله ساعة قتله, اتقاء شماتة الأعداء, فلا يشمل نهيه غير تلك الساعة حيث لا تكون شماتة الأعداء, وقد أعرب الإمام نفسه عن هذا السبب في ليلة عاشوراء, لما أهوت زينب جيبها فشقته, ولطمت على وجهها وصاحت, قال لها الحسين:"مهلاً لا تشمتي القوم بنا". وفي يوم عاشوراء حين جزعت قال لها الإمام:"لا تشمتي بنا الأعداء".
فالنهي كان محدوداً بوقت خاص لسبب خاص.
ثانياًَ: إن الإمام قيد النهي بوقت معين, هو وقت الشهادة, حيث قال:"..إذا قتلت.." فخصص النهي بحين الشهادة, لأنه كان يعلم: إن ساعة الشهادة يزحف العدو على الخيام, وينتشر الأطفال في المعركة تحت سنابك الخيل, وحراب العدو, فتحين مسؤولية النساء عن جمع الأطفال وإنقاذهم عن العدو الأثيم. فلو انصرفن في تلك الساعة إلى النياحة والبكاء, تعرضن هن وأطفالهن للخطر, فكان الإمام بهذه الوصية يريد الحفاظ على يتاماه وأياماه, فهي وصية مؤقتة .
ضرب السلاسل
وموكب السلاسل يتكون من جمع غفير من الناس, يقيمون فيه مأتماً على الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام, ثم يجردون ظهورهم- بلبس زي خاص من القماش الأسود, الذي فصل خصيصاً لهذا الغرض- ويقبضون بأيديهم مقابض حزمة من السلاسل الرقيقة فيضربون أكتافهم بتلك السلاسل, بأسلوب هادئ رتيب, ينظمه قرع الطبول والصنوج, بطور حربي عنيف وينطلقون من مركزهم الذي تجمعوا فيه ويسيرون عبر الشوارع إلى مكان مقدس ينفضون فيه وهم يهجزون, بأناشيد حزينة أو يهتفون((مظلوم.. حسين.. شهيد.. حسين.. عطشان.. حسين..)).
وقد ابتكر الأتراك هذا الموكب ثم أخذه منهم مختلف جنسيات الشيعة وجعلوا يمارسونها أينما حطت لهم قدم.
وهذا العمل مباح بعنوانه الأولي, ومستحب بعنوانه الثانوي جزعاً على الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام, لأن كل نوع من الانفجار العاطفي على الحسين محمود, ما لم يبلغ درجة إهلاك نفس أو طرف, والضرب بالسلاسل على الأكتاف نوع من أنواع الانفجار العاطفي فهو محمود, كما أنه لون من ألوان الجزع المستحب في مصيبة الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام.
بل الذي يستفاد من مجموع الروايات أن جميع أقسام التألم من المصاب, محبوب في مصيبة الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام, وقد كثرت ألفاظ التألم الواردة في الأخبار حتى تجاوزت الخمسين, وقد ذكرت الكثير منها في عنوان اللطم, وما إلى ذلك, وإذا حمد الجزع على الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام فإن الضرب بالسلاسل على الأكتاف, لا يعدو الجزع بل يكون أحد مراتبه, بالإضافة إلى أنه ليس في اللطم واللدم والضرب بالسلاسل على الأكتاف مضرة توهم الحرمة لأن هذه الأعمال لا تضر بالجسم, بل إنها تنفع لأنها تثخن الجلد وتصلبه وعمليات تصليب الجلد من أنواع الرياضات القاسية, التي يتعاطاها هواة الرياضات الشديدة.
التمثيل
حيث أن ملحمة كربلاء كارثة رهيبة ارتفعت فوق مستوى التاريخ فحملت كل شيء منها فكرة وفلسفة يكون تمثيلها أغنى التمثيليات التي يمكن أن يبدعها عقل إنسان.
فعقول أكثر الناس في عيونهم فلا يقدرون على تصور الواقعة بمجرد سماعها ولكنهم يتصورونها عند مشاهدتها, فيتفاعلون معها. ومن أجل هذا يجري تمثيل واقعة الطف, فلابد من إخراجها من ملفات التاريخ وتجسيدها, حتى تعود إليها الحياة من جديد, فتصبح قطعة حية من حياتنا المعاصرة, ولا يطبق تجسيدها شيء كما يجسدها التمثيل.
ولا أظن أن يوجد اليوم, إنسان يحرم التمثيل, فلا شك في جواز ذلك كما ورد في القرآن الكريم, تشبيه نور الله تعالى بمشكاة, وورد في أحاديث صحيحة, تشبيه أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام, طوراً بالأسد وآونة بيعسوب النحل, وتارة بالزناد القادح, ومرة بالسيف, وورد تمثيل المتقين بالغر المحجلين. دون أن يعتبر في ذلك شيء من الإهانة.
وورد في كتاب العلل: روى أبو حمزة, عن الإمام الباقر عليه الصلاة والسلام, في وجه تسمية الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف, بالقائم((إن الملائكة ضجت لقتل الحسين عليه الصلاة والسلام فجاءها الخطاب: أن اهدؤا فسأنتقم له ولو بعد حين, ثم كشف الحجاب عن تمثال آخر من ذرية الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام وهو قائم يصلي, وجاء الوحي من الله, بأني سأنتقم بهذا القائم للحسين)).
وقد مثل الله تعالى واقعة الطف بكاملها على جناح جبريل لآدم عليه الصلاة والسلام لما سأله عن سبب جريال دموعه لما ذكر الحسين عليه الصلاة والسلام.
ومثل الله الحسين- في مصرعه- لموسى بن عمران عليه الصلاة والسلام لما سأل الله عن سبب خلق النار.
{ ولكي لا أطيل البحث أكتفي بهذا القدر القليل في إطار التمثيل}.
التطبير
حشود من الفدائيين يتجمعون ليلة عاشوراء هنا وهناك في مراكز مهيبة قد جلل جدرانها السواد, واشتعلت في جوانبها الأنوار الخافتة الحمراء, فيحلقون رؤوسهم بالمواسي, ويلبسون الأكفان البيض قطعتين: إزار ورداء, ويشدون في أوساطهم السيوف ثم يخرجون في مواكب منظمة, تتقدمها مشاعل حمراء, وتتقدم كل موكب جوقة من أصحاب الطبول والصنوج والأبواق فيقرعون الطبول والصنوج, وينفخون في الأبواق, بقوة وعنف, ويهتفون من الصميم:((...حسين...حيدر...)) بطور حربي, تزلزل الأرض, فتقشعر لها الجلود, وتنتصب لها كل شعرة في جلد كل من يسمعها من قريب أو بعيد.
وتتجول المواكب أخريات الليل العاشر من المحرم, بين مراكزها, والعتبات أو الأماكن المقدسة, الموجودة في بلادها, حتى إذا لاح الفجر, وارتفع صوت الأذان خشعت الأصوات, فلا تسمع إلا همس المصلين. وإذا قرب طلوع الشمس تتجمع المواكب من جديد, فتصك الطبول والصنوج, وتزعق الأبواق, ويهتفون:((...حسين...حيدر...)) وتزلزل الأرض, وكذا فتهب المدينة عن بكرة أبيها,على الطامة الكبرى, وتزدلف الحشود على جوانب الطرق, التي تجوبها المواكب من مراكزها- وفي كربلاء المقدسة تخرج عادة من مبني"المخيم" منسابة إلى الأماكن المقدسة التي تنفض فيها, ثم لا ترى إلا السيوف التي تقطر الدم, والرؤوس المخضبة, والأكفان الحمراء, والدموع التي تتحادر بلا استئذان, ولا تسمع سوى دوي الطبول والصنوج, وعربدة الأبواق, وأصوات الهاتفين:((...حسين...حيدر...)) وعويل النساء, ونشيج الرجال, وتنقلب المدينة كلها ملحمة هادئة حزينة, يختلط فيها الدمع بالدم, وتتمزق القلوب أسفاً, على أنها لم تدرك الحسين فتنصره ثم تسلي نفسها بأنها لم تدرك شخصه لتنصره, فقد أدركت تاريخه لتنصره فيه, وتواسيه في المصاب, وتقاسمه المأساة. ثم يتفرق الناس وكل فرد بركان صغير, في صميمه النار, وفي قلبه ثورة وفي عقله عبر وعظات, لا تُمسح لو عصف بها الدهر كله, وتصببت عليها البحار.
وإنني أتصور أن الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام لو بعث لوجد في هذه المواكب أنصاراً, إن لم يكونوا كثيرين فإنهم لا يكونوا أقل من الأنصار الذي يجدهم في غير هذه المواكب.
وموكب التطبير أقدر موكب على إعادة ثورة الحسين إلى الحياة, لأن فيها كل ما في الحرب: الطبول, والصنوج, والأبواق والسيوف التي تقطر الدم, والرؤوس المخضبة والأكفان الحمراء... والهيجة التي يحدثها موكب التطبير لا يحدثها أي خطيب ولا موكب, حتى موكب التمثيل, لأن موكب التمثيل ولو كان أدق في استعراض المأساة, إلا أنه تعوزه الواقعية, فكل من ينظر إليها يعلم إنها تمثيلية لا واقع فيها, بينما يكون موكب التطبير غنياً بالواقعية, فها هي تلك السيوف التي تقطر الدم, والرؤوس المخضبة والأكفان الحمراء.
وهذه الواقعية الملموسة, هي التي توفق موكب التطبير لأن يجلب الدموع الغزار, أكثر من غيره, ويركز ثورة الحسين في الأعماق, أقوى من غيره.
وأما جواز التطبير على الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام, فهو جائز ذاتاً, ومستحب عرضاً, ولا يناقش فيه فقيه تأمل وتدبر, ولكن حيث وقعت حوله مناقشات بدوية نعمد فيه إلى شيء من التفضيل.
وقبل كل شيء لابد أن نوضح جانباً من عظمة فاجعة الطف:
فمأساة الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام, لم تكن من بقية المآسي, التي وردت على الأنبياء والأوصياء. فإن النبي والوصي والزهراء والزكي والتسعة من الأئمة من ذرية الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام, قتلوا بالسيف أو السم, وكثير من الأنبياء والأوصياء وخيار المؤمنين الصالحين, نشروا بالمناشير, أو قرضوا بالمقاريض, أو سلخت جلودهم, أو أحرقوا, أو طرحوا في الزيت المغلي, حتى تفرقت لحومهم وعظامهم.
فما بكا عليهم السماء والأرض كما بكت على الحسين عليه الصلاة والسلام, ولم يتغير الكون كما تغير على الحسين عليه الصلاة والسلام.
فلما قتل الحسين عليه الصلاة والسلام بكا كل شيء.
ففي أمالي الصدوق,عن العلل, عن ميثم التمار, عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام:"يبكي عليه كل شيء, حتى الوحوش في الفلوات, والحيتان في البحار, والطير في السماء, وتبكي عليه الشمس, والقمر, والنجوم, والسماء والأرض, ومؤمنوا الإنس والجن, وجميع الملائكة السماوات والأرضين, ورضوان, ومالك, وحملة العرش, وتمطر السماء دماً ورماداً...".

وروى الشيخ في الأمالي, عن الحسين بن أبي فاختة, عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام, إنه قال:"...إن أبا عبد الله عليه الصلاة والسلام لما قتل بكت عليه السماوات السبع, والأرضون السبع وما فيهن, وما بينهن, ومن تتقلب في الجنة والنار, وما يرى وما لا يرى...".
وفي جلاء العيون, عن أبي بصير, عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام:"إن الحسين عليه الصلاة والسلام, بكى لقتله السماء والأرض, واحمرتا ولم يبكيا على أحد قط, إلا على يحيى بن زكريا, والحسين بن علي".
وفي جلاء العيون أيضاً عن علي بن مسهر القرشي, قال:"حدثتني جدتي, أنها أدركت الحسين بن علي, حين قالت: فمكثنا ستة وتسعة أشهر, والسماء مثل العقلة, مثل الدم ما ترى الشمس".
وروى ابن شهر آشوب في المناقب, عن نظرة الأزدية, قالت:"لما قتل الحسين, مطرت السماء دماً, فأصبحت وكل شيء لنا ملاء دماً".
وعنها:"لما قتل الحسين, أمطرت السماء دماً, وحبابنا وجرارنا, صارت مملوءة دماً".
وعن طرفة بن عبد الله, قال:"أمطرت السماء يوماً نصف النهار, على شملة بيضاء, فنظرت فإذا هو دم, وذهبت الإبل لتشرب فإذا هو دم, فإذا اليوم الذي قتل فيه الحسين".
وعن أم سليم قالت:"لما قتل الحسين, مطرت السماء مطراً كالدم, احمرت منه البيوت والحيطان".
ومن خطبة العقيلة زينب في الكوفة:"...أفعجبتم إن مطرت السماء دماً. ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون".

وفي تاريخ ابن عساكر, والصواعق المحرقة لابن حجر: إن الدم مطر من السماء يوم قتل الحسين, صبغ البيوت والحيطان, وبقي أثره مدة طويلة.
وفي تاريخ ابن عساكر, والصواعق المحرقة لابن حجر لما قتل الحسين: لم يرفع حجر إلا وجد تحته دم عبيط.
وفي تاريخ ابن عساكر, والصواعق:"ولما دخل رأس الحسين إلى قصر الإمارة, سالت الحيطان دماً" وفي كامل ابن الأثير:"...وخرجت نار من بعض جدران قصر الإمارة, وقصدت عبيد الله بن زياد, فقال لمن حضر عنده: اكتمه, وولى هارباً..."
وفي الكامل:"..ومكث الناس شهرين أو ثلاثة, يرون الجدران ملطخة بالدم, ساعة تطلع الشمس, وعند غروبها".
وفي الكامل, والصواعق, وتاريخ ابن عساكر, وتذكرة الخواص, وعدد كبير من التواريخ والمقاتل جمل متفرقة أجمعها فيما يلي:
"ولما قتل الإمام الحسين, أظلمت الدنيا ثلاثة أيام, واسودت سواداً عظيماً, حتى ظن الناس: أن القيامة قامت, وبدت الكواكب نصف النهار, وأخذ بعضها يضرب بعضاً, ودامت الدنيا على هذا ثلاثة أيام". وفي تاريخ النسوي, عن الأسود بن قيس قال:"لما قتل الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام ارتفعت حمرة من قبل المشرق, وحمرة من قبل المغرب فكادتا تلتقيان في كبد السماء ستة أشهر"- إذ أنها لم تكن موجدة من قبل- وعن الثعلبي في تفسيره قوله تعالى:(فما بكت عليهم السماء والأرض) قال: إن الحمرة التي مع الشفق, لم تكن قبل قتل الحسين عليه الصلاة والسلام{ والله العظيم الحقيقة واضحة, بس مين اللي يتعظ}.
وقال السيد ابن طاووس:"...فلما قتل الحسين ارتفعت في السماء- في ذلك الوقت- غبرة شديدة سوداء مظلمة, فيها ريح حمراء لا ترى فيها عن ولا أثر, حتى ظن القوم: إن العذاب قد جاءهم, فلبثوا كذلك ساعة, ثم انجلت عنهم".
وفي جلاء العيون, عن الفتح بن عابد:" كنت في كل يوم أفتت الخبز لتأكله العصافير فتأكله, فلما كان يوم عاشوراء فتت لها الخبز فلم تأكله, فعلمت: إنها لم تأكله لعزائها على الحسين".
وفي الكامل, عن الحارث الأعور: قال علي عليه الصلاة والسلام:"بأبي وأمي الحسين, المقتول بظهر الكوفة, والله كأني أنظر الوحوش مادة أعناقها على قبره, من أنواع الوحوش, يبكونه ويرثونه ليلاً حتى الصباح, فإذا كان كذلك, فإياكم والجفاء".

وروى ابن قولويه في الكامل, عن رجل من أهل بيت المقدس, أنه قال:"والله لقد عرفنا أهل بيت المقدس ونواحيها عشية قتل الحسين بن علي قلت: وكيف ذلك؟ قال: ما رفعنا حجراً ولا مدراً ولا صخراً, إلا ورأينا تحتها دماً يغلي, واحمرت الحيطان كالعلق, ومطرنا ثلاثة أيام دماً عبيطاً".
وفي الكامل- أيضاً-:"وانكسفت الشمس ثلاثاً, ثم انجلت".
وروى الصدوق في الآمالي والعلل, عن جبلة المكية, عن ميثم التمار أنه قال:"...يا جبلة, إذا نظرت إلى الشمس حمراء, كأنها دم عبيط, فاعلمي: أن سيد الشهداء الحسين قد قتل. قالت جبلة: فخرجت ذات يوم, فرأيت الشمس على الحيطان, كأنها الملاحف المعصفرة, فصحت وبكيت, وقلت قد والله قتل سيدنا الحسين".
وفي الصواعق المحرقة, والمقتل للخوارزمي, والكواكب الدرية, والإتحاف, وتاريخ الخلفاء, ومجمع الزوائد وكثير من المقاتل:
"...ولما قتل الحسين, انكسفت الشمس, حتى لم ير لها نور...".
وذكر أبو نعيم الحافظ, في كتاب دلائل النبوة:"..مما ظهر يوم قتله:(الحسين) من الآيات- أيضاً- أن السماء اسودت اسوداداً عظيماً, حتى رؤيت النجوم نهاراً...".
ودلالة هذه التواريخ والروايات, على كسوف الشمس لقتل الإمام الحسن عليه الصلاة والسلام واضحة صريحة, غير أن هناك من يشق عليه أن يعترف بعظمة الإمام الحسين, إلى هذا الحد, الذي يؤثر على الأجرام السماوية, ولكنه يهاب المسلمين أن يصارحهم بضعف عقيدته, -{وأنا أعلم إنك مو منهم أخي الكريم ألفا- بيتا}}- فيقول: إن الشمس لا تكسف لموت إنسان. ويستدل لرأيه برواية هي:
روي عن علي بن عبد الله, قال سمعت أبا الحسن موسى عليه الصلاة والسلام يقول:"لما قبض إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله جرت فيه ثلاث سنن, أما واحدة, إنه لما مات انكسفت الشمس, فقال الناس: انكسفت الشمس لفقد ابن رسول الله صلى الله عليه وآله.
فصعد رسول الله المنبر فحد الله وأثنى عليه, ثم قال: أيها الناس, إن الشمس والقمر آياتان من آيات الله, يجريان بأمره مطيعان, لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته, فإذا انكسفتا أو واحدة منهما فصلوا, ثم نزل فصلى بالناس صلاة الكسوف, فلما سلم, قال: يا علي قم, فجهز ابني, فقام علي فسل إبراهيم, وحنطه وكفنه, ثم خرج به, فمضى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى انتهى به إلى قبره, فقال الناس: إن رسول الله نسي أن يصلي على إبراهيم, لما دخله من الجزع عليه, فانتصب قائماً, ثم قال: أيها الناس, أتاني جبريل بما قلتم, زعمتم: إني نسيت أن أصلي على ابني, لما دخلني من الجزع, ألا وإنه ليس كما ظننتم, ولكن اللطيف الخبير, فرض عليكم خمس صلوات, وجعل لموتاكم من كل صلاة تكبيرة, وأمرني أن لا أصلي إلا على من صلى.."
وأكثر الظن: إن هذه الرواية موضوعة لأمور:
1- معارضة صدره للأخبار والتواريخ الكثيرة, التي تدل على انكساف الشمس لقتل الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام, وقد سبق بعضها ومعارضته لخطبة الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام, في وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله, حيث يقول فيها:"..وكسفت الشمس لموته...".
2- معرضة ذيله للأحاديث الدالة على أن النبي صلى الله عليه وآله صلى بنفسه على إبراهيم كصحيحة عبد الله بن بكير التي رواها الشيخ في التهذيب, عن عبد الله بن بكير, عن قدامة بن زائدة. قال: سمعت أبا جعفر عليه الصلاة والسلام, يقول:"إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, صلى على ابنه إبراهيم, فكبر خمساً".
3- موافقة ذيله للعامة, حيث أنهم لا يصلون إلا على من عقل الصلاة فيما الخاصة يصلون على كل مولود, وعليه أحاديث كما في الحدائق عن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عليه الصلاة والسلام,:"لكم يصلي على الصبي, إذا بلغ من السنين والشهور قال: يصلي عليه على كل حال, إلا أن يسقط لغير تمام". وما عن السكوني, عن جعفر عليه الصلاة والسلام, عن آبائه, قال:"يصلي على الصبي ويورث, إذا سقط من بطن أمه فاستهل...".
4- إعراض المشهور منه, وتمسكهم بالأخبار المعارضة له وإعراض المشهور يوجب وهن الحديث.
وعلى أي حال, فأكثر الظن إن هذه الرواية موضوعة, قد وضعها دعاة بني أمية, الذين شق عليهم انكساف الشمس لمقتل الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام, فذهبوا يكذبون على رسول الله لجحد عظمة أبنائه, وإطفاء نوره, وقد أبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المعاندون.
وفي عديد من الأخبار, دلالة على محبوبية, مشاطرة الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام, في كافة مصائبه, من الحزن والخوف, والجوع والعطش وغيرها. فيستحب صوم عاشوراء من الصباح حتى ما بعد العصر, مشاطرة للإمام الحسين عليه الصلاة والسلام, في جوعه وعطشه, مع العلم إن هذا الإمساك ليس صوماً, لأن الصوم لابد أن يبتدأ من الفجر حتى المغرب, وإنما هو مشاطرة للحسين عليه الصلاة والسلام, في جوعه وعطشه يوم عاشوراء وقد دعى الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام, لمن يقوم بهذه المشاطرة قائلاً:"...رحم الله شيعتنا, لقد شاركونا بطول الحزن والحسرة, وبالامتناع عن الطعام والشراب, إلى ما بعد العصر بساعة"ولو كان صوماً لكان مكروهاً, لما ورد في الكافي, في الصحيح عن الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام: أنه سئل عن صوم تاسوعا وعاشوراء فقال:"...وأما يوم عاشوراء, فيوم أصيب فيه الحسين عليه الصلاة والسلام صريعاً بين أصحابه, وأصحابه صرعى, أفصوم يكون ذلك اليوم؟ كلا ورب البيت الحرام, ما هو يوم صوم وما هو إلا يوم خوف ومصيبة دخلت على أهل السماء وأهل الأرض, وجميع المؤمنين, ويوم فرح وسرور لابن مرجانة, وآل زياد, وأهل الشام.."{ليست سنة مؤكدة}.
إذن فلا صوم في يوم عاشوراء, وإنما تستحب مشاطرة الحسين عليه الصلاة والسلام في مصابه, وإن الأئمة عليهم الصلاة والسلام, كانوا يشاطرون جدهم الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام, فلا يشربون الماء في يوم عاشوراء.
وقد شاطرته من قبله أغنام النبي إسماعيل عليه الصلاة والسلام- لقد ثبت في العلم الحديث أن الحيوان يدرك بعض الأشياء, مما لا يدركه الإنسان, انظر كتاب((الحيوان))- ففي حديث أن أحد الرعاة كان يرعى قطيعاً لإسماعيل, على ضفاف الفرات, فأخبره- يوماً- بأن الأغنام منذ أيام لا ترعى ولا تنهل, فناجى إسماعيل ربه في شأنها فنزل جبريل, وقال: يا إسماعيل اسأل الأغنام عن سبب امتناعها عن الرعي والنهل. فسألها إسماعيل عليه الصلاة والسلام, فأجابت: بأن في هذه الأرض يذبح ابنك: كبد رسول الله, الحسين عطشاناً, ونحن لا نشرب الماء, حتى نواسيه في عطشه.
وحتى فرس الحسين عليه الصلاة والسلام, شاطره في عطشه, ففي المقاتل: أن الحسين لما اقتحم فرسه على الماء, رفع الجواد رأسه, وأبى أن يشرب الماء قبل الحسين عليه الصلاة والسلام.
وقد شاطره في عطشه- قبل استشهاده- ابن عمه مسلم بن عقيل- من حيث يعلم أو لا يعلم- ففي عامة المقاتل:"...ولما أتى بمسلم بن عقيل إلى دار الإمارة, طلب الماء, فأتي به, فكلما أراد أن يشرب, امتلأ القدح دماً-من الجرح الذي أصاب فمه- وفي الثالثة ذهب ليشرب, فامتلأ القدح دماً, وسقطت في ثناياه, فتركه وقال:"لو كان من الرزق المقسوم لشربته".
وإن أبا الفضل العباس عليه الصلاة والسلام, لما خاض الشريعة, وأخذ كفاً من الماء ليشرب تذكر عطش أخيه الحسين عليه الصلاة والسلام, نفض الماء من يده, مواساة للحسين, استحق أن يقف الأئمة عليهم الصلاة والسلام, وشيعتهم خاشعين أمام قبره إلى يوم القيامة, ليرددوا:"...فنعم الأخ المواسي لأخيه...".
وهل تستكثر على أبي الفضل مواساته لأخيه في عطشه, وقد ذكر الشيخ هادي الخراساني النجفي, في كتابه:((عدة الشهور)) إن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام- عند وفاته- دعى العباس, فضمه إليه, وقبل عينيه, وأوصاه وأخذ عليه العهد: أنه إذا ملك الماء يوم الطف, أن لا يذوق منه قطرة وأخوه الحسين عطشان.
{أقول لك: حلفت أتبرى من روحي لون رادت من أهل البيت تتبرى
حلفت أمشي اعلى سكتهم لو اتقطعت في حبهم ألف مرى }
وكيف يشرب أبو الفضل الماء, ومن جفاء المؤمن أن يروى وهو ظمآن, ففي الكافي, روى معلي بن خنيس عن الصادق عليه الصلاة والسلام- في تعداد حق المؤمن من أخيه المؤمن-:((...والخامس: أن لا تشبع ويجوع, ولا تروى ويظمأ, ولا تلبس ويعرى)).
ولقد تعود المسلمون الإيثار في ساعة العسرة- كما وصفهم القرآن بقوله:"...ويؤثرون على أنفسهم, ولو كان بهم خصاصة.."/الحشر, والدليل على ذلك في غزوة بدر عندما سقط عشرة من المسلمين, فحمل أحدهم الماء إلى أول صريع, فآثر صاحبه, وهكذا, حتى قضوا صرعى, وقد أصر كل واحد على أن لا يشرب الماء دون أصحابه.

ويظهر من بعض الأحاديث أن الله أحب مواساة الحسين عليه الصلاة والسلام في مصائبه, فأشرك بعض أنبيائه في بعضها.
فإن سفينة نوح عليه الصلاة والسلام لما وصلت إلى كربلاء, جاءها موج فاضطربت, حتى كادت تغرق, فنزل جبرئيل وقال: يا نوح, إن هذه أرض يقتل فيها سبط نبي آخر الزمان, وابن خير الأوصياء.
وإن سليمان عليه الصلاة والسلام كان على بساط الريح يجوب الآفاق, تجري به الريح رخاءً حيث أصاب, إذ وصل إلى كربلاء, فطافت به الريح حول نفسه ثلاثاً, ولما عاتب سليمان الريح, أجابت: بأن في هذا المكان, يقتل سبط محمد المختار.
وهكذا أشرك الله نوحاً وسليمان في أهوال هذه الأرض, مع السبط الشهيد. كما أشرك الله عدداً من الأنبياء مع الحسين في إسالة دمائهم على تربة كربلاء.
ففي أخبار معتبرة: أن آدم لما وصل إلى كربلاء, وبلغ مقتل الحسين, عثر بصخرة فجرى الدم من قدمه, ثم أوحى الله إليه: إن في هذه الأرض سيقتل ولدك الحسين, فأردت أن تشاركه في الألم والحزن, ويراق دمك عليها, كما يراق عليها دمه.
وإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام, كان يوماً راكباً جواده, ماراً بصحراء كربلاء, إذ كبا فرسه, وانقلب على الأرض, فأصيب رأسه بصخرة, وجرى منه الدم فبدأ إبراهيم بالاستغفار, وقال: يا رب أي ذنب صدر مني, حتى استوجبت التأديب, فنزل جبريل وقال: يا إبراهيم, لم يصدر منك ذنب, ولكنه موضع يقتل فيه سبط محمد المصطفى, ونجل علي المرتضى ظلماً وجوراً, فأراد الله أن تواسيه, ويراق دمك فيه.
وإن موسى بن عمران, مر بصحراء كربلاء, مع وصيه يوشع بن نون, فلما دخلها, انقطع شسع نعله, وأدمت الأشواك قدمه, فسأل الله عن سبب ذلك, فأوحى الله إليه: إن في هذه الأرض, يراق دم عبدي الحسين, فأردت أن يراق دمك فيها.

ففي مجموع هذه الأخبار, دلالة على أن مصيبة الحسين عليه الصلاة والسلام لم تكن كباقي مصائب الأولين والآخرين, بل كانت مصيبة, فجع بها كل ما خلق الله, مما يرى وما لا يرى, وأصابت الناس والحيوانات والجمادات, وبكته الأرض والسماء, وسرت المصيبة إلى الآخرة, فبكى لها رضوان ومالك: ولطمت الحور العين, وبكى كل من تقلب في الجنة والنار. وندب عليها الأنبياء والأوصياء قبل ميلاده وأقيمت له المآتم يوم ولادته. فلابد أن يقام لها مقياس آخر, غير مقياس بقية المصائب, مهما عظمت وعظم من يصاب بها.
فهذه الأخبار- وحدها- كفاية للدلالة على رجحان التطبير, مواساة للحسين وأصحابه.
وفي لحديث:"أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما استوحش من عدم البكاء على عمه حمزة, اجتمع نساء الأنصار يبكين على باب المسجد, وقد ذهب ثلث الليل, فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله ورآهن يبكين ويندبن عمه, قال لهن:"أرجعن, رحمكن الله لقد واسيتن معي". وقد ورد في البكاء, إنه إسعاد للزهراء, وصلة لرسول الله, وأداء لحقه وحقوق الأئمة, ونصرة للحسين وأسوة بالأنبياء والأئمة والملائكة.
وإذا كان بكاء أحد على ميت, مواساة لأهله, وإسقاطاً لحقوقهم, لأنه من مظاهر الحزن عليه, فإن الدماء- الذي هو أظهر مصاديق الجزع- أولى بأن يكون أسوة ومواساة, ومشمولاً بالحديث, الذي رواه السيد ابن طاووس, في كتابه((المقتل) عن الإمام السجاد:"...أيما مؤمن, مسه أذى فينا صرف الله عن وجهه الأذى يوم القيامة, وآمنه من النار".
ويدل على جواز التطبير أمور:
1. أصل الإباحة, المحكم عند عدم وجدان نص على الخلاف, وليس في المصادر الفقهية الموجودة بأيدينا, دليل على حرمة الجرح والإدماء.
2. صدور الإدماء من بعض أهل بيت الحسين وتقري الإمام زين العابدين ففي الخبر المصحح: أن زينب الكبرى لما رأت في الكوفة رأس أخيها على رأس رمح,<نطحت جبينها بمقدم المحمل, حتى سال دمها>, وكان في وسع الإمام السجاد عليه الصلاة والسلام أن ينهاها عن هذه العملية, ولكنه لم ينهها, وعدم نهيه دليل على موافقته.
3. ورود الأدلة بجواز خمش الوجوه, في مصيبة الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام,وخمش الوجه يلازم الدماء, فإذا جاز خمش الوجه, فقد جاز الإدماء.
فقد ورد عن الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام في حديث موثق إنه قال:"...على مثل الحسين: فلتشق الجيوب, ولتخمش الوجوه, ولتلطم الخدود...".
4. صدور الإدماء من الإمام زين العابدين عليه الصلاة والسلام, فقد روى المجلسي في البحار وفي جلاء العيون:"إن الإمام زين العابدين عليه الصلاة والسلام, إذا أخذ إناء ليشرب, يبكي حتى يملأه دماً", وإذا جاز إدماء العيون, التي هي أهم وأرق الأعضاء فقد جاز التطبير بطريق أولى.
والبكاء بدل الدمع دماً, قسمان:
القسم الأول: أن تشتد حرارة الباكي, وتتدفق دموعه حتى تمزق الشرايين الرقيقة في الأجفان, فيهمي منها الدم.
القسم الثاني: أن ينشج الباكي بالبكاء, وتتدفق دموعه, حتى لا تتاح الفرصة للدم, حتى ينقلب دمعاً, لأن الدمع هو بخار الدم, فإذا قلت الرطوبة وكثر البكاء أو أسرع البكاء أكثر من قابلية تبخر رطوبات الدم فإن الدم نفسه يجري من عروق الأجفان.
5. صدور الإدماء من الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف, كما في زيارة الناحية:"...ولأبكين عليك بدل الدموع دماً..".
6. صدور الإدماء من عدد من المعصومين عليهم الصلاة والسلام, ففي آمالي الصدوق, عن إبراهيم بن أبي محمود, عن الإمام الرضا عليه الصلاة والسلام إنه قال:"...إن يوم الحسين أقرح جفوننا...".
7. تحبيب الأئمة الجزع على الحسين عليه الصلاة والسلام, فقد روى الشيخ في المصابيح مسنداً عن أبي جعفر عليه الصلاة والسلام فيمن يزور الحسين عن بعد في عاشوراء:"وليقم من داره المصيبة, بإظهار الجزع عليه", وقد جزع الإمام السجاد يوم الحادي عشر كما في كامل الزيارات, من قوله عليه الصلاة والسلام لعمته:"...وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى أبي وعمومتي, وولد عمي صرعى لا يوارون". وقد مدح الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام مسمع كردين بقوله:"أما إنك من الذين يعدون من أهل الجزع لنا".
والجزع ضد الصبر, وليس التطبير إلا من أهون معاني الجزع.
8. استحباب الإدماء في كثير من الموارد في الشريعة, كالحجامة, ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله:"ما مررت بملك من الملائكة –ليلة المعراج- إلا وأوصاني بحب علي بن أبي طالب والحجامة.." وكثقب أذن الغلام, ففي خبر سعدة بن صدقة:"إن ثقب أذن الغلام من السنة", وكخرم أنوف النساء للخزائم. وغير ذلك من الموارد الكثيرة التي يجدها المتتبع في غضون الفقه.
ولو كان الإدماء حراماً ذاتاً لم يكن مجال لتقدم الاستحباب عليه.
إذن فالتطبير مباح ذاتاً, ومستحب تأسياً بالحسين ومواساة له عليه الصلاة والسلام.

وكل ما سبق, كان استدلالاً فقهياً على جواز التطبير, وهنا لك دليل غير فقهي, لا يدل على جواز التطبير فحسب, ولا يدل على تقدير الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام, لكل من يتطبر بغض النظر عن جميع خصوصياته فقط, وإنما يدل على وجود نوع من المعجزة فيه, فإن الضرب القاسي, بالسيف المسلول, على الرأس المحلوق ونزول السيف حتى العظم لا بد أن يقضي على الإنسان, كما يؤكده الطب القديم والحديث, ونحن نرى ألوف المتطبرين يطبرون صباحاً, ثم ينظمون أنفسهم في مواكب, تطوف- في كربلاء- من المخيم إلى حرم الإمام لحسين عليه الصلاة والسلام, ومنه إلى حرم العباس عليه الصلاة والسلام, ثم تعود إلى حمام المخيم, وتطوف بقية البلاد أكثر من مسافة ميل في لفح الصيف وعواصف الشتاء, وعندما يدخلون الحمام يغسلون رؤوسهم بلا مبالاة طبية, ثم يخرجون ويشتركون في مواكب اللطم والسلاسل حتى الليل, ولا يصاب أحدهم بمكروه ولئن سقط أحدهم حين الضرب, لكثرة نزف الدماء ويغلب الضعف عليه, فسرعان ما ينهض, ويواصل دوره في موكب التطبير, وبقية المواكب. وإنني شخصياً لم أسمع برجل سقط فمات, إلا وتتبعته فإذا به يمشي في الشوارع, ويلعن أعداءه الذين أشاعه موته كذباً.
يقول الإمام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء, في كتابه:((الآيات البينات)):"لا ريب أن جرح الإنسان نفسه وإخراج دمه بيده في حد نفسه من المباحات الأصلية, ولكنه قد يجب تارة ويحرم أخرى, وليس وجوبه أو حرمته إلا بالعناوين الثانوية الطارئة عليه وبالجهات والاعتبارات فيجب كما لو توقفت الصحة على إخراجه كما في الفصد والحجامة, وقد يحرم كما لو كان موجباً للضرر والخطر من مرض أو موت, وقد تعرض له جهة تحسنه ولا توجبه.
وناهيك بقصد مواساة أهل الإباء, وخامس أصحاب العباء, وسبعين باسل من صحبه وذويه حسبك بقصد مواساتهم, وإظهار التفجع بتلهف عليهم وتمثيل شبح من حالتهم مجسمة أمام عيون محبيهم ناهيك بهذه الغايات والمقاصد جهات محسنة, وغايات شريفة".
"أما ترتيب الضرر أحياناً بنزف الدم المؤدي إلى الموت أو إلى المرض المقتضي لتحريمه فذاك كلام لا ينبغي أن يصدر من ذي لب فضلاً عن فقيه أو متفقه".
"أما أولاً: في كل سنة تقام نصب أعيننا تلك المحاشد الدموية وما رأينا شخصاً مات بها أو تضرر ولا سمنا بها في الغابرين"
"وأما ثانيا: فتلك الأمور على فرض حصولها إنما هي عوارض وقتية ونوادر شخصية لا يمكن ضبطها ولا جعلها مناطاً لحكم أو ملاكاً لقاعدة, وليس على الفقيه إلا بيان الأحكام الكلية أما الجزيئات فليست من شأن الفقيه ولا من وظيفته, والذي علينا أن نقول: إن كل من يخاف الضرر على نفسه من عمل من الأعمال يحرم عليه ارتكاب ذلك العمل.."
والواقع: أن وجود هذه المعجزة البينة, وفي موكب التطبير يكشف عن أن الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام, يوليه عناية خاصة وكفاه دليلاً على الرجحان.

ولكن ما هو الإسلام؟ هل هو الذي تشاؤه مصالح الأفراد والجماعات؟ أم هو الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله لإنقاذ الناس من الظلمات والويلات؟
ولئن كان الثاني فإن الإسلام ليس سوى التشيع والتشيع ليس سوى الإسلام, والإسلام والتشيع اسمان مترادفان لحقيقة واحدة أنزلها الله وبشر بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. أو ليس الله تعالى هو الذي أنزل قوله:"ياأيها الرسول, بلغ ما أنزل إليك من ربك, وإن لم تفعل فما بلغت رسالته, والله يعصمك من الناس, إن الله لا يهدي القوم الكافرين"-المائدة,71, أو لم يكن النبي صلى الله عليه وآله هو الذي رفع علياً يوم الغدير بين عشرات الألوف من المسلمين قائلاً:(من كنت مولاه فهذا علي مولاه)؟ ثم أمر الناس بمبايعته والسلام عليه بإمرة المؤمنين.
إذن, فالرسول بشر بالتشيع يوم قال:<قولوا لا إله إلا الله تفلحوا> ولكنه بدأ من القاعدة"يوم حراء" وبلغ القمة"يوم الغدير" غير أن التشيع أصبح في خطر بمصرع علي بن أبي طالب عليه السلام, وهاج الطوفان يوم دخل معاوية الكوفة, وانتشر الخوارج هنا وهناك, يركزون قواعدهم على بغض أمير المؤمنين عليه السلام حتى حفر الحجاج عشرين ألف قبر في ظهر الكوفة بحثاً عن جسد الإمام عليه السلام. وبلغ الطوفان ذروته يوم اعتلى يزيد بن معاوية منبر رسول الله, وتربع على عرش الخلافة, ليعاقر الخمر ويلاعب القرود.
ويزيد مخلوق لم يخرج على سنن الخلافة فحسب, وإنما خرج على سنن البشرية أيضاً, حتى قال فيه عبد الله بن حنظلة:"والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء". فقد كان نهماً بالدماء والأعراض, ولوعاً بالصيد وتربية الحيوانات حتى رشحته صفاته لسياسة اصطبل لا لخلافة المسلمين, وأصبحت شهوته بترويض الكلاب والقردة مهزلة تجعله جديراً برئاسة الباطلين من القرادين والفهادين, لا لقيادة أمة فتية تضرب بأجنحتها في طبقات السحاب. وكان له قرد يدعوه"أبا قيس" فيلبسه الحرير المطرز بالذهب والفضة, و...وقد شجعه في إحدى مسابقاته بقوله:
تمسك أبا قيس بفضل عنانها فليس عليها أن سقطت ضمان
إلا من رأى القرد الذي سبقت به - جياد أمير المؤمنين- أتان
وفي مثل هذا الوضع المتأزم لم يكن للإمام الحسين عليه السلام إلا استخدام صلاحياته, واستعمال حقه في الثورة, حيث لم يبق أمل للإصلاح في ظل حكومته, بالفعل كاد أن يقضي على التشيع, لو لا أن تداركه الإمام بثورته العارمة, التي كانت لغماً جباراً, نسف فأضاء العالم, وخبط الحكم الأموي فانهار, وأخذ التشيع يرتعش تحت الشمس, ويتحفز للوثوب. فحق القول: بأن التشيع الحسيني. وإذا كان الإسلام علوياً والتشيع حسينياً, يصح أن يقال بأن الإسلام الذي بذره محمد صلى الله عليه وآله, أحاطه علي وغذّاه الحسين, حتى كمل واستقام.
وكما أن كيان الإسلام, كما يحتاج إلى جهود محمد وعلي والحسين حتى يستقيم, كذلك الإسلام لا يكمل في قلب ليس فيه محمد وعلي والحسين معاً, لأن تعاليم محمد إنشائية, وتعاليم علي تربوية, وتعاليم الحسين أمدادية, فلا يكمل إسلام عبد ليس له حبل ولاء خاص بالنبي والوصي والسبط الشهيد عليهم السلام.
فالنفر الذين أدركوهم قد فازوا, وأما الأجيال المتأخرة, التي لم تدركهم, فلا بد أن تعيش بامتداد تلك الشخصيات الواسعة, فأما امتداد الرسول ففي قرآنه وآثاره وذكرياته, وأما امتداد علي ففي نهجه وبطولاته وموافقة, وأما امتداد الحسين فبماذا يكون؟ لا بد أن يكون امتداد الحسين أصعب من امتداد النبي والوصي, لأن دور الحسين كان دور ثورة, وامتداد الثورة يحتاج إلى إحياء الثورة بكل أبعادها.فالواقع أنه لا يمكن امتدادها الحقيقي إلا بمجموع ما يفعله الشيعة في بلادهم أيام العشرة الأولى من شهر محرم الحرام, من المآتم الكثيرة الخاصة والعامة, ولبس السواد, وتسير مواكب اللدم والسلاسل, والتطبير والتمثيل. وكل ما يطور الحياة الطبيعية, ويعقد عليها جو الملحمة الذي يعيد إلى الأذهان واقع الثورة, فهذه المجموعة المتعارفة من المظاهر والتظاهرات والشعارات, هي التي تستطيع نقلنا من أجوائنا المختلفة إلى جو الثورة التي عاشها الإمام الحسين عليه السلام في معركة كربلاء.
وثورة الإمام الحسين عليه السلام ثورة نادرة. امتازت بها الأمة الإسلامية دون سائر الأمم. ولو كانت لبقية الأمم لاستدرت منها طاقات تؤهلها للسيطرة على الأرض, ولكن الأمة الإسلامية تبخسها لهبوط مستوى الوعي في قيادتها.
فثورة الإمام الحسين عليه السلام أعظم أمانة امتحنت بها الأمة الإسلامية. فحافظت عليها بالضحايا الكثار, حتى تناقلتها أجيال الأمس وسلمتها إلى هذا الجيل الملغوم, فيجب على هذا الجيل أن يحافظ عليها بجميع إمكاناته لتسليمه إلى أجيال الغد.
وأما ترك الشعائر الدينية لضحك الأعداء منها فهذا يكشف عن انهزامية بالغة في نفوس هؤلاء الحزبيين, فهل ضحك الأعداء يبرر التخلف عن ديننا وشعائرنا؟ ولقد كان الجاهلون والمنافقون ألذع سخرية وأكثر ضحكاً من الإسلام, غير أن النبي العظيم لم يعر سخريتهم من الاهتمام ما كان يعيرها لطنين الذباب فمضى في سبيله لا يلويه شيء حتى انتصر, وألقى القرآن ضوءاً على واقعهم بقوله:"وإذا لقوا الذين آمنوا, قالوا: آمنا, وإذا خلوا إلى شياطينهم, قالوا: إنا معكم, إنما نحن مستهزؤون* الله يستهزء بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون"- البقرة,14-15.ولقد سخر اليهود بالآذان وسخر المشركون بالسجود, فلم تثن من عزم المسلمين شيئاً, وحيث أن أعداء التشيع ما ملكوا منذ اليوم الأول سلاحاً من العقل والدين لمحاربة التشيع, لم يجدوا بداً من التوسل بالاستهزاء- الذي هو سلاح المبطلين- لمطاردة التشيع, غير أن الحق الذي مثله التشيع أقوى من أن يهزمه الاستهزاء, وكان الشيعة أصلب من أن ينال منهم الحديد والنار, فكيف بالاستهزاء, وكان أئمتهم يشجعون على هذا الصمود, وقد دعى عليهم الإمام الصادق عليه السلام بقوله:(... اللهم إن أعداءنا عابوا علينا خروجهم إلينا فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا خلافاً منهم على خلافنا". وقد دعى النبي صلى الله عليه وآله على من يستهزئ بالشيعة على إقامة شعائرهم في حديثه لأمير المؤمنين عليه السلام قائلاً:"..وإن حثالة من الناس يعيرون زوّار قبوركم كما تعيّرن زوّار قبوركم كما تعيّر الزانية بزناها, أولئك شرار أمتي لا أنا لهم الله شفاعتي يوم القيامة".
ولكن, ما ضرّ الذين يقيمون شعائر دينهم أن يسخر منهم الجاهلون ما داموا يعلمون أنهم على حق وأن أعداءهم على باطل ولقد شكوا عند الإمام الصادق عليه السلام استهزاء الأعداء بهم فقال- مهدءاً روعهم-:"والله لحظهم أخطأوا, وعن ثواب الله راغوا, وعن جوار محمد تباعدوا" وقال له ذريح المحاربي: إني إذا ذكرت فضل زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام, هزأ بي ولدي وأقاربي, فقال عليه السلام:"يا ذريح دع الناس يذهبون حيث شاءوا, وكن معنا".
وما قيمة الاستهزاء, حتى يميل الإنسان عن خطه الصائب من أجله؟ وما قيمة المستهزئين أنفسهم حتى يعير لهم الإنسان اهتماماً؟ بالإضافة إلى أن موقفنا من الشعائر الحسينية يتركز على قاعدة فكرية وطيدة, ليس لنا الانحراف عنها, وإن تظاهرت قوى العالم ضدها,صحيح أن علينا أن نكف ضحك الأعداء عنا, ولكن بماذا يجب أن نكف ضحكهم عنا, أبتخلينا عن واقعنا أو باستعراض فضائحهم حتى ينكمشوا على مخازيهم ولا يتطاولوا على مقدساتنا؟, وبعد هذا وذاك, إن الأعداء يتربصون بنا, فيشجعون التوافه ويضحكون على العظائم, حتى نترك العظائم ونعيش التوافه, فالأعداء عندما يضحكون لا يضحكون أبداً على نقاط الضعف لأنهم لا يخافون منها, وإنما يضحكون دائماً على نقاط القوة لأنهم يهابونها, فيحاولون القضاء عليها, فعلينا أن لا نلتفت مطلقاً إلى ما يفعله الأعداء{وإن شاء الله ما تكون من أعداءنا}.
إحياء ذكرى النبي(ص):
ويقولون: لماذا لا تحيون ذكر النبي(ص) كما تحيون ذكرى الحسين؟ يا ترى هل نحن مع الحسين نعيش خطاً مضاداً للنبي(ص).
إننا حين نبكي على الحسين(ع) نبكي على فلذة كبد الزهراء بضعته العزيزة عنده, إننا بذلك نواسي رسول الله(ص) أيضاً.
وثانيةً: إننا نحتفل أيضاً بذكرى النبي(ص) سواء في ولادته أو بعثته أو وفاته, ولا نتنكر لجميل أعظم إنسان ضمه هذا الكوكب؛ وهو محمد(ص) كما تنكر الآخرون الذين حرموا الاحتفال بذكرى مولده الشريف, ونفرح كذلك ونحزن في ذكرى ولادة علي(ع) بطل الإسلام الأول ووفاته.
ونحن نعتقد أنه ليس هناك بعد رسول الله من هو أفضل من علي بن أبي طالب(ع), ومع ذلك فإن الميدان الأول لمجالسنا واحتفالاتنا هو عاشوراء.
والسبب في ذلك هو عظمة مأساة الحسين(ع) التي تفرض نفسها على الضمائر فرضاً, والصراع الدموي العنيف بين الحق والباطل الذي يهز الإنسان في أعماقه, ذلكم الصراع الذي أنقذ الإسلام من محنته الثانية, وهي محنة الانحراف ومحنة العدو والمبرقع بالإسلام؛ وهم بنو أمية. ولعلك معي في أن خطر هؤلاء كان أشد على الإسلام من خطر الكفر الصريح, فهذا هو الذي يجعلنا على قناعة بأن إحياء ذكرى الحسين(ع) هي إحياء لذكرى الرسول(ص) وعلي(ع) والحسن(ع) وكل مجاهد في هذا الطريق.
فإن إحياء ذكرى الفرع لا يعني إهمال الأصل؛ بل هو إحياء للأصل أيضاً.
التقية- تحدثت سابقاً عنها ولكن بالقليل-
ووصفوني بالدجل والكذب, وعابوا علي استعمال (التقية).
وقلت لهم: مالذي تعيبونه علي؟ هل تعيبون علي التزامي بمبدأ الفطرة والعقل؛ فهما اللذان يقضيان بتجنب الإنسان الضرر والخطر على نفسه وعرضه ماله عندما يكون العدو شرساً وعندما لا تكون فائدة من المواجهة, وعندما يواجه الإنسان خطر الفناء والإبادة.
العقل هو الذي يقضي بحسن المجاملة والمداراة مع من لا يلتزمون بآرائك في الحياة وتجنب الزاوية الحادة معهم؛ وذلك للحفاظ على الألفة والمحبة مع أناس يجهلونك(فالناس أعداء ما جهلوا).
فالمداراة والألفة مع الناس حسنة ومحمودة عند الله إذا خفت من إظهار عقيدتك للآخرين على نفسك أو على الوحدة والمحبة بينكم أن تنهار, وحين لا تطمئن بقدرة تأثيرك في الآخرين. هل تعيبون علي إلتزامي بمبدأ قرره الإسلام قي قصة عمار بن ياسر(إلا من أكره وقلبه مطمئن في الإيمان)- النحل,106- (إلا أن تتقوا منهم تقية)؟- آل عمران,28- إنما يجب أن تعيبوا على أولئك الذين ألجأوني إلى التقية فأغلقوا علي منافذ الحرية وحرموني نسيم الحياة. إنما يجب أن تنعوا على الحكام الأمويين والعباسيين الذين حاربوا شيعة آل محمد دونما هوادة إلى حيث يقول الكميت:


ألم ترني من حب آل محمد أروح وأغدو بينهم أترقب

فطائفة قد كفرتني بحبهم وطائفة قالوا مسيء ومكذبي


ويقول دعبل الخزاعي:


مشردون نفوا من عقر دارهم كأنهم قد جنوا ما ليس يقتفر

ودع عني ذلك؛ فالحديث ذو شجون.
والذي عرفته من مبدأ الشيعة؛ تسويغ استعمال هذا المبدأ العقلي القرآني لحفظ النفس والمال الخطر والعرض أمام أي خطر, ولا أعتقد إن إنسان ذا مسكة يختلف مع الشيعة في ذلك.
فالكذب في الإسلام محرم, ويبالغ الشيعة في حرمة الكذب؛ فيجعلون الكذب على الله ورسوله من المفطرات لصيام شهر رمضان.
لكن هذا الكذب قد يكون واجباً؛ وذلك من أجل حفظ إنسان بريء من القتل ظلماً وعدوناً, فليس كل كذب بمذموم ولا كل صدق بمحمود وإنما الشريعة هي التي تقرر ذلك, وهكذا كان تشريع استعمال التقية.
التقية في أصلها مبدأ عقلاني, وجاءت الشريعة لتدعم هذا المبدأ ولتشرح موارده.
فقد يحكم العقل باتقاء الخطر في كل الموارد, لكن الشريعة تدخلت فشذبت هذا المبدأ وهذبته, واستثنت موارد لعدم وجوب التقية أو حرمتها مثلاً.
لا إطلاق في استعمال التقية
ومنها فلا إطلاق في استعمال مبدأ(التقية) عند الشيعة, فقد قسم الفقهاء التقية إلى الأحكام الخمسة في رسائل ألفوها لهذا الغرض, وقد أقر النبي(ص) موقف رجلين؛ أحدهما اتقى فسلم, والثاني تحدى فقتل, فقال: كان أحدهما فقيهاً في دينه, والثاني أسرع إلى الجنة, مما يدل على كان تخييرياً في ممارسة التقية, وقد تحرم التقية ويقتضي الموقف التضحية بالنفس من أجل إعزاز العقيدة وتقوية جانب المنتمين إليها, وقد حوى تاريخ الشيعة على الفريقين, فالأكثرية وهم عامة الناس عاشوا أدوار التقية- ولولا ذلك لم يبق في الدار ديار-.
وجماعة خاصة تحدوا الطغاة وجهروا بعقائدهم؛ فصعدوا على المشانق واستشهدوا في سبيل عقائدهم؛ مثل ميثم وحجر وأصحابه, وعمرو بن الحمق الخزاعي, وابن السكيت وغيرهم بالمئات.
هذا كل ما في الأمر, إلا أن الشيعة وأئمتهم لم يستعملوا التقية أبداً في بيان الأحكام والأدلة والبراهين على الحق, ولذلك انتشرت معرفهم وأدلتهم في كل صقع وعلى كل صعيد.
لا تقية في العقائد
ولو كنا نستعمل التقية في إخفاء هويتنا العقائدية؛ لما كان الخصوم يوجهون النقد إلى عقائدنا في كل يوم, حيث أن نفس انتقاد الخصوم لأفكارنا يعني أننا واضحون كوضوح الصبح, بل أننا أكثر من يحتك بالآخرين للتعريف بعقائدنا وأفكارنا.
ولذلك فنحن واضحون والحمد لله في عقائدنا, وأفكارنا المنتشرة والموجودة في مؤلفاتنا وكتبنا.
وماذا بعد الحق إلا الضلال؟؟

المتعة عند الشيعة- نفس الموضوع أنا نزلته على الشبكة بس ما أدري قرأته ولا,لا, وهذا هو بالنص-
ويسمونها بالزواج المنقطع, وبالزواج إلى أجل, وهي كالزواج الدائم لا تتم إلا بعقد صحيح دال على قصد الزواج صراحة, ويحتاج العقد إلى إيجاب. وهو قول المرأة أو وكيلها: زوجت أو أنكحت أو متعت, ولا يكون بغير هذه الألفاظ الثلاثة أبداً, وإلى قبول من الرجل, وهو قبلت أو رضيت.
وكل مقاربة تحصل بين رجل وامرأة من دون هذا العقد في سفاح. وليست بنكاح حتى مع التراضي والرغبة الأكيدة. وإذا كان العقد بلفظ أجرت أو وهبت أو أبحت ونحوها فهو لغو لا أثر له أبداً. ومتى تم العقد كان لازماً يجب الوفاء به, وألزم كل واحد من الطرفين بالعمل على مقتضاه.
ولا بد في عقد المتعة من ذكر المهر, وهو كمهر الزوجة الدائمة لا يتقدر بقلة أو كثرة, فيصبح بكل ما يتراضى عليه الرجل والمرأة, ويسقط نصفه بهبة الأجل, أو انقضائه قبل الدخول, كما يسقط نصف مهر الزوجة بالطلاق قبل الدخول.
ولا يجوز للرجل أن يتمتع بذا محرم كأمه, وأخته, وبنته, وبنت أخيه, وبنت أخته, وعمته, وخالته, نسباً ولا رضاعاً, ولا بأم زوجته ولا ابنتها, وأختها, ولا بمن تزوج أو تمتع بها أبوه أو ابنه, ولا بمن هي في العدة من نكاح غيره, ولا بمن زنى بها وهي في عصمة غيره, فالمتعة في ذلك كله كالزوجة الدائمة من غير تفاوت.
فالولد من المتعة كالولد من الزوجة الدائمة في الميراث والنفقة وسائر الحقوق المادية والأدبية.
ولا بد من أجل معين يذكر في متن العقد, وبهذا تفترق المتعة عن الزواج الدائم, ولكن الطلاق يفصم عرى الزواج, كما يفصمه انتهاء الأجل في المتعة, فانتهاء الأجل طلاق في المعنى, ولكن بغير أسلوبه.
ولا ميراث للتمتع بها من الزوج, ولا نفقة لها عليه, والزوجة الدائمة لها الميراث والنفقة ولكن للمتمتع بها أن تشترط على الرجل ضمن العقد الإنفاق والميراث, وإذا تم هذا الشرط كانت المتمتع بها كالزوجة الدائمة من هذه الجهة أيضاً, ويكره التمتع بالزانية والبكر..
هذه هي المتعة, وهذه حدودها وقيودها, كما هي مدونة في جميع الكتب الفقهية للشيعة الإمامة, ولم تستعمل المتعة شيعة سوريا ولبنان, ولا عرب العراق, والمنقول أن بعض المسنات في بلاد إيران يستعملن المتعة.
والخلاصة أن الشيعة الإمامة يقولون بإباحة المتعة, ولكن على الأساس الذي بينته, وعلى الرغم من ذلك فإنهم لا يفعلونها, وما هي بشائعة في بلادهم.
وإنما الزواج الشائع بينهم هو الزواج الدائم المعروف المألوف عند جميع الطوائف والأمم. ولا أثر لها في محاكمهم الشرعية.
وقد اتفق السنة والشيعة على تشريع زواج المتعة في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, ودلت عليه الآية24 من سورة النساء"فما استمتعتم به منهن, فآتوهن أجورهن فريضة", وفي الحديث ما ذكره مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله, قال:" استمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر"
إذاً إذا كان هناك انتقاد على زواج المتعة, فهو موجه إلى الإسلام والنبي صلى الله عليه وآله, لأن الإسلام هو الذي شرع المتعة, وذلك بإجماع المسلمين وبدليل من القرآن, وأما شبه المتعة بالزنا, فهو كقول الكفار:(إنما البيع مثل الربا), والجواب:(أحل الله البيع وحرّم الربا)- البقرة,275, والفرق بين الحرام والحلال هو القانون الذي يجعل العلاقة قانونية ضمن شروط وأطر معينة وغير قانونية ضمن غيرها من الأطر وإلا فقل إن الزواج الدائم هو أيضاً مثل الزنا.
أما القول بأنها مخالفة لأخلاق الإسلام, فالأصح عكسه؛ فإن المتعة بشروطها الشرعية تعصم المجتمع من الانحراف الأخلاقي, خصوصاً لمن لا يقدر على الزواج الدائم لظروف خاصة, فإنه بين أن يكبت الغريزة فيصاب بمختلف الأمراض ويتعقد نفسياً, وبين أن يمارس الزنا والفجور ويستهتر, والإسلام يرفض كلا الطريقين, فينحصر طريق الترفيه لمن لا يقدر على النكاح الدائم بزواج المتعة.
ولكن السنة قالوا: إن المتعة نسخت وأصبحت حراماً بعد أن أحلها الله سبحانه, قال الشيعة: لم يثبت النسخ عندنا, كانت حلالاً, ما زالت على ما كانت عليه.
وقد روى عمران بن حصين؛ قال:( نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول الله صلى الله عليه وآله؛ فلم تنزل آية تنسخها, ولم ينه عنها النبي صلى الله عليه وآله حتى مات)- مسند أحمد وصحيح مسلم, وأوردها الفخر الرازي في تفسيره.
وهنا كان ميدان اللاطائلات ضد الشيعة, حيث زعموا وجود المتعة الدورية أو أولاد المتعة المميزين في النجف أو إعارة الفروج أو التمتع بالمزوجة أو العاهرة مما لم أره في مذهبي ولا في قومي ومما أبرأ إلى الله من قائله, وإلى الله أشكو ظلامتي (وعند الله تجتمع الخصوم).
وإني لا أعير اهتماماً لما يقوله هؤلاء بقدر ما أعير الاهتمام لكلام حين يصدر من مثقّف يجب أن يتحمل مسؤولية الكلمة.
تحرف القرآن
وطرحوا ضدي مسألة (تحرف القرآن), وأقاموا الدنيا وأقعدوها لكتاب ميرزا حسين النوري في تحرف القرآن.
أقول: مسألة تحريف القرآن باعتقاد النقيصة فيه من المسائل المعنيّة بالبحث بين العلماء منذ قديم الزمن, وقد أجمع علماء الفريقين أو كادوا أن يجمعوا على عدم تحريف القرآن مستندين في ذلك إلى أدلة وافرة أهمها قوله تعالى:((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون))-الحجر,9- وقوله تعالى((لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه))-فصلت,42-, راجع الكتب المعنية في ذلك لتجد تصريحات كبار علماء الإمامية؛ كالسيد المرتضى والشيخ المفيد, والشيخ الطوسي, والشيخ الصدوق, والعلامة الحلي, وابن طاووس, وكاشف الغطاء, والطبرسي وغيرهم الكثير في الاعتقاد بعدم التحريف.
ولكل قاعدة استثناؤها, وفي كل مذهب أناس شواذ, ولذلك فقد وجد في بعض الشاذين من علماء السنة والشيعة ممن يعتقد بالتحريف بوقوع النقيصة في القرآن؛ وذلك استناداً إلى روايات ضعيفة تخالف القرآن والعقل؛ واجتهدوا في ذلك فأخطأوا.
قال الرافعي في إعجاز القرآن-ص42-:ذهب جماعة من أهل الكلام ممن لا صناعة لهم إلا الظن والتأويل إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شيء حملاً على ما وصفوا من كيفية جمعه.
ونحن هنا لا نريد أن نشنع على جمهور السنة القول بتحريف القرآن؛ لأن ذلك لازم اعتقادهم النسخ في التلاوة مع الحكم أو دون الحكم- راجع البيان في تفسير البيان للإمام الخوئي رحمه الله,ص304.
والرافعي من أعلام السنة يعترف بأن هناك من علماء السنة من ذهب إلى تحريف القرآن.
نحن لا نقيم ضجة ضد السنة من أجل ذلك؛ لأننا نحمل آراءهم هذه على الغفلة أو الاجتهاد الخاطئ, ولأننا لا نريد الفرقة والشحناء, ولأننا نلحظ المصلحة الإسلامية العليا في ذلك, والرسول صلى الله عليه وآله قال:"احمل فعل أخيك على أحسنه"؛ بيد أن بعض من انتمى إلى السنة لا يبرح مردداً نسبة القول بالتحريف إلى الشيعة لرأي ذهب إليه واحد منهم عبر القرون, متعامياً عن آراء فطاحل علماء الشيعة في تاريخ المذهب في عدم التحريف, والتي شكلت واحدة من عقائدهم التي يدينون بها لله تعالى؛ تلكم العقيدة الموافقة للقرآن في قوله:((لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)), ونحن بدورنا نسأل: لمصلحة من هذا التعامي؟ وهذا التهريج؟.
هل التأكيد على هذه الشبه من مصلحة المسلمين حين اجتهد حسين النوري؛ فذهب إلى تحريف القرآن باعتقاد النقيصة فيه؟ هل خاف من أحد؟.
إن عقيدتنا التي ندين بها لله تعالى نحن الإمامية؛ هي أن القرآن الموجود اليوم بأيدينا هو نفسه النازل على صدر النبي صلى الله عليه وآله, دون زيادة أو نقصان, وكل رواية وردت في كتبنا تخالف هذه العقيدة نرفضها رفضاً قاطعاً لمخالفتها صريح القرآن((لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)), وكل نسبة إلينا في مجال الاعتقاد بالتحريف هي من باطل القول, وبالتالي هو لا يمثل إلا الظلم والعدوان على مذهبنا.
وأما مسألة(مصحف فاطمة) الذي طالما هرجوا به علينا؛ فقد عرفه لنا أحد المعصومين في رواية حين قال:"ولكن عندنا والله الجامعة؛ فيه الحلال والحرام, وعندنا الجفر, أيدري عبد اللع بن الحسن مالجفر؛ إنه مسك شاة, وعندنا مصحف فاطمة؛ أما والله ما فيه حرف من القرآن ولكنه إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام))- بصائر الدرجات:ص153-.
ويظهر من هذا النص ونصص أخرى؛ أنه كان لدى الأئمة كتابان من أبيهم الإمام عليه السلام: اسم أحدهما الجامعة؛ فيه أحكام الحلال والحرام, وآخر يسمونه الجفر؛ فيه أنباء الحوادث الكائنة, وكتاب ثالث من أمهم فاطمة يسمونه(مصحف فاطمة)؛ فيه أنباء الحوادث الكائنة كانت بخط الإمام علي عليه السلام.
يقول شاعر المعرة:


لقد عجبوا لأهل البيت لما أتاهم علمهم في مسك جفر

ومرآة المنجم وهي صغرى تريه كل حاضرة وقفر


وإني أتساءل ما هو موضع الإشكال في(مصحف فاطمة)؟ وأي ربط له بالقرآن؛ والإمام المعصوم يصرح بأنه كتاب خاص ليس فيه شيء من القرآن.
فهل الإشكال هو الاعتقاد بوجود هذا التراث عند أهل البيت؟ فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وما دامت الأدلة دلت على وجود ثروة علمية هائلة عند أهل البيت, يتوارثونها عن طريق الكتب الموروثة, أو عن طريق الصدور, فنحن أبناء الأدلة:


ليس على الله بمستبعد أن يجمع العالم في واحد


وهناك الكثير من الشبهات, التي أملك رداً لها كالشفاعة, وقولهم بأن الشيعة يغالون في أهل البيت وما إلى ذلك وإن شاء الله سوف أتناولها .
<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>><<<<<<<<<يتبع_____

أميرة الجنة
19-09-2006, 10:18 PM
وهنا أكمل البحث اللي بدأته بالرد على الدكتور سامري........... وشكله ما عرف يجاوب..

سيرة الرسول
أعتقد إن سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأولها واضحة, فهنا سوف أبتدئ من بعد الفتح, بس علشان ما أطول في البحث, {وفي نقطة هنا أتمنى أن تقف عندها وتتأمل بها! المولى عز وجل ذكر في القرآن يصف الرسول, ويبين مكانته وسمو أخلاقه في الآية ((وإنك لعلى خلق عظيم)), وبالتفاسير عند أهل السنة والجماعة سبب نزول قوله تعالى((عبس وتولى)) إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم , جاء له رجل من الصحابة وكان صلى الله عليه وآله وسلم , مشغول وعبس في وجهه, وما أدري إيش..., المهم لو كان مثل كذا تفسيرها, لكان القرآن متناقض فيما بينه, والمعنى: إنه تارةً يمدح الرسول بأنه وصل إلى منزلة عالية من الأخلاق, وتارةً أخرى يقول إنه عبس في وجه الصحابي وهذا ذم,, والرسول شيء طبيعي ومؤكد إن خلقه عالي, ومن المستحيل إن يعبس في وجه مين ما كان}.
كان واقع المجتمع الإسلامي, بعيد الفتح. حيث تبنت طبقة المشركين, خيار (النفاق) والعمل في الظل. وتأسيس كيانها القوي داخل مجتمع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والتخطيط للمستقبل على المدى البعيد. وكان بنو أمية بزعامة "أبي سفيان" هم المناوئون الأوائل لحركة "النبوة", وعند الفتح, كانوا من الذين عفى عنهم الرسول صلى الله عليه وآله, فسموا بالطلقاء حيث ذكر اليعقوبي:(ثم قال: ما تظنون وما أنتم قائلون؟ قال سهيل: نظن خيراً ونقول خيراً, أخ كريم وابن أخ كريم. وقد ظفرت. قال: فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم, ثم قال: ألا لبئس جيران كنتم فاذهبوا فأنتم الطلقاء)- تاريخ اليعقوبي-.
وعبارة "أنتم الطلقاء" تفيد معنى آخر, يناقض مفهوم الإيمان والإسلام, فهم دخلوا الإسلام كرهاً, وخوفاً من زحف الرسول صلى الله عليه وآله, وما زال الأمويون يضمرون حقدهم وانتقامهم وتربصهم برسول الله ولذا أذاقوا آل البيت النبوي, كؤوس المنايا!.
لقد جاء اليوم الذي تسلم فيه يزيد بن معاوية مسؤولية أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم, وكان ما كان, حتى كان رأس ابن بنت رسول الله, وحفيده الأكرم, الإمام الحسين عليه السلام بين يديه ينكث ثناياه بقضيب.
روى ابن أعثم والخوارزمي وابن كثير وآخرون, أن يزيد بن معاوية تمثل يومها بهذه الأبيات:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحاً ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل
لست من عقبة إن لم انتقم من بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل

وستبدأ تجليات الروح القبلية, والانتقامية, تظهر فور رحيل النبي صلى الله عليه وآله لتتحرك النفوس صوب المطامع والمنافع الخسيسة, وبذلك تسهل على المنافقة فرصة, لتقوية نفوذها, وقد وقع ذلك, وبدأ من السقيفة. ولا بد ونحن ندرس(السقيفة) كحدث. أن ندرك الجذور التاريخية التي تربطها بسيرة الرسول صلى الله عليه وآله, وأن لها- أي السقيفة- أبعادها فينا إلى الآن, وستبقى...
في تلك الأثناء لم تغب قضية الوصاية والخلافة. وهي أمر يدرك بالوجدان. في مجتمع يهتم بالقيادة, ذلك لأن المشروع الرسالي في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم, يقتضي الاهتمام, ولفت الأنظار لذلك الامتداد القيادي لرسالة الإسلام. حتى لا يطرأ على التصور المناوئ أن المشروع النبوي, مشروع وقتي ينتهي, بانتهاء صاحبه.
ولم يكن من منطق الرسالات السابقة, كما هو ليس من دأب نظم الحكم والقيادة في المجتمع النبيل أن تغيب هذه المسألة المتصلة بواقع الرسالة الإسلامية ومستقبلها المصيري. ومن خلال"المسعودي"كتاب إثبات الوصية, نثبت أن فكرة الوصية من القضايا التي شهدتها كل رسالات السماء. بل إن الرسالة التي أتت إلى قوم معينين, وفي إطار زمني محدود, لم تغب فيها, قضية الوصية, فكيف يمكن تصور إلغائها بخصوص رسالة عالمية, وفي إطار زمني ممتد, وساحة الإنسان أينما كان وحيث حل. فأجدر بهكذا رسالة أن تحدد قضية الخلافة- وإذا كان البعض يرى أن الخلافة في الأمور الدنيا هي المقصودة, فنحن نتحدث عن الخلافة في الدين. والخلافة في الدين هي نفسها الخلافة في أمور الدنيا, لأن هذه الأخيرة مرتبطة بالتشريع الإلهي- وحيث أن الخلاف حول الخلافة, نشأ فور وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, فهذا يعني أن المسألة ليست بذلك المستوى من "التفاهة"حيث لا يوفر لها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صيغة شرعية, تحول دون مضاعفاتها. ألعله لم يحط بذلك علماً, وبما سيحدث بعده من خلاف بسبب الصراع على أمر الخلافة, وهذا ينافي عصمته, وعصمة الوحي.

ثم إن الأصل في القيادة, هي الوصية. ولم تكن الشورى, سوى تبرير تاريخي لما وقع في سقيفة بني ساعدة. إذ أن التاريخ يفضح حقيقة الشورى التي اعتمدوها في السقيفة. بل إنها- الشورى- أثبتت بؤسها في انتخاب صيغة الحكم, وفي خلق الممانعة الشرعية والمطامع النفسية والقبلية التي كانت سائدة يومها, وليس من السهولة التغاضي عما وقع حول الخلافة من خلاف وتضارب!
((وما استل سيف في الإسلام, مثل ما استل على قاعدة الإمامة)) كما يؤكد المؤرخون- الملل والنحل(1/24).
إن الأخذ بشرعية الإمامة, كمسألة خاضعة لأمر الشارع, ستسقطنا في مأزق اتهام الكثير ممن حُسبوا على الصحابة في تاريخ الإسلام. سيكون الخارج عنها يشكل الأغلبية. ولن يبقى إلا آل البيت وكبار الصحابة. غير أننا لو سلمنا بشرعية الخلافة, كمسألة اختيارية خاضعة لاختيار أهل الحل والعقد, وأنها تشكل في حد ذاتها(أمراً شرعياً) أي أن الخارج عن قرار السقيفة, سيكون مخالفاً لتكليف شرعي, فهنا أيضاً, سنسقط في نفس المأزق, هو مأزق اتهام الأغلبية الساحقة التي رفضت الشورى, وقيدت إليها بالعنف, ولن يبقى أمامنا من الملتزمين بالشرع إلا أبو بكر, وعمر, من الصحابة. وهذا مخالف للواقع. إذ أن التاريخ أحصى لهذين الرجلين مخالفات كثيرة لأمر النبي صلى الله عليه وآله, مما لا ينطبق على سيرة علي عليه الصلاة والسلام, والصحابة الذين اجتمعوا في بيته كسلمان الفارسي, وعار, وأبي ذر, والمقداد.. وإذا كان علي عليه الصلاة والسلام والذين معه, لم يسجل عليهم التاريخ تلك المخالفات المفضوحة, فكيف يخالفون الرسول صلى الله عليه وآله بعد موته. وكيف لا يخالف الرسول صلى الله عليه وآله, بعد مماته, أولئك الذين كفروا بالإمامة, إذا كانوا ممن تعود على مخالفة النبي صلى الله عليه وآله, في حياته, بل ومجادلته بسوء الأدب. إننا سواء أخذنا بـ (الوصية) أو بـ (الشورى) نضطر إلى اتهام قافلة ممن سموا بالصحابة, بمخالفة الشرع... فتأمل!.
إن هذه الأهمية التي تلابس(قضية الإمامة) كما تؤكد ذلك النتائج والوقائع التي أسفر عنها غياب الرسول: تبين مدى أهميتها في عهد الرسول صلى الله عليه وآله, والقرآن الذي فيه تبيان لكل شيء.
والرسالة الإسلامية بشكل عام, حيث فيها حلول لكل قضايا المجتمع, فلابد أن يكون فيها حل لقضية الخلافة التي هي أعظم قضية في التصور الإسلامي.
إن الأمر لو كان شورى لما كان من المنطقي, عقلاً وشرعاً, أن يتمرد عليها جيل من السابقين في الإسلام, ما كانوا يريدونها لأنفسهم وإنما أرادوها للإمام علي عليه الصلاة والسلام. الانقسام يدلنا على أن القضية فيها أما(غصب) أو(إدعاء), فإما أن يكون علي عليه الصلاة والسلام ومن معه(يدعون) أمراً ليس لهم, أو أن الآخرين(اغتصبوا) حقاً ليسوا من أهله. ومن هنا سننطلق لمعالجة المشكلة في نطاقها التاريخي الحقيقي.

قلت بأن إثبات الوصية لازم حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, فكان يحمل همها ضمن همه النبوي الأول. إذ فرض نفسه مع الإمام علي عليه الصلاة والسلام بشكل ملفت للنظر. فرض نفسه كنبي رسول, ونصب الإمام علياً كوصي وخليفة. وهذا منطق لا يمجه طبع له إدراك بفلسفة الحكم, وتاريخه البشري. بل حتى في طبيعة الحكم الديمقراطي الراقي. لم يكن الإنسان يستغرب إذا أعلن عن رئيس أمريكي ومعه نائبه. ومنذ ترشيح "ريغان" عرف نائبه"بوش" وكذا"كلنتون" كان نائبه معه"غور" قبل أن يتسلم الرئاسة من"بوش". إنها تقاليد الحكم الديمقراطي لا ترفضها روح القوانين.. وكما لا تناقض أنماط السلطة والحكم الوضعي, فهي أيضاً لا تناقض مسار النبوة والرسالة- وهنا يثبت المسعودي في(إثبات الوصية) وصايا الأنبياء من آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم, وعد أوصياءهم جميعاً حيث جعل لآدم, شيث, ولإبراهيم إسماعيل, وليعقوب يوسف, ولموسى يوشع بن نون, ولعيسى شمعون, ولمحمد علي والأحد عشر من ولده عليهم سلام الله وصلاته!- إذا سلمنا بأن موسى عليه الصلاة والسلام نبي الله وهارون عليه الصلاة والسلام خليفته, عاشا معاً, وقضى كلاهما في مجتمع بني إسرائيل, من دون أن يكون ذلك مُعرباً عن تناقض.

فرض الرسول صلى الله عليه وآله نفسه, كواسطة رسالية, لنقل الوحي من الله سبحانه وتعالى, إلى الناس, وأقام علياً عليه الصلاة والسلام, كمؤازر ووزير ووصي, علماً أن اختيارات الرسول صلى الله عليه وآله كلها حكيمة, وهو معصوم بوساطة الوحي.
كيف أوجد الرسول صلى الله عليه وآله, خلافة علي عليه الصلاة والسلام, في بداية الدعوة؟
ثم كيف نستطيع رصد تميزات الدور<الإمامي> أو <الوصائي> في زمن الرسول صلى الله عليه وآله, والخصوصيات الرسالية التي انفرد بها الإمام علي عليه الصلاة والسلام في زمن الرسالة؟
سنحاول استنطاق التاريخ, والكشف عن أعماقه, ليتبين لنا ما إذا كان الأمر كذلك.

ذكر المؤرخون- تاريخ الطبري, ومسند أحمد بن حنبل, وشرح النهج, والكامل- إنه لما نزلت الآية(وأنذر عشيرتك الأقربين)
قام الرسول صلى الله عليه وآله, يدعو أقرباه, وفيهم عمه أبو لهب فقال صلى الله عليه وآله:"يا بني عبد المطلب, إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به, إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة. وقد أمرني الله عز وجل أن أدعوكم إليه فأيكم يؤمن بي ويؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم"؟
فسكت القوم ولم يجيبوا إلا علي عليه الصلاة والسلام قال:"أنا يا رسول الله أكون وزيرك على ما بعثك الله به" وبعد أن كرر الرسول صلى الله عليه وآله, دعوته لقومه ثلاث مرات, التفت إليهم صلى الله عليه وآله, وقال:"إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم(أو عليكم) فاسمعوا له, وأطيعوا". فقام القوم يضحكون, ويقولون لأبي طالب(قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع وجعله عليك أميرا).

أولاً:- وفي رؤيتنا للحديث, لابد أن نعلم بأنه بلغ قدراً من التواتر واعتبر صحيحاً, لدى جميع المفسرين- إلا واحداً أراد أن يخالف الجمهور, لينقص من فضائل الإمام علي عليه الصلاة والسلام, كما هي عادته القبيحة في النصب وهو ابن تيمية- إلى درجة جعلت الطبري وهو أحد رواته, يتصرف في صيغة الحديث. فيرويه بهذا الشكل:
"فأيكم يؤمن بي ويؤازرني على هذا الأمر, على أن يكون كذا وكذا" وبعدها قال للإمام علي عليه الصلاة والسلام إن هذا أخي وكذا وكذا"- تفسير الطبري(19/74)
إن هذه"الكذا والكذا" هي قمة التمويه والتلبيس(المبتذل) لأنها دليل في حد ذاتها على أهمية ما تخفيه عبارة الـ"كذا كذا".
وكيف أن الطبري الذي لم ينس صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها في تاريخه. كيف ينسى كلمتين فقط- ظهرتا في نصوص الراوين الآخرين-.
هناك بلا شك منطق يحكم فكر المؤرخ. هو منطق التظليل والتعتيم اللذين يقلبان التاريخ على وجهه.
ومثل ذلك اضطراب ابن كثير في تفسيره للآية الواردة إذ أتى مرة برواية, صيغتها:"فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي" وأورد رواية أخرى بصيغة:"أيكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي"- تفسير ابن كثير(3/301).
وفي الرواية الثانية يبدو الخلط والتشويه معاً. إذ أن موضوع إنذار العشيرة, لا ينسجم مع(من يقضي ديني ويكون خليفتي في أهلي) والتي في الظاهر إن صحت تبقى منسجمة مع ظروف الهجرة.
ولولا هذا التلبيس, لما اضطر الطبري إلى إخفائه بـ (كذا وكذا).
وقبل الشروع في تشريح الحديث, يجب أن نقضي على هذه(الشطحة) الروائية التي أحاطت بحديث(الدار) فالطبري في تفسيره تعمد أسلوب التمويه والتضليل. والدليل على ذلك أن الحديث وجدت صيغته(الواضحة) والصريحة في أماكن أخرى.
ثانياً:- لأنه أورده في تاريخه بصيغة الحقيقة بعبارة"حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة حدثنا محمد بن إسحق عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب عن عبد الله بن عباس عن علي بن أبي طالب قال: الحديث, والغريب أنه أورده في(تفسيره) بنفس الصيغة والمتن غير ذلك التحوير في كلمة(أخي ووصيي وخليفتي)- إن نفس الحديث رواه مشاهير السنة أنفسهم, بمتنه الواضح, ومنهم النسائي في الخصائص, والثعلبي في تفسيره, والحلبي في سيرته- حيث استبدلها بما هو أبلغ وأبين"كذا وكذا" إذ تبين لنا مدى حقيقة التزوير التاريخي الذي احتكرته نخبة من رجال التحريف, والذين انقلب عليهم(سحرهم) ليكون تضليلهم وثيقة ضدهم لا لهم.
لكي تتضح الصورة أكثر<<<<<لقد أورد الطبري في تفسيره الحديث بهذا السند وهذا المتن,"حدثنا سلمة قال: حدثنا محمد بن إسحق, عن عبد الغفار بن القاسم, عن المنهال بن عمرو, عن عبد الله بن عباس عن علي بن أبي طالب" لما نزلت هذه الآية (إلى أن قال) فأيكم يؤازرني على هذا الأمر, على أن يكون أخي وكذا وكذا؟ قال فأحجم القوم عنها جميعاً وقلت: وإني لأحدثهم سناً, وأرمصهم عيناً, وأعظمهم بطناً, وأحمشهم ساقاً, أنا يا نبي الله, أكون وزيرك, فأخذ برقبتي ثم قال..الحديث"- جامع البيان عن تأويل آي القرآن(19/121).

وبنفس الطريقة رواه في تاريخه حيث قال:"حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب عن عبد الله بن عباس عن علي بن أبي طالب لما نزلت آية((وأنذر عشيرتك الأقربين))(إلى أن قال) فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم, قال فأحجم القوم عنها جميعاً وقلت وإني لأحدثهم سناً وأرمصهم عيناً.. الحديث".
إذا تبين لنا مدى التلبيس والتدليس, آن لنا إذ ذاك شرح الحديث, لنقف على الحقيقة التي يفيض بها متنه.
هناك أربع كلمات يمكن الوقوف عندها بتدبر وإمعان عميقين:-
1- أخي. 2- وصيي. 3- خليفتي. 4- المؤازرة!.
وكل هذه الخصال تحققت في حياة علي عليه الصلاة والسلام, إلا واحدة لم تتحقق وهي عبارة(وصيي) ذلك لأن الوصية, تشير إلى حالة الاستخلاف بعد الموت, ومن رأى أنها تعني الخلافة في حياته أثناء غيبته بمعنى(الوكالة) فإنه يحتاج إلى عودة لقراءة اللغة العربية!. ولو كان يريد بها خلافته في الحياة لما قرنها بعبارة (وخليفتي) لأننا لو سلمنا بأنها تفيد الخلافة في الحياة أثناء غياب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, كما ذهب البعض إذاً لكانت عبارة(خليفة) لغواً وهذا لا يجوز على من أوتي جوامع الكلم!.
ووجود عبارة(وصي) إلى جانب(خليفة) تعني أن المعنيين مختلفان.
1- المؤاخاة:-
كان التآخي في الإسلام لرص صفوف المسلمين. وقد نظم الرسول صلى الله عليه وآله, بنفسه عملية التآخي فيما بين المهاجرين والأنصار. وكان صلى الله عليه وآله يراعي كل متطلبات التآخي. فإن التقريب بين شخصين لم يكن يجري اعتباطاً, بقدر ما كانت تراعي فيه شروط الانسجام النفسي والروحي. وفي الوقت الذي آخى الرسول صلى الله عليه وآله بين المسلمين, اختار له الإمام علي عليه الصلاة والسلام أخاً. وفي ذلك أورد أهل السيرة أخباراً كثيرة, كما جاء في السيرة الحلبية أن الرسول صلى الله عليه وآله آخى بعد الهجرة بين أبي بكر وخارجة بن زيد وبين عمر وعتبان بن مالك وبين أبي رويم الخشعي وبلال,(..) قال ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب وقال هذا أخي. فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي أخوين".
ولم يكن الرسول صلى الله عليه وآله اعتباطيا في هذا الاختيار- حاشاه- وإنما هي عصمة الوحي السديد, الذي كان الرسول صلى الله عليه وآله يتحرك في خطه لا يحيد! ((وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى))- النجم,4.
2- الخلافة:-
والمراد بها هنا, الاستخلاف. وهي جامعة لمعنيين. الاستخلاف في الغيبة, والاستخلاف بعد الموت. ووجودها في نفس المقام مع ((الوصاية)) يجعلها تأخذ المعنى الأول: وهو القيام بأعمال بالوكالة عن الرسول صلى الله عليه وآله, وهذا النوع من الاستخلاف كان واضحاً في سيرة الرسول صلى الله عليه وآله, لما كان يختار الإمام علي عليه الصلاة والسلام في أمور جسام. ويتجسد في:-
- استخلاف الرسول صلى الله عليه وآله, إياه في مكة عند الهجرة. حيث أدى عنه الديون, ورعى آل البيت عليهم الصلاة والسلام, بعده صلى الله عليه وآله وسلم.
- وفي تبوك حيث لم يكن من عادة الرسول صلى الله عليه وآله أن يستخلف علياً عليه الصلاة والسلام وراءه لما تقوم الغزوات. وهو أنفع للإسلام في المعركة يومها, منه في حراسة المدينة. وهو بهذا الجهاد أقام أركان الدين, وقد قال فيه الرسول صلى الله عليه وآله:<<لولا سيف علي ومال خديجة, لما قام للإسلام قائمة>>. غير غزوة تبوك على إثر اتساع الرقعة الإسلامية المجتمعية. فقد دخل الإسلام((الغث والسمين)). واندس المنافقون وكثروا.. وأغلبهم كان من المؤلفة قلوبهم.
وخروج الرسول في هكذا ظروف, حيث تحيط بهم جموع المنافقون, الذين يخشى انقلابهم على أهله, استغلالاً للظروف. فكان يومها علي أصلح للبقاء في المدينة. والأجواء المحيطة بها تتطلب خلافة محكمة, فكان الرسول صلى الله عليه وآله يخلف وراءه الإمام علي عليه الصلاة والسلام, لأنه الأكفأ لخلافته.
ولست أدري كيف يظن البعض أن هذا مجرد اختيار اعتباطي. كيف يكن للرسول صلى الله عليه وآله أن يزهد في حضور الإمام علي المعركة, وهو مفتاح النصر, في كل معارك رسول الله اللهم إلا إذا كان ثمة سر موضوعي, يقتضي أن تكون الخلافة لعلي عليه الصلاة والسلام على أهله في المدينة أيام تبوك.
وذكر ابن هشام(4/128): استعمل صلى الله عليه وآله على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري وخلف علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم, فأرجف به المنافقون وقالوا ما خلفه إلا استثقالاً له, وتخففاً منه, فلما قالوا ذلك أخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله : وهو نازل بالجرف فقال:((يا نبي الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني أنك استثقلتني وتخففت مني, فقال: كذبوا, ولكني لما تركت ورائي, فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك, أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى, إلا أنه لا نبي بعدي))؟ فرجع علي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة, وهذا ما سمي بحديث((المنزلة)) فيما بعد, والذي تواتر وذكرته أغلب مصادر الحديث عند الفريقين- صحيح البخاري(5/129), ومسلم في صحيحه(2/360), والترمذي, ومسند أحمد بن حنبل, ومستدرك الحاكم(3/109), والطبري(3/104) وتاريخ دمشق(1/ح:30- 125- 148- 150- 370- 404-...), وابن حجر في الإصابة(2/507-509), والاستيعاب(3/34-35), ومجمع الزوائد(9/109-110), وغيرها كثير من المصادر-.
- وبخصوص((سورة براءة)) يروي النسائي في خصائصه, عن سعد قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر ببراءة حتى إذا كان ببعض الطريق أرسل علياً فأخذها منه ثم سار بها فوجد أبو بكر في نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني- روي الحديث بأسانيد مختلفة عند النسائي في الخصائص0ص33), وكذلك روى الحديث أحمد بن حنبل في مسنده(4/164) عن طريق حبشي بن جنادة بطرق متعددة كلها صحيحة وأورد قصة سورة براءة, كما أخرجه ابن ماجة في سننه, والترمذي في صحيحه, ومناقب الخوارزمي, ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد, وفرائد السمطين-.
وهذه الرواية التي أجمع على صحتها نقلة الأخبار من كلا المذهبين, تشير إلى واقع تحقق الخلافة للإمام علي عليه الصلاة والسلام في زمن الوحي. وهذه لفتة تاريخية كافية, كدليل على الخصوصية التي تميز بها الإمام علي عليه الصلاة والسلام وإذا كان الإمام علي بالتبليغ الإلهي- أهلاً أن يبلغ عن رسول الله فيكيف لا يكون أهلاً لخلافة الأمة من بعده؟ وهناك أكثر من مثال في السيرة على هذه الميزات, ابحث في الكتب عندكم أو بالأحرى في الصحاح الستة وأكيد بتشوف كثير.

3- المؤازرة:-
وثبتت مؤازرته للنبي صلى الله عليه وآله. والإمام علي عليه الصلاة والسلام هو من وقف مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوم لم يقف الناس معه. ونصره يوم خذلوه, والأمثلة على ذلك لا تكاد تحصى, ويمكن إيراد بعض منها على سبيل المثال لا الحصر:
ليلة المبيت أول ليلة فداء:لولا ما تم ليلة المبيت لما ترتبت هجرة الرسول, على تلك الشاكلة. لقد عزم المشركون على قتال النبي وأعدوا لذلك خطة. ولكي يموه عليهم الرسول رتب أمر مبيت علي في فراشه. وذلك المبيت يعكس خطورة الموقف. فلو كان الرسول في خيار لما ضحى بالإمام علي, وليس إلا علي يقدر على هذه التضحية.
نام الإمام علي في فراش الرسول, وهو ينتظر الحراب كي تتوالى عليه ليستقبلها بروح استشهادية إيمانية. غير أن الخالق لم يرد بذلك سوى الاختبار, وتغذية التاريخ بالمثل العليا في التضحية والفداء فنجا الإمام علي يومها ونزل قوله تعالى- أجمع على ذلك المفسرون: شواهد التنزيل, وتفسير الرازي, وتذكرة الخهواص, وشرح النهج- ((ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضاة الله, والله رؤوف بالعباد))-البقرة-.
في أحد:واجه الإسلام مصيراً مأساوياً يوم أحد, وزاد من تلك الخطورة فرار المسلمين, وشردوا من سيوف الكفار, ولم يبق في المعركة سوى الرسول صلى الله عليه وآله, وعلي عليه الصلاة والسلام, وبقية قليلة من الصحابة الذين استقر الإيمان في قلوبهم, وكان أبو بكر وعمر من أولئك الفارين في المعركة. وتمسك عمر بمقتل الرسول كورقة لتبرير فراره من الزحف. في هذه الأثناء كان سيف علي يمخر الأعناق ببسالة أسطورية.
ذكر الطبري:"لما قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية, أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله جماعة من المشركين فقال لعلي: احمل عليهم فحمل عليهم, ففرق جمعه فقتل عمر بن عبد الله(..) فقال جبريل: يا رسول الله إن هذه المواساة, فقال رسول الله:(إنه مني وأنا منه), فقال جبرائيل: وأنا منكما فسمعوا صوتاً:
لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار - تاريخ الطبري-.
في وقعة الخندق:كانت هذه المعركة التي لم يشترك فيها المسلمون وجهاً لوجه مع الكفار, إحدى المعارك الإستراتيجية في تاريخ الإسلام. وخفف عن ذلك ما اقترحه سلمان الفارسي(رض) من حفر الخندق لغاية الدفاع. غير أن تجرؤ عمرو بن ود العامري, واقتحامه الخندق طلباً للمبارزة, قد أوقع الإسلام كله أمام تهديد مصيري, وفيها كان عمرو بن ود يطلب المبارزة ويقول:
ولقد بححت من النداء بجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبن المقارع موقف العز المناجز
ولم يستجب أحد لهذا الصوت, وفي الصحابة أبو بكر, وعمر... لم يستجب إلا علي بن أبي طالب, فلقد كان يقف ويطلب من الرسول صلى الله عليه وآله الخروج إليه, حتى أذن ودعا له. وبعد أن نصر الله المسلمين في الأحزاب بعلي عليه الصلاة والسلام قال الرسول صلى الله عليه وآله كلمته الشهيرة:
((لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة))- لقد كبر هذا الحديث على بعض النواصب- وأقصد الذين ينصبون العداء لأهل البيت- من أمثال ابن تيمية. محاولاً النيل منه لأن فيه فضيلة لعلي عليه الصلاة والسلام لا يشاركه فيها غيره. وابن تيميه يجهل المأزق الذي انوجد فيه الإسلام يوم الخندق. وكان على ابن تيمية أن يبحث في تبرير لأبي بكر وعمر.. وعدم استجابتهما لدعوى المبارزة ودعوى الرسول صلى الله عليه وآله.. إنه اللهو بالحقائق وسوف يلقون غياً!, ولقد جاء هذا الحديث في مصادر عديدة منها: فرائد السمطين, وشواهد التنزيل, مستدرك الحاكم, وبألفاظ مختلفة في تاريخ دمشق, وتفسير الرازي-.
يوم خيبر:كانت هذه المعركة ضد يهود خيبر. وكانت حصونهم مانعتهم من المحاربين. وكان الرسول صلى الله عليه وآله قد أعطى الراية لرجلين. الأول أبو بكر والثاني عمر.. فالأول انهزم وولى منكسراً إلى الرسول صلى الله عليه وآله وبلا نتيجة. والثاني: انهزم أيضاً, ورجع يجبن الذين معه, ويجبنونه, وساعتئذ قال صلى الله عليه وآله: لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. فاشرأبت أعناق الناس إليها. وفي الغد دعا علياً عليه الصلاة والسلام, وكان به رمد. فمسح على عينيه فبرئ, وحمل الراية, وفتح حصن خيبر وسجل فيها أروع نماذج البطولة وقتل بطل الأبطال"مرحب"{أنا زرت المدينة في سنة من السنين الماضية, وزرت خيبر, وقتها كانت مفتوحة, يعني تقدر تدخل, وشفت العيون اللي صارت بعد ضربة الإمام علي لهذا اللي اسمه مرحب, مازالت تدفق إلى اليوم وحاولوا طمرها, لكن ما قدروا, فقاموا منعوا الناس من الدخول إلى خيبر, فحتى هذي السنة ما قدرنا نزورها-خيبر-}.
الوصية:
أن يوصي الرسول صلى الله عليه وآله بمن يخلفه في أمته فذلك هو الأقرب إلى منطق العقل والشريعة. إذ كيف يعقل أن يترك الرسول صلى الله عليه وآله أمر الأمة للشورى في الوقت الذي لا يزال المجتمع فيه, غارقاً في البداوة والجهل؟ فإذا لم يكن من الضروري- افتراضا- أن يوصي بالخلافة في الحكم الدنيوي, فهل يعني هذا أنه ليس من الضروري أن يوصي بمن يخلفه في مسؤولية"الدعوة والتوجيه"؟ علماً أن شعوباً أخرى مات الرسول وهي لم تفتح حصونها بعد, ولها مشاكل كثيرة, وكانوا يحتاجون لفتوى من الشريعة, وهذا الفراغ الذي ظهر فيما بعد,كان سببه تغييب دور الأئمة عليهم الصلاة والسلام, لذلك اضطر المناوئون إلى خلق نمط تفكير جديد, لفهم الأحكام وتأصيلها, أستلهم من الفكر الإغريقي, وفي زمن الخلفاء, تبين هذا الفراغ وكان الإمام علي عليه الصلاة والسلام, هو الوحيد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله, الذي قال:"سلوني قبل أن تفقدوني", والوحيد الذي لم يستفت الآخرين في القضايا التي تواجهه. ورجوع الخلفاء إليه في الأحكام دليل على أنهم هم أيضاً في حاجة إلى توجيهه وإرشاده. وكل ما تتطلبه مسؤولية الخلافة, كان متوفراً في شخص الإمام علي عليه الصلاة والسلام. فالفقه والقضاء اللذان شكلا روح الدولة الإسلامية. كانتا ميزتين للإمام علي وبعد ذلك لم يكن هناك قطاع أهم في مجتمع الإسلام من القطاع العسكري, والإمام علي عليه الصلاة والسلام لا شك, كان أكبر, وأعلى رجل عسكري في دولة الإسلام.
ولم يثبت التاريخ أن أحداً من الصحابة أو غيرهم كان أشجع منه وأقوى. ولا يمكن قياس أبي بكر أو عمر أو عثمان أو أي كان بالقدرة العسكرية للإمام علي عليه الصلاة والسلام.
لقد اكتملت كل مؤهلات الخلافة لدى الإمام علي عليه الصلاة والسلام, والذين يحرصون على نجاح مشروع الإمامة, هم الذين اختاروا لها علياً, لأنه الوحيد الذي يستطيع تطوير هذا المشروع والتقدم فيه بعيداً, ولكن, لابد أن نتذكر العوامل الأخرى, التي يمكنها أن تعرقل مشروع الإمامة. وهي ذاتها كانت عقبة في وجه مشروع النبوة. إنه العامل"القبلي" الذي بقي راسخاً في نفوس الأغلبية الساحقة. فرفضت على علي عليه الصلاة والسلام((الإمامة)) مثلما رفضت على محمد صلى الله عليه وآله النبوة, لا لشيء إلا لأنها من((بني هاشم)) وكل ذلك رؤية قبلية- محضة- لقضايا إسلامية مجردة.
وبذلك يكون الرسول قد أثبت للإمام علي الوصية. فمن كان راضياً بولاية الرسول صلى الله عليه وآله وجب عليه القبول بولاية الإمام علي عليه الصلاة والسلام.
وأكمل الله دينه يوم تمت الرسالة واكتملت بالولاية(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)/المائدة, وهي آخر ما نزل من القرآن{للمعلومية فقط: تفسير الآية<ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا> أي يا ليتني كنت على ولاية علي أمير المؤمنين, لأن كان ينادى- عليه السلام- بأبو تراب, و<كل كفار عنيد> أي سيدخل الله جهنم الكافر وهذا واضح في الآية, لكن عنيد تختلف, أي إن هو مسلم لكنه عنيد, لأنه لم يتبع ولاية أمير المؤمنين, و كل شي واضح, لأن لو ما ذكر الكافر كان أنا قلت مثل ما تقولوا إن العنيد هو الكافر, فكر فيها}. وظل النفاق يختمر في النفوس ينتظر الفرصة, ليقلب للرسالة ظهر المجن. فتولي النفوس أدبارها باتجاه الضلالة من جديد. فاليوم يوم الحساب وآن لبني هاشم أن يدفعوا ثمن الانتصار المحمدي, ولترفع ثياب المقتولين بسيف علي عليه الصلاة والسلام, في نفوس المنافقين, فيتربصون الدوائر بعترة محمد الطاهرة.
ستأتي الرزية, ويبدأ المنعطف, ويبدأ أول مؤتمر في التاريخ"البدو" حيث يزاح الإسلام, وتطرح قشوره, بحثاً عن المنافع الشخصية. وسيبدأ التاريخ المفضوح من جدول أعمال السقيفة, ليكون ما بعدها أتراماًٍ وأتراماً على آل البيت النبوي عليهم الصلاة والسلام.
ولذلك تتبلور الصفة المميزة للإمام علي في عهد النبي ويدل هذا أن الإمام علي اختير لمؤازرة الوحي, بينما غيره كان موضوعاً للرسالة والوحي. أي أن الوحي كان ينقل بوساطة النبي صلى الله عليه وآله, وبمؤازرة الإمام علي عليه الصلاة والسلام, لينتهي إلى العامة من الناس الذين من بينهم عناصر معينة اختصت بصحبة النبي- ولهذا يجب أن نميز علياً عليه الصلاة والسلام عن الصحبة. فهو ليس صحابياً فحسب. إذ له ألف وألف رابطة ووظيفة في هذا الدين, وكلها كانت تجري بعين الوحي-.
وصحبتهم ليست سوى حالة من التمحور حول الرسول, وتلقي الوحي عنه, من دون أن تكون ملزمة بالعصمة بمعنى عدم تبدلهم وتراجعهم عنه, ولم تكن الصحبة تعني بالضرورة(الخلافة) أو فيها ما يشير إلى ذلك, بعكس ما يبعث به مفهوما(الوصية) و(الوزارة) اللذان اختص بهما الإمام علي عليه الصلاة والسلام وبذلك تكون كل الخصال تحققت في شخصية الإمام علي سوى(الوصية), وفعلاً لقد أوصى رسول الله بالإمامة لعلي من بعده بحيث بلغ حد التواتر, وحضره جمع غفير من الصحابة, وسمعوه ووعوه, وعلقوا عليه بـ "بخ بخ لك" أو ما شابهها من العبارات. وكان هذا الحديث هو ورقة المعارضة منذ أن أحيلت الخلافة إلى(الرأي).
لم يغادر الرسول صلى الله عليه وآله الحياة, حتى وقف تلك الوقفة التاريخية الكبرى بحجة الوداع, ليعلن بصريح النص((إن علياً ولي المؤمنين)) بعده وقصة الخبر كالتالي-أستطاع عبد الحسين الأميني في كتابه العملاق, الغدير, إحصاء رواة الحديث من الصحابة والتابعين والعلماء, فكان أن أثبت بالأسانيد الموثقة أن:
عدد رواة الحديث من الصحابة(110), عدد رواته من التابعين(84), عدد رواته من العلماء(359)-:
كان يوم الثامن عشر من ذي الحجة في سنة عشرة من الهجرة, حيث وصل الرسول صلى الله عليه وآله إلى غدير خم عائداً من حجة الوداع. وغدير خم مكان يقع على مقربة من الجحفة بناحية رابغ- بين مكة والمدينة- وذكر اليعقوبي في تاريخه, إنه صلى الله عليه وآله قام خطيباً"بغدير خم" وأخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فمن كنت مولاه, فعلي مولاه. اللهم وال من والاه, وعاد من عاداه.
ثم قال: أيها الناس إني فرطكم وأنتم واردي على الحوض, وإني سائلكم حين تردون علي, عن الثقلين فآنظروا كيف تخلفوني فيهما. وقالوا: ما الثقلان يا رسول الله؟ قال: الثقل الأكبر كتاب الله, سبب طرفه بيد الله, وطرف بأيديكم, فاستمسكوا به ولا تضلوا, ولا تبدلوا, وعترتي أهل بيتي- تاريخ اليعقوبي, وجاء بألفاظ مختلفة في صحيح مسلم, ومسند أحمد, ومصابيح السنة-.
وذكر ابن كثير في تاريخه:"قال الحافظ أبو يعلى الموصلي والحسن بن سفيان بن هدبة بن حماد بن سلمة عن علي بن زيد وأبي هارون عن عدي بن ثابت عن البراء قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع فلما أتينا على غدير خم فُسح لرسول الله تحت شجرتين ونودي في الناس الصلاة جامعة ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله علياً وأخذ بيده فأقامه عن يمينه فقال ألست أولى بكل امرئ من نفسه قالوا بلى قال هذا مولى من أنا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فلقيه عمر بن الخطاب فقال هنيئاً لك أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة".
وذكره النسائي في خصائصه- النسائي(ص150), وورد بألفاظ مختلفة في مسند أحمد, وتاريخ بغداد, وذخائر العقبى, والمصنف, وتذكرة الخواص, والبداية والنهاية, وفرائد السمطين, وشواهد التنزيل- حيث قال: أخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا يحيى بن حماد. قال: أخبرنا أبو عوانة عن سليمان(الأعشر) قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت, عن أبي الطفيل(عامر بن وائلة) عن زيد بن أرقم: لما رجع النبي صلى الله عليه وآله, من حجة الوداع ونزل(غدير خم) أمر بدوحات نقمن ثم قال:" كأني دعيت فأجبت وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما, فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.
ثم قال: إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن. ثم إنه أخذ بيد علي(رض) فقال:"من كنت وليه فهذا وليه, اللهم وال من والاه وعاد من عاداه"- نفس الحديث رواه النسائي بأسانيد وطرق مختلفة, وكذلك رواه جمع غفير من المحدثين كابن حنبل في المسند, والحاكم في المستدرك, والحافظ بن حجر في تهذيب التهذيب. والطبراني في المعجم الأوسط والسيوطي في الدر المنثور وغيرها من كتب الحديث. ورجاله رجال الصحاح على شرط البخاري ومسلم على حد قول((الحاكم)) وغيرها من الموثقات التي يضيق بها المقام. وقد ورد الحديث بألفاظ مختلفة في كتب القوم مثل:"من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه, وعاد من عاداه"في: شرح النهج, وتاريخ دمشق, تفسير الرازي, وبلفظ"من كنت مولاه فعلي مولاه", في سنن أبي ماجة, وأسد الغابة, وحلية الأولياء-. ولم يجد خصوم(الولاية) دليلاً قوي العود, ليسندوا به خصومتهم, وبعضهم ممن عرف بنقص الحياء لجأ إلى التحايل على النص, و"الشطح" في تأويله بما يعرقب أطرافه. ظانين أنهم أمام أميين لا يعلمون الكتاب. فذكر ابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة:"لا نسلم أن معنى الولي ما ذكروه, بل معناه الناصر, لأنه مشترك بين معان كالمعتق والعتيق, والمتصرف في الأمر, والناصر والمحبوب, وهو حقيقة في كل منها, وتعيين بعض معاني المشترك من غير دليل يقتضيه تحكم لا يعتد به, وتعميمه في مفاهيمه كلها لا يسوغ"- مثل هذه((الجهالات)) أستنسخها صاحب الرد على أباطيل المراجعات بجهل أوسع ونصب أكثر-.
وقد تلقف هذه"الشطحة" بعض المهرجين"ورددوها من دون استحياء".
يقول إدريس الحسيني في ذلك:( ولم أكن لأتصور أن الرسول صلى الله عليه وآله يوقف المسلمين بغدير خم, ويقول لهم"ألست أولى بكم من أنفسكم" ثم يقول ما قال, فتنزل الآية((اليوم أكملت لكم دينكم)) كل هذا فقط, ليقول للمسلمين علياً قريبكم, أو غيرها من المعاني التي نعتوها).

أنظر هذا الحديث صحيح السند, والذي يؤكد بأفضلية الإمام علي عليه السلام, على عمر.. والأجمل إن الكلام بلسان عمر.
الاستيعاب الجزء الثالث:(قال أحمد ابن زهير حدثنا عبيد الله بن عمر القواريرى حدثنا مؤمل بن إسماعيل حدثنا سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن وقال في المجنونة التي أمر برجمها وفي التي وضعت لستة أشهر فأراد عمر رجمها فقال له على إن الله تعالى يقول وحملة وفصاله ثلاثون شهرا الحديث وقال له إن الله رفع القلم عن المجنون الحديث فكان عمر يقول: لولا على لهلك عمر وقد روى مثل هذه القصة لعثمان مع ابن عباس وعن علي أخذها ابن عباس والله أعلم).
الحديث مذكور في العديد من الكتب ،، مثل :
الرياض 2 / 194, تفسير النيسابوري 26 / 10, مناقب الخوارزمي : 48, شرح الجامع الصغير للشيخ محمد الحفني: 47, تذكرة السبط : 87 , مطالب السؤول: 13, فيض القدير 4 / 357.


{امتن الله عليّ وعلى والديّ بموالاة علي واسأل الله أن يمتن على نسلي بولاية علي وآل علي}


لقد عرفنا أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن- حاشاه- غافلاً عن قيمة الخلافة والاستخلاف. وكانت خطبة الوداع, وكانت خطبة الوداع برنامجاً لهم, يقيهم عثرات المستقبل. وأكد فيها على آل البيت عليهم الصلاة والسلام, وولي فيها الإمام علي عليه الصلاة والسلام, بقوله((ألا من كنت مولاه, فهذا علي مولاه)), كررها ثلاث مرات- وفي لفظ أحمد بن حنبل((كررها أربع مرات))-. وحذرهم من مغبة التجاوز للنص, ابتغاء الرأي والباطل, كما حذرهم من مغبة التضليل والافتتان. ذكر اليعقوبي في تاريخه:"لا ترجعوا بعدي كفاراً مضللين يملك بعضكم رقاب بعض إني خلفت فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا, كتاب الله وعترتي أهل بيتي" ثم أمر الناس بالالتزام بإعلانه وأودعه فيهم قائلاً:"إنكم مسؤولون فليبلغ الشاهد الغائب"- اليعقوبي- وكان الإمام علي هو المرشح, لولاية المسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله, وبعد أن تبين أمر الولاية. نزلت الآية((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا))- المائدة,3,وذكر السيوطي في الدر المنثور, والخطيب البغدادي في تاريخ دمشق, نزولها في الغدير, وحيث أن الوضع يومئذ لا يسمح بالمعارضة. فإن المجموعة المنافقة لم تعلق- باستثناء بعض الحالات- واستمرت في صمتها تترقب الفرصة. وبوفاة الرسول صلى الله عليه وآله, بدأت المؤامرة تتبلور, وتنعكس على أرض الواقع الإسلامي.
في ردي على الدكتور سامري, كتبت صورة مبسطة عن التاريخ عند أهل السنة والجماعة,,, على لسان الكاتب الصحفي إدريس الحسيني, والآن سأحاول أن أتناول التاريخ ليس من وجهة نظر الشيعة, بل سوف أتناول التاريخ الحقيقي, من غير تزوير وتدليس .
الوفاة وملابساتها
هناك أمران أساسيان في تناولنا لوفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم, والأجواء التي أحاطت بهذا النبأ التاريخي العظيم.
الأول:- إن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم, الذات, البشري, الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق...(شيء).
الثاني:- إن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم, بما هو همزة الوصل بين السماء والأرض وبما هو الرسول المرسل...(شيء آخر).
والنبي صلى الله عليه وآله, كذات, كبشر... ترك أثراً بالغاً في نفوس الكثير من الناس. وهؤلاء هم الذين ارتبطوا بشخصية الرسول صلى الله عليه وآله, كبطل, كعبقري.. فتشكل وجدانهم على غرار هذا الإعجاب بالرسول صلى الله عليه وآله, وعليه فإنهم لا يرون الأهمية الجوهرية التي كانت تميز شخصية الرسول صلى الله عليه وآله, وكان صلى الله عليه وآله وسلم, هو لها وليست له, لذلك تراهم سرعان ما فكروا في مستقبل حياتهم وطرق التكيف مع الأوضاع الجديدة. حيث غاب صلى الله عليه وآله وسلم, وبالتالي غاب معه الوحي.
وفي نفس الأثناء كانت هناك فئة تؤمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم, النبي, بما هو رسول الوحي, وبما هو الرسالة, فهل ذهاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم, الذات يعني بالضرورة ذهاب الرسالة؟ فهؤلاء هم الذين والوا علياً عليه الصلاة والسلام, كامتداد طبيعي في شخصية الإمام علي عليه الصلاة والسلام, بما هو الشخص المرشح لمواصلة المسيرة بحكم ما يملكه من مؤهلات الإمامة, وما أورثه إياه الرسول صلى الله عليه وآله, من علم ضروري للقيام بهذه المهمة الرسالية. وقد ردّ الله سبحانه في القرآن على أولئك الذين سوف يحيدون, عن أوامر الرسالة, فور اعتقادهم, بوفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم, فقال:((وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين)).
وقد حدث في معركة أحد حيث فر جميع الصحابة باستثناء علي وأفراد معدودين. ووضع الفارون سيوفهم في الأغماد لما سمعوا أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم, قد مات. حتى نزل عليهم التوبيخ الإلهي.
هذان التصوران كانا سائدين في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, وقد تجلت صورتهما لما رفع عمر بن الخطاب سيفه, يهدد من قال بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ورأى أنه حي, وسوف(يرجع) كما رجع موسى عليه الصلاة والسلام, وأعتقد به الكثير منهم. وذلك دليل على أن هذا التصور موجود عند البعض, حتى ورد من قال: أن محمداً قد مات.
هذان التصوران هما أساس الاختلاف في زمن الوفاة, ووقائعها كالتالي: بعد قدومه من حجة الوداع إلى المدينة بأيام قلائل, جهز الرسول صلى الله عليه وآله, جيشاً لفتح تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين, على حد تعبير ابن الأثير. وعقد في ذلك لأسامة بن زيد على هذا الجيش الذي اجتمع فيه المهاجرون والأنصار. وكان فيهم أبو بكر وعمر.. كما ذكر اليعقوبي. وكان قد ابتدأ بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم, المرض في أواخر صفر- الكامل- وكان أسامة يوم اشتكى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, مرضه(بالجرف) فتأخر, مما أغضب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وجعله يحث على المسيرة- لنا مع أسامة وجيشه جولة خاصة!- لقد توفي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, يوم الاثنين(12من ربيع الأول)- الكامل, وحسب التقويم الإسلامي الشيعي, إن الرسول توفي في 28صفر- ودفن من الغد نصف النهار- الكامل- وذكر اليعقوبي"إن وفاته صلى الله عليه وآله وسلم, كان طالع سنتها الجدي ثماني عشر درجة"- اليعقوبي-.
وفي أثناء مرضه واحتضاره صلى الله عليه وآله وسلم, كما بعد وفاته, جرت أحداث خلفت وراءها محناً سياسية واجتماعية رهيبة. ولكي نفهم مشكلة الخلافة وملابساتها, لا بد من استحضار هذه المشاهد. واستنطاق الفواصل الحساسة فيها, من أجل الخروج بمخطط فكري وسياسي, يمكننا من فهم الحالة الإسلامية بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد ابتدأ على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, المرض, وقد جهز جيش أسامة بن زيد, وكان من المنطقي- حسب النظرة التي تُحمل الآن عن الصحابة الكبار وميزاتهم- كأبي بكر وعثمان. أن يعقد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, لأحد كبار الصحابة. لكنه عقد لأسامة, وهو يومها فتى صغير. وكثر الطعن في ذلك, وتكلم بعض الصحابة في إمارة أسامة, وقالوا كلاماً يمجه منطق الصحبة والإيمان.
ذكر ابن سعد في الطبقات(2/190), إن سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى أهل((إبني)) وهي أرض السرات ناحية البلقاء. وقال:"فلما كان يوم الأربعاء بدأ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فحم وصدع فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده" ثم قال: اغزُ بسم الله في سبيل الله فقاتل من كفر بالله. فخرج وعسكر بالجرف فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وغيرهم, فتكلم قوم وقالوا يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين, فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, غضباً شديداً, فخرج وقد عصب رأسه عصابة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه, ثم قال:(أما بعد, أيها الناس, فما مقالة بلغتني عن بعضكم في إمارة أسامة. ولئن طعنتم في إمارة أسامة لقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله وأيم الله إنه كان للإمارة خليقاً وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة) ثم نزل فدخل بيته وذلك يوم السبت لعشرة خلون من ربيع الأول, وثقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فجعل يقول أنقذوا بعث أسامة.
وفي الملل والنحل:"جهزوا جيش أسامة, لعن الله من تخلف عنه"-الملل والنحل(1/23).
وعلى الرغم من أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, حرص على تجهيز الجيش. وتبين من خلال ذلك إصراره صلى الله عليه وآله وسلم, على بعثه. فإن الصحابة لم يطيعوا ورجعوا بعد أن وصلوا إلى الجرف. وهناك لفتة يجب الوقوف على أطلالها. نحن في البداية نختار لأنفسنا منهجاً رهانياً علمياً. لنجعله برهاناً غير مباشر. سنفترض أن الخلافة لعلي عليه الصلاة والسلام ونحلل على أساس هذا الفرض, فإذا أوقفنا تناقض أوقفنا((الدور)) وكان افتراضنا خاطئاً. واختيارنا لهذا البرهان لا يعني إنه لا برهان له بطرق أخرى. وإنما لأن هذا النمط من الاستدلال هو أقرب إلى الوجدان, وأكثر انسجاماً مع العقل العلمي.
لقد سبق وقلت أن وجود الخلاف بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حول((الخلافة)) يقتضي أن يكون أحد الفريقين على خطأ. أو بتعبير أدق, أن يكون أحد الفريقين((مدعياً)) حقاً ليس له أو أن الفريق الآخر((مغتصباً)) لحق ليس له أيضاً. لنفترض, أن الإمامة ثبتت وأن المسألة محض اغتصاب- اقترحت هذه الطريقة من البرهان, وإلا لو افترضت((الإدعاء)) فليس بيني وبين النتيجة السلبية سوى نص أو نصان صريحان ينهيان المسألة من الأساس, فهذه الطريقة الأفضل- وعلى هذا الأساس ننطلق.
الأجواء التي أحاطت بالصحابة والمسلمين عند وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, كانت تتخللها بعض نقاط الاستفهام. تشكل لغزاً فيما لو ربطناها بما جرى بعد ذلك من أحداث.
فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم, قد علم منذ حجة الوداع أنه سيستقبل الآخرة. وهو يعلم بذلك كما تثبت الروايات الصحيحة. فكيف يجهز جيش أسامة, وبتلك الطريقة التي يستنكرها عليه بعض الصحابة, في الوقت الذي احتفظ فيه بالإمام علي عليه الصلاة والسلام, وهو رمز الجيش الإسلامي. إن للتاريخ ثغرات يمكن أن تتسلل منها الفضائح وتنكشف!.
لقد علم عمر بن الخطاب أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, سيموت لا محالة-الروايات السنية تثبت أن عمراً وغيره من الصحابة بكوا في حجة الوداع وعياً منهم بقرب وفاته!وحادثة البخخة ذكرها الكثير: تاريخ دمشق, وشواهد التنزيل, والغدير-, وبأنه كان مصراً على الحضور بعيد وفاته, ليعرف كيف وإلى أين ستؤول الأوضاع. إنه سمع من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, في حجة الوداع, وبغدير خم إن ولي المسلمين هو(علي بن أبي طالب) وكان قد تقدم إليه بالتهنئة قائلاً"بخ بخ لك يا أمير المؤمنين" ولكنه أصر أن لا تؤول الولاية إليه.
وإن ذلك رهين بحضوره المستمر, ولهذا أبى أن يجهز جيش أسامة. إن تردد عمر بن الخطاب, وتقنعه بالروح. وكان لإمارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, وعقده لأسامة درس للصحابة, كي يعلموا أن الإمارة بالنص لا بالرأي. وبأن تشددهم برأيهم لم ولن يقنع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, بتغيير وجهة نظره. وفي ذلك ردع لكل من يتطلع لخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وإحباط معنوي كي لا تطمع نفوس بها. ومع ذلك حرصت هذه النفوس على الحفاظ على معنوياتها وأفشلت مسيرة جيش أسامة وتقولت فيه.
وهناك رأي كسير, يحتاج إلى جواب يجبره. هو أن بعض((مبررة)) الخيانات التاريخية, رأوا في ذلك دليلاً على تعلق عمر بن الخطاب وأبي بكر, بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم, وأنهما فضلا البقاء إلى جوار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, وعلى مقربة منه ليطمئنوا عليه.
وكسر هذا التبرير, يمكن جبره بثلاث مسائل:
أولا: لقد سبق وذكرت الطريقتين اللتين كان يتعامل بهما الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, ولعل هؤلاء من الصنف الأول, الذين اهتموا بشخص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, ولم يهتموا بالرسالة. ولولا ذلك لكان عليهم الاستجابة لداعي الجهاد, خصوصاً وأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, لعن من تخلف عن جيش أسامة. ثم أن هؤلاء كانوا قد طعنوا ابتداء في إمارة أسامة وليس حباً في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
ثانياً: إن عمر بن الخطاب رفض تجهيز جيش أسامة على وجه الإطلاق وإنه رفض أن يكون أسامة على رأس الجيش, ليس ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وآله, فقط بل وحتى بعده. وقد ذكر ابن جرير الطبري في تاريخه- وكذلك الدحلاني في السيرة, والحلبي, وغيرهما- إن عمر بن الخطاب طلب من أبي بكر عزل أسامة بن زيد في خلافته, فوثب أبو بكر بلحية عمر قائلاً:"ثكلتك أمك وعدمتكيا بن الخطاب, أستعمله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم),وتأمرني أن أنزعه".
فعمر بن الخطاب, كان له موقف ثابت من إمارة أسامة وبقي ثابتاً على هذا الموقف حتى بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
ثالثاً: إن تعامل الرجلين مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, في مرضه, لا يدل على تعلقهما الشديد به, بل الواضح إنهما كانا مصدر إزعاج له في مرضه, ولقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, عمراً أكثر من مرة. ففي تخلفه وتقوله في جيش أسامة, خرج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, معصب الرأس غاضباً فقال:((لعن الله من تخلف عن جيش أسامة)).
ثم إن أبا بكر لم يكن حاضراً عند وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, ذكر ابن الأثير في تاريخه:"ولما توفي صلى الله عليه وآله وسلم, كان أبو بكر بمنزله بالسنح"- الكامل, والطبري, وتاريخ ابن خلدون-.
أما عمر بن الخطاب فوقف موقفاً قمعياً, إذ حال بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, في مرضه والكتابة. وهي أكبر لغز في تاريخ الإسلام, ما تزال ((المبررة)) تغض الطرف عنه, ولا تمعن فيه النظر. وهو ما سمي((برزية يوم الخميس)) حيث أخرج مسلم في كتاب الوصية من الصحيح قال: عن سعيد بن جبير من طريق آخر عن ابن عباس, قال: يوم الخميس وما يوم الخميس, ثم جعل تسيل دموعه حتى رؤيت على خديه كأنها الؤلؤ. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, "إئتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة, اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً, فقالوا: إن رسول الله يهجر"- ذكره أحمد بهذا اللفظ ومسلم, وورد لفظ مختلف هذا الحديث في صحيح البخاري, وتاريخ الطبري, والكامل-.
وأخرجه الطبراني في الأوسط بهذا اللفظ لما مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وقال:"إئتوني بصحيفة ودواء أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً. فقال النسوة من وراء الستر: ألا تسمعون ما يقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال, قال عمر: فقلت إنكن صويحبات يوسف- ترى من هن صويحبات يوسف. هل هي(زليخة) التي عشقت فتى غير زوجها وراودته عن نفسه. أم زائراتها اللائي قطعن أيديهن وسلمن(لزليخة) في رغتها في (يوسف) أهكذا(عمر) يشبه نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟- إذا مرض رسول الله عصرتن أعينكن, وإذا صحّ ركبتن عنقه! قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"دعوهن فإنهن خير منكم"- لا أريد الإطالة في عرض الحديث وأسانيده وطرقه المختلفة التي اكتظت بها كتب الصحاح الستة وتواريخهم ومن بين أولئك البخاري في صحيحه في باب مرض الرسول وفي كتاب العلم. كما أخرجه مسلم في باب الوصية, وأحمد والطبراني في الأوسط وكنز العمال الجزء الثالث, ومن المؤرخين ذكره الطبري في التاريخ, وسعد في الطبقات, بسنده عن سعيد بن جبير عن بن عباس, وذكر البخاري في جواز الوفد من كتاب الجهاد والسيرة من صحيحه: حدثنا بن عيينة عن سلمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال يوم الخميس وما يوم الخميس إلى أن قال. فقالوا: هجر رسول الله. قال صلى الله عليه وآله وسلم: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه, وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب, وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم قال ونسيت الثالثة.
أقول: وليس هذه"نسيت الثالثة" سوى الرديف الطبيعي لـ"كذا وكذا" التي سبق أن رأيناها عند الطبري في تفسيره أثناء بحث حديث"الدار", برغم اعترافه بالحديث في تاريخه, وكأن المؤرخين والمحدثين فطروا على نسيان"الرزايا" التي تعتبر بؤرة لفهم ما حصل ولماذا! وحديث "الدواة" أشهر من نار على علم لدى كل المحدثين وهو بحق, أعظم رزية على حد قول ابن عباس.
و((يهجر)) هذه التي أستخدمها عمر, ليست أدباً يليق بمقام النبوة, وعمر يعلم أن من راحة النبي صلى الله عليه وآله أن يقدم له ما يطلب. ولم يؤذن لعمر أن يفتي في حضرة الرسول صلى الله عليه وآله, وبأنه((حسبنا كتاب الله)) والأحاديث تؤكد بأن الرسول صلى الله عليه وآله, غضب لذلك غضباً شديداً وهو ما يفيد قولنا, بأن حضور عمر بن الخطاب, كان له هدف مرسوم وغاية محددة. ولو كان أطاع النبي صلى الله عليه وآله, في السير مع جيش أسامة لكان خيراً له, وأقرب للتقوى كما يجب أن يتحلى بها صحابة الرسول صلى الله عليه وآله, وحماة العقيدة, وأفضل له من قذف الرسول بالهجران- ((الهجر)) في اللغة هو القول السيئ وفي لسان العرب لابن منظور, الهجر بفتح الهاء- القبيح من الكلام, والهجر أيضاً بمعنى الهذيان, والهُجر بالضم الاسم من الإهجاء وهو الإفحاش, وكذلك إذا كثر الكلام فيما لا ينبغي. وهجر في مرضه. بمعنى هدى.. وكان هذا ما أراده عمر بن الخطاب من كلمته مما زاد الرسول صلى الله عليه وآله ألماً ووجعاً..وأمرنا لله!- .
أولا:- لأنه تخلف عن جيش أسامة ولم يجب أمر الرسول.
وثانياً:- لأن الرسول صلى الله عليه وآله, لما رآه حاضراً, طلب فوراً الدواة والقرطاس, لأنه يعلم أن وجود عمر في المقام يهدف كسب الخلافة لصالح مخططه. والدليل على ذلك, أنه هو نفسه الذي عارض طلب الرسول بحجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم يهجر, ((بمعنى يهذي)), أي أن النبي صلى الله عليه وآله, فقد صلاحية النبوة في تلك اللحظ, وهو لا يزال بين أظهرهم. وأعطى عمر بن الخطاب نفسه منذ ذلك الوقت, صلاحية الاجتهاد والتقرير!.
وعمر هذا كان يدرك ماذا يمكن أن يكتب الرسول في ذلك القرطاس, ولم يكن ابن عباس والآخرون يجهلون حقيقة الموقف لما قال: الرزية كل الرزية لما حال بين الرسول والكتابة. فهي رزية لأن دليلها تجلى في أحداث السفيفة وما بعدها. ويورد ابن أبي الحديد في شرح النهج عن ابن عباس قال: خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى خرجاته. فانفرد يوماً على بعيره فقال لي: "يا ابن عباس أشكو إليك ابن عمك- أي الإمام علي عليه الصلاة والسلام- سألته أن يخرج معي فلم يفعل ولا أزال أراه واجداً, فما تظم موجته؟ قلت يا أمير المؤمنين إنك لتعلم, قال: أظنه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة. قلت: هو ذلك, إنه يزعم أن رسول الله أراد الأمر له. قال: يا ابن عباس وأراد رسول الله الأمر له فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك؟ إن رسول الله أراد أمراً وأراد الله غيره فنفذ أمر الله ولم ينفذ مراد رسول الله, أو كما أراد رسول الله أمراً أراده الله"؟ وهذه الكلمة التي هي أقل قسوة من((يهجر)) تدل على مدى معرفة عمر بن الخطاب بمجريات الأمور, وإدراكه لكل تلك الأبعاد. ولذلك أبى إلا أن يوقف الرسول صلى الله عليه وآله, عند حده. ويقوم بقمع آل البيت حتى لا يحضروا له الدواة.
إن الحؤول دون((نص)) جديد في تأكيد المسألة, هو ما دفع عمر بن الخطاب لمنع الإتيان بالدواة والقلم. ولقد ألف عمر بن الخطاب مخالفة الرسول صلى الله عليه وآله, في حياته وخلف له متاعب كثيرة, كتلك التي يفي صلح الحديبية, وكرفضه إمارة أسامة. ولقد مات الرسول صلى الله عليه وآله غاضباً وهو يعلم أن القوم حريصون على((إمارة)) المسلمين, لقد علم بكل ما سيقع. فكان همه, أن يسير إلى علي عليه الصلاة والسلام بما ينبغي أن يقوم به في الأحوال التي سيواجهها في المستقبل. وبقي معه, حتى فاضت روحه الطاهرة وهو يتوسد صدر الإمام علي عليه الصلاة والسلام- من المفارقات العجيبة التي تروى لدى العامة, إن الرسول صلى الله عليه وآله, مات مستنداً إلى عائشة. وهذا تلفيق تاريخي. أصطنعوه. التاريخ يحدثنا أن الذي أهتم بمرضه ودفنه.. هو الإمام علي عليه الصلاة والسلام, وأورد ابن سعد في الطبقات أكثر من رواية تقول بأنه توفي في حجر علي بن أبي طالب(2/232-632).
وروى الحاكم في المستدرك عن أحمد بن حنبل بسنده: عن أم سلمة قالت: والذي أحلف به أن كان علي لأقرب الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وآله, إلى أن قالت: فأكب عليه رسول الله وجعل يساره ويناجيه, ثم قبض رسول الله من يومه ذلك فكان علي أقرب الناس عهداً به.. وذكر صاحب الكنز أنه قيل لابن عباس: أرأيت رسول الله توفي ورأسه في حجر أحد؟ قال: نعم توفي وإنه لمستند لصدر علي, فقيل له: أن عروة يحدث عن عائشة أنها قالت: توفي بين سحري ونحري, فأنكر ابن عباس ذلك, قائلاً للسائل: أتعقل؟ والله لتوفي رسول الله وإنه لمستند إلى صدر علي وهو الذي غسله.. وذكر ذلك الحاكم في مستدركه(3/138): وعلق على سنده قائلاً: هذا حديث صحيح الإسناد, ولم يخرجاه(أي البخاري ومسلم), وصححه الذهبي في تلخيص المستدرك-.
وما إن فاضت روحه الطاهرة. حتى تفرقت الصفوف من حول الرسول صلى الله عليه وآله, ولم يبق حوله إلا الإمام علي عليه الصلاة والسلام وأهل بيته.
لم يرو التاريخ أن عمر بن الخطاب هذا الذي أبى السير مع أسامة وبقي حباً متعلقاً بالرسول صلى الله عليه وآله, لم يرو التاريخ أنه أهتم بجنازة الرسول صلى الله عليه وآله, وكل ما في الأمر أنه بدأ يقول كلاماً غريباً عن منطق العقل, لا سند له من الكتاب, مفاده أن الرسول صلى الله عليه وآله لم يمت!.
وبقي الرسول مسجى بين يدي آل البيت, يغسلونه, في الوقت الذي راح الآخرون يتطاحنون على حق محسوم بالنص واستغلالاً للظرف. وركوباً لفرصة غياب الإمام علي وآل البيت عليهم الصلاة والسلام.
ويقول إدريس الحسيني:(وإنني ما زلت أتساءل- لا عن زهد عمر وأبي بكر وغيرهم في جنازة الرسول صلى الله عليه وآله, بسبب التسابق إلى السقيفة- بل أتساءل عن أولئك اللذين لا يزالون يبررون التاريخ المفضوح, كيف لا يفهمون((اللعبة)) التاريخية؟ لقد حال بين هؤلاء والحقيقة, أن الصحابة أعيد تركيبهم تاريخياً ليصبحوا أكثر أهمية من الرسول صلى الله عليه وآله والأمة).
ذكر ابن سعد في الطبقات, إنه غسل الرسول صلى الله عليه وآله, علي بن أبي طالب, والفضل بن العباس, وأسامة بن زيد.
وفي رواية ابن الأثير في التاريخ الكامل((ولما توفي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان أبو بكر بمنزله بالسنح, وعمر حاضر, فلما توفي قام عمر فقال: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي وإنه واللم ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران, والله ليرجعن رسول لله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه مات. وأقبل أبو بكر وعمر يكلم الناس.. إلى أن قال فأقبل أبو بكر على الناس, فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر...الحديث)) وهذا الحديث وثيقة قابلة للنقد, والسؤال الذي يجب توجيهه لهذه الوثيقة: لماذا وبأي دليل, يكون الرسول صلى الله عليه وآله ليس ميتاً في ذهن عمر؟ وما هو الانسجام في قياس النبي بموسى ابن عمران عليهما الصلاة والسلام. إذ أن الثاني ذهب بروحه وجسده. بينما الرسول صلى الله عليه وآله بقية جثته أمامهم!؟.
ثم كيف تتحول وجهة النظر هذه إلى قمع وإرهاب واتهام بالنفاق وتهديد بالقتل الذي حرمه الله إلا بالحق؟.
ولماذا نجد عمر الذي فقد وعيه وبدأ يقول الغرائب. ولم يستطع أحد الاقتراب منه, كيف يهدأ ويسلس ويحضر له الضمير والعقل لما جاء أبو بكر وقال ما قال؟!.
هذا لغز تاريخي يجب إخضاعه للحفر المنهجي, وإزالة الملابسات التبريرية عنه, لإظهار وجه الحقيقة من خلاله, فلم عمر بن الخطاب يكن يجهل((وفاة)) الرسول كيف ذلك وهو من أتهمه ((بالهجران)), وأعترف بأنه افتقد الوعي, وحسبنا كتاب الله! ولم يكن عمر يجهل الآية التي تلاها عليه أبو بكر:((وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل* أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم)) فلقد كان يعرفها وهو الذي سمع الرسول ينعى نفسه إليهم. وإنما أمر آخر كان يشغل بال عمر. هو أن يصرف الناس عن التفكير فيما بعد ((الوفاة)). حتى يبرح الوقت لكي يأتي أبو بكر, وتتم العملية. وما أن جاء أبو بكر حتى سمعوا بأمر الأنصار واجتماعهم في السقيفة, فالتحقوا بهم مسرعين, وانتهى محمد صلى الله عليه وآله, ولم يبقى إلا أمر السقيفة. حيث يدخلها عمر بن الخطاب بكل قوة وتحضير من دون أن تتخلله رقة, من أثر وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
دخل عمر السقيفة ليطرح رأيه, ويلغي رأي الجميع. متذرعاً إن أبا بكر هو الوحيد الذي يصلح للأمة. وكأن محمد لم يتمكن خلال السنين الطوال. أن يصنع من هو أصلح للأمة, سوى أبي بكر. وبدا أبو بكر مضطرباً, يريد الخلافة ولا يريدها!.
وكان عمر بن الخطاب, يتشدّد في تشجيع أبي بكر. لقد تركوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طريح فراشه. وانشغلوا بأمر الخلافة.
يقول ابن كثير:"توفي (صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين وذلك ضحى فاشتغل الناس ببيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة ثم في المسجد البيعة العامة في بقية يوم الاثنين وصبيحة الثلاثاء كما تقدم ذلك بطوله ثم أخذوا في غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتكفينه والصلاة عليه ((تسليماً)) بقية يوم الثلاثاء ودفنوه ليلة الأربعاء"- البداية والنهاية(5/305).
وكان عمر وأبو بكر قد سمعا باجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة, فلحا بهم حتى لا يفوتا عليهما الفرصة.وفي تاريخ اليعقوبي: قال" فأتى الخبر إلى أبي بكر وعمر ففزع أشد الفزع. فقام معه عمر فخرجا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة".
لقد فزع أبو بكر لما رأى الأنصار مجتمعين في السقيفة. وما فزع لوفاة الرسول صلى الله عليه وآله ولم يحزن كما حزن آل البيت عليهم الصلاة والسلام المنشغلون بتجهيز الرسول, لقد توفي الرسول وأبو بكر في منزله بالسنح مع أهله- أقول: وأولى له أن يسير مع جيش أسامة بدل الذهاب إلى بيته-.
ولم يفزعه أمر((الوفاة)) مثل ما أفزعه أمر((السقيفة)).
كان المخطط الذي رسمه أبو بكر وعمر وأبو عبيده, وهم في طريقهم إلى السقيفة, متكاملاً. ولم يفصل لنا التاريخ فيما قيل بين الثلاثة وهم في طريقهم إلى الأنصار وليس من المنطق, أن يسيروا كل هذه المسافة, دون أن يتحدثوا في موضوع السقيفة. المخطط هو أن تكون الخلافة دولة بينهم, فأقبل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة. فقالوا:"يا معشر الأنصار! منا رسول الله, فنحن أحق بمقامه. وقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير! فقال أبو بكر: منا الأمراء وأنتم الوزراء. فقام ثابت ابن قيس ابن شماس, وهو خطيب الأنصار. فتكلم وذكر فضلهم. فقال أبو بكر, ما ندفعهم عن الفضل, وما ذكرتم من الفضل فأنتم له أهل. ولكن قريشاً أولى بمحمد منك"وهذا عمر بن الخطاب الذي قال فيه الرسول:"اللهم أعز الدين به. وهذا أبو عبيدة الذين قال رسول الله فيه:أمين هذه الأمة, فبايعوا أيهما شئتم, فبايعا وقالا: والله ما كنا لنتقدمك, أنت صاحب رسول الله وثان اثنين. فضرب أبو عبيدة على يد أبي بكر, وثنّى عمر, ثم بايع من كان معه من قريش"-اليعقوبي(2/123).
{تاريخ الزيف.. وزيف التاريخ!
حقائق حُرِّفت لتصبحِ غرائب، وأكاذيب زُيُنت لتكون ثوابت، وأحاديث محيِت وحُرقت، ونصوص غُيِّبت ودُفنِت، وعقائد استُبدلت، وأحكام ابتُدعت!
لك ما جرى طوال ألف وأربعمائة عام، على يد أجهزة التحريف والتزوير التابعة للسلاطين والحكام! فكل ما يمكن أن يساعد على تثبيت المُلك؛ لم تتردد تلك الأجهزة في نسجه وصنعه وتدوينه، وكل ما يمكن أن يهدد استقرار النظام؛ لم تتردد تلك الأجهزة في محوه وإلغائه وتحريفه!
منذ يوم السقيفة المشؤوم، بدأت مرحلة الكذب والخداع والتدليس، لإقصاء آل محمد (صلوات الله عليهم) عن مكانتهم الدينية بعدما تم إقصاؤهم عن وظيفتهم الشرعية في قيادة الأمة.
إنهم لم يكتفوا بإبعاد أهل الوحي عن طريق سلطانهم، بل حاكوا المؤامرات لقتلهم والتخلص منهم! ثم لم يكتفوا بذلك أيضاً فعمدوا إلى الإنقاص من شأنهم والرفع من شأن أعدائهم!
وهكذا صنعوا تاريخ الزيف المكتظ بالأباطيل والأكاذيب والملفقات، وهكذا اكتشفنا زيف التاريخ المجمل بالأساطير والأوهام والخرافات!
وانطلى هذا التاريخ على الشعوب والأجيال، وغدت الأكاذيب مسلمات لا محيص عنها! فيما صارت الحقائق بدعا من القول لا صحة فيها!
في ذلك التاريخ الزائف؛ رُمِيَ ولي الله الأعظم أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) بطعون شتى، فهو شارب الخمر الذي لم ينتهِ عنه حتى نزلت آية: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى)! وهو الذي أغضب الزهراء (سلام الله وصلواته عليها) حيث أراد الزواج عليها من ابنة أبي جهل فخرج النبي (صلى الله عليه وآله) مغضباً وهو يقول: (فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني)!
ولكن الزيف مآله إلى زوال، ففي تاريخ الحقيقة؛ أن الذي شرب الخمر وكان مولعاً به ليس إلا عمر بن الخطاب، والآية قد نزلت فيه! وأما الذي أغضب فاطمة (عليها الصلاة والسلام) فمعلوم من يكون؛ إنه أبو بكر بن أبي قحافة.. ومن غيره!
هذه هي سمات تاريخ الزيف، التبديل والتحريف. تُلصِق مثالب القوم بأهل الطهر، وتُسلب فضائل أهل الطهر لتُلصق بالقوم!
لذا فلا عجب - في ذلك التاريخ - إن أصبح لمدينة العلم أرض وحيطان وسقف ومفتاح، بعدما كانت تقتصر على باب واحد! وقف النبي (صلى الله عليه وآله) ليقول: (أنا مدينة العلم وعلي بابها). فجاء أبو هريرة ليروي: (أنا مدينة العلم وأبو بكر أرضها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها ومعاوية مفتاحها)!!
ولا عجب إن أصبح للمسجد أكثر من باب مفتوح، بعدما كانت الأبواب تقتصر على باب واحد! أمر النبي (صلى الله عليه وآله) أن تُسد جميع أبواب البيوت الملاصقة للمسجد والمطلة عليه، إذ لا يجوز أن يدخل المسجد جُنُب على غير طهارة، باستثناء علي وأهل بيته (عليهم الصلاة والسلام) لأنهم طاهرون مطهرون.. فيأتينا أمثال أبي هريرة ليروي أن النبي سد الأبواب إلا باب أبي بكر أو (خوخة) أبي بكر!
وهكذا استُبدلت (كتاب الله وعترتي) بـ (كتاب الله وسنتي)! وهكذا استبدلت (أهل بيتي كالنجوم) بـ (صحابتي كالنجوم)! وهكذا استبدلت: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) بـ (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة)! وهكذا استبدلت (عما عُرج بي إلى السماء رأيت مكتوباً على العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه ولي الله) بـ (.. رأيت مكتوباً على العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله أبو بكر الصديق)!!
دجل وخداع وكذب وتزوير!
هذا ما أتانا من تاريخ السلاطين والحكام وخلفاء الجور الذين انقضوا على رسول الله وأهل بيته وأرادوا ليطفئوا نورهم.. ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون!
مهما طال الزمان.. ستظهر الحقيقة يوماً، وسيكتشف المسلمون كيف خدعوا بالأساطير والخرافات، وكيف غُيِّبوا عن معرفة الحقائق بفعل الأنظمة والحكومات!
أتمنى يا أخي الكريم ألفا- بيتا إنك قرأت.. صاحب الغار – ليس أبا بكر!.. الموضوع الذي وضعته الأخت أسيرة بلا قيود في هذا المنبر ((منبر الحوار العقائدي)), لكي تتضح لك الصورة}
قد كان التاريخ بيد تلك الأنظمة، فمعاوية - لعنه لله, ولازم تسمح لي ألعن, ولم يقتنع أغلبية الحاضرين بهذه ((اللعبة)) المكشوفة. فقد قام الحباب بن المنذر وقال:"يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر"-الكامل(2/330)-.
والذين بايعوا أبا بكر من الأوس, إنما فعلوا ذلك لحدة الصراع بين الأوس والخزرج, وإنهم بايعوا أبا بكر فقط ليمنعوا الخزرج من هذا الامتياز.
غير أن سعد بن عبادة, لم ينكسر أمام هيمنة أبي بكر عمر إنها بداية وأبى أن يبايع. وأدرك بعض الأنصار طبيعة اللعبة وأحاطوا بأطرافها وعلموا لمسيرة طويلة, وإنها ستحول إلى ((دولة)) بين أبي بكر وعمر. وفي تلك اللحظة قال أبو بكر للحباب:(أمنا تخاف يا حباب؟ قال: ليس منك أخاف, ولكن ممن يجيء بعدك. قال أبو بكر فإذا كان ذلك كذلك, فالأمر إليك وإلى أصحابك. ليس لنا عليكم طاعة, قال الحباب: هيهات يا أبا بكر, إذا ذهبت أنا وأنت جاءنا بعدك من يسومنا الضيم"-الإمامة والسياسة(1/9).
إن معارضة سعد بن عبادة(رض) لبيعة أبي بكر, تركت تحدياً, وإن تشدده في الرفض لم يكن حباً في الإمارة, بقدر ما هو رفض لأبي بكر وعمر بن الخطاب. وللطريقة التي ركباها في إلغاء رأي الآخرين, وتثبيت أنفسهم.
وفي رواية قال عمر-الإمامة والسياسة-: اقتلوه قتله الله. فقال سعد: احملوني من هذا المكان فحملوه إلى داره وترك أياماً, ثم بعث إليه أبو بكر: أن أقبل فبايع, فقد بايع الناس وقومك, فقال:"لا والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي. وأخضب منكم سناني ورمحي, وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي, وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي, ولا والله ولو إن الجن اجتمعت مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم حسابي"-الإمامة والسياسة-, وكان من المفترض أن يقتل سعد بن عبادة لتوها, لولا أن عوامل كثيرة حالت بينه وبين عمر. والثابت في التاريخ, والظاهر من الأحداث, أن عمر بن الخطاب هو الذي دبر عملية اغتيال سعد. وبتنفيذ هذه العملية يكون عمر بن الخطاب أول مشرّع للاغتيال السياسي, وأسلوب تصفية المعارضة جسدياً في الإسلام. لقد كان رأي عمر يرمي إلى إجبار سعد إلى مبايعة أبي بكر بالقوة. غير أن الأمر قد يسبب له خطورة. قال عمر لأبي بكر: لا تدعه حتى يبايعك, فقال لهم بشير بن سعد.. إنه قد أبى ولجّ وليس يبايعك حتى يقتل, وليس بمقتول حتى يقتل ولده معه, وأهل بيته وعشيرته, ولن تقتلوهم حتى تقتلوا الخزرج, ولن تقتل الخزرج حتى تقتل الأوس, فلا تفسدوا على أنفسكم أمراً قد استقام لكم, فاتركوه فليس تركه بضاركم, وإنما هو رجل واحد. فتركوه وقبلوا بمشورة بشير: وكان سعد لا يصلي بصلاتهم, ولا يجتمع بجمعتهم ولا يفيض بإفاضتهم ولو يبايعه أحد على قتالهم لقاتلهم. فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر وولى عمر, فخرج إلى الشام, فمات بها, ولم يبايع لأحد"- نفس المصدر السابق-.
ويذكر التاريخ أن سعد بن عبادة مات مقتولاً. وذلك أثناء ذهابه إلى ((حوران)) وبينما هو خارج ليلاً, إذا بسهم يطلق على ظهره فقتله. وثبت لدى المؤرخين أن المغيرة بن شعبة هو الذي قتله. ونحن نتساءل, لماذا يقتل سعد بن عبادة, وما الفائدة أن يقتله إنسان مجهول؟ لقد جاء غسّالوا صحون (البلاطات) ليثبتوا حقيقة"فكاهية مفادها أن سعد بن عبادة قتله الجن"- وقد ذُكر هذا في مصادر عديد:الطبري, والكامل, والعقد الفريد-, ذلك لأنه تبول في الماء الراكد. وقد أوردوا أبياتاً قد قالها الجني الذي رماه بالسهم:
قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة
ورمينــــــاه بسهمين فلم تخط فؤاده
ويبدو لي أن الذي قتل سعداً, كان من الجن السياسي. لأنه يفتخر بقتل((سعد بن عبادة)) سيد الخزرج. ولأول مرة تفيض ((عبقرة)) بالجان السياسي في أرض العرب. والظاهر أن الجني, هو عميل عمر بن الخطاب وهو جني بلا شك مادام أنه كان متلبساً ومتخفياً في جنح الظلام.
ولست أدري لماذا يقتل "سعد بن عبادة" لأنه رفض البيعة؟!, إذا كان أمر البيعة في منطق السقيفة شورى!
ولم تكن هذه الثغرة الوحيدة في أحداث السقيفة وما بعدها فلقد عارض السقيفة جمع غفير من رموز الصحابة الكبار. الذين أشغلهم الخطب بوفاة الرسول صلى الله عليه وآله, وعلى قمة المعارضين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام. لقد ذكر المؤرخون أن علياً عليه الصلاة والسلام وبني هاشم وجماعة من الصحابة, امتنعوا عن البيعة, واعتصموا في بيت فاطمة.
"وتخلف قوم غفير عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار. ومالوا مع علي بن أبي طالب. ومنهم: العباس بن عبد المطلب, والفضل بن العباس, والزبير بن العوام بن العاص, وخالد بن سعد, والمقداد بن عمرو, وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري, وعمار بن ياسر, والبراء بن عازب, وأبي بن كعب, فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة والمغيرة بن شعبة فقال...الخ" وذكر ابن الأثير: قال الزهري: بقي علي وبنو هاشم والزبير ستّة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة(رض) فبايعوه{أمحق شورى}
ولم يكن عمر ليستريح وهو يرى علياً عليه الصلاة والسلام وبني هاشم وجماعة من الصحابة معتصمين ببيت فاطمة عليها الصلاة والسلام فانطلق عمر وجماعة معه. وحثهم على الخروج. فأبوا أن يذعنوا. ويذكر ابن قتيبة:"فجاء فناداهم وهم في دار علي, فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده: لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها. فقيل له يا أبا حفص: إن فيها فاطمة؟ فقال وإن, فخرجوا فبايعوا إلا علياً, فإنه زعم أنه قال: حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن فوقفت فاطمة(رض) على بابها, فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضراً منكم, تركتم رسول الله جنازة بين أيدينا, وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا, ولم تروا لنا حقاً..الخ"- الإمامة والسياسة, وحديث حرق دار فاطمة, ومن رواته ابن عبد ربه في العقد الفريد, وشرح النهج, وتاريخ الطبري, والملل والنحل, وبهامش الفصل لابن حزم, ونقلت تلك الرواية مصادر شيعية: بحار الأنوار, والغدير, كما أكد ذلك السيد مرتضى العسكري في كتابه بن سبأ, عن كثير من المصادر السنية-.
وكان لموقف عمر هذا أثر على بني هاشم وأتباعهم, وبالأخص عندما أراد أن يحرق على فاطمة الزهراء عليها الصلاة والسلام دارها, حيث تمثله شاعر النيل حافظ إبراهيم في قصيدته الشهيرة:
وقولة لعلي قالها عمر أكرم بسماعها أعظم بملقيها
حرقت دارك لا أبقي عليك بها إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص بقائلها أملم فارس عدنان وحاميها
وبقي علي عليه الصلاة والسلام رافضاً لمبايعتهم. رغم كل المحاولات. وفي رواية للطبري:
تزلف علي واخترط الزبير سيفه وقال لا أغمده حتى يبايع علي فقال عمر خذوا سيف الزبير فاضربوا به الحجر فانطلق عليهما عمر فجاء بهما غصباً وقال لتبايعان طائعان أو لتبايعان وأنتما كارهان.فبايعا..
وذكر ابن الأثير في تاريخه:"الصحيح أن أمير المؤمنين لم يبايع إلا بعد ستة أشهر. وقيل للزهري حسب رواية الطبري- أفلم يبايع علي ستة أشهر قال لا ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي".
إننا نريد أن نخرج من هذا الضباب الكثيف من المرويات. لنمسك بنتيجة شافية. فمأساة الإمام علي عليه الصلاة والسلام في المبايعة كانت من أشهر المآسي في تاريخ الإسلام. ولم يستضعف الإمام علي في جزيرة العرب يوماً, مثلما استضعف بعد السقيفة على يد من زعموا لأنفسهم مقامات كبيرة. وكان بإمكان الإمام أن يحولها لفتنة ضاربة. ولكنه خاف على العقول الصغيرة والقلوب المشوهة, أن يشدها الكفر إليه مرةً أخرى, وتستكين إلى الردة بعد أن أسلمت تحت وقع الحراب. إنه بقي صامتاً. وترك التاريخ يتحدث عنه بالوكالة, وهو عليه الصلاة والسلام لم يكن إلى هذه الدرجة من الضعف حتى يستطيع رجل مثل عمر بن الخطاب فرّار أحد, وجبان خيبر أن يقف أمام أبي الحسن عليه الصلاة والسلام أسد الحروب وعملاقها. ولكن عمر اختبأ في مجموعة من ضعاف الإيمان, والطلقاء من أمثال((قنفذ)) الذي اخترق الباب على حريم البيت الهاشمي, ليرهب بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فاطمة الزهراء عليها سلام الله وصلواته فيفوز برضى برابرة السقيفة.
نحن هنا نتساءل عن هذا المفهوم الشوروي, إن الشورى كما فهمها الاجتماع البشري منذ النشوء الأول للاجتماع, إنها استخلاص حر للآراء والقرارات من قبل المجتمع. إن مفهوم الشورى يعني معرفة رأي الآخر واحترامه. وليست الشورى إلى تعبيراً آخر عن احترام الآخر ورأيه في إطار الحرية. ليست الشورى طريقة إرهابية لاستطلاع الرأي ثم الحكم على صاحبه بالإعدام- كما الحال بالنسبة لسعد بن عبادة(رض) فهذه صورة أخرى للاستبداد. كما أن الشورى لا تعني إرهاب الآخر وإكراهه على الاعتراف بالرأي المقابل بالقوة والعنف. فحتى((الديمقراطيون)), كانوا يحترمون الرأي الآخر. وحتى لو كان ذلك الرأي ضدهم, فهم يحاولون منع هذا عن تطبيق رأيه فقط! إن عمراً لما جاء إلى بيت فاطمة عليها الصلاة والسلام, وشرع للتحضير لحرقها, لم ينسجم مع روح الشورى لا في مفهومها الديني ولا الوضعي. بقدر ما هي همجية قبلية, بدوية, من أجل إكراه من في بيت فاطمة على المبايعة, لأمر لم ناقشوه ولم تتاح لهم الفرصة لمناقشته. وقف عمر كصاحب قرار يجب على الإمام علي الإذعان له. من دون أن يقدم دليلاً عمن خوله صلاحية إصدار القرارات. وأراد من الإمام علي عليه الصلاة والسلام أن يكون منفذاً, لا مسائلاً على الأقل.. فعمر بن الخطاب فرض رأياً في السقيفة, ومارس استبداده للآخرين وطلب من الإمام علي الخضوع لهذا القرار الاستبدادي. ومن يا ترى الإمام علي؟
أولاً:- هو الأقوى الذي قامت الأمة الإسلامية بمؤازرته وبلائه و...
ثانياً:- هو الأعلم, والأحكم والأقضى.
ثالثاً:- هو الأتقى, والأحرص على وحدة الصف.
والروايات الدالة على ذلك كثير ة ويكفي قوله صلى الله عليه وآله في علي (علي مع الحق والحق مع علي).
لا بد من الاعتراف أن عمر قد أخطأ, وإن خطأه كان أساساً لكل المفاسد التي قامت فيما بعد. والحلقة الأساسية في سلسلة الانحراف الذي شهدته الأمة. والذي يتحدث هنا عن الخطأ هو-عمر- نفسه لمّا قال:(إن بيعة أبي بكر يوم السقيفة, فليتوقانا الله شرها, فمن عاد إليها فاقتلوه)- ذكره الطبري عن ابن عباس في أكثر من موضع في المجلد الثالث:-
إن الذي يجعل عمر يرى عقوبة"القتل" لمن سلك طريقة السقيفة. هو نفس التعليل الذي يمكن أن ينطبق عليه. وهو حكم على نفسه أنه أخطأ خطأ يوجب القتل. ولكنه عاد إليه في نهاية عمره. ليقتدي بأبي بكر في الوصية مع أن أبا بكر في حد ذاته هو صنيعة الوضع- المنفلت- في السقيفة.
كان أبو بكر وعمر مخطئين, ومتجاوزين للنص, والملابسات التي رافقت أحداث السقيفة ومرض الرسول تدل على ذلك. وكان عمر بن الخطاب موقفه سيء من أهل البيت وتاريخه خير شاهد على هذا, ويعترف مسلم في صحيحه أن علياً عليه الصلاة والسلام, بعد وفاة فاطمة الزهراء, وبعد أن فكر في تحصين نفسه ومن معه من جبروت طلاب الخلافة دعا أبا بكر إلى بيته, على أن يكون منفرداً, وأشار "مسلم" إلى أن ذلك إشارة لعدم حضور عمر بن الخطاب للكراهية التي كانت تفصله عن البيت المحمدي. كان أبو بكر ضعيفاً لم يغلب نفسه أمام طمع الخلافة والوجاهة إنها نفس الأطماع التي دفعته إلى عصيان الائتمار بأسامة بن زيد في حياة الرسول صلى الله عليه وآله. أما عمر بن الخطاب, وللنفسية الحادة التي كان يتحلى بها, كان ينزع إلى التطرف والانحراف عن النص وقد بين ذلك المؤرخون. وبهذا كان يفتن المسلمين عن الرسول في صلح الحديبية. أبو بكر بهذا الضعف, وعمر بتلك الحدة, ارتكبا الخطيئة التي تسلل من ورائها الجهاز الأموي. إنهما أعطيا الأمويين مبرر السطو على الخلافة, ومحاربة آل البيت في شأنها, متعللين بمثال أبي بكر وعمر.
ومعاوية كان داهيةً لمّا رد على محمد بن أبي بكر وهو من شيعة علي عليه الصلاة والسلام, حين كتب إلى معاوية يذكره بفضائل علي فقال معاوية راداً عليه:((قد كنا وأبوك فينا, نعرف فضل ابن أبي طالب وحقه لازما لنا مبروراً علينا, ثم كان أبوك وعمر, أول من ابتزه حقه وخالفه على أمره.. فإن يك ما نحن عليه صواباً, فأبوك استبد به ونحن شركاؤه, ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ولسلمنا إليه. ولكنا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا فأخذنا بمثله. فعب أباك بما بدا لك أو دع ذلك, والسلام على من أناب"- مروج الذهب الجزء الثاني باب(خلافة أمير المؤمنين) وبنات النبي- {أقول: جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم}.
كان هذا مستمسكاً, لبني أمية كي يعبثوا بمصير أمة مسؤولة بين الأمم ولست هنا أقول إن أبا بكر وعمر بن الخطاب, كانا على علاقة بالخط الأموي. فإن ذلك ما كان وما كان ينبغي أن يكون. فالمشروع الثلاثي في السقيفة كان ذا أهداف شخصية- هذا وإن حصلت مساومات غير مباشرة بينهما والأمويين, مما أسفر عن تولية معاوية ويزيد بن أبي سفيان لإسكات أبي سفيان- لقد أرادوا فقط الخلافة, وهم استصغروا علياً وادعوا خوفهم عليه من حداثة سنه. ولا يزال مع ذلك أبو بكر يشيد بمقام علي عليه الصلاة والسلام, ولا يزال عمر يرى((لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن)) ولكن خطأهما, لم تشفع لهما فيه الزهراء سلام الله وصلواته عليها لما أغضباها وأخذا منها حقها في((فدك)) فماتت وهي غاضبة عليهما.{والدليل على هذا الشيء, إن قبر الزهراء عليها السلام مخفي, بمعنى أنه لا أحد يعرف موقع قبرها, لأنها سلام الله عليها أوصت أبو الحسن عليه السلام أن يدفنها في الليل عندما تنام الأعين, لكي لا يذهبا إلا قبرها ويتسامحا منها}


((((((((((((((((((((((فاطمة بضعة مني, يؤلمني ما يؤلمها ويحزنني ما يحزنها))))))))))))))))))))))

إن خطأ أبي بكر وعمر, كان ذا بعد شخصي, وهو الطمع بالخلافة. إذ عز عليهما أن يسلكها غيرهما, كما ثقل عليهما أن يكونا بين الرعية بعد الرسول, بيد أن التيار الأموي. كانت له أهداف بعيدة يطمح إليها ويجهد ليل نهار من أجل تحقيقها.
فلو لم يعارض أهل البيت ولم ينقدوا أبي بكر وعمر, لكان لهم عندهما شأن عظيم. ولكن الآخرون((بني أمية)) كانوا يطمحون لمحو البيت الهاشمي, انتقاماً للماضي, وكفراً صريحاً بوحي السماء. وهو ما أكدته أشعارهم المشهورة:
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا و حي نزل
أقول أن الإمامة, ليست((كفراً)) حتى ولو لم تثبت في التاريخ والنصوص. لأنها ليست سوى الحل المنسجم مع مصلحة الرسالة. إن الغريب, يغيب الرسول ولا يحدثهم عن الخلافة.
أعود مرة أخرى لأؤكد, على أن السقيفة- مشروع فاشل في الأمة. وحدث وقع خارج النص. ذلك لأنه لو أطاع المسلمون السير في جيش أسامة. لما حدث شيء اسمه السقيفة, في ذلك الزمان, وفي ذلك المكان. والمبني على الخطيئة. ثم إن عمر بن الخطاب نفسه يعترف على أن تلك البيعة كانت فلتة, وإنه من عاد إليها فاقتلوه.

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>يتبع___________

أميرة الجنة
19-09-2006, 11:02 PM
انتظر ردك،،،،،،،،،،،،
أتمنى أن تبحث, وأكيد راح توصل للنتيجة التي وصلت لها سواء كان البحث في كتبكم أو كتبنا نحن الشيعة,, وأنتظر بحثك...

صدر الاسلام
19-09-2006, 11:16 PM
من سوء حظك

أميرة الجنة
19-09-2006, 11:23 PM
من سوء حظك

ماذا تقصد........!!!!!!!!!!!!!!؟؟؟؟:mad:
الرجاء التوضيح؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وعدم المماطلة،،،،،،،،

أميرة الجنة
23-09-2006, 04:18 PM
*والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله*

يا مهـــدي
23-09-2006, 05:57 PM
اللهم صلي على سيدنا محمد واله الاطهار وصحبه الاخيار المنتجبين
رمضان كريم وكل عام وانتم بالف خير

متابعين لك ان شاء الله
الجهود كبيرة ومباركة
تحياتي لك
ودمت لفعل الخير

لي عودة ان شاء الله لاكمل

سلام عليكم

أميرة الجنة
23-09-2006, 06:22 PM
الغلو في أهل البيت(ع)

وأثاروا ضدي مسألة الغلو في أهل البيت عليهم السلام:
أقول: كان أهل البيت عليهم السلام من أشد المحاربين للغلو والمغالين, والشيعة تبع لأهل البيت في ذلك, وقد أفتى فقهاؤنا بنجاسة الغلاة؛ كالنواصب, وهم ينكرون على كل من تبدو منه رائحة الغلو ولهم موقف من المغالين, لكن هذا يجب ألا يختلط بالعقائد الحقه فيهم عليهم السلام.
روى الصدوق, بإسناده عبد السلام بن صالح الهروي؛ قال:"قلت للرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله ما شيء يحكيه الناس عنكم؟ قال: وما هو؟. قلت: يقولون: إنكم تدّعون أن الناس عبيد لكم. فقال: اللهم فاطر السماوات والأرض علام الغيب والشهادة؛ أنت شاهد بأني لم أقل ذلك قط, ولا سمعت أحداً من آبائي عليهم السلام قاله قط, وأنت العالم بما لنا من المظالم عند هذه الأمة وإن هذه منها, ثم أقبل علي فقال: يا عبد السلام؛ إذا كان الناس كلهم عبيدنا على ما حكوه عنا فممن نبيعهم؟. قلت: يا ابن رسول الله صدقت. ثم قال: يا عبد السلام؛ أنكر أنت لما أوجبه الله تعالى لنا من الولاية كما ينكره غيرك؟. قلت: معاذ الله؛ بل أنا مقر بولايتكم"- عيون أخبار الرضا(ع):2/182-.
وهنا نقطتان يجب التنبيه عليهما؛ وهما:
يجب معرفة معنى(الغلو) لئلا نتورط في نسبته للآخرين بلا دليل, فالغلو مأخوذ من غلاء السعر أي(إعطاء الشيء فوق قيمته), والقرآن يخاطب الكتابيين فيقول: ((قُل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم))- المائدة,77- لأن الغلو دفع النصارى؛ فأعطوا عيسى بن مريم فوق قدره, فرفعوه إلى مقام الربوبية.
والغلو قد يصل إلى مرحلة الشرك وقد لا يعدو الاعتقاد الباطل, أن الغلو في الأئمة عليهم السلام هو إعطاؤهم فوق قدرهم والاعتقاد فيهم بأكثر مما ثبت بالأدلة القطعية, فهل الشيعة مغالون؟
إن الشيعة يعتقدون بعصمة أفراد معينين من أهل البيت وإمامتهم في الحكم والتشريع بعد النبي(ص) وذلك بدليل:
*آية التطهير. *حديث الثقلين. *أحاديث الخلفاء بعدي اثنا عشر. *أحاديث تعيين علي بن أبي طالب في الخلافة, وأدلة أخرى عقلية ونقلية. فهل في ذلك غلو؟
إن الشيعة يعتقدون بأن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام هم ورثة علوم النبي (ص) ودليلهم على ذلك قول علي عليه السلام:"علمني رسول الله ألف باب من العلم ينفتح لي من كل باب ألف باب"- التفسير الكبير للفخر الرازي, ورواه في كنز العمال, وذكره ابن جرير في تفسيره, وابن حجر في تهذيب التهذيب, وابن سعد في الطبقات-.
وعن أبي الطفبل قال:"شهدتُ علياً وهو يخطب وهو يقول:"سلوني؛ فو الله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به, وسلوني عن كتاب الله؛ فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل"- ابن سعد في الطبقات, وابن نعيم في حلية الأولياء, والمتقب في كنز العمال, وابن حجر في تهذيب التهذيب, وفي فتح الباري والطبري في تفسيره-.
ومن هنا قال في حقه رسول الله(ص)؛ كما رواه جابر بن عبد الله:"أنا مدينة العلم وعلي بابها, فمن أراد المدينة فليأت الباب" هذا حديث صحيح الإسناد- المستدرك للحاكم بعدة طرق, وتاريخ بغداد وطرق أخرى مصححة, وأسد الغابة, ومجمع الزوائد, وتهذيب التهذيب, وفي متن فيض القدير, وكنز العمال, والصواعق المحرقة-.
وقال(ص) كلمة تشمل أهل البيت(ع), وذلك قوله:"الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت"- المحب الطبري في الرياض النضرة, وقال: أخرجه أحمد في المناقب, وذكره علي بن سلطان في المرقاة في شرح المشكاة-.
ولقد ورثت أبناء علي من الأئمة المعصومين عليهم السلام هذه العلوم؛ وذلك لثبوت مقام الإمامة والعصمة لهم, فكانوا مصدر العلم والحكمة في زمانهم.
فالمراتب الربانية من العلم لم تثبت لعلي عليه السلام إلا لكونه إماماً بعد النبي(ص), فلابد أن تكون المراتب العلمية غير عادية عند الأئمة المعصومين من أبناء علي عليه السلام, وهؤلاء الأئمة لا يمكن أن يخطأوا الواقع.
ومع العلوم الغير العادية حبى الله هؤلاء الأئمة كرامات ومنحاً لأنهم خلفاء النبي (ص) وورثة(الإمامة)؛ ذلك المقام الشامخ في الإسلام, وكل منحه لديهم من العلم بالغيب ومنح البركة للناس هي دون مقامهم الشامخ الذي احتلوه وهو(مقام الإمامة), ولأنهم وصلوا من التقوى والعصمة مرتبةً يلازمها انكشاف الواقع لهم وظفرهم بالغيب((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلنا ومن يتق الله يجعل له فرقانا))- العنكبوت,69-.
فإذا كان القرآن الكريم يُخبر عن عيسى بأنه يبرئ الأكمه والأبرص ويُحييي الموتى ويًخبر بني إسرائيل عما يدخرون في بيوتهم بإذن الله تعالى.
فإذا كان القرآن يحكي عن وصي سليمان بن داود قوله((وقال الذي عنده علم الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي))-النمل,40-.
فهل نبينا الأعظم أقل شأناً من عيسى بن مريم؟
وهل أوصياؤه البررة أقل مرتبةً من وصي سليمان بن داود؟؟
ومن المعلوم؛ أن الإطلاع على ما في الكون أهون من التصرف في الكون, الأمر الذي جرى على يد وصي سليمان بن داود, فأحضر عرش بلقيس عند سليمان في لحظة.
فبعد ثبوت الإمامة والوصية للأشخاص المعنيين من أهل البيت عليهم السلام بالأدلة القطعية, لا مانع على الإطلاق من الاعتقاد بأنهم يعلمون الغيب, أو تتحقق على أيديهم المعاجز بإذن الله وبشكل محدود, فذلك ما تعلمناه من القرآن, وإذا كان القرآن يجعل علم الغيب منحصراً في الله تعالى في بعض آياته؛ فذلك يعني العلم بالغيب المطلق وبشكل ذاتي, فهو من شأن الله وحده, هو علام الغيوب, لكن القرآن عاد فاستثنى فقال: ((عالم الغيب لا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول))-الجن,26-. ولا يُطلع الرسول على غيب الله أحداً إلا من ارتضى من إمام وولي{ويقول الله تعالى في الحديث القدسي عبدي أطعني تكن مثلي أقول للشيء كن فيكون}.
والدليل عليه نفسه الحديث المتقدم"علمني رسول الله ألف باب من العلم"؛ إذ كيف يمكن أن يعلم رسول الله(ص) علياً ألف باب من العلم في لحظات إذا لم يك هذا العلم لدنياً من الله تعالى, ذلك العلم الذي يخص به أنبياءه وأولياءه في الحياة.
فحين ينكر أهل البيت(ع) علم الغيب عن أنفسهم- كما في بعض الروايات- يقصدون بذلك علم الغيب الذاتي والمطلق, وهم بذلك يضربون حركة الغلو والمغالين, وحين يثبتونه لأنفسهم- كما في بعض روايات أخرى صحيحة- يقصدون علم الغيب العرضي والجزئي الذي يفاض عليهم من الله تعالى, ويريدون أن يبينوا للناس مدى فضل الله عليهم.
والقول الفصل هو: أن الاعتقاد باستقلاليتهم في علم الغيب والكرامات؛ هو عين الشرك, والاعتقاد بأن ما يعلمونه وما يجري على أيديهم من معجزات وكرامات؛ هو بإذن الله تعالى, وهو عين الإيمان ومنطق القرآن.
ولك أن تطالبني بالإثبات وقد أثبت ذلك بالأدلة.
أما أن ترميني بالغلو والشرك؛ فهو الإفلاس والحجة, وأنا أكلك في ذلك إلى الله تعالى.
فما الذي ننكره من الأمور التالية:
- أهو بخل الجواد المطلق الخالق لما يشاء والمعطي لمن يشاء؟
- أهو عدم قابلية الأئمة لكرامات الله تعالى؟
- أهو عدم قابلية الإنسان لتسنم هذه المراتب, فكل ذلك مرفوض على ضوء السنة والقرآن فيما تقدم.
وهنا أنقل لك قصة؛ لتعرف موقف الأئمة من الغلاة وإعطاء التقييم الصحيح عن أنفسهم:
عن إسماعيل بن عبد العزيز؛ قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:"يا إسماعيل؛ ضع لي في المتوضأ ماءً. قال: فقمت فوضعت له. قال: فدخل, قال:فقلت في نفسي: أنا أقول فيه كذا وكذا ويدخل المتوضأ يتوضأ, قال: فلم يلبث أن خرج فقال: يا إسماعيل؛ لا ترفع البناء فوق طاقته فينهدم, اجعلونا مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم, فلن تبلغوا".
فقال إسماعيل: وكنت أقول وأقول فيه(أي كنت أغالي فيه)-بحار الأنوار عن بصائر الدرجات-.

فلا يجوز أن نحمل عصا التكفير لمسلم بتهمة الغلو؛ فإن هذا خلاف الموضوعية وخلاف الإسلام الذي أمر بالتثبت والحمل على الأحسن؛ فإذا وجدنا رواية في كتاب شيعي تنسب للإمام أنه قال: أنا وجه الله, وأنا جنب الله, وأنا الظاهر, وأنا الباطن, وأنا الأول, وأنا الآخر؛ فمثل هذه الرواية تخضع للنقد بما يلي:
1-هل يؤمن الشيعة بصحة صدورها من الإمام علي؟ فليس كل ما ورد في كتبنا صحيحاً.
2-وعلى فرض صحة صدورها؛ هل تُحمل على ظاهرها؟ أم تؤول كما تؤول الآيات القرآنية التي قد يدل ظاهرها على جسمية الله تعالى؟, ويعتقد الوهابيون- الذين يتبعون منهج محمد بن عبد الوهاب- بظاهر هذه الآيات؛ فيرون الله استوى على عرشه, أي(جلس), وأن الله يضحك لا كضحك عبيده, وأن الله ينزل آخر الليل إلى السماء الدنيا, وإلى آخر هذه الخزعبلات التي نًنزه نحن الشيعة عنها, ونرجع الآيات المتشابهة في القرآن التي تقول(يد الله فوق أيديهم) (وجوهه يومئذ ناضرة*إلى ربها ناظرة) إلى الآيات المحكمة التي تقول(ليس كمثله شيء), والعقل الذي يحاشي الله عز وجل عن الرؤية والجسمية. وسيكون لنا وقفة مطولة في موضوع الجسمية, والرؤية.

أقول: إن الروايات أيضاً فيها المحكم والمتشابه, وعلى فرض صحة صدور النص المتقدم فلابد أن نؤوله بما ينسجم مع التوحيد وبما لا يتنافى مع العقل والقرآن والسنة القطعية.
3-وعلى فرض عدم إمكان التأويل لابد من طرح هذا النص؛ لأن ذلك يعني أنه من دسائس الغلاة في كتبنا.

أما التشهير بالمسلمين والتلويح بعصا التكفير وشق عصا الأمة فذلك أمر لا يرضى به الله تعالى ولا يرتضيه الوجدان, وهو علامة الهزيمة والإفلاس في المنطق.

زيارة قبور المعصومين والتوسل بهم إلى الله

وأغرقوني شتماً وتكفيراً؛ لأني أزور قبر النبي(ص) وقبور أهل بيته(ع), وأتوسل بهم إلى الله تعالى, وأجعلهم الشفعاء إلى الله, واحتفل بذكرياتهم, وأقبل أضرحتهم في حين أن القرآن يقول((فلا تدعو مع الله أحدا))- الجن,18- والرسول(ص) يوصي ابن عباس:"إذا استعنت فاستعن بالله, وإذا سألت فاسأل الله"- مسند أحمد, والمعجم الكبير للطبراني- والقرآن يقول((أدعوني أستجب لكم))- غافر,60- ويقول((وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني))-البقرة,186-, وهذا الاعتراض موجه إلى كل المسلمين.
أقول: إننا لسنا غافلين عن كل ما تقدم؛ لكن الآيات القرآنية يجب أن تفسر بما لا يصطدم مع العقل ولا يتنافى مع الآيات القرآنية الأخرى, يجب أن نميز الخيط الدقيق والحد الفاصل بين التوحيد والشرك لئلا نتورط في تكفير مسلم, وهو من أعظم الجرائم(ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا)-النساء,94-, فآية(فلا تدعوا مع الله أحدا)؛ هل يراد بها حرمة مطلق دعوة أحد غير الله؛ كأن تقول في المسجد: يا الله ارحمني؛ وفي نفس الوقت تقول: يا سقاء اسقني لأني عطشان مثلاً.
كما أن حرمة الاستعانة بغير الله الواردة في الآية(وإياك نستعين)-الفاتحة,5-, وفي الحديث:"وإذا استعنت فاستعن بالله", هل هي شاملة لكل استعانة بالآخرين, في حين يقول القرآن (وتعاونوا على البر والتقوى)- المائدة,2- و(واستعينوا بالصبر والصلاة)-البقرة,45-؛ فهل دعوة غير الله والاستعانة بغير الله محرمة بشكل مطلق؟
هذا مرفوض قطعاً, إنما المراد بالاستعانة بغير الله والدعوة لغير الله المحرمة؛ هو الاعتقاد بألوهية الغير مع الله تعالى وعبادته مع الله والاستعانة به باعتقاد استقلاليته في التأثير والألوهية.
فهذا هو الشرك المنهي عنه, وهو أوضح الواضحات؛ لكن المعترضين إما أغبياء أو يتغابون!
وهنا أسأل وجدان كل ذي وجدان: من من المسلمين يعتقد بألوهية محمد واستقلاله في التأثير حين بقول: يا محمد اشفع لي أو اشفي مرضي؟ لا أحد طبعاً.

إننا نعتقد من صميم قلوبنا: أنّ محمداً وعلياً وحسيناً يشفي مريضنا ويقضي حوائجنا بإذن الله تعالى, أو نسأله أن يسأل الله تعالى في قضاء حوائجنا, فهل في هذا ضير؟ ولنا في هذا التوسل مبرراتنا, فقد قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة"-المائدة,35-, فكما يصح الطلب من الله مباشرةً يصح أيضاً مع اتخاذ الوسيلة, والمسلمون كانوا يستشفعون بالنبي(ص) في حياته بدليل قوله تعالى:"ولو إنهم إذ ظلموا أنفسهم جآؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما"-النساء,64-, وهناك وفرة من الروايات التي تؤكد استشفاعهم واستسقاءهم ببركة النبي (ص) وتبركهم بآثار الرسول(ص) في حياته.
وجاء في صحيح البخاري, عن سهل بن سعد؛ أن رسول الله(ص) قال:"لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه", فبات الناس يدوكون-أي يخوضون ويموجون- ليلتهم أيهم يُعطاها, فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله(ص) كلهم يرجوا أن يُعطاها, فقال:"أين علي؟ فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه, فأرسل فأتى به, فبصق في عينيه ودعا له, فبرأ مكانه حتى كأنه لم يكن به شيء-صحيح البخاري, وصحيح مسلم-.
وفي رواية:"أن النبي(ص) إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه"- صحيح البخاري ومسند أحمد-.
وروي عن أنس؛ قال:"لقد رأيت رسول الله(ص) والحلاق يحلقه, وأطاف به أصحابه, فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل"-صحيح مسلم, باب قرب النبي من الناس وتبركهم به-.
الشفاعة
فإذا كان الإسلام يلغي اتخاذ الوسيلة إلى الله؛ فلماذا ذكرت الآية أنهم يتوجهون إلى النبي(ص) في طلب الاستغفار منه, ولماذا كانوا يستسقون ببركة وجه النبي(ص) حتى قال أبو طالب رحمه الله:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل- الأصول من الكافي-.
وقال إعرابي في زمن الرسول(ص) بعد أن استسقوا فسُقوا:
لك الحمد والحمد ممن شكر سقينا بوجه النبي المطر
والقصة معروفة في التاريخ- راجع أعلام النبوة للماوردي, والسيرة الحلبية, والسيرة النبوية لزيني دحلان, وغيرها من المصادر.
ولماذا كانوا يتبركون بآثار النبي(ص)؛ بل ولماذا أمرنا القرآن باتخاذ الوسيلة بكل صراحة في قوله((وابتغوا إليه الوسيلة)).
وهناك الكثير من الروايات جعلت الصلاة على محمد وآله قبل الدعاء وبعده ضمانةً لاستجابة الدعاء.
ثم إن الرسول(ص) هو الشفيع يوم القيامة بإجماع المسلمين وبصريح القرآن(ولسوف يعطيك ربك فترضى)- الضحى,5- (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمدا)- الإسراء, 79, وقد ذكروا أنه مقام الشفاعة.
فإذا كان كل ذلك صحيحاً حسب دلالة القرآن والسنة القطعية؛ فلماذا يحرم علينا أن نستشفع ونتوسل بالرسول بعد مماته؟, فالموت في منطق المسلمين ليس إلا فناء الجسد وبقاء الروح, والروح هي ذات الأثر, وهل يختلف النبي(ص) عند الله حياً أو ميتاً؟! وهل قضاء الحاجة بيد النبي ليقال أنه ميت, فما فائدة الطلب منه؟!
إن هذا يظهر وضوح أننا نطلب من الله تعالى أن يسهل علينا الأمر تكريماً منه لنبيه أو وليه المعصوم, أو حتى إذا طلبنا من النبي(ص) فإن موته لا يعني أنه فاقد الإدراك لما يدور حوله, إنّ النصوص الصحيحة دلت على أن الميت العادي يدرك ما يفعله أقاربه وأهلوه من إساءة أو إحسان إليه, وقصة خطاب النبي لقتلى بدر المشركين معروفة في التاريخ, وإن روح الميت تأتي ليلة كل جمعة إلى أهلها تطلب الإحسان.
أما بالنسبة للنبي(ص)؛ فإن هناك نصوصاً تؤكد أن أعمالنا تعرض عليه ويستغفر لنا.
فهل تشك في أن النبي(ص) يدرك زيارتك لقبره وطلبك منه, ثم هو بدوره يدعو لك الله ويستشفع إليه, فتقضى حوائجك إن كانت هناك مصلحة وإذا شاء الله وأراد.
فنحن وإن آمنا بحياة النبي(ص) بعد موته وإدراكه لزيارتنا له واستشفعنا به, وهو بدوره يقوم بدور الشفيع والوسيلة لنا عند الله تعالى في نجح طلباتنا لكنا في نفس الوقت نؤمن أنّ تسهيل الأمور قضاء الحوائج وشفاء المريض وكل شيء هو بيد الله تعالى وبإذنه, ومن هنا لم نفرّق في التوسل إلى النبي(ص) بين حياته وموته كما فعل الوهابيون- الذي يقول بعضهم: إنّ عصاي أفضل من النبي؛ لأن عصاي تنفع والنبي(ص) لا ينفع- نعوذ بالله من الغواية-, وقد افتخر بعضهم بقوله: إنني في السعودية عشرين سنة ولم أزر قبر النبي(ص) ولا مرة واحدة!!-{وأترك لك التعليق}.
والمسلمون جميعهم سلكوا خلاف ما سلكه الوهابيون؛ فتجدهم يقرؤون آية (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم..) عند زيارة قبر النبي(ص), وحين يسأل المنصور الدوانيقي العباسي الإمام مالك: هل يتوجه في دعائه إلى القبلة, أم إلى قبر الرسول(ص)؟ فيجيبه الإمام مالك: توجه إلى قبر الرسول, فإنه وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى.
وهذا المعنى هو الذي رواه الحاكم في المستدرك: أن آدم لما اقترف الخطيئة قال:"يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي.
فقال الله: وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك, ونفخت في من روحك, ورفعت رأسي, فرأيت قوائم العرش مكتوب عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله, فعرفت أنه لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك.
فقال الله تبارك وتعالى: صدقت يا آدم؛ إنه لأحب الخلق إلي إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك, ولولا محمد لما خلقتك- ذكره الحاكم في المستدرك, والطبراني في المعجم الصغير, والهيثمي في مجمع الزوائد-.
وسيرة المسلمين منذ وفاة الرسول(ص) حتى الآن هي الأخرى قائمة على ذلك من زيارة قبر الرسول(ص) والأولياء, والاستشفاع والتوسل بهم إلى الله تعالى بل وبناء مرقد النبي(ص) ومراقد الأئمة والصحابة؛ هي دليل آخر على المشروعية والاستحباب, فهذا الإمام الشافعي يتوسل بأهل البيت, كما في الصواعق المحرقة ص180:

آل النبي ذريعتي وهم إليه وسيلتي


أرجو بهم أعطى غداً بيد اليمين صحيفتي

تقبيل الأضرحة
وأما تقبيل الضريح والقبر الشريف والجدران؛ فيمثله قول الشاعر:
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكر الديارا

فإذا كان المسلمون يتبركون ببصاق النبي(ص) ونخامته في حياته؛ فلماذا لا نتبرك بتقبيل ضريحه وقبره الآن؟
إنّ كل مسلم يقبّل جلد المصحف حين يرفعه وحين يضعه, يريد بذلك تعظيم المصحف, فهل هذا شرك؟
فعندما نقبل المصحف لا نقصد الغلاف بل نقصد ما بداخل هذا الغلاف!!
فتقبيل الأضرحة والتمسح بها وبالجدران لنسبتها إلى النبي(ص), أي عندما نقبل الضريح لا نقصد الحديد والقضبان بل نقصد من هو داخل الضريح, فهذا لون من التعظيم العرفي لأصحابها وهو تعظيم لله تعالى, وكل تعظيم أو تكريم لا يصل إلى مرحلة الاعتقاد بالربوبية فهو جائز بل مستحب أحياناً.
أجل؛ هناك مراسم خاصة من التقديس كالصلاة ومطلق العبادة, لا يجوز إجراؤها لغير الله تعالى, حتى ولو كانت بغير عنوان التأليه.
الموقف السلبي من الصحابة
ومما قالوه عني إن لي موقفاً سلبياً من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
والجواب: إذا كان معنى الصحابي هو كل من رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه, فإنني أتبع القرآن في ذلك حيث يقول:
(ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم)- التوبة,101-.
وقال: (إذا جاءكم فاسق بنبإ)-الحجرات,6- وهو الوليد فيما أجمع عليه المفسرون.
فلست أحب كل الصحابة؛ لأن فيه المنافق بصريح القرآن, ولا يمكنني أن أحب المنافقين, فقاعدة تعديل كل صحابة الرسول باطلة بدليل القرآن, فهل يريدون مني أن أتبع القرآن في التمييز بين الصالح والطالح من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأضمن سلامة مسيرتي الرسالية من النفاق والغش والزيف الذي مثله بعض الصحابة, والذين أصبحوا يشكلون الخطر على الرسالة؛ كما في الوليد ومعاوية؟
أم يردون مني أن تغلبني العصبية؛ فأمضي قدماً في تقديس كل صحابي ومهما صنع؟
إن المنهج الأول: منهج القرآن والعقل.
إن المنهج الثاني: منهج العصبية, ومنه عبادة الأشخاص, ودائماً في الإسلام: التقديس للحق وحده, وإنما يقدس الرجال إن ساروا في درب الحق, فأنا مع الحق أولاً وأخيراً.

وأنا هنا؛ أنقل لك بعض المقاطع الشعرية والنثرية لمعاصرين من الأخوة السنة وغيرهم أيضاً, وأريد منك أن تعين موقفي وأن تختار لي الجهة التي أكون معها فيما وقع:

يقول الكاتب الكبير المصري عبد الفتاح عبد المقصود:
(وكذلك سبقت الشائعات خطوات ابن الخطاب ذلك النهار؛ وهو يسير في جمع من صحبه ومعاونيه إلى دار فاطمة, وفي باله أن يحمل ابن عم رسول الله- إن طوعاً وإن كرهاً- على إقرار ما أباه حتى الآن.
وتحدث أناس أن السيف سيكون وحده متن الطاعة!
وتحدث آخرون بأن السيف سوف يلقى السيف!
ثم تحدث غير هؤلاء وهؤلاء بأن ((النار)) هي الوسيلة المثلى إلى حفظ الوحدة وإلى"الرضا" والإقرار!
وهل على الناس عقال يمنعها أن تروي قصة حطب أمر به ابن الخطاب فأحاط بدار فاطمة, وفيها علي وصحبه, ليكون عدة الإقناع أو عدة الإيقاع؟
{بغض النظر عمن يكون عمر في أذهانكم, لو كان الذي حدث قبل وفاته(ص) أكان يرضى لذلك, وفاطمة بضعته!!}
على أن هذه الأحاديث جميعها ومعها الخطط المدبرة أو المرتجلة كانت كمثل الزبد, أسرع إلى ذهاب ومعها دفعة ابن الخطاب!. أقبل الرجل؛ محنقاً مندلع الثورة على الإمام علي, وقد ظاهره معاونوه ومن جاء منهم, فاقتحموها ..... إلى قوله:..وشخصت منهم الأنظار وأرهفت الأسماع إليها, وهي ترفع صوتها- الزهراء- الرقيق الحزين النبرات تهتف بمحمد الثاوي بقربها تناديه باكية مرير البكاء:
"يا أبت رسول الله...يا أبت رسول الله!..".
فكأنما زلزلت الأرض تحت هذا الجمع الباغي, ومن رهبة النداء.
وراحت الزهراء, وهي تستقبل المثوى الطاهر, تستنجد بهذا الغائب الحاضر:
"يا أبت رسول الله... ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب, وابن أبي قحافة؟!".
فما تركت كلماتها إلا قلوباً صدعها الحزن, وعيوناً جرت دمعاً, ورجالاً ودّوا لو استطاعوا أن يشقوا مواطئ أقدامهم, ليذهبوا في طوايا الثرى مغيبين)- المجموعة الكاملة(الإمام علي بن أبي الب)؛ لعبد الفتاح عبد المقصود).
ويقول في موطن آخر؛ وهو ينقل قصة مجيئهما إلى دار فاطمة لطلب رضاها وسماحها:
(وانطلقا. واستأذنا على فاطمة فأبت,........إلى أن يقول ودخلا. وقرآها السلام؛ فلم تجب. وتقدما فقعدا أمامها, فولت وجهها عنهما إلى الحائط. وراحا يلحفان في الرجاء أن تسمع لهما أو يظلا لا يبرحان ما أبت عليهما الإنصات أو الإذن بالكلام.
قالت تخاطبه وهي تشرك عمر في الخطاب:
"أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله, تعرفانه وتعملان به؟"
أجابها وصاحبه:"نعم.."
"نشدتكما الله...ألم تسمعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: رضا فاطمة من رضاي, وسخط فاطمة من سخطي, فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني, ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني, ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟"
"قد سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فرفعت وجهها وكفيها إلى السماء؛ وراحت تقول في حرارة:
"فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطماني وما أرضيتماني..ولئن لقيت رسول الله لأشكوكما إليه!.."
-المجموعة الكاملة, فقد أورد حديث ((فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني)) عدة من الحفاظ والرواة منهم: البخاري في صحيحه- كتاب فضائل الصحابة في مناقب قرابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, والحاكم في المستدرك الصحيحين, بلفظ"يغضب لغضبك ويرضى لرضاك", وقال: حديث صحيح الإسناد-.
وقال شاعر النيل حافظ إبراهيم في قصيدته الهائية التي أورد فيها فضائل الخليفة, وقد ذكر أن من جملة فضائله ما يلي:
وقولة لعلي قالها عمر أكرم بسامعها أعظم بملقيها


حرقت دارك لا أبقي عليك بها إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص بقائلها أمام فارس عدنان وحاميها
-وأنا ذكرته قبل-.
وروى البخاري في صحيحه في المس؛ أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غضبت على أبي بكر فهجرته قال: فلم تزل مهاجرته حتى توفيت, وفي باب خيبر: (فلم تكلمه حتى توفيق)- صحيح البخاري-.
ورواه آخرون أيضاً, وروى الترمذي في صحيحه- في باب ما جاء في تركة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
"إن فاطمة قالت لأبي بكر وعمر: والله لا أكلمكما أبداً, فماتت ولا تكلمهما".
وقد قدمت آنفاً أني أطلب منك أخي الكريم أن تكون أنت الحكم في تحديد موقفي من الصحابة, بعد ما قدمته لك من اعتراف التاريخ لما حدث, شريطة أن تتجرد من العصبية والهوى والتقليد, وأن تكون موضوعياً وحراً فيما تختار وتحكم أمام عينك الغد المرتقب, حيث يجتمع الخصوم عند الله تعالى, وحيث يجري حكم الله تعالى فيهم حسب أعمالهم, من دون تمييز بين أبيض أو أسود, أو عربي أو أعجمي أو صحابي أو غيره ((
وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله))- الأنعام, 116, ولا في منطق العقل لأن الناس ليسوا معصومين كأفراد فلا أكاد أفهم أن اجتماع غير المعصومين على شيء يجعل منهم معصومين, ولا في منطق الأحداث, لأن الأكثرية من هذه الأمة قتلت عثمان بن عفان والأكثرية هي التي اجتمعت على قتال سبط رسول الله صلى الله عليه وآله, وسيد شباب أهل الجنة في كربلاء.
آية <أولئك هم خير البرية>.
وأنا مسلمة شيعية, لأنك قلت في كتابك الكريم:((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية))-البينة,7.
وبلغت على لسان حبيبك المصطفى صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي:{هو أنت وشيعتك, تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين, ويأتي عدوك غضاباً مقمحين, قال: ومن عدوي؟ قال: من تبرأ منك ولعنك}- أخرجه عدد من الرواة والحفاظ؛ منهم: ابن جرير الطبري في تفسير جامع البيان, وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة, والشبلنجي في نور الأبصار, والحافظ جمال الدين الزرندي في نظم درر السمطين, عن ابن عباس-.
فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله, إذا أقبل علي عليه السلام قالوا: جاء خير البرية- فرائد السمطين- وأخرجه ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري- الكامل في ضعفاء الرجال, وتاريخ دمشق لابن عساكر, ترجمة علي بن أبي طالب-.
وأخرج السيوطي في الدر المنثور في ذيل تفسير قوله تعالى:((
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)) في سورة البينة؛ قال: وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال:
كنا عند النبي صلى الله عليه وآله, فأقبل علي عليه السلام, فقال النبي صلى الله عليه وآله:"والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة"-الدر المنثور-.
آية المودة في القربى
وأنا مسلمة شيعية؛ شعاري التوحيد وولاء آل محمد؛ لأن القرآن الكريم وهو مصدر تشريعي في الحياة فرض علي مودة القربى في قوله:((قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى))- الشورى,23-.
وقد أوردت عشرات المصادر من كتب الأخوة العامة نزول الآية في قربى الرسول صلى الله عليه وآله, وعينت من هم القربى, وإليك بعضها:
1) أبو نعيم؛ بسنده عن جابر قال: جاء إعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله, فقال: يا محمد؛ أعرض علي الإسلام.
فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله. قال: تسألني عليه أجراً.
قال: لا, إلا المودة في القربى.
قال: قرباي أو قرباك؟ قال: قرباي.
قال: هات أبايعك, فعلى من لا يحبك ولا يحب قرباك لعنة الله.
قال صلى الله عليه وآله: آمين- حلية الأولياء:3/201-.
2) ابن جرير الطبري في تفسيره- 13/22-26-.
3) جلال الدين السيوطي في الدر المنثور في تفسير الآية-7/345-350-.
4) الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري في مستدركه على الصحيحين.
5) وروى الزمخشري في الكشاف في تفسير آية المودة من سورة الشورى؛ قال: روي أنها لما نزلت قيل: يا رسول الله! من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟
قال صلى الله عليه وآله: علي وفاطمة وابناهما-3/467-.
6) وأخرج الطبراني في الأوسط من طريق أبي ليلى عن الإمام السبط الحسن عليه الصلاة والسلام عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:"ألزموا مودّتنا أهل البيت فإنه من لقى الله عزّ وجل وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا, والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلا بمعرفة حقنا".
7) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد-9/172-.
8) وذكره ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة-ص227-228-.
9) وذكره محمد سليمان محفوظ في أعجب ما رأيت-1/8-.
10) وأورده النبهاني في الشرف المؤبد-ص169-186-.
11)وذكره أبو بكر الشافعي الحضرمي في رشفة الصادي- ص43-.
وغير ذلك من الروايات التي تؤكد على حب أهل البيت والتمسك بمودتهم عليهم سلام الله وصلواته- ومنها: الطبراني في المعجم الكبير, والواحدي في أسباب النزول, والثعلبي في تفسيره, والبغوي في معالم التنزيل, والنسفي في تفسيره(هامش تفسير الخازن), والحافظ الهيثمي في مجمعه, والكنجي في كفاية الطالب, والقسطلاني في المواهب اللدنية, والزرقاني في شرح المواهب, والسيوطي في إحياء الميت(هامش الاتحاف), والصبان في إسعاف الراغبين(هامش نور الأبصار), والحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق, والعلامة الخازن في تفسيره, وابن المغازلي في مناقبه, ومحب الدين الطبري في ذخائر العقبى, والحموئي في فرائد السمطين, والنيسابوري في تفسيره, وابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول, والفخر الرازي في تفسيره, وأبو حيان في تفسيره(البحر المحيط), وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة, والشبلنجي في نور الأبصار, والسمهوي في جواهر العقدين-.
وقد ثبت في حديث ابن عباس, عن النبي(ص) أنه قال: "لو أن رجلاً صفن بين الركن والمقام فصلّى وصام ثم لقى الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار"-أخرجه الحاكم في المستدرك, وصححه والذهبي في تلخيصه(هامش المستدرك)-.
فهل على الشيعي- بعد ذلك- غضاضة حين يعتقد بأن ولاية آل محمد أعظم من الصلاة؟ بعد أن جعل صاحب الشريعة نفسه حب آل محمد شرط قبول الصلاة والأعمال الدينية كلها وبعد أن قرر القرآن منهج المسلم في الحياة, أن ولاء آل محمد واجب وأنه أجر الرسالة؟؟! وهل يجوز على مسلم أن يشنع على أمر نطق به القرآن والسنة الصحيحة؟ لمجرد أنه لا يستسيغه أو لا يوافق هواه؟((وربك يخلك ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة من أمرهم))- القصص,68- فإن من أولى شروط صحة الإسلام هو التسليم لما ورد في الشريعة, وللشريعة أن تحدد مواضع الحب والبغض.
فنحن- الشيعة- خاضعون للشريعة في ولاء آل محمد, لا نريد بذلك إلا وجه الله والآخرة.
ومن مظاهر المودة لآل محمد الفرح لفرحهم والحزن لحزنهم والاحتفال بذكرياتهم يقول الإمام الصادق(ع): "شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا", وأنا لا أكاد أصدق دعوى حب آل محمد ممن يفرح يوم عاشوراء- ولنا وقفة إن شاء الله لواقعة الطف- أو لا يشارك آل محمد(ص) حزنهم في ذلك اليوم الحزين فإن من أبسط علائم الحب مواساة المحبوب في السراء والضراء.
ألست معي فيما أقول؟
وأؤكد أنك بعد ذلك حر أن تصدق أولئك الذين يفرحون يوم عاشوراء أو يعتمدون على روايات أموية الخلق في صوم هذا اليوم وتقديسه, أو حتى عدم الحزن فيه.
أقول: أنت حر في تصديق هؤلاء في دعواهم الحب لآل محمد؟!
لو كان رسول الله(ص) حياً ماذا كان يصنع يوم عاشوراء؟ هل كان يحزن لمقتل سبطه وفلذة كبده كما يصنع الشيعة اليوم؟ أم كان يفرح أو يقف موقف اللامبالاة كما يصنع بعض مدعي الحب لآل محمد من المسلمين؟
وبعد, أليس جديراً بكل مسلم أن يحزن يوم قُتل الحسين(ع) مظهراً بذلك مودته لآل محمد ومواساته للرسول صلى الله عليه وآله؟


وجدانك هو الحكم في ذلك أيها المسلم.
عقيدتي في أئمة أهل البيت(ع):
أجل؛ إنني أعتقد بأن النبي صلى الله عليه وأله, خلف أهل بيته في الأمة كقادة وقدوة.
أئمتي من أهل البيت هم قادة بدليل حديث الغدير المتواتر, وحديث الخلفاء اثني عشر يمتدون إلى قيام الساعة, وهم قدوة بدليل"ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي", وهؤلاء الأئمة من أهل البيت(ع) هم الذين ذكرهم الرسول بأسمائهم وملامحهم العامة في مصادر كثيرة منها: فرائد السمطين للحموئي, وإحقاق الحق للقاضي التستري, نقلاً عن كتاب در بحر المناقب لابن حسنويه, وغيرها من المصادر, ويكفي أن كل إمام سابق من الأئمة الاثني عشر كان يعين الإمام اللاحق, وكان التاريخ هو الآخر يشهد بصدق على طهارة هؤلاء الفكرية والعملية وتفوقهم في العلوم على غيرهم؛ فكان الآخرون محتاجين إلى علومهم بينما لم يكونوا هم محتاجين إلى علم أحد سوى علومهم اللدنية التي ورثوها عن آبائهم عن رسول الله(ص),
قال مالك إمام المالكية:"ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد علماً وورعاً وزهداً وعبادةً"- كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة, لأسد حيدر, نقلاً عن كتاب التوسل والوسيلة لابن تيمية-.
وقال أبو حنيفة:"لولا السنتان لهلك النعمان"- كتاب الإمام الصادق لمحمد أبو زهرة-, يشير إلى السنتين اللتين درس فيهما عند الإمام جعفر الصادق عليه السلام.
أقول: لئن عزل أهل البيت عن حقهم القيادي في الأمة فإن الطابع الآخر الذي ميزهم الله به وهو طابع القدوة في الأمة, ذلك الطابع الذي لا يعطى إلا للإنسان المعصوم, يظل قائماً فيهم بالفعل.
والدليل عليه(ما إن تمسكتم بهما), وهل تجد مصداقاً بيناً لأهل البيت الذين ينطبق عليهم حديث الثقلين غير جعفر الصادق وأبيه الباقر وجده علي وموسى الكاظم وعلي الرضا و...علماً ومثاليةً.
ومهما شككت في مصداقية(جعفر الصادق) لقوله(ص):"ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا"؛ فعليك أن تدلني على مصداق آخر من أهل البيت يمكن أن ينطبق عليه علم الحديث من حيث(العلم والهداية), وإذا كانت المصاديق الواضحة لحديث الثقلين هم محمد الباقر وجعفر الصادق و...فهل تشك في دلالة(حديث الثقلين) على عصمة جعفر الصادق هذا, وسداده الفكري؟
أما أنت؛ فلك الخيار أن تعتقد ما تشاء, ولكني:
سأجيب ربي غداً حيت يسألني الدليل على معتقدي في عصمة جعفر الصادق والأئمة من أهل البيت(ع), ومعتقدي بطابع القدوة فيهم ومعتقدي بأنهم مصدر من مصادر الشريعة, ومعتقدي بأنهم ليسوا مجتهدين يصيبون أو يخطأون, وإنما هم حملة الشريعة الأمناء المسددون بعصمة الله تعالى.
سأجيب ربي فأقول: إن نبيك قرن أهل بيته بكتابك, هل كتابك يخطأ؟ كذلك قرناؤه, إن نبيك شرط عدم ضلال الأمة بالتمسك بالقرآن والعترة, ولا أكاد أفهم عدم عصمة جماعة التمسك بهم ينتج عدم ضلالنا, فإذا كان أهل البيت(ع) معصومين بدليل حديث الثقلين, فأنا لم أجد في الحياة مصداقاً يمكن أن ينطبق عليه حديث الثقلين غير جعفر الصادق والأئمة سواء على صعيد الفكر السامي والعلم الوافر بالشريعة, أو على صعيد السداد العلمي والسلوك الطاهر.
أنا لم أجد عالماً بعد علي بن أبي طالب من أهل البيت ولا من غير أهل البيت ترك بصمات علمية ودينية في الأمة كجعفر الصادق(تلك آثارنا تدل علينا).
فأحاديث الإمامية في استنباط الأحكام الشرعية, دونما حاجة إلى قياس أو استحسان أو مصالح مرسلة, قد ملأت الآفاق, فالله أظهر دينه وأعزه بمحمد والله كرم بالخلافة جعفر بن محمد.
وحين لا أعتقد بجعفر الصادق والأئمة من أهل البيت يبقى حديث الثقلين بلا مصداق ويظل بلا معنى.
وأنا لا أتبع غير جعفر الصادق(ع) في اجتهاده أو فيما ينقله عن صاحب الشريعة لأني لا أمتلك المبرر الشرعي لإتباعه ولا أعرف ضمانةً تضمن لي الصواب والخلد في الجنان كضمانة قوله(ص):"ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً".
{لهذا جاء إطلاق مسمى شيعي جعفري اثنا عشري, فنحن نأخذ بالأستاذ لا بالتلاميذ المتنكرين لأستاذهم وفضله عليهم}
أعرفت الآن ما معنى التشيع؟
التشيع بكلمة واحدة: هو الاعتقاد بأهل البيت قادةً وقدوةً بعد النبي(ص) بالأدلة المتقدمة, وعلوم علي بن أبي طالب وجعفر الصادق(ع) هي المصداق الوحيد لتحقق مضمون حديث الثقلين في الواقع الخارجي, وحديث الثقلين هو الضامن لعصمة أقوال جعفر الصادق(ع),هذا كل ما في الأمر.
وإذا كنت أنا الشيعية أريد الله والجنة فيما أعتقد فلا يهمني ما يُقال فيّ من قريب أو بعيد.
نعم؛ شيء واحد يخضعني في الحياة هو الدليل فحسب, فأنا بنت الدليل أميل حيث يميل.
ولا عداوة شخصية مع معاوية ويزيد وكل مناوئي أهل البيت, وربما سوف تقول:
وقرابتك للإمام علي عليه السلام؟؟
أقول: صحيح أنني أنتسب للإمام علي عليه السلام من جهة ابنه الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام, وكذلك أنت ذكرت أنك تنتسب لهم, ولكنني أقول: أخترت مذهب أهل البيت لأنه مذهب الإسلام الحق لا عن قيم موروثة أو صلة قرابة, كما ذكرت سابقاً, وإنما أريد(الدليل) الذي يغير اعتقادي فأترك علياً والحسن والحسين كقادة وأتبع معاوية ويزيد ومروان بن الحكم وكل من لفّ لفّهم وأسّس قواعدهم.
أريد الدليل الذي بغير وجهة سيري في الحياة؛ فأترك جعفر الصادق وأهل البيت كقدوة وكحملة أمناء مضمونين لشريعة رسول الله(ص) لأتبع روايات أبي هريرة وغيره من الصحابة أو اجتهاد أبي حنيفة وغيره من العلماء, مع كل احترامي للصحابة الأجلاء ولعلماء الشيعة.
فأهل البيت أدرى بما في البيت, والدليل الشرعي أكد ضرورة إتباعهم في الحياة.
إنما الحقيقة كل مبتغاي ووجه الله والآخرة مقصودي أولاً وأخيراً, وعلى كل مسلم أن يسعى ليخلص رقبته من نار جهنم ويصل إلى الجنة, وعلى كل إنسان يفكر ألف مرة بمصيره المرتقب قبل أن يعتقد بشيء أو يمارس عملاً.
أجل؛ وإذا كنت قد عرفت الحقيقة فأنا لا أعادي من جهلها؛ بل أسعى لتعريفه بها((فالناس أعداء ما جهلوا)).
وقد أوصى أئمة أهل البيت(ع) شيعتهم بالتسامح والحب والصفاء والسلام والألفة مع المسلمين جميعاً, لأن الإسلام دين الحب فلا يمكنه أن يدعو إلى التفرقة والعداء بسبب الخطوط والاتجاهات المختلفة بين الأمة في فهم الشريعة إلا إذا تأكدنا من تعمد تمرد بعض الناس على الحق وتحدي الشريعة والحقيقة, فالموقف بالنسبة لهم يتغير.
&&ليس المهم أن تكوون صديقي ***المهم أن تكوون صادقاً معي&&
عليكَ بالأئمةِ ألاثني عشَرْ***مِنْ آل بيتِ المصطفى خيرِ البشَرْ
أبو ترابٍ، حسَنٌ، حُسينُ***وبُغْضُ زَينِ العابدينَ شَيْنُ
محمدُ الباقِرُ كم عِلْمٍ دَرَى***والصادقَ ادْعُ جعفراً بينَ الورى
موسى هو الكاظمُ وابنُه علي***لقِّبْه بالرِّضا وقَدْرُه عَلي
محمدُ التقيُّ قلبُه معمورُ***عليٌّ النقيُّ دُرُّه منثورُ
والعسكريُّ الحسنُ المطهَّرُ***محمدُ المهديُّ سوف يظهرُ

{ونحن في السعودية(الشيعة) مظلومين أكثر من بقية المناطق, وأذكر لما كنت في المدرسة كانوا يدرسوننا ذاك التاريخ المزيف, ويكفينا مناهج الدين, التي حفظناها ولم نفهم منها شيءً, ولا أذكر أنّي في يوم من الأيام شككت في عقيدتي أو مذهبي, بل على العكس كنت يوماً بعد يوم أتمسك أكثر بها, وحبي لآل البيت يزيد, وهو في ازدياد, فقد كنا ندرّس أن أبو طالب مات على الشرك, فقط لأنه أبو الإمام علي بمعنى الإنقاص من قدره ومكانته ولكن خسئوا,..و..ولا أبالغ إن قلت أنهم يخطئون النبي وأن عمر يصحح له, وكأن الوحي قد نزل على عمر وليس على الرسول(ص) وكانوا يتعرضون لنا ولمذهبنا ولكن بالطريق غير المباشر, مثلا كقولهم أن إحياء المولد النبوي شرك أكبر, في حين أنه جائز ومستحب عندنا, وبهذا فنحن نكون مشركين عندهم, وزيارة القبور للنساء عندهم محرمة كذلك, وهكذا..و المشكلة أنه مغلوب على أمرنا فلا أحد يتحدث, ولا أحد يحاجج,,, في حين أن الأخوة السنة - طبعاً ليس الكل-, يخافون على أبنائهم من الانحراف عن العقيدة التي هم عليها, أذكر مثال/ تشفير القنوات الشيعية من جهاز التلفزيون, لكي لا يتأثر الأطفال بما فيها, في حال أن جميع القنوات السنية- أقصد القنوات الدينية منها- موجودة عندنا نحن الشيعة, من قنوات المجد, إلى قناة الرسالةو..و..غيرها الكثير, ولقد تجرعنا المذهب السني منذ الصغر ولم نتأثر به, فلماذا الشيعة لا يخافون على أبنائهم من ذاك الانحراف ...لماذا يا ترى,, ولك أن تحكم ؟}
وأختم بحثي هذا بفضائلهم عليهم السلام في القرآن, على أن نكمل البحث الثاني الذي بدأته مع الدكتور سامري....
فضائل الأئمة في القرآن:
قوله تعالى: أهدنا الصراط المستقيم- الفاتحة,6:
1- عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله جعل علياً وزوجته وأبناءه حجج الله على خلقه, وهم أبواب العلم في أمتي, من اهتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم.
2- وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اهتدوا بالشمس, فإذا غاب الشمس فاهتدوا بالقمر, فإذا غاب القمر فاهتدوا بالزهرة, فإذا غابت الزهرة فاهتدوا بالفرقدين. فقيل: يا رسول ما الشمس وما القمر وما الزهرة وما الفرقدان؟ قال: الشمس أنا, والقمر علي, والزهرة فاطمة, والفرقدان الحسن والحسين- صلوات الله عليهم أجمعين- "شواهد التنزيل" للحافظ الحسكاني الحنفي, ج1, ص 58-59.
قوله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم- البقرة, 37:
3- أخرج ابن النجار عن ابن عباس قال: سألت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه, قال: سأل بحق محمد و علي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي, فتاب عليه."الدر المنثور" ج1,ص147.
قوله تعالى: فقل تعالوا ندعو أبناءنا وأبناءكم .. آل عمران,61:
4- قال محب الدين الطبري: لما نزل قوله تعالى :( فقل تعالوا ندعو أبناءنا وأبناءكم), دعا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم هؤلاء الأربعة.
5- عن أبي سعيد- رضي الله عنه: لما نزلت هذه الآية, دعا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً وقال: (( اللهم هؤلاء أهلي)). أخرجه مسلم والترمذي.- "ذخائر العقبى" ص25و24.
قوله تعالى: ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرة طيبة.. إبراهيم. 24:
6- عن رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أنا شجرة, وفاطمة فرعها, وعلي لقاحها, وحسن وحسين ثمرها, ومحبيهم من أمتي أوراقها, ثم قال: هم في جنة عدن والذي بعثني بالحق.
7- وعنه صلى الله عليه وآله يقول: أنا شجرة, وعلي القلب, وفاطمة اللقاح, والحسن والحسين الثمر, وشيعتنا الورق, وحيث ينبت الشجر تساقط ورقها. ثم قال: في جنة عدن والذي بعثني بالحق."شواهد التنزيل" ج1,ص 312-313.
قوله تعال: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة.. الإسراء,57:
8- عن عكرمة: هم النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام."شواهد التنزيل" ج1,ص 342.
قوله تعالى: إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون.. المؤمنون,111:
9- عن عبد الله بن مسعود: يعني جزيتهم بالجنة اليوم بصبر علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين في الدنيا على الطاعات وعلى الجوع والفقر, وبما صبروا على المعاصي وصبروا على المعاصي وصبروا على البلاء لله في الدنيا, أنهم هم الفائزون والناجون من الحساب." المصدر",ص 408.
قوله تعالى: كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة... النور,35:
10-عن موسى بن القاسم, عن علي بن جعفر قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قوله الله عز وجل<كمشكاة فيها مصباح> قال: المشكاة فاطمة, والمصباح الحسن, والحسين الزجاجة <كأنها كوكب دري> قال: كانت فاطمة كوكباً درياً من نساء العالمين <يوقد من شجرة مباركة> الشجرة المباركة إبراهيم<لا شرقيةً ولا غربيةً> لا يهودية ولا نصرانية <يكاد زيتها يضيء> قال: يكاد العلم أن ينطق منها <ولو لم تمسه النار, نور على نور> قال: فيها إمام بعد إمام <يهدي الله لنوره من يشاء> قال: يهدي الله عز وجل لولايتنا من يشاء. "المناقب" لابن الغزالي, ص317.
قوله تعالى: وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها... طه,132:
11-عن عبد الله بن الحسن عن أبيه, عن جده قال: قال أبو الحمراء خادم النبي صلى الله عليه وآله: لما نزلت هذه الآية كان النبي صلى الله عليه وآله يأتي باب علي وفاطمة عند كل صلاة فيقول: الصلاة- يرحمكم الله – إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. "شواهد التنزيل" ج1,ص381. والآية في الأحزاب,33.
قوله تعالى: وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً... الفرقان,54:
12-عن السدي: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وعلي, زوّج فاطمة علياً, وهو ابن عمّه وزوج ابنته, كان نسباً وكان صهراً. "المصدر",ص 414.
قوله تعالى: واجعلنا للمتقين إماماً- الفرقان,74.
13-قال النبي صلى الله عليه وآله قلت: يا جبرائيل من أزواجنا؟ قال: خديجة. قال: ومن ذريتنا؟ قال فاطمة. وقرة أعين؟ قال: الحسن والحسين. قال: واجعلنا للمتقين إماماُ؟ قال: علي بن أبي طالب. "شواهد التنزيل" ج1, ص413.
قوله تعالى: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ... الأحزاب,33:
14-عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: نزلت في خمسة: 5في رسول الله صلى لله عليه (وآله) وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين, أخرجه أحمد في المناقب وأخرجه الطبراني."ذخائر العقبى" ص24.
قوله تعالى: قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى- الشورى,23:
15-الزمخشري: إنها لما نزلت<قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى> قيل: يا رسول الله من قرابتك من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهما... وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من مات على حب آل محمد مات شهيداً. ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له.ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً. ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان. ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير. ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها. ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة. ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة. ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة. ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله. ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً. ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة. "الكشاف" ج3, ص467.
قوله تعالى: ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وإن الكافرين لا مولى لهم- محمد, 11:
16-عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: يعني وليّ علي وحمزة وجعفر وفاطمة والحسن والحسين ووليّ محمد صلى الله عليه وآله, ينصرهم بالغلبة على عدوهم. "شواهد التزيل"ج2,ص174.
قوله تعالى: كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون- الذاريات,17:
17-عن عبد الله بن عباس قال: نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام.. "شواهد التزيل"ج2,ص194.


هذا وصلى الله على حمد وآله الطيبين الطاهرين

تم بعون الله وحمده




*والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله*

أميرة الجنة
23-09-2006, 06:45 PM
--------قبل ما ندخل في البحث ونتوسع فيه----هناك بعض الأمور التي يجب أن نقف عندها---

"ما أكثر العِبَر وأقل الاعتبار". هذه إحدى الحكم الخالدة لسيد الفصحاء والبلغاء ولي الله الأعظم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليهما. وهي الحكمة التي ترسم صورة واضحة عن واقع الإنسان، فلو أنه نظر إلى يمينه وشِماله، فسيرى كثيراً من العبر والدروس والتجارب التي تعرّض لها أقرانه من البشر، ولكن مع الأسف.. قليل هم المعتبرون والمستفيدون من هذه العبر والتجارب!
ولا تنسى>>>>>>>
:: على الإنسان أن يعمل ما يتحاش به الحسرة في يوم القيامة.
:: إن محكمة الله تعالى هي محكمة عدل لا ظلم. ولكن هذا العدل يُخاف منه.
:: إنّ الشياطين دائبو السعي للقضاء على الإسلام.
ومن الأجدر>>>>>>
:: تقبّل النقد البنّاء.

ربما يجب أن أضع السيرة الذاتية لإدريس الحسيني ولكن باختصار<<<<<
الكاتب والصحافي: إدريس بن محمد بن أحمد بن قدور العشاقي الحسيني الإسماعيلي أصوله إسماعيلية تنحدر من إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق عليه السلام من مواليد نكسة 1967 بمدينة مولاي إدريس وهي مدينة صغيرة من عمالة مكناس سميت بهذا الاسم نسبة إلى إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام الذي جاءها لاجئاً هارباً من قبضة العباسيين في معركة (فخ) نشأ وترعرع في ثلاث مدن في المغرب : القصر الكبير – مكناس – الرباط, ويعزي هذا الانتقال المتعدد إلى ظروف والده الموظف في وزارة الفلاحة – متزوج ولم يرزق حتى الآن بأبناء تلقى دراسته الابتدائية والإعدادية والثانوية بالمغرب, قبل الانتقال إلى مذهب التشيع تاركاً مذهب التسنن, وقبل الهجرة إلى المشرق العربي حيث الالتحاق بالحوزة العلمية بالشام, وتلقى دراسته الحوزوية على يد أساتذة ومشايخ من جلة العلماء مثل سماحة الشيخ محمد البامياني وهو مدرس قدير له شروح قيمة على الرسائل والكفاية والمكاسب – سماحة الشيخ الناصري حيث درس المقدمات والسطوح العليا كما حضر بحوث الخارج في الفقه والأصول لدى آية الله الشيخ الخاقاني وبحث السيد فضل الله – ارتدى العمامة في أواسط التسعينات على يد سماحة آية الله السيد تقي المدرسي, الخارج إلى جانب مزاولة التدريس بالحوزة العلمية إضافة إلى أعماله الصحافية والكتابية الأخرى – له عدة مؤلفات مثل كتاب لقد شيعني الحسين عليه الصلاة والسلام الخلافة المغتصبة وقريباً سيكون له رد مقتضب على أحمد الكاتب الذي أنكر ولادة الإمام المهدي المنتظر صلوات الله عليه.
وأكيد تود التعرف على رد فعل أسرته عندما أنتق إلى التشيع.. يقول:
"لا وجود لأي ضغط أو مشكلة من هذا القبيل أما الأسرة فهي أمر لا يمثل خطورة أيضاً نحن في المغرب الأمر يختلف من طبقة إلى أخرى ومن بيئة إلى أخرى وكما عبرت في كتاب " الانتقال" أنني في اختياراتي المعرفية عشت مناخا من الحرية لا أحد يجبر أحداً على فعل شيء أو الإيمان به على سبيل الإكرام إذا عنيت بالعشيرة مجمل العائلة فلا سلطة لأحد على أحد والعائلة ليست اتجاهات أو تيار واحد هناك التقليد الرسمي وهناك السلفي وهناك الصوفي وهناك الليبرالي وهناك اللينيني وسوف أفاجئك بالقول إن إحدى عماتي مقيمة بالديار الفرنسية تنصرت وهي من نشطاء " شهود يهوه " إذن لست بدعاً في ذلك ربما هناك أسباب كثيرة ساهمت في ذلك لا مجال لذكرها نعم المجتمع وتحديدا الإسلاميين هؤلاء شوشروا علي وأزعجوني وبالغوا في ذلك, الحمد لله أنني هاجرتهم مبكراً ولم يصلني منهم سوى القيل والقال ولكن يبدو أن قسماً منهم للإنصاف متفهم ومتعقل وتربطني بهم صداقة, هناك من صورني " دانكشوطا " طائفيا ولكن كل هؤلاء لا يعرفون عني شيئاً الذين لهم صلة بي عن قرب يدركون تماماً أنني شخص متسامح وقلق على وحدة الصف والقضايا المصيرية للأمة, التشيع عندي حاجة معرفية لتفعيل وضع الأمة وليس انتشاء في هذه المراتع المذهبية أنني مع كل ما يبدو مني من قسوة وجدية في الظاهر لم أكفر أحداً, قد أكفر ناكراً لمعلوم من الدين بالضرورة أو من تعرض للأئمة عليهم الصلاة والسلام بسب أو قدح ما عدا ذلك فأنا أعرف حدودي وهناك في الأخوة من السنة أناس مؤمنون متقون لا شك في ذلك ,,, على كل حال الناس أحرار هنا في أن يقبلوا أو لا يقبلوا وأنا كل ما يمكنني قوله أعطني حرية للتعبير أشيع لك العالم بأكمله, ولكنني أكره فرض العقيدة أو التحايل في ممارسة الإقناع أنا إنسان مسلم وحر وأؤمن بأن لا إكراه في الدين".
وكما قال الحسيني الناس أحرار في أن يتقبلوا أو لا يتقبلوا.
وأنا أهدي هذه السطور..إلى كل ضمير يتسع بعقل وحنان، لصرخة حائر في دروب الحقائق المضنية، يبحث عن (حبل) نور يتعلق به...

وبعد كل هذا أعتذر,, عن بعض الكلمات والأوصاف التي أضررت إلى كتابتها, من تعرض لأحد الأشخاص المقدسين عندكم وما إلى ذلك, ولكن أقسم بالله أني كتبتها لأجل التوضيح فقط, لا لأجل شيء آخر, والله من وراء القصد <<<< لماذا الرجوع إلى التاريخ:
ليس ثمة شيء في الدنيا إلا وله علاقة بالتاريخ، وما نملكه اليوم من عقائد وأحكام وثقافات إسلامية كلها جاءتنا عن طريق الرواية، فحري بنا، أن يكون التاريخ عندنا، هو (أم العلوم كلها).
بعضهم بلغ من الحكمة شأواً بعيداً، فيقول : (لا داعي للبحث عن هذه القضايا القديمة في التاريخ ، لأنها باعثة على الفتنة)
لقد تحول البحث عن الحقيقة، فتنة في قاموس هذا الصنف من الناس، وكأنما يرون أن البقاء على التمزق الباطني، حيث تشوش الحقيقة، وتغيب، أفضل من الإفصاح عن الحق الذي من أجله أُنزل الوحي وتحركت قافلة الرسل والأنبياء، وكأن مهمة الدين هو أن يأتي بالغموض، وكأن الله عز وجل أراد أن يبلبل الحقائق ويقمقمها بحكمة: (لا تبحث في التاريخ .. مثلما بلبل لغة الإنسان في أسطورة بابل).
وهنا أنقل لك كلام الكاتب الصحفي إدريس الحسيني: ((إنني أدركت منذ البداية أن الحقيقة أغلى وأنفس من الرجال دون استثناء، وأنه لابد لي أن أوطن نفسي وأهيئها في مفترك التنقيب عن الحقائق الضائعة والفضائح الغابرة.
كنت واضعاً نصب عيني احتمال الفراق مع مجموعة شخصيات كانوا يجرون مني مجرى الدم، وكنت واعياً منذ البداية، ومدركاً لأهداف الرسالة الإسلامية، التي جاءت لتعلم الناس قيم السماء، لا قيم الأرض, فما قيمة أبي هريرة مثلاً في ميزان الدين حتى نعطل البحث- بسبب التقديس – عن الحقيقة التاريخية وفي سبيل التغطية على فضائحها نلجأ لتزوير الحقائق كلها، وهل ((أبو هريرة)) أصل من أصول العقيدة، حتى يحرم محاسبته تاريخياً، والاعتراف بأفعاله القباح؟! أوليس من الأفك أن نسكت عن فضائحه، فتختلط بحقائق الدين، ليكون الإسلام ضحية كل تلك المفاسد؟!
إن أبا هريرة – مثلاً- ليس شخصية قديمة لنستغني عن كشف حقيقتها، لأنه حاضر فينا وهو ((كمبيوتر)) معاوية الخاص بالرواية، مع انه آخر من أسلم ، ولم يعش مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طويلاً. فمن هو هذا الذي وضع نفسه أو صنعوه هم، راوية لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في زمن الإمام علي عليه الصلاة والسلام؟ وإن أمة تذهب إلى أبي هريرة وتقوى مروياته، وتترك الإمام علي عليه الصلاة والسلام وتضعف أحاديثه، هي في حق التاريخ وحق الإنسانية أقبح أمة يمكن الانتساب إليها ، أليس هذا هو واقعنا ؟! إننا لم نعد نجد الإمام علي عليه الصلاة والسلام إلا في الكتابات المسيحية ( أقصد ما كتبه نصري سهلب (( في خطى علي 40)) وجورج جواردق (الإمام علي صوت العدالة الإنسانية) والإستشراقية), قل أن تجد من الأمة من أنصف هذا العملاق المجهول. وعندما كتب المسائي وهو أحد شيوخ الحديث المشهورين لدى السنة كتاباً أسماه (خصائص الإمام علي عليه الصلاة والسلام) تلقى بذلك عقاباً شديداً وأخضع للسياط، واتهمه بعد ذلك (ابن تيميه) بالتشيع وصنفه هو وابن عبد البر في الذين تشيعوا بالحديث !!؟)).

إن التعامل مع التاريخ، هو تعامل مع مشروع ماضوي منتظم في نظرية قائمة. والنظرية هذه- ومع امتداد الزمن- اكتسبت أنياباً حادة، تمارس بها تهويلاً على الباحث، وبهذه الأنياب بقي التاريخ لغزاً إلى أن كسب قدسيته المطلقة.
ولكي نكسر أنياب النظرية التاريخية القائمة نحتاج إلى معاول هدم علمية.
لقد تحول التاريخ الإسلامي في اللاشعور الفكري إلى ((قطعة)) معصومة من التاريخ. علماً أن هذه النظرة مستحيلة في منطق التاريخ، ومنطق الدين نفسه، وكانت للتاريخ((المؤدلج)) بمفاهيم التيار الأموي، قدرة على التحكم في مسار الفكر والثقافة أيضاً. وتوظيف الأرقام الكبرى والأسماء المرموقة في الدين الإسلامي، كله كان تكتيتاً أموياً لستر التوجه (الهدام) للبلاط الأموي، والذي يرى فيه بعض المؤرخون إنه حكم وفق المنطق الأموي البحت. هذا التيار كان لا يجد بداً من أن يتصرف في الجهاز الديني لأغراض خاصة وذلك انسجاماً مع الواقع الإسلامي يومها ،الذي كان الدين أحد مكوناته الاجتماعية والحضارية.
هذه بعض الخفايا التي يوصلنا إليها التاريخ، وبدونها لا نستطيع معرفة سوى ما يقدم إلينا على الإيدولوجيا إن طرح سؤال من قبيل: لماذا نبحث في التاريخ؟ هو عين التخلف الفكري، لأنه لم يعد يوجد من يشك في أهمية التاريخ، ومن القرآن تعلمت الأمة قيمة النظر في التاريخ، وللتاريخ سنن و قوانين التي تجري على كل البشر – (يقول السيد محمد تقي المدرسي : إن فهم التاريخ ضرورة لفهم الشريعة ).
قال الله تعالى : ( كذلك نقص عليك من أنباء ما سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا).
وإذا كان القرآن الكريم مصدراً لتعريف الناس بماضي الأمم فمن يا ترى يعرفنا بتاريخ أمتنا نحن؟أليس هو القرآن والتاريخ المحرران من كل قمع أيديولوجي، وكل استبداد سياسي؟!{واللي ماله أول ماله تالي}
الحديث عن ((الشيعة والسنة)) هو حديث عن الإسلام في واقعه التاريخي، فالذين لم يفهموا الشيعة، وأغلقوا نوافذ الجهل على أنفسهم وأجيالهم واكتفوا بمذاهبهم، لا يمكنهم إدراك قيمة((الحسم)) الإعتقادي وإن التغييب والتجهيل المستمرين، هما اللذان يولدان الفرقة، وأن الوحدة لا يمكنها أن تأتي من دون فهم وإدراك للآخر.
قال إدريس الحسيني: (إن المسلك المذهبي الذي سيطر على وعي الأمة، هو الذي سلبها قابلية التوحد والتعايش وهو مسلك نرفضه إطلاقاً ولقد كنت أظن أن الشيعة هم أيضاً، يحجبون عاميتهم عن أفكار واعتقادات أهل السنة والجماعة، ولكنني وجدت عكس ما كنت أتصور. وفي مكتبات الشيعة وحوزاتهم كتب لأهل السنة والجماعة ومراجعهم وكتب استدلالاتهم بل حتى تلك الكتابات الدعائية السخيفة والتشهيرية الوهابية، وهي في متناول أصغر طالب في حوزاتهم، ولكنني لم أعرف مؤسسة سنية احتوت على كتاب من كتب الشيعة، وهذا مسلك غير متكافىء في التعاطي مع المذاهب الأخرى والصورة التي نقلها الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء النجفي في (أصل الشيعة وأصولها) عن التشهيرات القبيحة ليست باطلة. فأنا سني المنشأ لم أكن أجد في بئتنا ما يعرّف الشيعة تعريفاً حقيقياً وكل مذهب من مذاهب الدنيا، نستطيع الإحاطة به في بيئتنا, سوى ((الشيعة)) فإن حصار الوهابية عليهم أقوى من (( جدار برلين)) نعم، قد كنا نُعلّم إن الشيعة أصحاب طريقة غريبة عن كل البشر وأن أشكالهم ربما لها أيضاً بعض الخصوصيات، وأن يكون تصور الناس للشيعة على أنهم أصحاب أذناب البقر{تأمل!}، كما أشار آل كاشف الغطاء، ليس مبالغة منه، وحال الأمة كذلك، لقد تعجب الشامي وهو يسمع أن علياً عليه السلام قتل بالمحراب ، فقال : (( أو علي يصلي )) ؟!!)
{والله يعجز اللسان عن التعبير, وكذلك يعجز العقل عن التفكير في هذا الكلام, معقولة الوضع عندكم كذا}.

وقد ذكر صاحب العقد الفريد في باب كتاب الياقوته في العلم والأدب : ((قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: اخبرني رجل من رؤساء التجار قال:كان معنا في السفينة شيخ شرس الأخلاق، طويل الإطراق، وكان إذا ذكر له الشيعة غضب وأربد وجهه وزوى من حاجبيه فقلت له يوماً: يرحمك الله مالذي تكرهه من الشيعة فإني رأيتك إذا ذكروا غضبت وقبضت؟ قال : ما أكره منهم إلا هذه ((الشين)) في أول أسمهم، فإني لم أجدها قط إلا في كل شر وشؤم وشيطان وشغب وشقاء وشنار وشرر وشوك وشكوى وشهوة وشتم وشح.
هكذا كان يفهم أعداء الشيعة.. الشيعة.
وذلك لأنهم يجهلون حقيقتهم وقديماً قال الإمام علي عليه الصلاة والسلام : ((الإنسان عدو ما جهل)).

وإذا كرسنا واقع التجهيل والتغييب، فلربما - لا سمح الله – ورد من يرى في ((السين)) السنية: سوء وسم وسؤر وسحاق وسخب وسرقة و.. و .. (يعني تصير وحده بوحده) وهذا التجهيل أمتد اليوم ليأخذ أشكالاً مختلفة كلها تنظر إلى المسألة الشيعية بمنظار أسود.
أقول:إن الحديث عن الشيعة والسنة ضرورة، ليعرف بعضنا بعضاً بكل وضوح وجلاء.
وهنا يقول إدريس الحسيني: (( لقد رأيت بأم عيني حركة التشهير والتجهيل التي تبعد الناس عن الوعي الصحيح. ومن المضحكات التي لم أكن أعهد لها عن علماء الأديان السماوية. أن يقوم( تقي الدين الهلالي)في آخر أيامه بإعادة توزيع منشوره القديم (مناظرة) وإعطاءه للأميين الذين يحيطون به كحواريين المسيح عليه السلام. لقد جاءني البعض بهذا المنشور الساذج، وهم يتوخون هدايتي ، كانوا يتصورون بأنني مفتون أو قد حل بي جنون، وما أن اطلعت عليه حتى مزقت حجب الصمت، ورحت أفضح حقائق الكاتب والكتاب كان هناك واحد من الشيوخ ممن تخرج على يدي ((تقي الدين الهلالي )) وربما يروي عنه الحديث. سألته عن مصلحة الإسلام وراء نشر مثل هذه المنشورات فأجاب: إنها خدمة للإسلام.
قلت له: شيخنا، ألا ترى إن هذا منكر؟!!
قال : أعوذ بالله، اتق الله ،إنه تقي الدين الهلالي وما أدراك.
كنت أعلم أن هذا الشيخ أكثر (أمية) من جدتي ولكنني حاولت إقناعه بأن يجد له صناعة أخرى، غير الفتنة!
نعم، إن تقي الدين الهلالي جاء فتاناً ولم يأتي ليوحد الصفوف، وهو أكبر مروّج للوهابية في المغرب. وكان واجهة سعودية في البلد، ومن انحاز إلى صفه من الشباب أعطاه تزكية، وبعثه إلى (( جدة)){تأمل!}
في يوم من الأيام – قبيل موته – رحت أزوره، وكان قد خرج من المستشفى للتو، وكان في مرضه الأخير، وبينما أنا واقف على الباب، إذا بصديق لي يخرج من البيت وقد بدت على وجهه حمرة، ولما سألته عن السبب قال لي: لقد ندمت على هذه الزيارة. إن الشيخ لا يزال مستمراً في تكفيره للعلماء المسلمين، لقد كفر مجموعة علماء وخطباء وكان من بين أولئك الذين أصابتهم شرارة التكفير، الشيخ عبد الحميد كشك، لأنه كان يكثر من مناداة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في خطاباته, والرسول ميت، وهذا شرك صريح!! ويعلق إدريس الحسيني قائلاً: أعتقد أن الفهم الوهابي للتوحيد، ليس إلا تصوراً نجدياً، بدوياً، وبهذا التصور جعلوا الإسلام ديناً راكداً جامداً، لا يتعدى المسواك، والمسك، واللحى، والتقصير ,و..... ويضيف . وفي نفس المناسبة قام بتوزيع منشوراته الفتانة!
ثم قال: كان الشيخ تقي الدين الهلالي قد أجرى حواراً أو مناظرة، مع بعض خطباء الشيعة – من مستوى معين- وأني لم أعرف من هم الشيعة الذين ناظرهم، ولم أكن أدري ما لسبب الذي جعل تقي الدين الهلالي يتنكف عن مناظرة رجال الشيعة الكبار مثل: السيد الحكيم، والسيد الخوئي، والسيد الصدر، والسيد محمد الشيرازي، وعشرات العلماء والمراجع المعاصرين له في العراق ولبنان وقم......... وعجبت له كيف راح يبحث في القرى عن الأميين، وهؤلاء موجودون طوع البنان، وكيف لا يستحي من الله ولا من التاريخ أن يقول إنهم كبار علماء الشيعة، في زمن المراجع الكبار. أليس هذا هو التجهيل؟ لا يتورعون عن التلفيق.
لهذا كان الحديث عن السنة والشيعة ضرورة تقتضيها وأد الفتنة ورفع الجهل.
لقد انجلت تلك الصورة التي ورثتها عن ((ألشيعة)) وحل محلها المفهوم الموضوعي الذي يتأسس على العمق العلمي المتوفر في الكتابات التاريخية، والذين لم يتحرروا من أصدقائي من تلك النظرة هم أولئك الذين اكتفوا بالموروث، وسحقاً للموروث.
بل وإنهم اليوم لهاربون من السؤال، ويتجاهلون الموضوع حتى لا يتحملوا مسؤولية البحث،ونتائجه!.
جاء فخامة ((أبو بكر الجزائري)) زائراً للمغرب، يحمل في حقيبته أوراقاً وهابية جديدة، كان كما بدا لنا مبعوثاً رسمياً من جهة هو ساكنها. وتواجد في تلك الأثناء في أحد بيوت الأصدقاء، وكانت كلمته تتمة لما سبق من ((هرج ومرج)) حول ((الشيعة والتشيع)) ومحاولاًً رسم صورة كاذبة وتشهيرية، ضد الشيعة، مستغفلاً بذلك جهل الناس بحقيقة التاريخ، ولكنه ضل الطريق هذه المرة.
فقام أحد الأصدقاء، وقال له:عفواً هلا حدثتنا عن ((الماسونية)) ونشاطها في العالم الإسلامي؟- وكان هذا الشاب للأسف من أهل السنة والجماعة مما أحرج أبا بكر الجزائري-).

لهذا التجهيل ولهذا التشهير، كان ((الحديث عن الشيعة والسنة)) ضرورة، لتفويت الغرض على الصيادين في الماء العكر، وبذلك يمكننا أن نمنح التقاعد المثل تلك الشخصيات التي دأبت على طلب الرزق بوظيفة التفريق.
--الآن نكمل البحث الثاني— أقصد الذي بدأته مع الدكتور--
ذكرت سابقاً عصر السقيفة ووفاته(ص) __
عصر ما بعد السقيفة
ما نطمح إليه هنا. هو التركيز على المحطات المهمة، ومحاولة استنطاقها بوسائل السبر التاريخي، وبعد السقيفة, ولما استتب الأمر لأبي بكر، اعترضت أبا بكر متاعب كثيرة، ومشاكل معقدة. أبرزها واقع السقيفة!.

الأولى: - لما منع فاطمة الزهراء عليها الصلاة والسلام, من ميراث أبيها بفدك، أثار غضبها وبقيت حزينة إلى أن توفيت سلام الله وصلواته عليها وبحرمان آل البيت عليهم الصلاة والسلام, ميراثهم- كان أبو بكر وخوفا من أن ينقلب عليه الهاشميون، حاول أن يجردهم من عناصر القوة، فأخذ حقهم في الميراث بحجج (طوباوية) لا تنسجم مع منطق القرآن كما سأبين!- خسر كل أوراقه.
ثانيا: - دخوله في معركة مع المسلمين، واتهامهم بأهل الردة. ذلك لأنهم منعوه الزكاة. والتاريخ لا يحدثنا عن كل الملابسات التي أحاطت بحادث ما سمي بالردة.
كيف بدأ الحدث، وكيف انتهى؟.
ذكر المؤرخون، أن قبائل كثيرة من العرب ارتدت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وبعضها لم يكفر وإنما امتنع عن الزكاة لشبهة ما. فبعث لهم أبو بكر جيشا بإمارة خالد بن الوليد، ليقاتلهم على الزكاة. وكانت قبائل، كأسد وغطفان، ممن قد (ارتد) أهلها، فبعث لهم أبو بكر سرايا للقتال فقضوا عليهم. ولكن التاريخ الرسمي، لم يرو لنا إلا ما يريده مؤرخة البلاط. إذ كيف نتصور ذلك. كيف إن هؤلاء الذين أسلموا في عهد الرسول صلى الله عليه وآله لم يتمكن منهم الرسول صلى الله عليه وآله في الهداية. ثم ارتدوا جميعا من دون أن يبقى واحد منهم على إسلامه. لقد امتنع هؤلاء عن تقديم الزكاة لشبهة معينة، ولم يمتنعوا عن الإسلام. وامتناعهم عن تقديم الزكاة لأبي بكر نابع عن عدم الاعتراف به كخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ولقد اعترض عمر بن الخطاب نفسه على قتالهم. لكنه، فشل في كسر أبي بكر عن رأيه.
وتلك سياسة عرفت في حكومة أبي بكر وعمر. فهما دائما يشكلان سياسة مزدوجة، تتفق والأهداف التي يتوخيان تحقيقها والصورة التي رسمها - العقاد لهما في عبقرياته، لم تكن بتلك البراءة التي يريدها لهما أديبهم خلع الخيال على الشخصيات التي يترجم لها، ذلك لما ذكر، أن أبا بكر لما يغضب، فإن عمر يكون لينا، ولما يلين الأول، يتصلب الثاني. هذا التوازن له مقاصده السياسية.
ليتركوا فجوة في سياستهما، ضد أي موقف محتمل. وحتى إذا قيل إن أبا بكر يقاتل المسلمين. يقال لهم، إن عمر بن الخطاب ممن عارضه، ومع ذلك لم يتخل عن خلافته! وكشفت تلك الحروب عن حقائق في رجالات أبي بكر وعمر. كفضيحة (خالد بن الوليد) الذي قتل (مالك بن نويرة) وهو مسلم- هو مالك بن نويرة بن حمزة بن شداد بن عبد بن ثعلبة بن يربوع التميمي, من أشراف بني تميم. واستأثر بزوجته لقد ثبت أن مالك بن نويرة، لم يكن عازما على قتال جيش خالد بن الوليد. فقد ذكر ابن الأثير في الكامل: (وكانت سجاح تريد غزو أبي بكر، فأرسلت إلى مالك بن نويرة، تطلب الموادعة، فأجابها وردها عن غزوها وحملها على أحياء من بني تميم، فأجبته وقالت: أنا امرأة من بني يربوع، فإن كان ملك فهو لكم. وهرب منها عطارد بن حاجب وسادة بني مالك وحنظلة إلى بني العنبر).
هناك نقطة لم يشر إليها المؤرخون، أو بالأحرى المحققون في الأخبار (فسجاح) لم تكن كما يصورها التاريخ (المقلوب) إنها خارجة أو مرتدة. ورأيي إنها لم تكن كذلك إلا أن (السياسة) اقتضت حبكها على تلك الصورة، لا لشيء سوى لأنها لا تملك أن تكتب التاريخ، بينما أعداؤها يملكون كتابته.
بعض المؤرخين، يريدون تزييف الحقائق وإعادة ترميمها. فيفسدونها، ويوقعون أنفسهم في مآزق. لقد فشل الرسول صلى الله عليه وآله في أن يربي أصحابه فقط على الإيمان والإسلام. ثم إن أبا بكر ورجالاته لم يستطيعوا إقناع (سجاح) بالعودة إلى الإسلام. حتى يأتي معاوية بن أبي سفيان. فيقنعها بذلك{عجبِِِ}
عندما وقعت المعاهدة بين الحسن عليه الصلاة والسلام ومعاوية بن أبي سفيان فلم تزل سجاح في تغلب حتى نقلهم معاوية عام الجماعة وجاءت معهم وحسن إسلامهم وإسلامها. وانتقلت إلى البصرة وماتت بها وصلى عليها سمرة بن جندب، وهو على البصرة لمعاوية قبل قدوم عبيد الله بن زياد من خراسان وولاية البصرة) - ابن الأثير في الكامل (ص 357 - ج 2)-.
وكان مالك بن نويرة، قد أذعن وأقر بقبوله لتقديم الزكاة. غير أن خالد بن الوليد الذي انتهى من قتال فزارة وغطفان وأسد وطئ يريد البطاح، وبها مالك بن نويرة قد تردد عليه أمره)- نفس المصدر- فتمرد الأنصار عن خالد بن الوليد، وقالوا: إن هذا ليس بعد الخليفة إلينا إلا أن خالدا أصر على المسير.
ووصل خالد بن الوليد إلى البطاح وأهلها، متفرقون ليسوا عازمين على التمرد. وكان مالك بن نويرة قد أقنعهم بذلك فأجابوا. وجاء مالك بن نويرة يناظرهم- اليعقوبي- ، غير أن خالد بن الوليد لم يأبه بالرجل ولا إسلامه. قال اليعقوبي:
فأتاه مالك بن نويرة يناظره، واتبعته امرأته فلما رآها خالد أعجبته فقال: والله لا نلت في مثابتك حتى أقتلك، فنظر مالكا، فضرب عنقه، وتزوج امرأته.
فلحق أبو قتادة بأبي بكر، فأخبره الخبر، وحلف إلا يسير تحت لواء خالد لأنه قتل مالكا مسلما، فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر: يا خليفة رسول الله! إن خالدا قتل رجلا مسلما، وتزوج امرأته من يومها. فكتب أبو بكر إلى خالد. فأشخصه: فقال يا خليفة رسول الله أني تأولت، وأصبت، وأخطأت)!
كان قتل مالك بن نويرة رحمة الله عليه بعد أن أمنوه. ولم يسمع خالد بن الوليد لكلامه. وأبى إلا أن يقتله ليسطو على زوجه، تلك التي كانت فارهة الجمال وهي (ليلى بنت المنهال أم تميم) وكانت على حد تعبير العقاد: (من أشهر نساء العرب بالجمال، ولاسيما جمال العينين والساقين قال: يقال أنه لم ير أجمل من عينيها ولا ساقيها)- - عبقرية خالد للعقاد-.
هذا مما أفقد خالد بن الوليد توازنه. فقتل مالك بن نويرة، صبرا، وجعل رأسه أثفية لقدر. حسب (وفيات الأعيان) لابن خلكان. وبني بزوجته في تلك الليلة. على أن (المرأة) لم تكن (سبية) وبناءه بها حتى مع افتراض (سبيتها) يبقى أمرا حراما إذا لم يتم استبراؤها. وهذا ما جعل كثيرا من الصحابة، وحتى عمر بن الخطاب يقدمون على (اتهامه). فأين أنتم يا فقهاء، ويا من نادوا بالاحتياط في الدماء والفروج.. ها هو خالد العبقري، جمع بين الاثنين!!!.{والقهر أنو سيعرض خلال شهر رمضان مسلسل تاريخي تحت عنوان سيف الله المسلول "خالد بن الوليد" ألا لعنة الله على الظالمين}

ومالك هذا لم يكن رجلا عاديا. فلقد كان من المسلمين الذين ولاهم الرسول صلى الله عليه وآله في حياته على صدقات أقوامهم. لقد كان مالك بن نويرة ممن أسلم طواعية في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وأسلم مع قومه بنو يربوع. وما كان - رحمه الله - يريد سوى التريث بالزكاة الشرعية حتى ينجلي أمر الخلافة. وذلك شكا منه في مصداقية خلافة أبي بكر. لذلك ما كان ينوي محاربة خالد بن الوليد. ولقد قتله هذا الأخير، وهو لم يرفع في وجهه سيفا. ورثاه أخوه متمم بن نويرة، لما قال على مرآى ومسمع من أبي بكر بعد أن فرغ من الصلاة:



نعم القتيل إذا الرياح تناوحت لف البيوت قتلت يا ابن الأزور

أدعوته بالله ثم غدرته لو هو دعاك بنقة لم يغدر- تاريخ يعقوبي-.

إن قتل (مالك بن نويرة - غيث -)! وصمت عار وخطيئة على خلافة أبي بكر، وإن كان الخطأ قد ارتكبه (سيف الشيطان المشلول) أو بالأحرى(سيف الشيطان المسموم)إلا إن إمضاء أبي بكر وقوله لعمر دفاعا عن خالد (تأول فأخطأ فارفع لسانك عن خالد فإني لا أشيم سيف سله الله على الكافرين) إنما يدل هذا على صحة ما قاله عمر في خلافة أبي بكر (فلتة وقى الله منها المسلمين).
ثالثا: - إن أعظم رزية، هي لما خلف وراءه عمر بن الخطاب رغما عن المسلمين. وتحديا لحرياتهم، وتسفيها لمقاماتهم الكبرى. لقد بقي أبو بكر، سنتين وبضعة أشهر في الخلافة، فمرض بعدها مرضا شديدا، أدى به إلى الموت. وحسب العقاد في (العبقرية) إنه مات بمرض الملاريا- - وقيل حس المستنقعات وهناك شكوك في ذلك. هل هي الملاريا أم هل هي سم زعاف؟!-.
وفي تلك الأثناء دعا عثمان بن عفان وقال له: أكتب عهدي، فكتب عثمان وأملى عليه:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة أخر عهده في الدنيا نازحا عنها وأول عهده بالآخرة داخلا فيها: إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن تروه عدل فيكم، فذلك ظني به ورجائي فيه، وإن بدل وغير فالخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)- - تاريخ الخلفاء بن قتيبة (ص 19 - 201)-.
إن هذه ليست سوى تتمة المشهد (السقيفي) وهي في نفس الوقت ثاني خطيئة كبرى في التعاطي مع (النص) و (الإمامة) وبينما كان (الحس) الشوري هو الغطاء المهلهل لصفة (السقيفة) فإن الإثبات، والتنصيب، كان هو لغة الخطاب، وسياسة المرحلة في أيام أبي بكر. وفي الوقت الذي استهجنوا الرأي الذي يقول إن الإمامة تثبت بالنص لعلي عليه الصلاة والسلام, ها نحن نجدهم يقلبونها برحابة صدر، على امتداد التاريخ، بنفوس صنعت على الإيمان الطيب البسيط، تقبل بالأمر الواقع! وحري بالرسول صلى الله عليه وآله وهو أعلم بمصلحة الأمة، أن يعين بعده من يصلح للأمة. وهل أبو بكر، وهو يبرر استخلاف عمر بن الخطاب، هل كان أحرص من الرسول صلى الله عليه وآله بمصلحة الأمة. وهل هذا المنطق الذي سلكه أبو بكر، وسوغه اتباع الرأي، إلا ما تعتقده الشيعة في الإمامة والتنصيب. وكيف يكون استخلاف الرسول.. لعلي عليه الصلاة والسلام, غلوا، والذي فعله أبو بكر، فصاحة ورأي سديد!!.
كان على أبي بكر أن يقول في وصيته، فإن بدل وغير (فاعزلوه) غير أنه قال (فالخير أردت ولا أعلم الغيب)! وكنت أنتظر من أبي بكر أو عمر نفسه أن يقول لا وصية وكتاب الله معنا أو أن يقول عمر، إن أبا بكر (يهجر) فلا يقبل وصيته؟؟!.
لقد اعترض الصحابة على خلافة عمر بن الخطاب. وخافوه على أنفسهم. وتوسلوا لأبي بكر، بأن يبعده عن إمارتهم. وفي ذلك كبار الصحابة. ولكن أبا بكر أبى إلا أن يكمل الصفقة مع عمر. على سبيل الوفاء بالعهود، المشهورة في سنن العرب. يقول صاحب الإمامة والسياسة. (فدخل عليه المهاجرون والأنصار حين بلغهم أنه استخلف عمر، فقالوا: نراك استخلفت علينا عمر، وقد عرفته، وعلمت بوائقه فينا وأنت بين أظهرنا، فكيف إذا وليته عنا وأنت لاق الله عز وجل فسألك، فما أنت قائل؟.
فقال أبو بكر، لئن سألني الله لأقولن: (استخلفت عليهم خيرهم في نفسي). وهكذا تغيب المشورة في رأي شخصي. هو نفسه لم يتم له الأمر إلا بعد أن خاضها عمياء لا تبقي ولا تذر. وهو يملك أن يحاجج الله سبحانه، ولا يبالي.
وكان الله عز وجل يرضى لما يرضى أبو بكر. لأن هذا الأخير، هو منشئ السماوات والأرض.

يقول أبو بكر (لأقولن استخلفت عليهم خيرهم في نفسي) (وإفصاحه عن الواقع بعبارة في نفسي) هو مفتاح السر، لإدراك اللعبة. فهو يراه خيرا في نفسه، لا حسب نفوس المسلمين أصحاب السابقية والمجد. وكيف لا يكون خيرا في نفسه، وهو لولاه لما تمت خلافة المسلمين. لقد عرف (أبو بكر) أن وجدان المجتمع قد تشكل على أيديولوجيا (الشورى) التي لم تكن إلا غطاء لصرف الإمامة عن(النص) وعليه، فإن أبا بكر وهو عازم على تثبيت عمر بن الخطاب، يحتاج إلى تعديل في التشكيلة الوجدانية للمسلمين. التعديل الذي لا يسرف فيه حتى يحفز الناس إلى الخلافة الكبرى. التي أرستها شريعة الإسلام لعلي عليه الصلاة والسلام, ولا يفتر فيه حتى يرفضوا مشروع خلافة عمر بن الخطاب. حاول أبو بكر أن يزرع في هذا الوجدان مفهوما جديدا للخلافة، وهو الخلافة بالتنصيب. وأعاد المنطق الذي كان مطروحا على صعيد الحلم الإسلامي، إبان وفاة الرسول صلى الله عليه وآله هو (النص) على الخلافة!.
قال أبو بكر- ابن قتيبة: الإمامة والسياسة (ص 19 - 201)-: وأما اللاتي كنت أود أني سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عنهن، فليتني سألته لمن هذا الأمر من بعده؟ فلا ينازعه فيه أحد، وليتني كنت سألته. هل للأنصار فيها من حق؟ وليتني كنت سألته عن ميراث بنت الأخ والعمة، فإن في نفسي من ذاك شيئا) أجل لقد بقي في نفس أبي بكر شئ من كل ذلك، حتى من (ظلامة) علي عليه الصلاة والسلام, وأهل بيته. وهو القائل: (فأما اللاتي فعلتهن وليتني لم أفعلهن، فليتني تركت بيت علي وإن أعلن علي الحرب)- نفس المصدر-.
إنه يشهد أن خلافته ليست مؤكدة. أولاً، ليس متأكداً من شرعيتها، ويشهد أنه ارتكب خطيئة يوم أعلن الحرب على علي عليه الصلاة والسلام, ولكنه بعد ذلك كله يأبى إلا أن يدفع ثمن الصفقة السقيفية. استجابة للعهد المعهود.

والناظر في سيرة عمر بن الخطاب، وشخصيته. بعين المتفحص والمقلب والسابر. سيجد عمر بن الخطاب، رجلاً لا يصلح لإمارة رعاع الأمة فضلا عن الصحابة. وهو لا يقربهم علماً ولا شجاعةً، ولا سابقيةً.
إنهما يريدان لعلي عليه الصلاة والسلام, الخلافة. فلو كانت له وحده إذن لصبرا عليها. ولكن يعلمان أنها لن تصلهما إذا استقرت في البيت النبوي، ما دامت هي (نصا) لذلك أرادوها لأنفسهما. إننا نعتقد إنهما كانا يستهدفان (الخلافة) وزهداً في كل شيء دونها. واعترف أبو بكر باللائي ودّ لو لم يفعلهن. ليس مجاملة. كما يحاول البعض تلفيقها. وإنما هو الواقع المر الذي خلفه وراءه، والشرخة الكبرى التي على سيرة أبي بكر. وكأن كل من أراد أن يركب سنام الخلافة، لا بد له أن يدرس مقام آل البيت عليهم الصلاة والسلام, وإلحاق الضربة بهم. وإن تاريخ أبي بكر، وعمر حتى لو فرض بأنه تاريخ زهد فأنهما لن يزهدا في الخلافة، وفي سبيل ذلك (شرعا) للنيل من آل البيت عليهم الصلاة والسلام, وقدما أول نموذج لذلك. مما شجع الباقين على اقتفاء آثارهم في السطو على تركة الرسول صلى الله عليه وآله بحجة التمسك بسنة الشيخين، التي لم تكن إلا تغييبا أيديولوجيا لسنة الرسول صلى الله عليه وآله وهكذا بايع الناس عمر بن الخطاب، خوفا ورهبة، ولو وجدوا ما يقوي شوكتهم إذاً، لقاتلوه. ولكن هيهات.
فالأمر ثابت مستقر، و(سيف ديموقليس) فوق رأس كل معارض. وإنه على غرار صاحبه لم يكن متأكداً من صلاحيته. وما زال عمر بن الخطاب يسأل(حذيفة بن اليمان) أمين سر الرسول صلى الله عليه وآله فيما لو كان (عمر) أحد الذين ورد اسمهم في صحيفة(حذيفة). وهي ما كان يعلمه من المنافقين. ولست أدري كيف يخاف عمر بن الخطاب على نفسه من(النفاق)؟ وأخرى من(كذاب الآخرة)؟ اللهم إلا لشيء فعله في حياته لا ينسجم مع حكم الشريعة. وأجزم هنا إن من تلك الأفعال، اغتصابه الخلافة الشرعية من أهلها الموكلين بها. وقد . يخاف المرء من عذاب الله يوم القيامة، ولكنه لا يشك فيما إذا كان منافقاً أو ورد فيه كلام أبداً من الرسول صلى الله عليه وآله!!.
كان منهج عمر بن الخطاب في الرعية، منهجا قمعيا وسطحيا. فهو يقمع الغث والسمين، وينال من الأخضر واليابس على حد سواء، ويضرب المصلي إذا صلى خاشعاً بتهمة النفاق {لا إله إلا الله}، ويضرب المخطئ ضربا مبرحاً، لا أن يحل مشكلة الخطأ من الأساس. واشتهر عمر ابن الخطاب، بالدرة، وهي آلته في ضرب الناس، والإنزال من معنوياتهم. ولم يسلم من درته كبار الصحابة. حتى وصل به الأمر أن يقول: (أصبحت أضرب بالدرة كل الناس ليس فوقي إلا الله) {يالله ولسة بيفتخر}.
}- الغدير في الكتاب والسنة والأدب الأميني-. وعدها (العقاد) من عبقرياته. وتمثل هذا القمع منذ البداية، وقد هاب أمره الناس لحدة طبعه، وتشنج مزاجه. ولكن أبا بكر كما سبق ذكره، كان يريد دفع الثمن لعمر. على الرغم من أنه تظاهر بالزهد فيها، وود لو كان في أمر المسلمين خلوا، وهو صاحب (أقيلوني فلست بخيركم) ونتساءل من خلال التاريخ، كيف يعترف أبو بكر بأنه ليس بخير من الناس، ينازع فيها علياً عليه الصلاة والسلام, ويقول لطلحة بن عبيد الله: أبالله تخوفني! إذا لقيت ربي فسألني، قلت: استخلفت عليهم خير أهلك، فقال طلحة: أعمر خير الناس يا خليفة رسول الله! فاشتد غضبه، وقال: إي والله، هو خيرهم وأنت شرهم - بن أبي الحديد في شرح النهج (ص 164 - 165 - 103) منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - إيران 1406 ه*.-.
قد كان تنصيبا بالاستبداد، الذي لا يسمح أن يقال أو يسأل، هل (عمر هو خير الناس) فعلاً!؟ وهذا التناقض في التظاهر بالزهد في الخلافة، والاستبداد بها في النهاية، وتوريثها لعمر بن الخطاب هو ما أشار إليه الإمام علي عليه الصلاة والسلام في خطبته الشهيرة في النهج{أتمنى إنك تقرأ ولو شيء يسير من نهج البلاغة}: (فيا عجباً! بينما هو يستقبلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته! لشد ما تشطرا ضرعيها! فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر الله بضبط وشماسي، وتلون واعتراض فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة) والواقع هو ما اعترف به ابن الحديد المعتزلي في شرحه، مع شئ من التزييف:
(إنما قال: أقيلوني، ليثور (أي ليبحث) ما في نفوس (قلوب) الناس من بيعته، ويخبر ما عندهم من ولايته، فيعلم مريدهم وكارههم، ومحبهم ومبغضهم، فلما رأى النفوس إليه ساكنة، والقلوب لبيعته مذعنة استمر على إمارته، وحكم حكم الخلفاء في رعيته، ولم يكن منكرا منه أن يعهد إلى من استصلحه لخلافته)- شرح النهج (ص 169 - 1 - 2)-. والواقع إن ثمة، ثغرة لم يكشف عنها بن أبي الحديد، هو أن سكوت الناس لا يعني (سكونهم) وربّ حكومات، تحركت جنودها، للجم الكلمة من الناس، تمهيداً لخطبة يلقيها الحاكم، فيظهرون على حال (السكينة) بينما هم مسلوبو (الكلام)!.

لقد حاول البعض أن يقيس على منهج (إبليس) في القياس بين موقف أبي بكر (حين قال أقيلوني فلست بخيركم) وعلي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام, يوم قال للناس بعد أن بايعوه: (دعوني والتمسوا غيري، فأنا لكم وزيرا خير مني لكم أميرا) والإمام علي عليه الصلاة والسلام, لم يقل إنه ليس بخير من الناس، ولم يقل أنه واجد في نفسه، لإصراره على حق قال إنه حقه، وما تلزمه كلمة حق من معنى (الشرعية) وهو رفض الخلافة بعد أن أتت إليه (فاسدة) وقد وصل الخراب إلى آخر مواقع المجتمع الإسلامي.
قالها بعد أن لعب بالخلافة من ليس لها أهل. ولكنه لما وليها عهد بها إلى ابنه الحسن عليه الصلاة والسلام, لأنه جدير بها. ولأنه فعلها استجابة للنص لا للرأي. ولو لم تكن المسألة نصاً. لكان علي عليه الصلاة والسلام , أجدر أدباً، أن يبعد عنها ابنه، ولو كانت المسألة، مسألة، تظاهر بالعدل والزهد، لكان علي عليه الصلاة والسلام, أحق بهذا الزهد.
لقد أمسك أبو بكر وعمر الخلافة، ومارسها بارتياب وتعثرا بسبب عدم جدارتهما. وفي ذلك يقول الإمام علي عليه الصلاة والسلام: (ويكثر العثار فيها والاعتذار).
وذلك بسبب الاعتذار التي رافقت سياسة الخليفتين، وبسبب أخطائهما القتالية، وعثارهما في سياستهما. وكان عمر بن الخطاب متحمساً للخلافة بعد أبي بكر، فلما كتب العهد أمر به أن يقرأ على الناس، فجمعهم وأرسل الكتاب مع مولى له ومعه عمر فكان عمر يقول للناس: انصتوا واسمعوا لخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله فأنه لم يسألكم نصحاً. فسكن الناس، فلما قرئ عليهم الكتاب سمعوا وأطاعوا، وكان أبو بكر أشرف على الناس وقال: (أترضون بمن استخلفت عليكم؟ فإني ما استخلفت عليكم ذا قرابة وإني قد استخلفت عليكم عمر فاسمعوا وأطيعوا، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي)- ابن الأثير (ج 2 ص 426)-.
قد هيأ عمر الطريق لأبي بكر، حتى ينصبه على الناس، قال لهم (اسمعوا وأطيعوا) لخليفتكم الذي يسألكم نصحا، ليقول أبو بكر للناس. إني استخلفت عليكم عمر (فاسمعوا وأطيعوا) والرؤية التي كان يحملها عمر بن الخطاب، للخلافة وإدارتها، ليست في مستوى الإسلام وإنسانيته. لقد كانت تتأسس على موروث فطري عربي ممزوج ببعض ما فهمه عمر من الإسلام كان يرى الخلافة بمعنى التابع والمتبوع. وإن الخليفة هو القائد الذي تسير خلفه قطعان من الخرفان، لا حق لها في المشاركة. وقف عمر بن الخطاب بعد وفاة أبي بكر، فقال (إنما مثل العرب مثل جمل آنف أتبع قائده فلينتظر قائده حيث يقوده. وأما أنا فورب الكعبة لأحملنكم على الطريق!)- تاريخ بن الأثير (ص 427 ج 2).-.
إنه يقسم برب الكعبة إنه سيحملهم على الطريق. تلك التي كما يراها هو. وكثيرا ما رأى الحق، فكان باطلا. وما وسعه إلا أن يقول كلمات نظير: (كل الناس أفقه منك يا عمر). أو (لولا علي لهلك عمر)! وما أشبه ذلك من أمثلة. وفي تاريخ الخلفاء، ذكر ابن قتيبة:
(فخرج عمر بالكتاب وأعلمهم: فقالوا: سمعاٍ وطاعة. فقال له رجل: ما في الكتاب يا أبا جعفر؟ قال: لا أدري، ولكني أول من سمع وأطاع قال: لكني والله أدري ما فيه: أمرته عام أول. وأمرك العام)- تاريخ الخلفاء (ص 20)-.
وهكذا كانت الوقائع التي أكدها التاريخ. تثبت بالبراهين المحرقة، إن عمر ابن الخطاب. فرض على المسلمين بالاستبداد. ولو خيروا يومها لاجتمعت كلمتهم على عزله، ولكن عهد أبي بكر، ودرة عمر لم يسمحا للكلمة الناقدة والمعارضة أن تستمر. غير أن المسلمين رأوا أن يصبروا عليه، وينافقوه خوفا من عنجهيته.
عمر بن الخطاب مع الرعية
الكل يحاول أن يرسم عمر بن الحطاب في صورة أسطورية كما شاءها له مناوئو بني هاشم. حتى يغطوا، بدخانها الكثيف فضائل البيت العلوي! بينما الواقع إن عمر بن الخطاب لم تكن له مؤهلات الخلافة النفسية والاجتماعية. وإن أدنى تمحيص لسلوكه وشخصيته يثبت ذلك يقول ابن أبي الحديد في شرح النهج:.
(وكان عمر بن الخطاب صعبا. عظيم الهيبة شديد السياسة، لا يحابي أحدا، ولا يراقب شريفا ولا مشروفا. وكان أكابر الصحابة يتحامون ويتفادون من لقائه) وهو لولا هذه (النرفزة) لما استطاع أبو بكر أن يحصل على شئ من السقيفة، وعمر هو الذي شد بيعة أبي بكر ووقم المخالفين فيها فكسر سيف الزبير لما جرده، ودفع في صدر المقداد. ووطئ في السقيفة سعد بن عبادة. وقال: اقتلوا سعدا، قتل الله سعدا! وحطم أنف الحباب بن المنذر الذي قال يوم السقيفة: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، وتوعد (عمر) من لجأ إلى دار فاطمة سلام الله وصلواته عليها, من الهاشميين، وأخرجهم منها، ولولاه لم يثبت لأبي بكر أمر ولا قامت له قائمة)- ابن أبي الحديد. شرح النهج (2 - 1 - ص 174)-.
وبلغ حقد الناس وكرههم به مبلغا كبيرا، فقد ذكروا أنه وبينما هو جالس في المسجد. بعيد وفاة أبي بكر، إذا برجل أتاه فقال:"يا أمير المؤمنين، أدنوا منك فإن لي حاجة؟ قال عمر: لا قال الرجل، إذا أذهب فيغنيني الله عنك، فولى ذاهبا، فأتبعه عمر ببصره، ثم قام فأخذه بثوبه، فقال له، ما حاجتك؟ فقال الرجل: بغضك الناس، وكرهك الناس، قال عمر: ولم ويحك؟ فقال الرجل: للسانك وعصاك"- تاريخ الخلفاء بن قتيبة (ص 20)-.
وحيث بلغ القمع، وحر الدرة، بأن أتته امرأة حامل يوما بعد أن استدعاها لأمرها، فأسقطت ما في بطنها من شدة الهيبة- ابن أبي الحديد - شرح النهج (ص 174)-.
وإذا علمنا، أن الناس لم يكونوا يجثون على ركبهم، ولا كانت النساء تسقط أجنتها، لما تلقى عليا عليه الصلاة والسلام, وهو من هو في التنمر، والشجاعة و.. لعلمنا إذن، إن ذلك كله كان بسبب خشونة زائدة لا تميز ظالما ولا مظلوما. تلك الخشونة التي سماها التاريخ البدوي (عدالة)!! إنها درته التي لا توقر امرأة، ولا شريفا، ولا حتى فاطمة إذ أزمع على حرق دارها!.
والذي لا ينكر لعمر ابن الخطاب إنه لم يحاب الأهل إذ لم يكن له أهل يذكرون. وكان يهتم في أن يظهر للناس عظيما ومتقشفا. ولكن السؤال القرآني، هو لماذا أخذ حق غيره. ومن خوله حق ممارسة السلطة حتى وإن كان عدلاً؟!.
إن الخلافة لا تعطى للناس لبساطتهم. إنها قرار إلهي! وخلافة عمر كانت فيها ميزات خفيفات، أتلفتها هنات جسيمة فمن ميزاتها تلك، أنه خلع خالد بن الوليد، وهو بذلك أعطى للتاريخ دليلا، على أن صاحبه أبا بكر كان مخطئا لما تجاوز عن خالد وغفر له كما تقدم.
ثانيا إنه أعاد (فدك) لآل البيت عليهم الصلاة والسلام, تزلفا إليهم. مع أنه كان محرضا لأبي بكر، أن يسلبهم ذلك الحق. والظاهر. أن أبا بكر وعمر منعا آل البيت ذلك الحق. حتى لا يقووا به نفوذهم. ولكن ما أن استتب الأمر حتى جاءت بها نفسه على أهلها. ولو كان مقتنعا أنها لله، لما حابى بها آل البيت.. إذا، لما كان شديدا في الحق كما تصفه الروايات المزيفة.
بيد أن سلبيات عمر التاريخية، ونوادره في السلوك السياسي والاجتماعي والفقهي، لم ينسها التاريخ، ومن تلك النوادر:
* - سطحية سياسية، العنف معتمدها.
* - القمع الاجتماعي.
* - الشذوذ الفقهي.

1 - سطحية سياسية: -
كان عمر ابن الخطاب كما تقدم، يرهب الشريف والمنافق معا. فكان يحاسب الأمويين حسابا عسيرا، لكنه في نفس الوقت يؤمرهم على أصقاع وسيعة. وفي ذلك تكمن سطحيته سياسية. لأن بني أمية لم يكونوا مكتفي الأيادي، بعد أن كانوا طويليها في زمن البعثة. وليس بني أمية عناصر ساذجة. وإنما هم جهاز، وحالة قابلة للنشوء في كل لحظة. فتأميرهم لا يعني سوى صب مزيد من النفوذ في جعبتهم. ولقد قووا في زمن عمر ابن الخطاب. وهو لم يكن يريد تقويتهم. إنما رأي رآه. ولكن الأمة دفعة ثمنه. ولم يكن مثل الإمام علي عليه الصلاة والسلام, حيث أول ما قام به هو عزل (معاوية) من دون رجعة في الموقف. لأنه يدرك أن الإمارة تقوي. وبأن بني أمية، ليسوا فئة عادية. فهو لا يزال يفوت عليهم هذه الفرص، حتى وهم يعرضون عليه البيعة. لقد جاء أبو سفيان بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله إلى علي والعباس فنادى من وراء الباب.


بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم** * ولاسيما تيم بن حرة أو عدي

فمــا الأمــر إلا فـــيكـم وإليــــكـم *** وليس لها إلا أبو حسن علي

أبا حســـن فاشـدد بها كف حــازم** * فإنك بالأمر الذي تبغي ملي

بصوت عال: يا بني هاشم، يا بني عبد مناف أرضيتم أن يلي أبو بكر؟. أما والله لو شئتم لأملأنها عليهم خيلا ورجالا فناداه أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام: (أرجع يا أبا سفيان فوالله ما تريد الله بما تقول ولا زلت تكيد للإسلام وأهله ونحن مشاغيل برسول الله صلى الله عليه وآله ) وورد أيضا في تاريخ (الطبري) بسنده إنه لما استخلف أبو بكر قال أبو سفيان ما لنا ولأبي فيصل، إنما هي بنو عبد مناف، فقيل له إنه قد ولى ابنك قال وصلته رحم. وكذلك فعل عمر ابن الخطاب، بعد أن ولى على الشام يزيد بن أبي سفيان، ومعاوية بن أبي سفيان بعده، ثم عثمان بن عفان، إعرابا عن هذه المودة بينه وبين بني أمية.
هذا الوعي السياسي العميق، كان يملكه الإمام علي عليه الصلاة والسلام, وقد تجلى في رفضه لشخص أبي سفيان الطليق في حين افتقد هذا الوعي الخليفتان. وبرز في عهد عمر لأنه الأطول عهدا بالخلافة. إنه عليه الصلاة والسلام, أدرك أن لا مرونة مع تيار قوي. يبني نفسه في الخفاء، ليعيد مكانته في الجزيرة العربية. ويسعى إلى تدمير بني هاشم، والانتقام للأجداد.
ولكن عمر قد دفع ثمن سطحيته السياسية. لقد استفاد الأمويون من مودته لهم. وصبروا على لذعه وتشدده السطحي. فقووا شوكتهم. وحققوا قدرا من التراكم والنفوذ. مكنهم من السيطرة على أسباب القوة في الجزيرة العربية. وبعد ذلك وجدوا أن المرحلة قد نضجت لإزاحة عمر ابن الخطاب عن الخلافة. ذلك لأن عمر هذا طالت خلافته كثيرا. ثم لأنه بدأ يتجه في غير مجرى مصالحهم.
ولأن مصلحتهم المرحلية في طور متقدم لا يصلح لها عمر. فعمر ابن الخطاب، ليس جديرا بالخلافة بالمقياس القبلي للأمويين، وهو ليس في شرف بني عبد الدار. ثم لأنه بدا لهم إن عثمان قريبهم بدا يشيخ ولم ينلها، وهو المرشح بعد عمر، لقربه كيف لا، وعثمان هو الذي كتب الكتاب لأبي بكر خلافة عمر وهو الوحيد الذي لم يقف ضد عمر، بل تحمس لذلك حتى قال له أبو بكر:
(جزاك الله عن الإسلام خيرا).
فهم أدركوا وبترتيباتهم الخاصة، أن الأمر لعثمان لا مناص. وحيث إن الشام تحولت إلى منطقة نفوذ للأمويين. وقد كانوا يكرهون عمر ابن الخطاب نفسه، بقول ابن قتيبة: (وكان أهل الشام قد بلغهم مرض أبي بكر، واستبطأوا الخبر، فقالوا: إنا لنخاف أن يكون خليفة رسول الله قد مات وولي بعده عمر، فإن كان عمر هو الوالي فليس لنا بصاحب، وإنا نرى خلعه) - الإمامة والسياسة - بن قتيبة - (ص 20)-. وهكذا، لم يكن عمر ليرضي أهل الشام، الذين شربوا في قلوبهم حب بني أمية منذ تولوهم. ولذلك لا بد من التفكير في مخطط (تصفية) لعمر حتى ينزاح عن الطريق. وكان عمر بن الخطاب يواجه معارضتين:
الأولى: - بنو هاشم الذين فضلوا السكوت، حفاظا على وحدة الأمة واستقرارها.
الثاني: - بنو أمية الذين كانوا يتحركون ضمن مشاريعهم، وأهدافهم الخاصة.
ولما قتل عمر، وظن أن الذي قتله قد يكون من طريق آل البيت عليهم الصلاة والسلام, أو من جهة أخرى مسلمة من الذين رأوا فيه خطرا على مصالحهم. وكان عمر رجلا شديدا قد ضيق على قريش أنفاسها) - نفس المصدر السابق (ص 27)-. ولما طعن، قال لابن عباس، أخرج فناد في الناس أعن ملأ ورضى منهم كان هذا؟ فخرج فنادى، فقالوا: معاذ الله، ما علمنا ولا اطلعنا) ودخل علي بن أبي طالب فقال: يا علي، أعن ملأ منكم ورضى كان هذا؟ فقال علي عليه الصلاة والسلام, ما كان عن ملأ منا ولا رضى. حتى قال (الحمد لله الذي لم يقتلني رجل يحاجني بلا إله إلا الله يوم القيامة) - نفس المصدر السابق (ص 22)-.
كان الذي قتله هو أبا لؤلؤة، قيل فارسي. إلا أنه لم يكن قتله لعمر ابن الخطاب، انتقاما من (القادسية) كما يزعم بعض البهلوانيين. إنما شاع عند العرب أن يتهموا الفرس بالمجوسية والحقد على العرب، حتى في عصرنا هذا.
وكان الأمويون يعتمدون على العنصر (الموالي) في دعم نفوذهم. عن طريق العطايا، والشراء. لماذا قتل عمر؟.
ناك من رأى أن أبا (لؤلؤة) قاتل عمر، كان قد حملته روح الانتقام إلى تنفيذ هذه العملية. وكان أبو لؤلؤة عبدا للمغيرة بن شعبة، وهو نصراني حسب بعض الروايات ومجوسي حسب أخرى. وجاء في (أسد الغابة) إن المغيرة كان يستغله (أي أبي لؤلؤة) كل يوم أربعة دراهم، فلقي أبو لؤلؤة عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن المغيرة قد أثقل على غلتي، فكلمه يخفف عني فقال له عمر: أتق الله، وأحسن إلى مولاك (إلى أن قال، فاصطنع له خنجرا له رأسان) - أسد الغابة في معرفة الصحابة لعز الدين بن الأثير الجزري (ج 3 ص 674 - 675) -. وهذه الرواية إن صحت، فإنها تظهر مدى الانسحاق الذي عانت منه الفئات الضعيفة، وهذا واحد من الذين امتلكوا الشجاعة لقتله. لكنني أرى عكس ذلك. فأبو لؤلؤة - قد يكون منفذا لهذه المؤامرة التي خطتها، وهندستها عقول كثيرة. ولا أدل على ذلك من مقتل (الهرمزان) وسكوت عثمان على ذلك، وعدم إقامة الحد على عبيد الله بن عمر، الذي راح ينتقم لأبيه من مجموعة أشخاص.
مما اضطر عثمان إلى غلق هذا الملف وعدم إشاعة الأمر. لقد سبق أن أكدنا على النفوذ الذي بقي في حوزة الأمويين والدليل على ذلك أن أبا سفيان لما عرض الخلافة على علي عليه الصلاة والسلام, قال: له (لو شئت لأملأنها عليك خيلا ورجالا) فهذا دليل على النفوذ والقوة التي كانت لا تزال تحتفظ بها الكتلة الأموية. وبقي أبو سفيان حاقدا على عمر وأبي بكر، لولا أنهما رتبا أمر إمارة ابنيه في الشام)- يزيد ومعاوية ابنا أبي سفيان-.
كانت علاقة المغيرة بن شعبة مع الأمويين متينة على الكوفة والمغيرة هذا هو سيد أبي لؤلؤة فيه نظر في السيرة كان عمر قد عزله بعد أن ولاه على البصرة وذلك بعد أن شهد عليه بالزنا- أسد الغابة (ص 472 ج 4)-.
بيد أن عمر، كما سبق أن قلنا، وللسطحية السياسية التي كان يتحلى بها ولاه مرة أخرى على الكوفة مع أن في الصحابة من هو أكثر انضباطا واستقامة. ويعرف عنه الدهاء - نفس المصدر-.
قال الشعبي (نقلا عن ابن الأثير الجزري) (دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة وزياد) وذكروا أنه تزوج ثلاثمائة امرأة في الإسلام، وقيل ألفا. وإذا ما جمعنا بين الدهاء الذي يعني عند الأربعة تجاوز المسطرة التشريعية إلى حد الدهاء في قتل الأبرياء وبين الأزمة السياسية التي كانت بين المغيرة بن شعبة وعمر ابن الخطاب. لما كان عزله عن البصرة، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك، بالنسبة إلى داهية عربي كبير. ثم بنو أمية الذين كانوا يشترون العملاء بالمال والوعود. إننا نتمكن من الوصول إلى نتيجة. وهي أن قتل عمر لم يكن بتلك البساطة والتلقائية، وإنما كان عملا منظما. كيف نهتدي لذلك؟.
إن واقع الجزيرة العربية قبل وبعد البعثة كان قبلياً حيث انتشرت فيه العصبيات, م العنصر اليهودي الذي كان لا يرى مانعا من التحالف مع القبائل الوثنية لمحاصرة الرسالة في بدايتها. ولما طرد اليهود من الجزيرة العربية بقي بعض المندسين، الذين قبلوا الإسلام. كتكتيك ضروري للبقاء. وكتكتيك توارثي لهدم معالم الإسلام. وكان من أولئك (كعب الأحبار) الذي كان مصدرا لكثير من الإسرائيليات في الأحاديث النبوية - ذكروا أن كعب هو الذي توسط مع عمر بن الخطاب لإدخال أبي لؤلؤة إلى المدينة بحجة إنها خلت من الصناع والحدادين-. وكان هذا الأخير من المقربين إلى عمر ابن الخطاب. كان كعب يعلم أن عمر ابن الخطاب، معرض للموت. وأنه أكد له غير مرة، أنه سيموت (شهيدا) وبهذه الكلمة، سوف يغطي عن أشياء تدار خلف النور.
فهي إشعاع غيبي، يغيب السؤال والاستفسار في تعجب عمر واندهاشه.
نحن نسأل ثانية ن من أين له هذا؟ وهل يعلم الغيب؟ ومتى علمه رجال الصحابة الكبار حتى يعلمه يهودي تأسلم؟.
الواقع إن عمر ابن الخطاب كان يطوف يوما في السوق، وإذا به يلقى أبا لؤلؤة فقال: يا أمير المؤمنين، أعدني على المغيرة بن شعبة، فإن علي خراجا كثيرا.
قال: وكم خراجك؟ قال: درهمان كل يوم. قال: وما هي صناعتك؟ قال:
نجار، نقاش حداد. قال: فما أرى خراجك كثير على ما تصنع من الأعمال، قد بلغني أنك تقول: لو أردت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت! قال:
نعم. قال، فاعمل لي رحى قال: لئن سلمت لأعملن لك رحى يتحدث بها من بالشرق والمغرب!.
ثم انصرف عنه، فقال عمر: لقد أوعدني العبد الآن) - ابن الأثير - الكامل - (ص 49 ج 2)-. هذا الوجه الأول للمشهد التآمري أما الوجه الثاني، قال ابن الأثير: (ثم انصرف عمر إلى منزله، فلما كان الغد جاءه كعب الأحبار فقال له: يا أمير المؤمنين، أعهد فإنك ميت في ثلاث ليال. قال: وما يدريك؟ قال أجده في كتاب التوراة قال عمر (الله! إنك) لتجد عمر ابن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكني أجد حليتك وصفتك وأنك قد فني أجلك. قال، وعمر لا يحس وجعا! فلما كان الغد جاءه كعب فقال: بقي يومان فلما كان الغد جاء كعب فقال: مضى يومان وبقي يوم. فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة وكان يوكل بالصفوف رجالا فإذا استوى كبر، ودخل أبو لؤلؤة في الناس. الخ)- نفس المصدر (ص 50)-.
إن الذي ورث غباء الأولين والآخرين، لا يمكن أن تجتاز عليه هذه الحيلة.
فهل هذا يجري بالاتفاق! كيف يقول أبو لؤلؤة ذلك، فيجد كعب الأحبار ينتظر عمر ليقول له ما قال!! لماذا لم يأته قبل ذلك بأشهر أو عشرة أيام أو خمس حتى يقول له قد بقي لك كذا وكذا، إذا كانت أوصاف عمر كما رآها في التوراة ثابتة وقديمة، كما قرأها قبل البعثة وبعدها. الظاهر أن كعبا هذا كان يرقص على الحبال، لذلك أراد أن يثبت نفسه في المجتمع، بأنه من أهل الأسرار، وصاحب الكشوف.
ليلتف حوله المسلمون. وإلا فأين يوجد عمر ابن الخطاب في التوراة، وفي أي سفر من أسفاره، تقرأه الآن. وكيف يتسنى للتوراة التي أنزلها له أن تحوي أخبارا عن عمر. والقرآن المهيمن على الكتب والناس والدهور، لم يفهم منه كبار الصحابة إن عمر سيقتل بعد ثلاث أيام؟ إنها اللعبة! ولما طعن عمر ابن الخطاب، دخل عليه كعب الأحبار فلما رآه عمر قال:.


توعدني كعب ثلاثا أعدها *** ولا شك أن القول ما قال لي كعب

وما بي حذار الموت إني لميت *** ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب

- ابن الأثير - الكامل –
كان ذلك الاتفاق والصدفة كما فهم عمر ابن الخطاب. لأنه تولى منصبا لا تسنده فيه حنكة ولا عصمة. ولم يكن مثل علي عليه الصلاة والسلام, الذي كان يعلم بموته كما ورد في الأثير من دون أن يحتاج إلى راهب من أهل الكتاب يعلمه بذلك- ولست أدري لماذا لم يخبر كعب الإمام علي عليه الصلاة والسلام, عن موته ويكشف له عن الغيب اللهم إلا أنه يعلم أن عليا عليه الصلاة والسلام, أعلم بالستورات منه!-.
وكذلك اقتضت سنة التاريخ أن يكون عمر ابن الخطاب، ضحية خفته، وتسمنه حقا ليس له. إذ لم يعرف من يصلح للأمة ومن لم يصلح لها. ثم مات بالقوة التي مهد لها بجهله بخفايا الأمور. إنه لا يعلم حتى، إن الرسول صلى الله عليه وآله قد مات؟!
فكيف يعرف عن مسائل السماء، كما أدرك ذلك يعسوب المؤمنين! ولو راجعنا الملفات التاريخية طرا، لاستطعنا إدراك مدى الحرص الذي بدأه زعماء الانتهازية الذين مهدوا لحكم عثمان. وكانوا معروفين لدى الملأ.
لقد كان عمرو بن العاص أحد دواهي العرب من المساهمين في المؤامرة وكذلك المغيرة بن شعبة كما سبق ذكره. وتورطهم في العملية كانت له أسبابه الخفية، والتي اكتشفت فيما بعد، وهو التخطيط الأموي، لقلب معادلة الخلافة. واستمالتها إليهم. ذكر أبو علي مسكويه في (تجارب الأمم), وقد كان جاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة والقوم في البيت يتشاورون (أي بخصوص الخلافة بعد مقتل عمر) فجلسا بالباب، فحصبهما- رماهما بالحصباء- سعد وأقامهما.
فتحصبهما، لم يكن اعتباطيا، وفلتة تلقائية. فالرجلان من أدهى العرب كما تقدم، ومن عملاء الأمويين. ثم أن رمي (سعد) لهما بالحصباء دليل على أن أمرهما ليس عاديا.
وهكذا كانت قصة التبييت لمقتل عمر ابن الخطاب، الذي بالغ في مودته للفئات الأموية وصفات الإيمان - رأيي إن الأمويين كانوا أذكياء ومخططين بارعين. لقد أدركوا مدى ضعف عمر بن الخطاب، لما لجأ على مودتهم وتأليفهم دون الآخرين!-. رغم ما كانوا يلقونه منه من قسوة عابرة. حيث كان عماله من أمثال، سمرة بن جندب، وعاصم بن قيس، والحجاج بن عتيك ونافع بن الحرث، وأبو هريرة، ومعاوية، وابن العاص، والمغيرة بن شعبة، ويزيد بن أبي سفيان. وكان قد توصل إلى أنهم نهبوا الأموال، وكدسوها بعد أن كانوا فقراء، مثل أبي هريرة، لما قال له عمر علمت أني استعملتك على البحرين، وأنت بلا نعلين، ثم بلغني أنك ابتعت أفراسا بألف وستمائة دينار- أقول، لعله ربح في (اللوطو) ما يكفيه غناء في حياته بعد الفقر والحاجة!!{بدون عصبية}
ومع ذلك لم يقم عليه الحكم الشرعي، بل اكتفى بمقاسمتهم الأموال. وكان من الواجب أن يحاكمهم على هذا الاختلاس، ويعزلهم، ولكنه لم يفعل ذلك، والتاريخ يروي عكس هذا. ظل أمثال أبي هريرة ومعاوية وابن العاص وغيرهم من الطلقاء، أمراء إلى آخر أعمارهم.
ولعل هذا هو السر. فعمر ابن الخطاب سواء أكان سطحيا في اختياراته أو ذكيا فيها. فإنه كان قاصدا في الإبقاء عليهم في هذه الإجازات. وذكر بن أبي الحديد في شرح النهج، أنه قيل لعمر: إنك استعملت يزيد بن أبي سفيان، وسعد بن العاص، وفلانا’’ وفلانا من المؤلفة قلوبهم من الطلقاء وأبناء الطلقاء.
وتركت أن تستعمل عليا والعباس والزبير وطلحة؟! فقال: أما علي فأنبه من ذلك، وأما هؤلاء النفر من قريش فإني أخاف أن ينتشروا في البلاد فيكثروا فيها الفساد). والواقع هو أن عمر ابن الخطاب كان حريصا على أن يراهم على مقربة منه، وحتى لا يذيع أمرهم في الأصقاع الأخرى، وإلا كيف يجعلهم ضمن الستة المرشحين للخلافة بعده أليس ممكن أن يؤدي ذلك إلى فساد عريض؟!.
لقد وفق التيار الأموي في تحقيق جزء من مخططه الهدام. ونجح في توقعاته، لما أثبت عثمان خليفة. وكان (المغيرة بن شعبة) قد قام خطيبا لما انصرف عثمان إلى بيت فاطمة بنت قيس. فقال: (يا أبا محمد، الحمد لله الذي وفقك، ما كان لنا غير عثمان. وعلي جالس)- أبو علي مسكويه (تجارب الأمم (ج 1 ص 288)-.
فملخص القضية إن عمر راح ضحية قشريته السياسية، إذ ركز على علي عليه الصلاة والسلام, وشيعته، وأرخى اللجام للزمرة الأموية. ومكن لها فكان أن تطور نفوذهم بحيث اقتضى أن يعزل عمر عن الخلافة، لصالح مرشحهم (عثمان) وتدبير العملية. كان بواسطة مجموعة عناصر مشبوهة، منهم (المغيرة بن شعبة) قاتل سعد بن عبادة، وهو بذلك اكتسب خبرة في التصفية الجسدية للسياسيين المعارضين، إذ يعتبر أول منفذ لعملية الاغتيال السياسي تلك. وعمر ابن الخطاب قتل بخنجر (أبي لؤلؤة) (مولى) (المغيرة بن شعبة).
وملف (المغيرة) هذا فيه بعض الفواصل المشبوهة. بدأت وانتهت كالتالي:.
1 - عزله عمر عن البصرة بعد أن شهد عليه بالزنا.
2 - كان على علاقة وثيقة بالأمويين.
3 - أبو لؤلؤة، مولاه!.
4 - هو قاتل (سعد بن عبادة) حسب بعض الروايات.
5 - هو الذي أتى يتلصص على المرشحين بعد مقتل عمر كما تقدم.
6 - هو صاحب الخطبة أعلاها.
7 - تولى الإمارة في زمن معاوية وكان عميلا له على الكوفة.
8 - رجل زان بشهادة عمر، ومسرف يحب المال فقد كان أول من رشى في الإسلام، ومن إسرافه أن تزوج أكثر من ألف امرأة - مع التطليق حسب صاحب (أسد الغابة).
9 - إنه أحد دهاة العرب الأربعة!.

ثم ماذا بعد؟.

إن عبيد الله بن عمر، راح ينتقم لأبيه. وقتل أبا لؤلؤة وقتل معه أناسا براء، مثل جفينة - رجل نصراني - كان من أهل الحيرة وظهيرا لسعد بن مالك. ثم قتل الهرمزان، فضربه بالسيف. وقال الهرمزان: لا إله إلا الله. ثم أخذه سعد بن أبي وقاص، وحبسه في بيته وأخذ سيفه، ثم أحضره عند عثمان- التاريخ الكامل لابن الأثير (ج 2 ص 75)- فاستشار عثمان من كان حوله وقال: (أشيروا علي في هذا الرجل الذي فتق في الإسلام ما فتق!
فقال علي: أرى أن تقتله. وقال عمرو بن العاص إن الله قد أعفاك، أن يكون هذا الحدث، ولك على المسلمين سلطان. فقال عثمان: أنا وليه وقد جعلتها دية وأحتملها في مالي- ذكر اليعقوبي أن عبيد الله قتل أبا لؤلؤة وابنته وامرأته. وروى بعضهم عنه أنه قال: يغفر الله لحفصة، فإنها شجعت عبيد الله على قتلهم. وذكر أن عثمان قال له: يا عدو الله قتلت رجلا مسلما، وصبية طفاة، وامرأة لا ذنب لها! قتلني الله إن لم أقتلك، فلما ولي رده إلى عمرو بن العاص-.
والملاحظ إن عثمان كان في أجواء الحدث. ورأى أن يطوي هذا الملف، لاغيا كل الأحكام الإسلامية. وهو يعلم أن أقضى الناس وأعلمهم بشرع الله علي عليه الصلاة والسلام, قد قضى بقتله. ولقد أراد الإمام علي عليه الصلاة والسلام, أن يقيم عليه الحد أثناء خلافته. ففر عبيد الله بن عمر إلى معاوية بالشام. وذلك دليلا على أن عثمان كان متجاوزا لحكم شرعي خطر، تجاه عبيد الله. وبذلك تتوضح الرؤية أكثر، من خلال حضور عمرو بن العاص، كشفيع لعبيد الله، وإقناع عثمان بالعفو عنه. بعد أن تبين الحكم الحقيقي فيه في قضاء الإمام علي عليه الصلاة والسلام.
فالتدبير لقتل عمر بن الخطاب، لم يكن بذلك البساطة التي رواها التاريخ المطرز. وإنما هي نتيجة لمخطط مدروس، يمكن رمقه من خلال التحولات التي جرت فيما بعد ذلك.
2 - القمع الاجتماعي: -
من العوامل التي سهلت على التيار الأموي القيام بعملية الاغتيال هذه، هو العزلة الشعورية التي كانت تفصله عن عامة المجتمع الذي كان يبحث عن المواقع التي تبعده عن عمر بن الخطاب، ذلك أن ما قام بن عمر كان يختلف كثيرا، كثيرا عما كان يقوم به النبي صلى الله عليه وآله والطبع العمري كان مرفوضا من كل فئات المجتمع. لقد كان المجتمع العربي ذا خصوصيات في الطبع والمزاج وإن الطبيعة القاسية والغاضبة التي صنعتها إياه بيئة الصحراء جعلته منه مجتمعا عصبيا متمردا. ولهذا قال الله سبحانه، لنبيه محمد صلى الله عليه وآله في القرآن (ولو كنت فظا غليظ القلب، لانفضوا من حولك) وبهذا المنهاج، سار النبي صلى الله عليه وآله في خط الدعوة والإرشاد بيد أن عمر بن الخطاب، لم يسر كذلك ولعل مرجع هذا، لفراغه من الاستحقاق الذي يشد إليه الرعية، ولخلوه من الخصائص التي تحمدها عليه العرب، فلجأ إلى القمع، كتعويض عن ذلك الاستحقاق المفقود!
ولعل مرده أيضا، إلى طبيعته التي جبل عليها، إذ أن صورته الجسدية، تحتوي على كل سمات الغلظة والفضاضة.
في شخصية عمر، علامات يمكن إرجاعها إلى عاملين أساسين يمكننا من خلالها رسم الحالة النفسية لعمر بن الخطاب بالشكل الذي قد لا يتفق مع ما ذهب إليه العقاد في عبقريته؟.
الأول: - العامل الجسدي.
الثاني: - عامل (العقدة) النفسية.
أولا: - المظهر الجسدي.
للصفات الجسدية دور في معرفة السلوك النفسي للأشخاص وعمر بن الخطاب. له ميزاته الجسدية التي تنسجم مع سلوكه الاجتماعي لقد كان عمر طويلا. جسيما، أصلع، أشعر شديد الحمرة كثير السبلة في أطرافها صهوبة وفي عارضيه خفة. وكان رجلا أعسر، أصلع آدم قد فرع الناس كأنه دابة حسب يعقوب بن سفيان في تاريخه- الإصابة في تميز الصحابة (لابن حجر العسقلاني) (ص 518 ج 2)-.
وكان إذا مشى تدانت عقباه. نضيف إلى ذلك إلى أنه كان جهوري الصوت ومدمنا على الخمرة في الجاهلية وحتى قبيل التحريم. ويروى أنه آخر من بقي متعلقا بها ويقول (اللهم بين لنا بيانا شافيا في الخمر)- ابن كثير التغير-. إن عمر بن الخطاب قد دخل الإسلام بعاطفة تلقائية كما ورد في السيرة. وهو وإن كان أصله كذلك، فإن الإسلام لا يؤاخذ من حسن إسلامه على ظروفه السابقة (فلا تزر وازرة وزرة أخرى) غير أن رواسب التربية، وعوالق الطفولة، تستمر مع الأنساب حتى الشيخوخة، ويبقى محتفظا بقسط كبير منها.
إن المظهر الجسدي الذي كان يتميز به عمر لم يكن بعكس النفسية المتوازية.
وخصوصا، فإن الإنسان الأعسر، هو في حد ذاته إنسان مضطرب، وعصابي ولكم حاول العقاد أن يتحايل لصنع صورة خيالية عن عمر في العبقرية ولكنه رحمه الله - لم يكن سوى مغالط، إذ أن الشكل الفيزيائي لعمر لم يكن شكل العباقرة، في كل مدارس السلوك والأشخاص من سر (الأسرار) لأرسطو طالس إلى آخر مدارس السلوك في أوربا ورغم أن الخمر كان من عادة العرب، إلا أن التواريخ والسير، تثبت إن من بين العرب من كان يتورع عنها. ويؤكد التاريخ أيضا إن عمر بن الخطاب كان من المدمنين الكبار، وإنه لم ينقطع عن الخمر إلا بعد أن حرمت تحريما شديدا، وبعد أن أعيي الرسول صلى الله عليه وآله بالسؤال الشافي!
ويعرف المدمن على المسكرات عادة بعدم القدرة على السيطرة على نزواته وأعصابه. فهو معروف بفجاجة الشخصية، خصوصا إذ انقطع عن تناول الخمر الذي أمسى من ضرورياته الجسدية وعادة ما كان العربي يندفع إلى الإدمان بأحد السببين إما أن يلتمس من خلاله النشوة والطرب.. وذلك كان من دأب سادات العرب وكبراءها وإما بدافع الانسحاق طلبا للهروب والتعويض بالخيال.
هذه العوامل اجتمعت كاملة، لتصنع من عمر بن الخطاب، الرجل المهاب الذي يخشى من قسوته وخشونته.
ثانيا: عامل العقدة!.
لكي نتمكن من الحفر النفسي في شخصية عمر بن الخطاب يجب أن ندرك بعض المسائل الضرورية. وهي إن عمر إنسان. وهو بذلك يكسب الطبيعة المشتركة مع باقي البشر، ضمن النماذج الطبيعية التي يتقاسمها البشر.
وكونه إنسانا معناه أنه خاضع للمؤثرات البيئية والتربوية، وبالتالي تجرى عليه سنن الحياة ومحدداتها النفسية والاجتماعية. وعمر بن الخطاب الذي قضى أغلبية عمره في أحط بيئة جاهلية، لا يمكننا تصور تحرره الكامل من رواسبها خصوصا، أنه حافظ على مجموعة من هذه السمات في ظل إسلامه، والتي منها، حدة الطبع والفضاضة وعدم احترام كرام القوم! ما يقوم به عمر في فترة خلافته من ضرب الناس دون مبررات، وقمعهم دون هوادة، ليس إلا حالة من التعويض النفسي، يحاول من خلالها الدفاع عن حالة نفسية كامنة، تعتريه، وهي دون شك جعلته، يتطلع بذلك الشكل العنيف إلى (الخلافة) حتى وهو يعلم أنها ليست حقا له.
وحالة من التعويض النفسي لصغار يجده في نفسه منذ زمان، هذا الصغار الذي كون عنده مركبا للنقص، يوجه سلوكه باستمرار، وهو لا يجد توازنه النفسي إلا بالانتقام من الآخرين أو زجرهم بالعنف حتى لا يظهروا عليه. ولذلك نجده يبدأ دائما بقمع الناس، وإذلالهم، حتى إذا ذلوا نجده يرجع ويقوم بعملية معاكسة - بعد تحقيق رغبة الانتقام -، وبروز عقدة الأثمية لذا يبرر من خلالها تواضعه. وما كان عمر بن الخطاب يبدأ في معاملاته بالتواضع. وذلك لأنه وقع بين مجموعة قوى نفسية تتجاذب طبعه باستمرار.
عمر بن الخطاب، لم يكن رجلا مذكورا، عند العرب. ولم يكن له وزن قبلي يثبته ولا سند له من الأنساب يسنده لذلك كان يحاول الانتقام من خلال الخلافة. ليس من أجل كسب ما ضاع منه، وإنما من أجل الانتقام من الأمراء، وأصحاب الرفعة والشرف.
وكان هذا من بين الأسباب التي جعلت المجموعة الأموية تنقم عليه. فلما علم أن عمرو بن العاص - أحد عماله على مصر - قد جمع في حوزته مالا كثيرا، بعث إليه بمحمد بن مسلمة، ليأخذ قسما من أمواله. فلما رأى عمرو بن العاص، ذلك منه قال، (لعن الله زمانا صرت فيه عاملا لعمر، والله لقد رأيت عمر وأباه على كل واحد منهما عبادة قطوانية لا تجاوز مأبض ركبتيه. وعلى عنقه حزمة حطب، والعاص بن وائل في مزررات الديباج) - ابن أبي الحديد في الشرح (ص 175)-.
(كما أن سعد بن عبادة لما حدثت له المناوشة مع عمر بن الخطاب في السقيفة، نال منه، واستحضر ماضيه وذكره، بأصله، لألحقنك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع).

وإذا ما استنطقنا (الأنساب) الذي يعتبر أرقى فن أهتم به العرب، سنجد عمر بن الخطاب محدود النسب وضيعا. مما ترك في نفسه عقدة، لا يدركها إلا من أدرك مقدار وقيمة النسب في جزيرة العرب. يروي (محمد بن السائب الكلبي النسابة وأبو مخنف لوط بن يحيي الأزدي النسابة في كتاب الصلابة في معرفة الصحابة وكتاب التنقيح في النسب الصريح بإسنادهم إلى ابن سيابة عبد الله في نسب عمر بن الخطاب قال:- الكشكول (الشيخ يوسف البراني) (المجلد الثالث ص 212 - 213)- (كان عمر بن الخطاب متولدا من نجيبين متضادين نفيل وهو من نجباء الحبشة. ثم قال ذاكرا نسبه إليهما بعد أن قال: إن نكاح الشبهة من أبواب الحلال وإن المتولد منه ومن الزنا يكون أنجب من الولد للفراش (إلى أن قال) ثم قال: وأما تفصيل نسبه وبيانه وهو أن نفيل كان عبدا لكلب بن لؤي بن غالب القرشي فمات عنه ثم وليه عبد المطلب، وكانت صهاك قد بعثت لعبد المطلب من الحبشة، فكان نفيل يرعى جمال عبد المطلب وصهاك ترعى غنمه وكان يفرق بينهما في المرعى فاتفق يوما اجتماعهما في مراح واحد فهواها وعشقها نفيل، وكان قد ألبسها عبد المطلب سروالا من الأديم وجعل عليه قفلا وجعل مفتاحه معه لمنزلتها منه، فلما راودها قالت: ما لي إلى ما تقول سبيل وقد ألبست هذا الأديم ووضع عليه قفل فقال: أنا أحتال عليه، فأخذ سمنا من مخيض الغنم ودهن به الأديم وما حوله من بدنها حتى استله إلى فخذيها وواقعها فحملت منه بالخطاب، فلما ولدته ألقته على بعض المزابل بالليل خيفة من عبد المطلب فالتقطت الخطاب امرأة يهودية جنازة وربته، فلما كبر كان يقطع الحطب فسمي الخطب لذلك بالحاء المهملة فصحف بالمعجمة، وكانت صهاك ترتاده في الخفية فرآها ذات يوم وقد تطأطأت عجيزتها، ولم يدر من هي فوقع عليها فحملت منه بحنتمة، فلما وضعتها ألقتها على مزابل مكة خارجها فالتقطها هشام بن المغيرة بن وليد ورباها فنسبت إليه، فلما كبرت وكان الخطاب يتردد على هشام فرأى حنتمة فأعجبته فخطبها إلى هشام فزوجه إياها فولدت عمر، وكان الخطاب والد عمر لأنه أولد حنتمة إياه ثم تزوجها وحده. لأنه سافح صهاك قبل فأولدها حنتمة والخطاب من أم واحدة وهي صهاك. هذا ملخص كلام الكلبي.
وبقيت (حنتمة) مجهولة النسب، إذ اختلف في أمرها نسابة العرب. فمنهم من حاول أن ينسبها إلى هشام بن مغيرة على أساس إنها ابنته.
بينما هي متبنات واختلفوا فيها إذا كانت هي بنت هاشم بن مغيرة أم هشام بن مغيرة. ولو كان كما قالوا، لما امتعض العرب من خلافته، ولاحترم مقاماتهم كما هو منهج النبوة- أسد الغابة: أقول والكلبي هو واحد من النسابين الكبار، حيث لا يرقى إليه من انتحلها من المؤرخين والمحدثين. وهو من أقواهم فيما لو راجعنا بن خليكان في وفيات الأعيان . كان وضع عمر في طفولته ينوء بالبؤس والمعاناة. فهو الصغير الذي وجد نفسه مقطوع النسب، لا يجد ما يفاخر به أبناء جيله، و (النسب) عند العرب يشكل عقدة للكبار، فكيف بالصغار! والواقع هو أن الحالة النفسية عند عمر تشكلت ضمن هذه العوامل الاجتماعية، مما كون عنده عقدة النقص، وما تولد عنها من روح عدوانية، ونزعة تعويضية هازلة.
هكذا، وخلافا لما وصفه به العقاد وغيره، يمكننا اكتشاف الأسباب التي جعلت عمر بن الخطاب يكون على ذلك الطبع من الفظاظة والحدة. فلم ينجح أحد من درته أصلا. وأول ما ضرب عمر بدرته أم فروة بنت أبي قحافة لما توفي أبو بكر، وبكت على أخيها ومعها مجموعة نساء، فأخرج عمر درته، وعلا بها أم فروة، فهربت الأخريات، وقيل: درة عمر أهيب من سيف الحجاج- ابن أبي الحديد - شرح النهج-. يقول ابن أبي الحديد المعتزلي: (وكان في أخلاق عمر وألفاظه جفاء وعنجهية ظاهرة (ويروى أن عمر هو الذي أغلظ على جبلة بن الأيهم حتى اضطره إلى مفارقة دار الهجرة، وارتد إلى نصرانيته، وذلك بسبب لطمة لطمها، ويروى أنه قال بعد أن ندم على ارتداده:

تنصرت الأشراف من أجل لطمة *** وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني *** رجعت إلى القول الذي قال عمر

هذه الفظاظة والعنجهية، والقمع الاجتماعي الذي ميز خلافة عمر، أثار عليه جبهتين:

الأولى: - قوم شرفاء ساءهم أن يكون عمر أميرا عليهم مسفها لهم. لا يوقر كبيرا ولا صغيرا- (يروى أنه رأى شيخا يسير الهوينا فقال من هذا قالوا رجل متنسك،، فضربه بالدرة قائلا:
(لا تمت علينا ديننا أماتك الله. هل ضرب هكذا رجل ظلما حقا في نظر منهج النبوة)؟!-.
الثانية: - قوم أرادوا تجميع الأموال كابن العاص، وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة ومعاوية و.. فساءهم استفزاز عمر لهم. وإن كان محتفظا بإمارتهم.
3 - الشذوذ الفقهي.
ؤخذ على عمر بن الخطاب، أنه خلافا لما يدعي مؤرخو البلاط، رجل عديم الملكة الفقهية. وليس هذا فحسب بل متجرئ على الفتوى فكان يأتي بالنوادر، متجاوزا كل النصوص. يقول ابن أبي الحديد: (وكان عمر يفتي كثيرا بالحكم ثم ينقضه، ويفتي بضده وخلافه، قضى في الجد مع الأخوة قضايا كثيرة مختلفة، ثم خاف من الحكم في هذه المسألة فقال: من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في الجد رأيه (شرح النهج ج 3 ص 181).
واعترف غير مرة بقصوره الفقهي أمام جمهور المسلمين، وشاع عنه قوله (كل الناس أفقه من عمر).
وفي إحدى المناسبات قال: لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي إلا ارتجعت ذلك منها، فقالت له امرأة، ما جعل الله ذلك أنه تعالى قال:
(وآتيتم إحداهن قنطارا، فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا) (سورة النساء آية 30) فقال عمر: (كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال).
ويمكننا تلخيص بعض ما ورد عن شذوذه الفقهي الذي رفضه الصحابة، ورأوه مخالفة للقرآن وسنة النبي صلى الله عليه وآله ما يلي:
1 - حكم عمر بالقضاء على مجنونة قد زنت (الحاكم والبيهقي وأبو داوود).
2 - حكم عمر على المضطرة بالحد (البيهقي ابن الجوزية).
3 - حكم عمر بحرمة المتعتين (الحج والزواج)، (الصحاح).
4 - حكم عمر بإلغاء (حي على خير العمل) في الأذان بعد إن كانت مشروعة في عهد الرسول صلى الله عليه وآله.
5 - عمر يزيد في الآذان (الصلاة خير من النوم).
لقد كان عمر مندفعا إلى العمل بالرأي، حتى في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وكثيرا ما أثار متاعب للنبي صلى الله عليه وآله ولقد خالف الرسول صلى الله عليه وآله في كثير من المواطن فكيف به إذا استتب له الأمر، ولم يجد له سلطانا رادعا.
وهكذا كانت سيرة عمر، وتلك هي بعض ما أخذ عليه. أما قمة الرزية، فهي عندما قتل، ولعب مرة أخرى بالخلافة ومنعها عن الإمام علي عليه الصلاة والسلام.
الخلافة بعد وفاة عمر
لقد طعن عمر في يوم الأربعاء، ومات يوم الخميس حسب صاحب أسد الغابة وبعد ذلك ترك الخلافة في ستة أشخاص. إنني ما زلت أرى أن عمر بن الخطاب أبدا لا يزهد في الخلافة. وعديم الدهاء إلا في استخلافه (الستة) وإذا ما أمعنا النظر في ملابسات الخلافة بعد مقتل عمر. سوف يتبين لنا أمرها كالشمس في رائعة النهار. والحكاية كالتالي:
(لما قتل بن الخطاب، قيل له على أثر طعنه- الطبري وآخرون بألفاظ شبه مختلفة، كابن قتيبة، وبن أبي الحديد في الشرح وأخرين- . (استخلف) فقال:
(عليكم هؤلاء الرهط الذين توفي رسول الله، وهو عنهم راض: علي وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن وسعد خال رسول الله والزبير بن العوام بن عمته، وطلحة. فليختاروا رجلا منهم ويشاوروا ثلاثة أيام وليصل بالناس صهيب، ولا يأتين اليوم الثالث إلا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا، ولا شئ له من الأمر. وطلحة شريككم في الأمر. فإن قدم في الأيام الثلاثة فاحضروه أمركم، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم. ثم قال لأبي طلحة الأنصاري، (إن الله تعالى طالما أعز الإسلام بكم، فاختر خمسين رجلا من الأنصار، فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا).
وقال لصهيب (صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل علياً، وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة وأحضر عبد الله بن عمر، ولا شيء له من الأمر، وقم على رؤوسهم. فإن اجتمع خمسة ورضوا واحدا منهم وأبى واحد فاشرخ رأسه واضرب رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا واحدا وأبي اثنان فاضرب رؤوسهما، وإن رضي ثلاثة منهم رجلا واحدا منهم وثلاثة رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس).
لقد جرى الجمهور على تقبل هذا الحديث دون إكمال العقل والنظر فيه.
وكأن عمر ينطق بالوحي، لذلك سوف نتبين ونحن نتأمل بثاقب النظر، ونافذ الرأي، إن العملية محسوبة سلفا، ودقة الترتيب تفيد أن الأمر كان مخططا في ذهن عمر منذ زمان، والمسألة تبدو حسابية، ولم نعهد على العرب هذه البديهية في الحساب، غير أن بديهية الإمام علي عليه الصلاة والسلام, كانت أسرع، ففهم مقاصد اللعبة، فقال للعباس فور انتهاء عمر من كلامه: (عدلت عنا) قال له العباس: وما علمك قال الإمام علي عليه الصلاة والسلام, : (قرن بي عثمان وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا ورجلان رجلا، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون: فيوليها عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بله إني لا أرجو إلا أحدهما).
فخلع عبد الرحمن نفسه، ورضوا أن يكون هو الذي يختار للمسلمين. وفي اليوم الرابع، صعد عبد الرحمن المنبر في الموضع الذي كان يجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: (أيها الناس، إني قد سألتكم سرا وجهرا عن إمامكم، فلم أجدكم تعدلون بأحد الرجلين: إما علي وإما عثمان. فقم إلي يا علي! - ابن الأثير - الكامل في التاريخ -. فوقف تحت المنبر، وأخذ عبد الرحمن بيده، فقال:
(هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر؟)- وعند ابن الأثير وغيره: وسيرة الشيخين-.
قال: (اللهم لا، ولكن على كتاب الله وسنة نبيه، وعلى جهدي وطاقتي) قال: فأرسل يده، ثم نادى (قم يا عثمان!).
فأخد بيده وهو في موقف علي الذي كان فيه فقال: (هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر؟) قال (اللهم نعم) فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان، ثم قال: (اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، إني جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان).
فجعل الناس يبايعون، وتلكأ علي عليه الصلاة والسلام, فقال: عبد الرحمن: (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد الله فسنؤتيه أجرا عظيما). فرجع علي يشق الناس حتى بايع عثمان وهو يقول:
(خدعة وأيما خدعة)- ابن مسكويه في تجاربه (ج 1 ص 265)-.
وروى القطب الراوندي، إن عمر لما قال كونوا مع الثلاثة التي عبد الرحمن فيها، قال ابن عباس لعلي عليه الصلاة والسلام, ذهب الأمر منا.
ماذا سنستفيد يا ترى، من هذه اللعبة التاريخية المتقونة، وكيف نقف على حقيقتها. ولكن قبل أن نشق خضمها، يجب أن نوجه إليها في البدء، مجموعة من الأسئلة:

1 - أولا، من أين، ولم، وكيف، جاءت هذه النظرية السياسية، ذات التركيب السداسي؟.
2 - لماذا الستة بالضبط؟.
3 - وكيف يكون ابن عمر شاهدا ومبشرا في اللحظة الحرجة، ولماذا صهيب يصلي بالناس، وأبو طلحة يتولى قطع الرقاب؟؟.

إن هذه الأسئلة، وعشرات أخرى مثلها، جدير بنا طرحها على هذا النص، لنقف على علاته، وهناته.
يبدأ عمر بفرض رؤيته للخلافة من بعده، وطرحها على أساس أن تقبل ولا تحور. فهي نص منصوص لا رأي بعده. وكيف بالتاريخ يغفل هذا الموقف، ولا يعيد طرح السؤال. فعمر بن الخطاب، هو الذي حال دون الرسول صلى الله عليه وآله وكتابة الكتاب الذي لا يضل الناس بعده، هو الذي رأى أن الأمر متروك للمسلمين ينظرون فيه. كيف يقول في وفاة الرسول صلى الله عليه وآله (إن الرسول يهجر، حسبنا كتاب الله)؟.
ولم يترك للناس حرية النظر في شؤون الأمة، وحسبهم كتاب الله أيضا، ثم لماذا يلزم المرشحين الستة. بمخططه، ويقضي بقتل من خالف.
ثم لماذا لا يكون القتل بالسوية، حتى في الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. ولماذا يقضي بالقتل على ستة، توفي الرسول، وهو عنهم راض، كما شهد بذلك، ثم من أعطاه الحق في ذلك، وما مبرر ذلك من النص.
ولست أدري، هل استلهم عمر فكرته هذه من شريعة حمورابي أو من حلم رآه. أي نص قرآني، وأي سنة نبوية، اعتمدها في هذا المخطط الذي جعل فيه الدم، وإزهاق الأرواح واردا، كان عمر يهدف من خلال مخططه إلى مجموعة أغراض.
أولا: كان يهدف إلى إذلال كبراء المسلمين من جهة، والإمام علي عليه الصلاة والسلام, من جهة خاصة. فمن جهة الآخرين، جعل عليهم عبداً يصلي بهم خلال الفترة الانتقالية.
وهو صهيب. ثم جعل السلطة التنفيذية في يده وأبي طلحة: كي ينفذا عقوبة القتل لكل متمرد من المرشحين الستة، مع احتمال وقوع القتل على الإمام علي عليه الصلاة والسلام, وكذلك إذلالهم، من خلال سلبهم حق المشاركة في الاختيار السياسي.

أما من جهة الإمام علي عليه الصلاة والسلام, فإنه وضعه في مصاف من هم دونه بلا شك، حتى يجرده من امتيازه. ويربي العامة على عدم تعظيم قدره عليه الصلاة والسلام, والملاحظ في ذلك، أن طلحة والزبير، ظلا يريا الخلافة لعلي عليه الصلاة والسلام, منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وواجها أبا بكر وعمر. وتمرداً على البيعة. وكانا ضمن المعتصمين في بيت فاطمة عليه الصلاة والسلام, وحدثت لهما مناوشة. وصدام مع عمر بن الخطاب، إلا أن سياسة عمر بن الخطاب في إنزالهما منزل علي عليه الصلاة والسلام, في الخلافة، جعلهما يطمعان ولا يريان في علي ميزة عنهما بعد هذا الانحطاط الذي منيت به العصبة الهاشمية، ولذلك راحا ينازعان الإمام علي عليه الصلاة والسلام, يوم الجمل.

إن عمر بن الخطاب، لم يكن وحده صاحب المخطط، وإذا كان هو صاحبه فلأنه فكر فيه مليا. ولم يكن مخططا تلقائيا كما سطرته كتب التاريخ، لأنه عنصري الدقة والترتيب الحاضرين فيه يستبعدان صدوره عن تلقائية، فمنذ البداية كان عمر بن الخطاب يمهد، لخلافة عثمان، ولكن الحرص على إحضار الستة له أسبابه التكتيكية. لقد حاول عمر من خلال هذا الترتيب أن يظهر للناس من بعده، أن عليا عليه الصلاة والسلام, على الرغم من حضوره، فإنه لم يستطع الفوز بها لعدم جدارته، ورفض الناس له، وبهذا سيسلب منه ورقة الخلافة، ويسقطه سياسيا، كما أنه أراد أن يسقط معه، مناوئيه القدامى وهما طلحة، والزبير، وما وجود سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف سوى لتحقيق التوازن في المخطط، ليفضي الأمر في نهاية الجولة إلى عثمان بن عفان.
يجب أولا أن نمحص هذه الشخصيات الست، لنرى خلفية اختيارهم، ليس هؤلاء الستة كما زعم، هم الوحيدين الذين توفي الرسول صلى الله عليه وآله وهو راض عنهم، فهناك عمار، وأبو ذر، وسلمان، والمقداد. هم من أهل الإيمان والعلم والقضاء، ولهم سابقية لا يرقى إليها الكثير ممن اختارهم عمر، ولهم من العلم ما لا يوازيه علمهم، بل وأنه اختار من بينهم من ليس فيه ما ادعاه عمر، لقد أقبل على طلحة، وهو له من المبغضين منذ رفض استخلاف أبو بكر إياه. فقال له:
أقول أم أسكت؟ قال: قل، فإنك لا تقول من الخير شيئا، قال: أما إني أعرفك منذ أصيبت أصبعك يوم أحد والبأو الذي حدث لك، ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله ساخطا عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب- قال أبو عثمان الجاحظ في (السفيانية) إن الكلمة المذكورة هي أن طلحة لما أنزلت آية الحجاب: قال بمحضر ممن نقل عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ما الذي يغنيه حجابهن اليوم! وسيموت غدا فننكحهن. فقال أبو عثمان: لو قال لعمر قائل: أنت قلت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله مات وهو راض عن الستة، فكيف الآن لطلحة إنه مات عليه السلام ساخطا عليك للكلمة التي قلتها! لكان قد رحاه بمشاقصه ولكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا، فكيف هذا-.

رتب عمر الأمر على هذه المعطيات التالي:
- عبد الرحمن بن عوف (صهر) عثمان، زوج أخته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط.
- سعد ابن عم عبد الرحمن وكلاهما من زهرة.
- طلحة تيمي، ابن عم أبي بكر، صاحب ضغن تجاه بني هاشم.
- الزبير بن عمة علي عليه الصلاة والسلام, (صفية) بنت عبد المطلب.
- عثمان من بني أبي معيط.
- علي عليه الصلاة والسلام, من بني هاشم.
إن التركيز على الانتماء القبلي ضرورة لفهم ديناميكية الخلافة والاستخلاف، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله واستضعاف النص!.
هناك أربعة من هؤلاء، يعلم عمر، ويعلمون هم أيضا، إنهم غير مرغوب فيهم من قبل المسلمين، وأن الأمر سيبقى بين اثنين لا ثالث لهما: علي عليه الصلاة والسلام, وعثمان.
أما الباقون، فإنهم سيسلمونها تلقائيا لعثمان، باستثناء الزبير، وطلحة مع عض الشكوك. ولعل الإمام علي عليه الصلاة والسلام, قد فطن لتلك اللعبة لما قال للعباس كما سبق:
(فلو كان الآخران معي (يقصد طلحة والزبير):
لم ينفعاني، بله أني لا أرجو إلا أحدهما).
وفعلا، فإن طلحة لم يسلمها للإمام علي عليه الصلاة والسلام, وما بقي معه عليه الصلاة والسلام, سوى الزبير. فعبد الرحمن بن عوف سيسلمها لصهره عثمان، فإذا فعل فإن سعدا ابن عمه لن يخالفه، وطلحة من المفترض أن يمنعها عن علي عليه الصلاة والسلام, لتلك الضغينة التي ذكرها المؤرخون بين تيم وبني هاشم. وهو ابن عم أبي بكر، ولكن كان من المحتمل أن يخالف بها رأي عمر وعثمان، لكراهيته لهما، وأما الزبير فلقد رأى أن يسلمها إلى لابن عمه علي عليه الصلاة والسلام, بعد أن رآها لن تتم له، وبعد أن تحركت فيه الحمية تجاه قريبه، لما رأى الآخرين مالوا إلى أبناء عشيرتهم كما لأن الزبير وقتئذ من شيعة علي عليه الصلاة والسلام.

ثم كان عمر بن الخطاب قد ضيق الأنفاس على الستة، ورسم لهم مخططا، يعكس مدى حرصه على تفويت الخلافة على علي عليه الصلاة والسلام,. فقال آمرا أبا طلحة، أنه إذا أبى واحد، ورضي خمسة، فاشلخ رأس الواحد، ومن البديهي أن الواحد المفترض معارضته للجميع، هو علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام, ثم بقتل الاثنين، واللذين لا يمكن أن يكونا سوى علي والزبير في أسوأ الاحتمالات، وإذا ما أنضاف طلحة، وكان هذا احتمال وارد، بسبب الكراهية التي لا يزال يحملها طلحة لعمر فإن عمر قضى برفض هذا الثلاثي من خلال قوله (فكونوا مع الثلاثة التي فيهن عبد الرحمن بن عوف) علما أن عبد الرحمن لا يمكن أن يكون إلا مع عثمان، وسعد لا يمكن أن يخالف الاثنين:
أولا: للعمومة التي تربطه بعبد الرحمن ولأنه من زهرة.
ثانيا: بأنه لا يزال يجد في نفسه من علي وهو الذي قتل الكثير من عشيرته:
وقتل أباه ببدر.
فالثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن، لن يكونوا منذ البداية - سوى:
عبد الرحمن وبالتالي سعد، وعثمان.
ولهذا قال الإمام علي عليه الصلاة والسلام, (قرن بي عثمان وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا ورجلان رجلا، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف.
فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون: فيوليها عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفعان بله إني لا أرجو إلا أحدهما).
وذكر الراوندي أن عمر لما قال: كونوا مع الثلاثة التي عبد الرحمن فيها قال ابن عباس لعلي عليه الصلاة والسلام,: ذهب الأمر منا، الرجل يريد أن يكون الأمر في عثمان).
ونحن نتسأل، ما هي الحكمة التي تجعل عمر، يقضي بالقتل في الثلاثة التي ليس فيها عبد الرحمن بن عوف. ولماذا لا يقول بالعكس ما دام أنه قال: إن هؤلاء توفي الرسول صلى الله عليه وآله وهو عنهم راض)، ثم لنفرض إن الأمر كما أراد إذا، لكان من المفترض لو عصت مجموعة علي عليه الصلاة والسلام, أن يقتل هو والزبير، وعلى الرغم من أن عمر، رفض أن يكون ابنه خليفة بعده، وعجبت كيف خوله للاختيار ولو تساوت المعادلة إن عمر رأى ابنه لا يستحق الخلافة، وهو القائل (ويحك! كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته)، مع ذلك جعله حكما بين الستة فيما لو اختلفوا ثلاثا، ثلاثا. حتى إذا رفضوا مشورته والتي في الغالب يفسرها الإجراء الاستثنائي - قتل أبو طلحة- عد أن استتب الأمر لعثمان، قال علي عليه الصلاة والسلام: أما لئن بقي عثمان لأذكرته ما أتى، ولئن مات لتداولنها بينهم، ولئن فعلوا لتجدني حيث يكرهون، ثم قال:



حلفت برب الراقصات عشية *** عدون خفافا فابتدرن المحصبا

ليختلين رهط ابن يعمر قارنا *** نجيعا بنو الشداخ وردا مصلبا

والتفت فرأى أبا طلحة فكره مكانه: فقال أبو طلحة: لن تراع أبا الحسن) (ابن الأثير الكامل)-. والخمسون الذين معه، الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف.
ذكروا أن عمر قال: لو كان أبو عبيدة لاستخلفته- أنظر الطبري وبن الأثير- (114)، وهو بذلك يكون قد وفي بالعهد، ولو بإثباته بالكلام، ضمن الصفقة الثلاثية التي جرت في سقيفة بني ساعدة، غير أن موته أفسد المخطط، فأعد عمر بن الخطاب هذه (الهندسة) السياسية الحاقدة.
أما مجريات الأمور بين المستخلفين الستة، فإنها، تتحفنا بحقائق أخرى.
فعبد الرحمن بن عوف، كان عراب المشروع العمري، وهو الذي طرح نفسه كشاهد بعد أن تنازل عنها، وفجأة أصبح وكأنه هو المنصب الرئيس لما تسلم مجلس الرسول صلى الله عليه وآله، ولما بقي الأمر كله بيده، دعا عليا عليه الصلاة والسلام, قبل عثمان.
وكانت هذه عملية تمويهية، فهو يدرك أن عليا سوف يرفض سلفا اقتراحه، وشروطه حتى أنه كان سبب عزل علي عليه الصلاة والسلام, وتنصيب عثمان، إتباع سيرة الشيخين، وكان علي عليه الصلاة والسلام, ذا موقف حاد من هذا الشرط. ذلك أنه شرط، لا مغزى له بعد شرطي (كتاب الله، وسنة رسوله).
وهذا كان يعني واحدا من أمرين:
- فإما أن سيرة الشيخين تمثل الكتاب والسنة، وبالتالي، فإيرادها هنا سيكون لغوا زائدا.
- أو أنها شيء جديد، فلا يلزم علي عليه الصلاة والسلام, بإتباعها، والدليل على أنه شيء جديد، إن عليا عليه الصلاة والسلام, تمسك بالكتاب والسنة. فعزل بسبب عدم قبوله بسيرة الشيخين.
ولفتة أخرى وهي الأهم. إن الإمام عليا عليه الصلاة والسلام, كان ينظر إلى الخلافة كحق مقدس، ومسؤولية ربانية. وهو لهذا تمسك برأيه، ولم يكن بينه وبينها - لو كان فعلا همه الخلافة - سوى الاعتراف، ولو علنا، بسيرة الشيخين. دعنا نر سيرة الشيخين في سياسة عثمان، وإلى أي وضع أدى المخطط السداسي العمري!.
وللحديث بقية.............______________يتبع____

أميرة الجنة
23-09-2006, 06:49 PM
أتمنى أن تعم الفائدة الجميع,,,,,,

alfa-beta
24-09-2006, 02:08 AM
باسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم
العضو المحترم
اميرة الجنة
اتابع موضوعكم لكن ببطئ وذلك نتيجة لتتبعي بعض الماضيع الاخرى في نفس المنتدى وكذلك لكثرة الاشغال.
نبارك لكم هذا الشهر المبارك وجميز الزوار لهذا المنتدى المبارك
وشكرا

أميرة الجنة
26-09-2006, 04:07 AM
كل رمضان وأنت بخير أخي الكريم alfa-beta

أميرة الجنة
26-09-2006, 04:09 AM
عثمان أو الفتنة الكبرى
الخليفة الثالث عثمان صنيعة وضع هو في حد ذاته مسلسل لواقع التآمر التاريخي على عصبة بني هاشم، وهنا يمكننا القول إن منطق القبيلة وارد في هذا الاختيار، وأيا كانت خلفيات هذا الاختيار، فإن عثمان لم يكن حلا للمجتمع العربي في تلك الفترة، بقدر ما كان نتيجة حتمية لسنوات طويلة من التقوية للجناح الأموي الذي كان عثمان يشكل واجهته الإسلامية، فشخصية عثمان، كما عرف عنها - على أقل التقادير المجمع عليها - ضعيف الإرادة كسيرها، لا يقوى على اتخاذ القرار، ولا على الصمود في العدل بين العامة والأقرباء.
لقد استفز عثمان بسياسته المسلمين جميعا، وبعضهم حاول أن يجد المبررات لعثمان، فراح يلفق ويركب، لخلق واقع تاريخي مزيف لا يعكس حقيقة، وواقع العهد (العثماني)، لقد أدرك هذا المأزق بعض المفكرين المتأخرين، ورأوا أن عثمان لم يكن يمثل اتجاها إسلاميا في سياساته، يقول سيد قطب:
(وإنه لمن الصعب أن نفهم روح الإسلام في نفس عثمان، ولكن من الصعب كذلك أن نعفيه من الخطأ، الذي نلتمس أسبابه في ولاية مروان الوزارة في كبرة عثمان)- العدالة الاجتماعية في الإسلام (ص 160)-.
إن المسألة ليست بهذه البساطة، فعثمان منذ البداية سلك نمطا من الخلافة العشائرية، حيث حمل بني أمية على رقاب الناس، وهو إنذار سبق أن قاله عمر بن الخطاب عند مقتله، وقد مني عثمان بمعارضة قوية أكثر من أي خليفة آخر، والسبب في ذلك، هو أن عثمان بلغ مستوى أكثر تعسفا في تقريب عشيرته، وإعطائها المناصب الحساسة في الدولة الإسلامية.
ولو أخذنا بعين الاعتبار، عامل العشيرة في تشكيل الكيان المعارض لعثمان، سوف ندرك أن عثمان لم يتعرض للقتل لأنه، خالف الالتزام الديني فحسب، وإنما لأنه، رفع من عشيرته، ومكن لها، وسلمها مقاليد الخلافة. كيف - إذا - بدأت خلافة عثمان، وكيف انتهت؟.
لقد تعهد عثمان منذ تسلمه مقاليد الخلافة، بأنه سيتمسك بسيرة الشيخين أبي بكر وعمر وعثمان بن عفان رجل يعي كلامه، وهو وأحد المقربين إلى الشيخين، ومدرك لكل مسالكها في الداخل والخارج. وهو الذي عاش مع الرسول صلى الله عليه وآله وشهد غدير خم، فهو يدرك أن الشيخين هما أول مغامرين في الإسلام، وعرف أيضا، أنه إذا سلك مسيرة الشيخين فإنه سينطلق من نفس منطلقاتها، وهي التعاطي السلبي مع آل البيت عليه الصلاة والسلام, والصحابة الكبار، لقد بدأ بدعم الطلقاء وأبنائهم خلافته، بتعطيل حكم الإسلام في قضية عبيد الله بن عمر قاتل الهرمزان، وجفينة وبنت أبي لؤلؤة، انتقاما لأبيه كما تقدم. وقد استفتى الصحابة، وقضى علي عليه الصلاة والسلام, بقتله وعثمان، أقسم إنه سيقيم عليه الحد، إلا أنه تجاوز عنه بعد أن تدخل عمرو بن العاص، وكان ذلك بمثابة أول شرخ في جهاز القضاء في عهد عثمان، كان منذ البداية قد أسفر عن الوجه الحقيقي، لتوجهه السياسي. وهو العمل على بناء عشيرته وتقويتها. بعد أن كانت حركة الإسلام قد أضعفتها وكسرت شوكتها. كما كان جهازه الاستشاري مؤلفا من الذين أدخلهم الخوف إلى الإسلام. واستبعد كبار الصحابة، فلما وصل الخبر بما يروج حوله من نعي وانتقاد. أرسل إلى معاوية وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وإلى سعيد بن العاص، وإلى عمرو بن العاص، وآخرون مثلهم، فجمعهم يشاورهم ويخبرهم بما بلغ منه، فلما اجتمعوا عنده قال: (إن لكل امرئ وزراء نصحاء، وإنكم وزرائي ونصحائي وأهل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما تحبون، فاجتهدوا لي رأيكم ثم أشيروا علي).
كانت هذه في التشكيلة الاستشارية، التي اعتمدها عثمان في إدارة الدولة، وقمع الجماهير المسلمة.
إن الواقع الاجتماعي، الذي تشكل في عهد عثمان، أدى إلى انفجار ثوري، لم يخفف منه النفوذ العشائري لعثمان. وأسفر الوضع عن وجود ثلاث فئات مهيئة للتمرد.
الفئة الأولى:
وهي الفئة التي تمردت انطلاقا من الخلفية الاقتصادية، ففي الوقت الذي تراكمت فيه الثروة لدى الجانب الأموي، وغيرهم من الذين ساروا في خطهم، وأعانوهم على تعميق نفوذهم.
نجد أن قطاعا واسعا من الجماهير المسلمة، استمرت تعاني الفقر في أسوأ حالاته.
الفقر الذي يجعل المجتمع مهيأ، للدخول في صراع طبقي، طالبا للمساواة الاجتماعية.
كان خط الأغنياء، وخط الفقراء يتجهان بشكل معاكس. الغني ازداد اتساعا إلى درجة الفحش، وازداد تبعا لذلك - الفقر عمقا، إلى درجة الانسحاق.
وبذلك اتسعت الهوة بين فئتين، إحداهما مسكت بأسباب الثراء فبلغت مستوى تكسير قطع الذهب بالفؤوس. وفئة أخرى، قلب لها الواقع ظهر المجن، فراحت تفكر في قطع القد، وغالبا ما باتت تغالب الطوى!.
لقد كان عثمان يملك (خمسين ومائة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار، وخلف إبلا وخيلا كثيرة، وبلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلف ألف فرس وألف أمة وكانت غلة طلحة من العراق ألف دينار كل يوم، ومن ناحية السراة أكثر من ذلك، وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف ألف فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف من الغنم، وبلغ من متروكه بعد وفاته أربعة وثمانين ألفا، وخلف زيد بن ثابت من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الأموال والضياع، وبنى الزبير داره بالبصرة، وبنى أيضا بمصر والكوفة والإسكندرية وكذلك بنى طلحة دارا بالكوفة وشيد داره بالمدينة، وبناها بالجص والآجر والساج. وبنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق، ورفع سمكها وأوسع فضاءها وجعل على أعلاها شرفات، وبنى المقداد داره بالمدينة وجعلها مجصصة الظاهر والباطن. وخلف يعلى بن جنبه خمسين ألف دينار وعقارا، وغير ذلك ما قيمته ثلاثمائة ألف درهم).
وتحول بيت مال المسلمين في عهده إلى بيت مال لبني أمية. ولم يراع عثمان مشاعر المسلمين، ولا أحكام الشريعة في نهبه أموال المسلمين، وصبها مدرارة في خزائن أهل بيته. ويذكر اليعقوبي في تاريخه: حدث أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن يسار قال- المسعودي, مروج الذهب-:
رأيت عامل صدقات المسلمين على سوق المدينة إذا أمسى أتاها عثمان، فقال له: ادفعها إلى الحكم بن أبي العاص. وكان عثمان إذا أجاز أحدا من أهل بيته بجائزة جعلها فرضا من بيت المال، فجعل يدافعه ويقول له: يكون فنعطيك إن شاء الله، فألح عليه فقال: إنما أنت خازن لنا، فإذا أعطيناك فخذ، وإذا سكتنا عنك فاسكت. فقال: كذبت والله! ما أنا لك بخازن، ولا لأهل بيتك، إنما أنا خازن المسلمين. وجاء بالمفتاح يوم الجمعة وعثمان يخطب فقال: أيها الناس، زعم عثمان أني خازن له ولأهل بيته، وإنما كنت خازنا للمسلمين وهذه مفاتيح بيت مالكم. ورمى بها، فأخذها عثمان، ودفعها إلى زيد بن ثابت. كان بذلك عثمان، يرى أن الدولة الإسلامية ملكا لعشيرته، وكان مبرره في ذلك أنه تأول - حسب ما ذكر الواقدي - في مال المسلمين، صلة رحمه.
كما، ويذكر الواقدي أيضا بإسناده: قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان فوهبها للحارث بن الحكم بن أبي العاص، كما روي الكلبي عن أبيه، مخنف بن مروان ابتاع خمس إفريقية بمائتي درهم ومائتي ألف دينار. وكلم عثمان فوهبها له.
فأنكر الناس ذلك على عثمان).
ويذكر ابن أبي الحديد، إنه قد أتاه - أي عثمان أبو موسى من العراق بأموال جليلة، فقسمها كلها في بني أمية، وأنكح الحارث بن الحكم ابنته عائشة فأعطاه مائة ألف من بيت المال أيضا بعد صرفه زيد ابن أرقم عن خزنه.
وكذلك سار عثمان في رعيته. يوسع لأقربائه في العطايا، والإمارات، ولا أدل من ذلك، معاوية بن أبي سفيان، الذي منحه كامل الصلاحية في إدارة الشام، فكان أطول الأمراء إمارة. وحيث كثر الغنى الفاحش، وتسابق الغزاة على الأمصار، لكسب المزيد من الغنى واضطرت الطبقة الثرية أن تستورد الرقيق من الأمصار، لاستغلالهم في استثماراتهم. واستولى بني أمية على بعض مزارع الكوفة، وهجروا أهلها. وبقيت طبقة هنالك من الفقراء العرب ناقمين على الفئة الثرية، وكذلك أولئك الذين فتحوا البلدان، ولم تتح لهم الفرصة، كما أتيحت لغيرهم من بني أمية، للإقامة في الأمصار، والاستحواذ على ممتلكاتها.
كان هذا الواقع الطبقي الذي تشكل بفعل السياسة المنفلتة لعثمان، سببا في تشكل حالة من الرفض والتمرد، تمثلها الفئات المحرومة في المجتمع، وهم غالبا، أولئك الذين ضاقوا من الاحتكار الأموي في عهد عثمان، وتمردوا تلقائيا لما ثقل عليهم أمرهم، وكانوا هم القاعدة التي استجابت لفكرة التحدي والثورة على عثمان. تلك الحالة التي يصورها أبو ذر (رض) قائلا: (عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف، لا يخرج إلى الناس شاهرا سيفه).
فهذا دليل على وجود، فئة مسحوقة، ومغلوب على أمرها، لا تسطيع الافصاح عن واقعها، مقموعة بعمال عثمان، وعناصر عشيرته ذات النفوذ الوسيع في كل الأصقاع.
الفئة الثانية:
فئة تحركت من الخلفية العشائرية، حيث ضاقت بالنهج العشائري في سياسة عثمان، وتعامله اللامتكافئ مع العشائر الأخرى. فهناك طائفة من المسلمين ثاروا على عثمان لما رأوه متحيزا إلى أقربائه بشكل يفسد عليه سياسته. والحس القبلي لما ينته يومها في نفوس الغالبية الساحقة ممن دخل في الإسلام، والجانب القبلي كم سبق أن ذكرنا، يشكل إحدى مكونات الاجتماع العربي حتى مع وجود الإسلام، والبنية المجتمعية للعرب، كانت ولا تزال تنتج - باستمرار نزوعا قبليا ضمن أنماط شتى في السلوك السياسي والاجتماعي.. ومن أولئك الذين ثاروا عليه، رجال كانوا غير متضررين اقتصاديا. ويذكر التاريخ أن عبد الرحمن بن عوف الذي أثبته في الخلافة، كان قد أنكر عليه، إذ رآه ينهج هذا النهج. وعبد الرحمن رغم أنه بلغ غناه مداه في عهد عثمان، ورغم مصاهرته لعثمان، ورغم تجاوزه للحق الشرعي، في خلع علي عليه الصلاة والسلام- أقول إن الإمام علي عليه الصلاة والسلام, أنزله الدهر، حتى أضحى يشرط عليه سفالة العرب، شروط خلافة الأمة!!-.
عن الخلافة وتثبيت عثمان.. فإنه يأبى أن ينهج عثمان، نهجا يقوي فيه (عشيرته). ومثل ذلك طلحة. فلم يكن هو الآخر، متضررا من الحالة الاقتصادية، بل لقد كانت غلته يومذاك من العراق تعد بألف دينار كل يوم مثل عبد الرحمن بن عوف الذي كان على مربطه ألف فرس وألف بعير وعشرة آلاف من الغنم.. ولكن القضية لها خلفيات أخرى.
فلا زهرة من عبد الرحمن، ولا تيم من طلحة، براضية بهذا الوضع الذي آل إليه الأمويون بمؤازرة عثمان، حيث حملهم على رقاب الناس. لقد سلب عثمان إرث آل البيت عليهم الصلاة والسلام, وهو (فدك) وأقطعها واحدا من عشيرته وهو مروان، وفي ذلك مهانة لبني هاشم لها أن تقرع الوجدان العربي. وكذلك لما رأوا عثمان يستقبل (الحكم) طريد الرسول صلى الله عليه وآله في المدينة، ليقضي بطرد أحد سادة العرب والمسلمين أبي ذر إلى الربذة. لقد رأوا العرب من مختلف القبائل، إن هذا هو عثمان، وإن عشيرة بني أمية راحت تطأ كل العشائر.
وحيث إن عثمان أظهر توجهه العشائري للمسلمين، وأفصح عن وجهة نظره الخاصة تجاه أقربائه، واعترف لهم أنه يعمل بمقتضى الاجتهاد. لذلك أحيا فيهم النخوة العربية، والنزعة القبلية مجددا، فراحوا يفكرون في الثورة والتغيير.
الفئة الثالثة:
انطلقت هذه الفئة من الخلفية الإصلاحية، متجاوزة كل الخلفيات الأخرى. فهي الفئة الحضارية الوحيدة التي تميزت منطلقاتها في الرفض، وهي الفئة المعارضة في زمن الخليفتين أيضا. وتتشكل من آل البيت عليهم الصلاة والسلام, بقيادة الإمام علي عليه الصلاة والسلام, وقوم لهم سابقة في الإسلام وممن أخلص الصحبة. منطلقهم هو الإصلاح عبر تحقيق الإمامة! ويشهد التاريخ، بأنهم ظلوا مخلصين لهذا التوجه، ومات كثير منهم في هذا الخطر.

وكان عمار بن ياسر منذ البداية مع الإمام علي عليه الصلاة والسلام, ومن الذين رفضوا بيعة أبي بكر. واستمر رافضا بيعة عمر إلا قهرا. ورفض بيعة عثمان، وما زال ضده حتى قتل، واستمر كذلك حتى استشهد في (صفين)، حيث يقاتل في جيش الإمام علي عليه الصلاة والسلام: - ونحن نتساءل، ما السر وراء هذا الالتزام بخط علي عليه الصلاة والسلام, من قبل صحابي كبير وابن أول شهيدين في الإسلام. فهل هناك قرابة تشدهما أو مصالح دنيئة تجمع بينهما- هؤلاء كانوا هم رواد الإصلاح في المجتمع الإسلامي.
فكانوا ينطلقون من هذه الخلفية. بيد أن ذلك لا يمنعهم من توظيف الحالة الاجتماعية في خط التحريض على الانقلاب.
وكان هؤلاء يتحركون على صعيدين، الأول: توفير عوامل الهدم من خلال زرع قناعات سلبية تجاه حكومة عثمان، الثاني: توفير عوامل البناء، من خلال الطرح الإيجابي وهو الدعوة إلى خط (آل البيت عليهم الصلاة والسلام).
ذكر ابن أبي الحديد، أنه تكلم بنو هاشم وبنو أمية (أثناء مشاورات الستة بعد مقتل عمر) وقام عمار، فقال: أيها الناس، إن الله أكرمكم بنبيه وأعزكم بدينه، فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم! فقال رجال من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا ابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها). وذكر أن المقداد قال في نفس المقام: (تالله ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، واعجبا لقريش! لقد تركت رجلا ما أقول ولا أعلم أن أحد أقضى بالعدل ولا أعلم ولا أتقى منه! أما والله لو أجد أعوانا! فقال عبد الرحمن: أتق الله يا مقداد، فإني خائف عليك الفتنة.
لقد كان هؤلاء وأمثالهم يمارسون نمطا من التحرك، يجمع بين نقد الواقع وتحريض الناس، وبين الدعوة إلى خط آل البيت عليه الصلاة والسلام.

فآخذت هذه الفئة عثمان، على قضايا كثيرة، تتجاوز في أهميتها واقع التفاوت الطبقي والعشائري، لتحاكمه على قضايا دينية وعقيدية محضة! ومن جملة ما أحصته عليه:

(1) عدم إقامته الحد، على قاتل الهرمزان، وأبي لؤلؤة وامرأته وطفلة صغيرة. ولم يستجب للقضاء الشرعي الذي صدر يومها عن الإمام علي عليه الصلاة والسلام، وهو الحكم الوحيد الذي ينسجم مع الشريعة الإسلامية.
(2) استرجاع الحكم بن أبي العاص إلى المدينة، وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله قد نفاه ورفض عليه البقاء فيها كما أثبت المؤرخون. وقد ذكر الواقدي أن الرسول صلى الله عليه وآله قال له: لا تساكني في بلد أبدا، فجاء عثمان فكلمه فأبى، ثم كان من أبي بكر مثل ذلك ثم كان من عمر مثل ذلك.
(3) ضربه عمار بن ياسر، وكذلك بن مسعود حتى كسر ضلعه، بعد أن عزله وقطع عليه العطاء.
(4) نفيه أبا ذر الغفاري إلى الربذة.
(5) مصادرته فدك من بني فاطمة الزهراء عليها سلام الله وصلواته, وإقطاعها مروان.
(6) جعله الإمارة دولة بين أقربائه وعزله الصحابة الكبار عنها.
(7) حرقه للمصاحف - الغريب في الأمر أن البعض أولها تجلبنا للفتن وتعدد القراءات وما أشبه. بيد أن التاريخ يؤكد أن عثمان ركز مثلا على مصحف (ابن مسعود) وهذا صحابي من حفاظ القرآن وقرأته، فكيف يكون مصفحة فتنة. اللهم إلا أن عثمان يخشى أن يكون في مصحف بن مسعود تأويلات من جنس ما لا يتفق مع مصلحته-.
(8) تأميره الطلقاء على المسلمين واستشارتهم وإهمال مشورة الصحابة الكبار.

كانت هذه باختصار هي الفئات الرئيسية للتمرد. والدليل على ذلك أنها تفرقت وجهاتها بعد مقتل عثمان، فمنهم من أكمل الدرب على نهج الإصلاح منضويا تحت راية الإمام علي عليه الصلاة والسلام, ومنهم من راح يلتمس له أسباب الغنى.
وآخرون اكتفوا بمقتل عثمان، كانتقام للحالة العشائرية.
وكان الصنف الذي يبحث عن المال، قد رجع وانخرط في جيش معاوية فيما بعد، فنال بذلك ثمن الردة والنفاق، من عطاء أهل الشام.
كانت خلافة عثمان منذ البداية مهندسة على هذا الشكل، وهو أن يستفيد القدر الممكن من الخلافة، ثم يسلمها على غرار سابقيه إلى صهره (عبد الرحمن بن عوف)، لتبقى دولة بين عصابة من زهرة وابن أبي معيط وبني أمية. والإمام علي عليه الصلاة والسلام, سرعان ما أدرك اللعبة وهو يقول بعد أن انزاحت الخلافة عنه: ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، (فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون)، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك)- تاريخ ابن الأثير (ص 71 ج 3)-.
بقي عثمان حريصا على مخططه، كيف لا وعبد الرحمن بن عوف هو الذي سلمها إياه. ولم يكن ليسلمها له، لولا أنه عرف نفسه غير مرغوب فيه. ويبدو أن عثمان أراد أن يستجيب للوعد ولكنه خاف على نفسه، ولم يستطع الوفاء بوعده لعبد الرحمن، فربما تغيرت وجهة نظره، فرأى أن يسلمها لواحد من أقربائه.
كتب له حمران مولاه، فأنكر عليه شيئا، فنفاه إلى البصرة، فلم يزل بها حتى قتل عثمان. ويذكر مسكويه في تجاربه، سبب سقوط هذا الكاتب من عين عثمان وسبب نفيه إياه فقال: إن عثمان اشتكى شكاة، فقال له:
(أكتب العهد بعدي لعبد الرحمن بن عوف).
فانطلق حمران إلى عبد الرحمن بن عوف فقال له:
(البشرى!).
فقال: (لك البشرى، فماذا؟).
فأخبره الخبر. فصار عبد الرحمن إلى عثمان، فأخبره بما قال حمران، فقلق عثمان، وخاف أن يشيع، فنفاه لذلك.
ربما غير وعده ولذلك لا بد لعبد الرحمن بن عوف أن ينتقم، ولكن تحت غطاء آخر. يذكر التاريخ أن عبد الرحمن انقلب بعد ذلك على عثمان لما رآه أخلف الوعد وانحاز إلى عشيرته.
وليس هذا الوعد ب* (سيرة الشيخين) فعبد الرحمن منذ البداية يعرف أن تقريب عثمان لعشيرته أمر وارد وحقيقي. وعمر بن الخطاب نفسه قال ذلك أمامهم، يروى عن ابن عباس أنه قال: (فقلت عثمان بن عفان؟ قال (يعني عمر): إن ولي حمل ابن أبي معيط وبني أمية على رقاب الناس وأعطاهم مال الله، ولن ولي ليفعلن والله، ولئن فعل لتسيرن العرب إليه حتى تقتله في بيته ثم سكت)- - تاريخ اليعقوبي (ص 158 ج 2)-.
وحتى نستطيع فهم طبيعة الخلاف بين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، لا بد أن نفرض سؤالا: كيف تتحول المودة بين عشية وضحاها إلى عداوة قاتمة؟! لعل السبب هو هذا العهد. لقد روي أن عثمان اعتل علة اشتدت به فدعا حمران بن أبان، وكتب عهدا لمن بعده، وترك موضع الاسم، ثم كتب بيده: عبد الرحمن بن عوف، وربطه وبعث به إلى أم حبيبة بنت أبي سفيان، فقرأه حمران في الطريق فأتى عبد الرحمن فأخبره، فقال عبد الرحمن، وغضب غضبا شديدا: استعمله علانية، ويستعملني سرا. ونما الخبر وانتشر بذلك في المدينة. وغضب بنو أمية، فدعا عثمان بحمران مولاه. فضربه مائة سوط، وسيره إلى البصرة.فكان سبب العداوة بينه وبين عبد الرحمن بن عوف)- اليعقوبي (ص 2 169 ج 2)-.
نعم، لقد استعمله علانية، وبذلك استطاع أن يثبته في الخلافة غير أن عثمان فعل ذلك سرا. وعلم عبد الرحمن إن العهد سرا بالخلافة لا يمكنه من ركوبها. إنه يريد منه علانية على غرار عمر وأبي بكر. فلما أحس بذلك علم أن عهده قد نكث، فعاداه. هذه العداوة التي ستنتهي إلى التفكير في الانتقام. كيف لا، وعبد الرحمن بن عوف، قد زهد في كل شيء وغامر بكل مكتسباته ليثبت عثمان.

لقد أفسد علاقته مع علي عليه الصلاة والسلام, وشيعته. وسقط من أعين الصحابة الكبار.

لذلك سيحاول عبد الرحمن، استدراك الخطيئة، ليتقرب إلى علي عليه الصلاة والسلام, من جهة، ويسقط عثمان من جهة أخرى. وقد تحين الفرص كلها من أجل إسقاط عثمان. حتى إذا كان وفاة أبي ذر في الربذة، استغلها كورقة سياسية ودينية في نعي عثمان. يروي الواقدي: لما توفي أبو ذر بالربذة، تذاكر علي وعبد الرحمن فعل عثمان. فقال علي عليه الصلاة والسلام, له هذا عملك، فقال عبد الرحمن فإذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي، إن خالف ما أعطاني). وهذه (أعطاني) تدل على أن عبد الرحمن صادق وذكي لما قالها في صيغة المجهول. فأعطاني، أي وعد الخلافة!.
أمام هذا الواقع المتموج بالرفض والتمرد. كان لا بد لعثمان أن يسلك نهجا سياسيا يقيه من ضربات المعارضة، ويجنبه خطر السقوط فما هي الإجراءات التكتيكية، التي اتخذها عثمان، لتطويق حالة الرفض الاجتماعي؟.
لسنا طبعا مثل طه حسين، لما حرص على إيجاد المبررات التاريخية للفتنة الكبرى. قال إنهم معذورون؟ لأنهم لم يعرفوا حتى ذلك الزمان، معنى الدستور!
أقول، إن السيطرة على الظلم في مجتمع بسيط هو أسهل بكثير منه في مجتمع مدني معقد. وممارسة العدالة، كانت منذ غابر العصور فضيلة تذكر في الأمم. بل إن العدل كان يمارس كفضيلة أخلاقية إلى جانب كونه قيمة حقوقية.
ومن جهة أخرى فإن السياسة حتى في زمن عثمان، لم تكن تمارس بسليقة اجتماعية كما يتصور البعض. إنما كانت تمارس بتخطيط محكم. والمستشارون الذين أعتمدهم عثمان، كانوا من دهاة العرب. و (السترجة) العثمانية في تحجيم دائرة الرفض، وتوفير التهدئة الضرورية، كانت تتجسد في ثلاثة مسالك:

المسلك الأول:
تحقيق نوع من الإفراط، والتضخيم في النشاط البراني للمجتمع الإسلامي.
إذ أن سياسة تصدير الأزمات، وبالتالي الاهتمامات إلى الخارج، ليس وليد السياسة المعاصرة. بل هي قديمة قدم الاجتماع البشري، ومنذ نشوء السلطة في المجتمع الإنساني. وهي السياسة التي تفوت الاهتمام بالداخل إلى قضايا الخارج، وتوجيه الهم المجتمعي إلى أزمات الخارج، ومن ذلك، الحروب التي تخلقها بعض الدول، لتصرف أنظار المجتمع إلى الجبهات. وبالتالي، تتجنب الاضطرابات في الداخل. وكان عثمان بن عفان حريصا على خلق واقع من النشاطات البرانية، ليبعد الأنظار عن سياسته، ومفاسده الداخلية. فشجع الفتوحات، وألهى بها المسلمين.
والتاريخ يثبت أن الفتوحات التي كانت تجري في هذا العصر وما بعده. لم تكن ذات هدف ديني خالص، بقدر ما كان العامل التجاري والاقتصادي حاضرا فيها. فكانت الفتوحات تفيض عليهم بالغنائم النفيسة. ولم تكن الأمصار محط اهتمام ديني بقدر ما كانت مستوطنات لبني أمية، يشيدون فيها قصورهم، ويكرسون فيها مظاهر الفساد. إن عملية إلهاء الجماهير الإسلامية، وإشغالها بالحروب، يلغي الخلفية الإسلامية السلمية، لحركة الفتح. لقد اشتدت حدة التمرد، وعم الاضطراب في الداخل والخارج، وتداول المسلمون قضايا المفاسد وتناقلوها فيما بينهم، وبدأت سلطة عثمان تدخل شيئا فشيئا نفق الانهيار. في تلك الأثناء، جمع هيئته الاستشارية، من الطلقاء، وضعاف الإيمان، ليتباحث معهم شؤون الدولة، وأوضاع المجتمع، والكيفية التي يتخلص بها من المعارضة، جمعت الهيئة كلا من معاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص وغيرهم.
فقال عثمان: (إن لكل امرئ وزراء نصحاء، وإنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما رأيتم وطلبوا إلي أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون. فاجتهدوا لي رأيكم ثم أشيروا علي).
فقال عبد الله بن عامر:
(رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وأن تجمرهم في المغازي حتى يذلوا لك، فلا تكون همة أحدهم إلا نفسه: وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته)- تجارب الأمم: مسكويه (ص 273 ج 8)-.
وعليه فإن حركة الفتوح، لم تعد هدفا رساليا، مقدسا. كما كانت على عهد الرسول صلى الله عليه وآله بل تحولت إلى أسهم في بورصة الجهاد. إذ لما كان عثمان قد ولى عبد الله بن عامر البصرة، وولى سعيد بن العاص الكوفة، كتب إليهما: أيكما سبق إلى خراسان، فهو أمير عليها. فخرج عبد الله بن عامر، وسعيد بن العاص، فأتى دهقان من دهاقنة خراسان إلى عبد الله بن عامر فقال: ما تجعل لي إن سبقت بك؟ قال: لك خراجك وخراج أهل بيتك إلى يوم القيامة فأخذ به على طريق مختصر إلى (قومس)، وعبد الله بن حازم السلمي على مقدمته. الخ)- تاريخ اليعقوبي (ص 116 - 167 ج 2)-.
وقد كثرت الفتوح التي قادها ضعاف الإيمان، فتحت هراة ومرو الروذ، ثم الطالقان والغارياب، وطخارستان. وأرمينية، وجرزان.. وكان عثمان قد بعث بجيش، وجعل معاوية أميرا لهم، على الطائفة في سنة 32، فبلغوا إلى مضيق القسطنطينية وفتحوا فتوحا كثيرة- نفس المصدر-.
لم تكن حكومة عثمان تهيئ برنامجا تثقيفيا للبلدان المفتوحة. بل كانت جيوشه تكتفي بإخضاع البلدان إلى الاستسلام، ثم نهب ثرواتها، ثم الإفساد فيها.
والتواريخ تطفح بالأخبار عن عمال عثمان، ولهوهم وعبثهم في الإمارات- حتى يذكر أن الوليد أصبح وهو سكران وصلى بالناس الفجر أربع ركعات-{ليش لا,سنة جديدة}.
غير أن الخطة التي دبرها عثمان لتحجيم المعارضة لم تنجح، لأن فئات التمرد لم تكن واحدة. بل هي مختلفة تماما، ولكل واحدة خلفياتها في التحرك، فهناك إلى جانب تلك الفئات، فئة تتحرك في ضوء هدف ثابت، هو إسقاط عثمان والخلافة، وإعادة الأمر إلى أهله من آل البيت عليهم الصلاة والسلام, وهؤلاء لم تلههم الفتوحات، لأنهم لم ينشغلوا بغنائمها. وعليه، فإن عثمان، كان هو نفسه مضطرا إلى سلوك أكثر من خطه في القمع السياسي. فكان حتما أن يسلك مسلكا آخر.

المسلك الثاني:
أسلوب القمع، والتصفية المنهجية للمعارضة. وكان هذا ثاني أسلوب لجأ إليه عثمان، بعد أن أفلس أسلوبه الأول، ولم يحقق إلا نتائج وقتية وهذا المسلك يقضي، بتتبع آثار المعارضة، والقبض على رموزها، واتخاذ الإجراءات العنيفة ضدهم. وبكسر شوكة قيادات التمرد تنكسر عصا التمرد كله. وكانت هذه الخطة في بداية المشاورات من وحي سعيد بن العاص. إذ لما جمعهم (عثمان) والتمس آراءهم، حول مسألة التمرد قال له سعيد:
(يا أمير المؤمنين، إن كنت تريد رأينا فاحسم عنا الداء، واقطع ما تخاف من الأصل، واعمل برأيي).
قال: (وما هو؟).
قال: (إن لكل قوم قادة متى تهلك تفرقوا ولا يجتمع لهم أمر).
قال عثمان: (إن هذا الرأي لولا ما فيه)- تجارب الأمم لمسكويه (ج 1 ص 272)-.
كانت هذه الخطة أقرب إلى الحسم من الخطة الأولى، غير أنها مكلفة، لأن فيها مواجهة مباشرة بين عثمان وعصابة بني أمية وكبار الصحابة المتمردين. وأدرك عثمان أنه من الصعب أن يتخذ إجراءات حاسمة ومباشرة ضد هؤلاء المهاجرين إلا أنه يفقد أحيانا توازنه، فيسلك فيهم مسلكا قمعيا، فتزيد شقة التمرد اتساعاً.
وكان من مصلحة عثمان أن يلجأ إلى قتل علي، وطلحة، والزبير.. فيما لو أطاع معاوية- - راجع بن قتيبة في تاريخ الخلفاء-. لكنه رأى أن ذلك سيؤجج الوضع أكثر مما يخمده. فكان عثمان يبعث بالمعارضين وينفيهم إلى الشام، حيث معاوية، يذلهم ويربيهم على الالتزام والصمت- كما فعلوا بمن تمرد من أهل السواد على سعيد بن العاص الذي أن يسلبهم أرضهم-.
كانت المعارضة تشتمل كما سبق أن ذكرنا، مجموعة فئات، والفئة المركزية، كانت تتألف من علي عليه الصلاة والسلام, وكبار الصحابة. وحيث إن عثمان لم يستطع تطبيق عقوباته على أولئك الكبار، بمركزيتهم الدينية والعشائرية في المجتمع، فإنه لجأ إلى تفريغ جام غضبه على فقرائهم وضعافهم.
لقد عجز عثمان عن معاقبة الإمام علي عليه الصلاة والسلام, لأنه يدرك إن ذلك قد يثير عليه المشاكل ويدخله في المآزق. لأن الإمام عليا عليه الصلاة والسلام, لم يسكت يومها لضعف فيه أو لعجز اعتراه. وإنما حفاظا على تماسك المجتمع. أما وإنهم ليعلمون أنه أسد في عرينه. لذلك اكتفى عثمان بشكايته إلى عمه العباس - حسب البلاذري بإسناده عن ابن عباس - إن عثمان شكا عليا إلى العباس، فقال له: يا خال إن عليا قطع رحمي وألب الناس ابنك).
ومثل ذلك كان موقفه من محمد بن أبي بكر، لمكانته من أبيه وأخته وكذلك محمد ابن أبي حذيفة لمكانته من قريش، رغم ما أثاروه عليه في (مصر)، ومضايقتهم عامله فيها (عبد الله بن سعد).
إلا أن عثمان، لم يسلك نفس الطريق مع ضعاف المعارضة، الذين ليست لهم قرابة تأويهم، ولا عشيرة قوية تظللهم، وبعد أن ضاق بمعارضتهم المستمرة بدأ عثمان ينهج أسلوبه القمعي، فالظروف لم تعد تسمح له بتوقير الصحابة، فبدأ إجراءاته بابن مسعود. كان هذا الأخير واليا على الكوفة منذ عمر- وكان في البداية وليه على الشام ثم نقله إلى الكوفة وأوصى الناس أن يتبعوه-.
وتولى في عهد عثمان بيت المال في الكوفة في إمارة سعد بن أبي وقاص. وبدأت الأزمة مع عثمان، لما ولي الوليد بن عقبة، حيث استقرض من بيت المال، فلما جاء الأجل، رجع إليه ابن مسعود، فراح يتهرب من الأداء، فأصر عليه ابن مسعود، فشكاه الوليد إلى عثمان، وكتب عثمان إلى ابن مسعود:

(إنما أنت خازن لنا، فلا تعرض الوليد فيما أخذ من بيت المال) فغضب ابن مسعود، واعتزل، وكانت تلك بداية الخلاف بين الرجلين. وحيث إن ابن مسعود اعتزل إلى التعليم والتدريس، وكان له مصحفه الخاص. فإن عثمان كان قد طلب منه مصحفه ليحرقه. وقد رفض ابن مسعود بدعة عثمان في حرق المصاحف ككل، واعتماد مصحفه الوحيد. وابن مسعود كان يرى نفسه أحفظ لكتاب الله وأعلم به من عثمان وعصابته، والسيرة تشهد له بذلك. فأبى أن يسلم مصحفه، ونعى ذلك على عثمان. ولما كتب الوليد إلى عثمان بخصوص ابن مسعود وطعنه فيه، طلب منه إحضاره إلى المدينة. فلما رآه عثمان وكان يخطب من على المنبر، قال: ألا إنه قد قدمت عليكم دويبة سوء من يمشي على طعامه يقئ ويسلح. فقال ابن مسعود: لست كذلك، ولكني صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر ويوم بيعة الرضوان. ونادت عائشة أي عثمان أتقول هذا لصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أمر عثمان به فأخرج من المسجد عنيفا، وضرب به الأرض فدقت ضلعه. فلامه علي عليه الصلاة والسلام, على ذلك، وقال له: تفعل هذا بصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله عن قول الوليد، فقال عثمان: ما من قول الوليد فعلت هذا، ولكني أرسلت زبير بن كثير فسمعه يحل دمي. قال علي: زبير غير ثقة.

بقي ابن مسعود غاضباً على عثمان حتى مات وأمر أن لا يصلي عليه، فدفن سرا، وقام بجنازته عمار بن ياسر كما سبق أن ذكرنا. وكان عثمان قد قطع العطاء عن ابن مسعود حتى لما مر بابن مسعود أحس عثمان بالذنب، أتاه يطلبه، قال:
ما تشتهي، قال له ابن مسعود: رحمة ربي. قال عثمان: هل أحضر لك طبيبا، قال ابن مسعود: الطبيب أمرضني. فقال له عثمان: أرد عليك عطاءك، فقال: حبسته عني حين احتجت إليه، وترده إلي حين لا حاجة لي به، فقال عثمان: يكون لأهلك. فقال ابن مسعود: رزقهم على الله. قال عثمان: فاستغفر لي يا أبا عبد الرحمن. قال ابن مسعود: أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقي، ولم يكن ابن مسعود هو أول وآخر من سلك فيهم عثمان، سياسة القمع. فهناك عمار بن ياسر. الذي طالما تمرد وتمرد على عثمان وزمرته. وكان عمار رغم ضعف عشيرته، ذا مركز اجتماعي كبير، منحته إياه سابقيته، وبلاؤه مع الرسول صلى الله عليه وآله وكان كما سبق القول، ميزانا للحق والباطل- ورد في الحديث ابن سمية، تقتله الفئة الباغية-.
وكذلك حرص عثمان أن لا يمارس عليه القمع مثل ما فعل بالآخرين، غير أن التصعيد الثوري فرض عليه خيار القمع المضاد للتمرد. ويذكر البلاذري في أنساب الأشراف، أن عثمان أخذ جواهر من بيت المال فحلى به بعضا من أهله فغضب الناس. فخطب فقال: (لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء وآن رغمت أنوف أقوام).
فقال له علي: إذن تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه. وقال عمار: أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك. فقال عثمان: أعلي يا ابن المتكاء تجترئ! خذوه.
فأخذ، ودخل عثمان فدعا به فضربه حتى غشي عليه. وما زال عمار في مناوئته لعثمان، ومعارضته لسياسته حتى قتل كما أستمر عثمان في ملاحقة المعارضة ورموزها. وفي تلك الأثناء كان بالشام أحد كبار الصحابة وطلائع الرسالة، وهو أبو ذر الغفاري (رض) وقد كان رجلا ثوريا لم تثنه لومة ولا ثناء، عن نصرة الرسالة. وقد قال عنه الرسول صلى الله عليه وآله: (ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء رجلا أصدق ذي لهجة من أبي ذر)- وفي حديث (يبعث أبو ذر أمة وحده)-.
ولذلك لما رأى عثمان بالمدينة يقرب أبناء عشيرته ويكثر لهم في العطاء من بيت مال المسلمين، رفع صوته عاليا: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). فضاق عمال عثمان وأقرباؤه بهذا الشعار، فشكاه مروان بن الحكم إلى عثمان، فأرسل إليه عثمان، فرد عليهم أبو ذر: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله وعيب من ترك أمر الله: لأن أرضي الله بسخط عثمان أحب إلي من أن أرضي عثمان بسخط الله.
وعندما احتد الصراع بين أبي ذر وعثمان، وحدت لهجته أمام كعب، أمره عثمان بالالتحاق بالشام. وتلك كانت جزءا من الخطة التي اعتمدها عثمان، في نفي الصحابة إلى الشام ليذلهم بمعاوية بعيدا عن الأنظار.
غير أن أبا ذر أصدق لهجة من أن تحتويه (ديماغوجية) معاوية بن أبي سفيان.
لذلك أفشل مخطط عثمان، فكاد يفجر الأوضاع على معاوية في الشام. حيث استمر على ذات الشعار. وانتقد معاوية انتقادا جذريا، إذ قال له بعد استنكاره بناء (الخضراء)، إنه إن كنت بنيتها بمال المسلمين، فقد خنتهم، وإن كان ذلك من مالك فهو إسراف. وفي كلتا الحالتين، يكون سلوك معاوية منحرفا عن خط السياسة الإسلامية فكان يجتمع حوله الناس ويصغون. وعز على معاوية أن يفقد مكتسبات سنوات من التربية الأموية للشام فكتب إلى عثمان، يستنجده من أبي ذر. فطلب منه عثمان أن يشخصه إليه في أغلظ مركب وأوعره. فلما حضر المدينة، لم ينته عن أن يصدع بالحق في وجوه الفئات الأرستقراطية الأموية.
واستمر في مهمة التحريض. وكان من مصلحة عثمان والأمويين أن لا يبقى أبو ذر في المدينة ولا في الشام، ولا في أي أرض يكثر فيها الناس فنفاه إلى الربذة، حيث لبث فيها إلى أن مات. وتذكر التواريخ، أنه لم يجد إلا عابري سبيل دفنوه بعد أن عجزت زوجته عن ذلك.
هذا هو النهج القمعي، الذي مارسه عثمان مع أقرب رجالات الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يرع فيهم شهادة الرسول صلى الله عليه وآله ولا مودته لهم، بل جن جنونا لم يعد يعترف ألا بمصلحته وأقربائه. وفي نفس الوقت الذي فعل ذلك بالصحابة الكبار، الذين تمسكوا بخط الرسول وآل بيته. كان يغدق في العطاء للطلقاء من أقربائه. فلقد طرد أبا ذر إلى الربذة، أحد حواري الرسول صلى الله عليه وآله وأعاد من المنفى خصم رسول الله الحكم بن العاص. وقطع العطاء على ابن مسعود، ووسع في الإمارة لمعاوية بن أبي سفيان. واغتصب فدكاً من ولد فاطمة الزهراء عليها الصلاة والسلام, وأقطعها مروان. ورفض قضاء علي عليه الصلاة والسلام, بخصوص عبيد الله إن عمر وقبل قضاء عمرو بن العاص فيه. وكان عمار بن ياسر قد حزن لما سمع بموت أبي ذر، وأفصح عن عواطفه تجاهه. فلما رأى منه عثمان ذلك، ظن أنه يوجه إليه اللوم فغضب عليه عثمان، وأمره بالذهاب إلى الربذة. فغضب بني مخزوم وكذا الإمام علي عليه الصلاة والسلام, ولاموا عثمان. فقال هذا الأخير لعلي عليه الصلاة والسلام.
(ما أنت بأفضل من عمار، وما أنت أقل استحقاقا للنفي منه).
غير أن عليا عليه الصلاة والسلام, لم يكن إلى هذا المستوى من الضعف، ولعل عثمان اغتر بنفوذ حكمه العشائري، غير أن عليا عليه الصلاة والسلام, رد عليه: رم ذلك إن شئت.

وتوسط المهاجرون إلى عثمان، ولاموه جميعا، فلم يتخذ إجراءاته في حق عمار ولا علي الصلاة والسلام. وهذا النهج الذي سلكه عثمان في كبت الرأي، واستضعاف الكلمة الرسالية وإسقاط مركزية الصحابة ورفع وتوسيع نفوذ بني أمية لم يكن ليقضي على شعلة الإسلام في نفوس الفئة الإصلاحية. ولم يكن القمع يخيف قوما قام على أكتافهم الإسلام، وخاضوا أشرس الحروب وأضراها، وقدموا مهجهم في سبيل نصرة الرسالة. لم تكن هذه الأساليب الطاغوتية، لترد فئة بايعت الرسول صلى الله عليه وآله في بيعة الرضوان على أن لا تفرو الزحف، وعلى بذل الغالي والنفيس في رفع راية الإسلام. ولذلك ازداد التمرد. وازداد الناس بصيرة في عثمان وأهله. وكان عثمان يقاتلهم قتال من يحرص على ملكه لا من يهدف خلافة الرسول في مسؤولية الأمة.
لكن عثمان رغم ذلك لم ييأس في محاولاته في لمحاصرة المد الثوري. فراح يطبق خططه الأخرى مع خططه الأولى ومن ذلك:

المسلك الثالث: -
كان هذا المسلك هو التخفيض من الاتجاه الأيديولوجي الإسلامي للمجتمع، بحيث، لا تبقى روح الإسلام تغزو كل قلب، مما يجعل الناس يشعرون بالمسؤولية تجاه مفاسد السلطة. لأن تعاظم الأيديولوجية الإسلامية في نفوس المجتمع، هي التي تخلق حالة من اليقظة والرقابة فيه. وحاول أن يسلك طريق التمييع للمجتمع عبر وسيلتي التفقير، والإغناء. التفقير للعناصر المتمردة عشائريا. والإغناء. للفئات المتمردة دينيا واقتصاديا، الأولى بمقتضى (جوّع كلبك يتبعك) والثانية بمقتضى (اشتر صمت عدوك بالمال).
لذلك لجأ إلى إغراق المجتمع في الحاجة والتطلب المادي. كان رأي عثمان، أن يشرك الفئة المتمردة من كبار الصحابة في العطايا. كما استوحى فكرة الانحراف بالمال، على الفئة المتمردة اقتصاديا، من عميله عبد الله بن سعد، حيث لما استشاره من بين مستشاريه قال: (يا أمير المؤمنين، الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم)- مسكويه في التجارب / ص 272 / ج 1-.
ويذكر مسكويه في تجاربه إنه تم فعلا تطبيق هذه الخطة بأشملها: فرد عثمان عماله على أعمالهم، وأمرهم بالتضييق على من قبلهم، وأمرهم بتجمير الناس في البعوث وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه. ورد سعيد بن العاص أميرا على الكوفة- نفس المصدر وكذلك ذكره الطبري-.
وكان أول ما منع عثمان، عطاء ابن مسعود - كما تقدم ومكن للزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف.. فكانوا من أثرياء العرب يومها.
وحاول ذلك مع أناس كثير فرفضوا إغراءه. وكان محمد بن أبي حذيفة ممن ألب عليه بمصر. وأرسل عثمان على أثر ذلك بمال وكسوة، فرفض الفتى ذلك في المسجد وقال: انظروا يا معشر المسلمين إلى عثمان! يريد أن يخدعني عن ديني بالرشوة.

وقد سبق لعثمان أن عزل عبد الله بن الأرقم، أو بالأحرى هو استقال لما ادعى عثمان إنه خازن لبيت أهله. وأعطى المفاتيح بعده لزيد بن ثابت. ويروي الواقدي: إن عثمان أمر زيد بن ثابت أن يحمل من بيت مال المسلمين إلى عبد الله بن الأرقم في عقيب هذا الفعل ثلثمائة ألف درهم. فلما أدخل بها عليه، قال له:
يا أبا محمد إن الأمير عثمان أرسل إليك يقول: إنا قد شغلناك عن التجارة، ولك رحم أهل حاجة، ففرق هذا المال فيهم، واستعن به على عيالك.
فقال عبد الله بن الأرقم: ما لي إليه حاجة. وما عملت لأن يثيبني عثمان والله إن كان هذا المال من بيت مال المسلمين ما قدر عملي إن أعطى ثلثمائة ألف، ولئن كان من مال عثمان ما أحب أن أرزأه من ماله شيئا. وما في هذه الأمور أوضح من أن يشار إليه وينبه عليه.
هذه باختصار هي السياسة المالية غير المتوازية التي كان يسلكها عثمان. ففئة يرى تفقيرها بمنع العطاء عنها، وفئة أخرى يرى إغراءها بالأموال. أما أقرباؤه فقد أثبت ملكهم، بأن وسع عليهم توسيعا.
كانت هذه السياسة في مجملها كالسحر إذ ينقلب على الساحر. وكان على بني أمية أن ينقضوا على الحكم كله. فعثمان رجل مهما كان فهو أضعف في رأي الأمويين من معاوية. وسياسة معاوية تقضي بتقتيل المعارضة، وهذا ما رفضه عثمان لأسباب معينة.
كان موقف معاوية أن يقتل المعارضين، فأبى عثمان ذلك، خوفا من استفحال الأزمة. وطلب منه معاوية أن يصطحبه إلى الشام، حيث يدافع عنه برجاله.
فأبى عثمان.
قال معاوية لعثمان غداة ودعه:
(يا أمير المؤمنين، انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به، فإن أهل الشام على الأمر، لم يزولوا).
فرفض عثمان.
فطلب منه أن يبعث إليه جندا منهم يقيمون بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت. فرفض عثمان.
قال له معاوية (والله يا أمير المؤمنين لتقاتلن، ولتغزين).
فقال معاوية: (يا أيسار الجزور، وأين أيسار الجزور! ثم خرج)- تجارب الأمم، وكذا الطبري وفي لفظ هذا الأخير: لتغتالن، ولتغزين-.
عرف معاوية أن الأمر يسير هذه الوجهة. فعليه أن يقوي جيشه ليستعد للمستقبل القريب. لقد عز عليه أن يرى ابن قرابته تتوزعه سيوف القوم. غير أن الملك عقيم. وهو أغلى. وحيث إن الأمر لا محالة كذلك، فإن معاوية سيجمع بين الأمرين. أن يترك الأمر إلى ما بعد قتل عثمان، ليضرب العصفورين بحجر.
ليركب (الانتقام) لعثمان من أجل الاستيلاء على الحكم.

مقتل عثمان.. الأسباب والملابسات
ما يحاول أن يكرسه مؤرخة البلاط، هو أن عثمان قتل من قبل خوارج الأمة.
وأن عصابة من السبائية، كاتبت أهل الأمصار للمجئ إلى المدينة حتى ينظروا في ما يريدون.
فماذا عسانا أن نقول؟ أبعد كل ما جرى يكون عثمان مظلوما؟ وهل إذا لم يكن التوزيع الطبقي والعشائري لمال المسلمين، حمل بني أمية على رقاب المسلمين، ظلما، فكيف، ترى يكون الظلم؟ كيف، كيف؟؟!.
الواقع إن (عثمان) قتل في ثورة شعبية عارمة. سببها الفساد الذي بدأ يتهدد المجتمع ووصل في فترة عثمان إلى قمة هرمه. والذين شاركوا في قتل عثمان، ليسوا على كل حالة زنادقة.
ولم يكونوا مجهولين حتى يقال عنهم (مجوسيون) أو (خارجيون) بل كانوا كثيرين إلى درجة يستحيل فيها تجاهلهم. ومن بين أولئك الذين أقاموا الحد الثوري على عثمان ابن أبي بكر، الذي تحول فيما بعد إلى أقرب الناس للإمام علي عليه الصلاة والسلام, وفيهم طلحة والزبير وفيهم محمد بن أبي حذيفة وغيرهم من الصحابة.
إنه ليس في وسع الباحث إلا أن يعترف بهذه الحقيقة من دون التواء. وقد اعترف بها جميعهم. يقول سيد قطب:
(وأخيرا ثارت الثائرة على عثمان، واختلط فيها الحق بالباطل، والخير بالشر، ولكن لا بد لمن ينظر إلى الأمور بعين الإسلام، ويستشعر الأمور بروح الإسلام، أن يقرر أن تلك الثورة في عمومها كانت ثورة من روح الإسلام:
وذلك دون إغفال لما كان وراءها من كيد اليهودي ابن سبأ عليه لعنة الله!- سيد قطب العدالة الاجتماعية في الإسلام / ص 161 / -.
الله! الله! يا سيد ما عهدنا عليه هذه السذاجة. إنه مع اعترافه بحقيقة الأوضاع لا يزال متشبثا بأيديولوجية (عبد الله بن سبأ)، وكيف لا يتشبث بها وهو يأخذ كل مسلمات التاريخ الإسلامي المصطنع. إنه يعترف أن الثورة كانت فورة من روح الإسلام. إنه اعترف أيضا رحمه الله -: (مضى عثمان إلى رحمة ربه، وقد خلف الدولة الأموية قائمة بالفعل بفضل ما مكن لها في الأرض، وبخاصة في الشام، وبفضل ما مكن للمبادئ الأموية المجافية لروح الإسلام، من إقامة الملك الوراثي والاستئثار بالمغانم والأموال والمنافع مما أحدث خلخة في الروح الإسلامي العام).
لا بد إذا من استحضار مجريات الثورة، وملابسات المقتل، ومن قتل وكيف ولماذا؟.
إن استحضار المشهد بكليته حري بأن يعطينا فكرة واضحة عن حقيقة الحدث، ذلك الحدث الذي ظل يعرض علينا مجردا من ملابساته، وتحت غمام كثيف من التلفيق والبكاء الأيديولوجي المصحوب بتزييفات ومبررات مشؤومة.
ولكي نكون شجعانا في قراءة التاريخ، والإخلاص للحق والمعرفة لا بد أن ندخل الحدث من باب التاريخ لا من باب الترجمات الأسطورية.
كان أصل الثورة وجوهرها، تغييريا إصلاحيا. بيد أن ركوب الفئات المشبوهة موجة الغضب الجماهيري في الانتقام لمشاريعها الخاصة كان موجودا وسنبدأ بهذه الفئات المشبوهة.
كان عمرو بن العاص، رائد الاتجاه الانتهازي، الذي يتحدد ولاءه بالمصلحة. عمرو بن العاص، ليس من الذين أسلموا طوعا. وقد كان حريصا على محو أثر الإسلام. غير أنه لم يوفق. وهو واحد من الذين ساروا إلى النجاشي بالحبشة، لتأليبه على المهاجرين بقيادة (جعفر بن أبي طالب - رض -). ظل عمرو حليفا لبني أمية، بينهما مصالح قوضوا في سبيلها روح الإسلام. وفي زمن عثمان، كان عمرو يمارس دهاءه بشكل دقيق. كان في نهاية الأمر يدرك أن عثمان مهزوز السلطان وأن الثورة ستنشب لا محالة. فكان في كل مرة، يظهر للناس مواقفه (الخادعة)، ليموه عليهم، ثم يبرر ذلك لعثمان ليحافظ على مكانته عنده، قال مرة لعثمان:
(إتق الله يا عثمان! فإنك قد ركبت نهابير وركبناها معك، فتب إلى الله نتب معك) فناداه عثمان: (وإنك هناك يا ابن النابغة قملت جبتك منذ عزلتك عن العمل.) فنودي من ناحية أخرى: (أظهر التوبة يا عثمان يكف الناس عنك).
(ونودي من ناحية أخرى بمثل ذلك) - مسكويه - تجارب الأمم 384 - ج 8-.
غير أن عمرو بن العاص، كان حريصا على علاقته بعثمان. ولما تفرق القوم قال له:
(لا والله يا أمير المؤمنين، لأنت أعز علي من ذلك، ولكن قد علمت أن الناس قد علموا أنك جمعتنا لتستشيرنا، وسيبلغهم قول كل رجل منا. فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي لأقود إليك خيرا، وأدفع عنك شرا)- نفس المصدر-.
وبهذه الازدواجية بقي حتى مقتل عثمان، حين جاء يتوسط لعثمان مع الثوار، فنهروه، واتهموه، فول خائبا. وعندما قتل عثمان، ولم تعد المصلحة لعمرو بن العاص في أن يتمسك بشرعية عثمان. خرج إلى منزله بفلسطين، وكان يقول:
والله إني كنت لألقى الراعي فأحرضه على عثمان.. ولما مر به راكب من المدينة وهو مع ابنيه محمد وعبد الله وسلامة بن روح الجذامي- التاريخ الكامل لابن الأثير / ج 3 ص 163-.
كذلك كان عمرو بن العاص، تحركه المصلحة، وتملي عليه في الاختيارات الانتهازية. تحرك ضد عثمان لما عزله، ولم يوسع عليه في الإمارة مثل ما فعل بمعاوية. وهو لا يهمه أن تتقوى عشيرة بني عبد مناف. فهو أصلا لم يحص له التاريخ نسبا يفتخر به، وقد عرف بابن النابغة، لأنه وليد نمط معين من الزنا كان معروفا لدى الجاهليين- هو أن يدخل مجموعة من الرجال على امرأة يطؤونها، فإذا حملت، تختار واحدا منهم، وتشير إليه، فيلحق به الولد-.
فهو ليس ابن الفراش، لذا فإن ظروفه النفسية والاجتماعية مهيأة لسلوك هذا النوع من الاختيارات المزدوجة. فكان الدافع الاقتصادي والعشائري، إحدى محفزاته ضد عثمان. وكان بإمكان معاوية أن يذود عن عثمان ويمنع عنه الثوار ولو بالقمع. وكانت أمامه مندوحة للتعجيل بالقدوم، لنصرة عثمان بجيش الشام. غير أن معاوية أبى إلا أن يمارس دهاءه البطئ والهادئ. إنه لا يريد لعثمان أن يقتل ولكنه في سبيل الملك قد يفعل.
وكان قد كتب إليه عثمان أن يعجل في المجئ إليه، فتوجه إليه في اثني عشر ألفا، ثم قال: كونوا بمكانكم في أوائل الشام، حتى آتي أمير المؤمنين لأعرف صحة أمره، فأتى عثمان، فسأله عن المدة، فقال: قد قدمت لأعرف رأيك وأعود إليهم فأجيئك بهم. قال: لا والله، ولكنك أردت أن أقتل فتقول: أنا ولي الثأر.
ارجع، فجئني بالناس! فرجع، فلم يعد إليه حتى قتل- تاريخ اليعقوبي / ج 3 / ص 175-.
كانت هناك شريحة في داخل جهاز السلطة العثماني، تريد أن تركب موجة التغيير، لتغير مجراها إلى قصيتها. ورموز هذا التيار، هما (معاوية بن أبي سفيان) و (عمرو بن العاص). ذلك إن معاوية وبحكم النفوذ الواسع الذي اكتسبه في بلاد الشام، حيث أصبح واسع الإمارة، لما انضافت إليه إمارة فلسطين وحمص. أجل، كان معاوية يطمع في الملك بعد عثمان، وحريصا على هذا الأمر.

يذكر ابن الأثير في الكامل، إنه لما نفر عثمان وشخص معاوية والأمراء معه واستقل على الطريق رمز به الحادي فقال:
قد علمت ضوامر المطي *** وضمرات عوج القسي
إن الأمير بعده علي *** وفي الزبير خللف رضي
وطلحة الحامي لها ولي

وكان كعب على عادته في النبوءات السياسية، يكذبه ويقول:
كذبت بل يلي بعده صاحب البغلة الشهباء، يعني معاوية، فطمع فيها من يومئذ. والحقيقة، إن معاوية يطمع فيها منذ ولاها الخليفتان. وهو رمز الأمويين بعد أبيه أبي سفيان. وهو مخطط قديم يمد جذوره إلى البعثة كما تقدم. فالقوم لا ناقة لهم ولا جمل في قضية الإسلام الرسالية، بقدر ما لهم مصلحة في ملك العالم الإسلامي. إنهم قد يملكون العرب لو أظهروا نعرتهم القومية، ولكن كيف يتسنى لهم حكم الأمصار. وما كان لأبناء أمية أن يحكموا عالما بهذه السعة لولا شوكة الإسلام. فالمخطط أدق مما تصور القشريون.
استطاع الصحابة أن يتصلوا بأهل الأمصار ليخبروهم بما يجري من مفاسد الداخل، واستفحل أمر عثمان، وذاعت أخبارهم في البلدان. وفي مصر كان محمد بن أبي بكر وكذا محمد بن أبي حذيفة، يقومان بتحريض الناس على عثمان، ويذكر ابن الأثير إن عثمان بعث إلى الأمصار برجال من عنده ليهدئوا الأوضاع، فبعث إلى الكوفة محمد بن مسلمة، وإلى البصرة، أسامة بن زيد وابن عمر إلى الشام وعمارا إلى مصر. فرجع الجميع إلا عمار. فظنوا أنه قد قتل، حتى وصل كتاب عبد الله بن أبي سرح يخبرهم إن عمارا قد استماله قوم وانقطعوا إليه، منهم:
عبد الله بن السوداء، وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران، وكنافة بن بشر.
والواقع إن محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة هما اللذان أججا الأوضاع وانضم إليهما عمار بن ياسر الذي كان من قبل أحد المتمردين على خط الرأي. ثم اجتمعت كلمة المسلمين في الداخل والخارج، واجتمع رأي الأمصار على إرسال الوفود تحت غطاء (الحج). وكانت الوفود تتألف من ثلاث أمصار:

1 - الوفد المصري يتألف من خمسمائة إلى – ألف- ابن الأثير / التاريخ الكامل / ج 3 / ص 158-, (142) يتزعمهم محمد بن أبي بكر - رض، وفيهم عبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر الليثي وسودان بن حمران السكوني وقتيرة بن فلان السكوني. وكان محمد بن أبي بكر قد خرج وبقي محمد بن أبي حذيفة في مصر وغلب عليها لما ذهب عنها عبد الله بن سعد.
2 - الوفد الكوفي، يتألف من عدد أهل مصر، على رأسهم مالك الأشتر (رض) وفيهم زيد بن صوحان العبدي والأشتر النخعي وزياد بن النضر الحارثي وعبد الله بن الأصم العامري.
3 - الوفد البصري، ويتألف من نفس عدد أهل مصر عليهم حكيم بن جبله العبدي، وذريع بن عباد وبشر بن شريح القيسي وابن المحترش، ويذكر ابن الأثير، أن أميرهم كان هو حوقوص بن زهير السعدي.
وكان خروجهم بشوال جميعا.


ورفع الوفد المصري (مذكرته) لعثمان حيث جاء فيها:
(أما بعد: فاعلم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فالله، الله، ثم الله، الله، فإنك على دنيا فاستقم معها آخرة، ولا تنس نصيبك من الآخرة، فلا تسوغ لك الدنيا، واعلم إنا لله ولله نغضب، وفي الله نرضى، وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرحة، أو ضلالة مجلحة مبلجة فهذه مقالتنا لك، وقضيتنا إليك والله عذيرنا منك والسلام..)- تاريخ الطبري 5 / 111 – 112-, وكان عمرو بن العاص أراد أن يكلم القوم لما دعاه إلى ذلك عثمان فصاح القوم في وجهه: (إرجع يا عدو الله). (إرجع يا بن النابغة، لست عندنا بأمين ولا مأمون).
ولما رأى عثمان أنه محاصر، ومطلوب لا محالة، عاهدهم على تنفيذ كتاب الله وسنة نبيه، وأن يعدل بين المسلمين، ويغير عماله ويعزلهم، وبأن يرد المنفي ولا يجمر في البعوث وأن علي بن أبي طالب ضمين للمؤمنين والمسلمين. وحيث إن جماعة من المهاجرين والأنصار تبلغ ثلاثين رجلا تحت قيادة علي عليه الصلاة والسلام, راحوا إلى المصريين يتوسطون، ويطلبون من المصريين الرجوع ويذكر ابن الأثير، إن عثمان جاء قبل ذلك إلى علي يطلبه النصرة وبأن يرد القوم عنه، فقال له الإمام علي عليه الصلاة والسلام: على أي شئ أردهم عنك؟ قال على أن يصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي.
فقال علي: إني قد كلمتك مرة بعد أخرى فكل ذلك نخرج ونقول ثم ترجع عنه، وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبد الله بن سعد، فإنك أطعتهم وعصيتني. قال عثمان: فأنا أعصيهم وأطيعك. وفعلا تم رد المصريين استجابة لطلب الإمام علي عليه الصلاة والسلام, فرجعوا.

إن الإمامة أو الخلافة قانون يحكم مجتمع الإسلام. ومهما ضعف عثمان عن تحمل هذا العبء فإنه لن يعذر أمام القانون، لأنه كم قد يفسد المجتمع لو أننا أعذرنا من يضعف أو يجهل القانون. وما كان عثمان سوى واجهة، ومطية للزمرة المشبوهة من بني أمية، يركبونها، وهو مرتاح لذلك، ويعز عليه أن يرضي الأمة بالعدل، على إغضاب أقربائه على الباطل.
كان مما اتفق عليه بين عثمان والمصريين هو عزل والي مصر، وجعل محمد بن أبي بكر. فأقرهم على ذلك، فرجعوا. وما أن ساروا قليلا، إذا براكب جمل، أرابهم أمره، ففتشوه فإذا به يحمل صحيفة من عثمان إلى خليفته عبد الله بن سعد:
إذا قدم عليك النفر، فاقطع أيديهم وأرجلهم.. وبأن يقتل محمد بن أبي بكر. فرجع الوفد إلى المدينة مجددا- - اليعقوبي وابن الأثير في تاريخهما-{وقاحة}.
وما أن رجع أهل مصر إلى عثمان وحاصروه، حتى تمخض القوم مرة أخرى على عثمان، واستنكف الجميع عن التوسط له عند الثوار لما رأوا ما رأوا. إلا أقرباؤه وحاشيته.
وذهب مروان إلى عائشة، فقال: يا أم المؤمنين! لو قمت فأصلحت بين هذا الرجل وبين الناس؟ قالت: قد فرغت من جهازي، وأنا أريد الحج. قال:
فيدفع إليك بكل درهم أنفقته درهمين، قالت: لعلك ترى أني في شك من صاحبك؟ أما والله لو وددت أنه مقطع بغرارة من غرائري، وأني أطيق حمله، فأطرحه في البحر- نفس المصدر- والمعروف عن عائشة إنها كانت أكثر تحريضا على عثمان وهي صاحبة كلمة: (اقتلوا نعثلا فقد كفر)!.
وثقل على الإمام علي عليه الصلاة والسلام, أن يستمر في التوسط إليه مع القوم. ذلك لأن الإمام عليا عليه الصلاة والسلام يدرك أن عثمان هو المسؤول عن مقتله بسبب عصيانه مشورة كبار الصحابة، واقتصاره على الطلقاء.
كان عليه الصلاة والسلام, يدرك أن الجماهير المسلمة غاضبة في الله، وتطلب تحكيم شرعه في قضية الحكم. وأقبل علي عليه الصلاة والسلام على عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فقال:
أحضرت خطبة عثمان؟ قال: نعم: أفحضرت مقالة مروان للناس؟ قال نعم فقال علي عليه الصلاة والسلام: أي عباد الله! يا للمسلمين! إني إن قعدت في بيتي قال لي: تركتني وقرابتي وحقي، وإني إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان فصار سيفه له يسوقه حيث يشاء بعد كبر السن وصحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وقام مغضبا حتى دخل على عثمان فقال له: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الضعينة يقاد حيث يسار به؟ والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه! واسم الله إني لأراه يوردك ولا يصدرك! وما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك وغلبت على رأيك- ابن الأثير في التاريخ-, ودخلت عليه زوجه نائلة بعد ذلك، تحذره من مروان، وتحثه على طاعة الإمام علي عليه الصلاة والسلام, وكانت قد أمرته بأن يرسل إلى علي عليه الصلاة والسلام, ليستصلحه لما له من قرابة وسمعة. فأرسل عثمان إلى علي عليه الصلاة والسلام, فلم يأته وقال: قد أعلمته إني غير عائد. فلما سمع مروان ما قالته نائلة، قال له: يا ابنة الغرافصة! فقال عثمان: لا تذكرنها بحرف فاسود وجهك، فهي والله أنصح لي! فكف مروان- نفس المصدر-.
لم يرجع الإمام علي عليه الصلاة والسلام, إلى عثمان ولم يشأ أن يقف إلى جانب رجل، إنما ثار عليه الناس طلبا للعدالة والإصلاح، فأبى عليهم ذلك والتوى عليهم. وما بقي للإمام علي عليه الصلاة والسلام, إلا أن يقوم بدوره الإنساني، وهو أن يبعث بابنيه لحراسة الباب حتى لا يهجم عليه الناس، فيقطعونه بالشكل الذي لا ينطبق مع حكم الشريعة، وينافي حقوق الإنسان كما يدركها المعصوم. تماما كما لم يشأ أن يمثل بقتيله هو عبد الله بن ملجم، وأوصى بالإحسان إليه ما لم يمت فإن مات فيقم عليه الحد الشرعي بلا زيادة ولا نقصان. هذا الانضباط الشرعي وإنسانية الإمام علي عليه الصلاة والسلام, هي التي جعلته يرسل ابنيه إلى باب عثمان من دون أن يدخلوا في صراع مع ثوار الغضب، الذين أصروا على إسقاط عثمان أو تصفيته.
وحيث إن عثمان نقض الوثيقة وخان العهد مع الوفود، ولم يرد أيضا أن ينزل عن السلطة لصالح من هو أولى بها. قرر الثوار أن يقتحموا عليه الدار. ولما كان الحسن عليه الصلاة والسلام, عند الباب، وحتى لا يصيبه أذى من الجماهير رأى الثوار بقيادة محمد بن أبي بكر، أن يتسلقوا عليه الدار، لينفذوا فيه الحد الثوري. فاقتحموا الدار من دار عمرو بن حزم. وسرعان ما تدفق عليه الناس، واكتضت الدار بالثوار، وانتدبوا من يقتله، وجرت محاورات بين الثوار وعثمان قبل قتله كلهم يطلبه لترك الخلافة وهو يأبى ذلك. وأي شجاعة هذه التي يملكها عثمان في الاصرار على الخلافة. هلا كان إصراره أيضا في العدل بين أقربائه والمسلمين!.
وكان محمد بن أبي بكر قد دخل على عثمان، وأخذ بلحيته وقال: قد أخزاك الله يا نعثل! فقال: لست بنعثل ولكني عثمان وأمير المؤمنين. وقال له: ما أغني عنك معاوية وفلان وفلان! وقال له عثمان: يا ابن أخي فما كان أبوك ليقبض عليها. قال محمد: والذي أريد بك أشد من قبضتي عليها، فطعنه في جبينه بمشقص كان في يده. فضربه الغافقي بحديدة، ثم جاء سودان ليضربه، فأكبت عليه زوجته تتقي السيف بيدها. فنفح أصابعها فأطن أصابع يدها وولت.
ووثب عليه كنانة بن بشر التجيبي فقتله.
وهكذا شارك الثوار في قتله ومثلوا به، ومنعوا دفنه في قبور المسلمين وبقي ثلاثة أيام في مزبلة. وانطلق به جماعة من الناس خفية معهم عائشة بنت عثمان ومعها مصباح، حتى وصلوا به حشد كوكب، فحفروا له حفرة، فلما رأته ابنته صاحت، فقال ابن الزبير: والله لئن لم تسكتي لأضربن الذي فيه عيناك، فدفنوه، ولم يلحدوه بلبن، وحثوا عليه التراب حثوا- تاريخ الخلفاء- ابن قتيبة-.
م يكن الثوار من الفئة الواحدة. فمنهم المؤمنون حقا. ومنهم من تضرر بالفقر، والظلم العثماني - ومنهم من جمع بين الإيمان والضرر الاجتماعي.
فكانت ثورة!.
ويذكر ابن الأثير إن من بين القوم من ثار فأخذ ما وجد، وتنادوا: أدركوا بيت المال ولا تسبقوا إليه، وأتوا بيت المال فانتهبوه وماج الناس، وكان هؤلاء هم المتضررين اقتصاديا من سياسة عثمان المالية، وقد وثب عليه عمرو بن الحمق وكان ولا يزال به رمق، فطعنه تسع طعنات، قال: فأما ثلاث منها فإني طعنتهن إياه لله تعالى. وأما ست فلما كان في صدري عليه. وأقبل عليه عمير بن صامي ووثب عليه وكسر ضلعا من أضلاعه وقال: سجنت أبي حتى مات في السجن- ابن الأثير-.
وكان قتله في الثامن عشر من ذي الحجة سنة 35 ه* في يوم الجمعة وكان عمره يومئذ ستا وثمانين سنة، وكتبت نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية، تصور له المشهد الذي تم خلاله قتل عثمان، وأرسلت له قميص عثمان مضرجا بالدم، وممزقا. وبالخصلة التي نتفها محمد ابن أبي بكر من لحيته، فعقدت الشعر في زر القميص، وبعثته إلى معاوية مع النعمان بن بشير الأنصاري- ابن قتيبة-, وكان الذين قاموا باقتحام داره وقتله:
محمد بن أبي بكر، محمد بن أبي حذيفة، ابن حزم، كنانة بن بشر التجيبي، عمرو بن الحمق الخزاعي، عبد الرحمن ابن عديس البلوي، وسودان بن حمران- اليعقوبي-.
لقد كانت حقا ثورة من أجل تثبيت العدالة الاجتماعية من جديد، ثورة شاركت فيها كل فصائل المعارضة في المجتمع، بكل همومها وأهدافها، فكل الناس قتل عثمان، وما من صغير وكبير إلا ونقم عليه. وفرضت عليه عزلة اجتماعية، ووقف منه الناس موقف الاعتراض والمداهنة والخوف، وفي كل الأحوال، كانوا يتربصون الفرصة التي سنحت لهم ليزيحوه عن الخلافة، ليزيحوا معه طغمته الطليقة. لكن هل استطاعوا إرجاع الأمور إلى نصابها، هل قضوا فعلا على النفوذ الأموي؟.
إنهم لم يفعلوا سوى أن صنعوا المنعطف الآخر، ليدخل التاريخ الإسلامي، إلى حقبة الاضطرابات الكبرى. فنفوذ بني أمية أوسع وأعمق وأقوى من أن تزيحه ثورة فقراء، وسنين من الخلافة مضت كان فيها بنو أمية على يقظة في بناء قدراتهم. إن قتل عثمان قواهم بدلا من أن يضعفهم. وما أن قتل عثمان، حتى اكفهر التاريخ عن وجوه ذميمة، طالما بيتت النفاق. مقتل عثمان كان مدخلا لفهم حقيقة التاريخ الإسلامي!.
___________________________________يتبع____

أميرة الجنة
26-09-2006, 04:09 AM
فقط للتأكيد على أن السماء بكت على الإمام الحسين عليه السلام إليكم هذا:
http://www.kinan1.com/upload/upload/wh_106167677.jpg

وهذه هي الصفحة الثامنة والثلاثين من الكتاب

http://www.kinan1.com/upload/upload/wh_267742284.jpg


•سدرة تقطر دماً
(تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبحوا بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحه)
صدق الله العلي العظيم سورة الإسراء/ 44
:. إن وليداً فرحت به ملائكة السماء وراحت تصعد وتنزل لتنشر فرحتها، حري بها وبكل كائنات الخلق أن تبكي بدل الدموع دماً عبيقاً على استشهاده مظلوماً مهتضم ومسلوباً حقه الذي خصه به الله تعالى عز وجل.
إنها سدرة شأنها شأن باقي الأشجار هي كائن حي ينمو ويحس وهي لا تعرف النفاق والرباء صارت تقطر دماً في اليوم العاشر من محرم كل عام، قد لا تصدق ولم أصدق حتى شرحت وأقنعتني الصور بحقيقة هذه الظاهرة، قد يقول قائل إنه النسغ أو أي تعبير علمي آخر ولكني أقول: لماذا العاشر من محرم بالذات؟ ويبقى الجواب الوحيد قول الجليل في كتابه العزيز:(وإن من شيء إلا يسبحوا بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحه)، فمن يسبح لله حمداً يغضب ويقطر دماً لمن يسلب حق الله ويهضمه من مستحقيه.

http://www.kinan1.com/upload/upload/wh_849358326.jpg

http://www.kinan1.com/upload/upload/wh_445810994.jpg

http://www.kinan1.com/upload/upload/wh_414241130.jpg

http://www.kinan1.com/upload/upload/wh_410159394.jpg

http://www.kinan1.com/upload/upload/wh_147060621.jpg

http://www.kinan1.com/upload/upload/wh_377290636.jpg

أميرة الجنة
28-09-2006, 10:21 PM
طبعاً أقصد بالصورة اللي قبل الوثيقة البريطانية


وثيقة تاريخية بريطانية تؤكد:

عام 61 للهجرة مطرت السماء دماً في بريطانيا

• الوثيقة البريطانية.
الوثيقة التاريخية التالية تؤكد هذه الحقيقة أيضاً:
فقد جاء في كتاب (وقائع عصر الأنغلو ساكسون) الذي ترجمه ونقّحه ميشيل اسوانتون (MICHAEL SWANTON) وصدر في بريطانيا عام 1996 للميلاد وأعيد طبعه ثانية من قبل جامعة اكستر (Exeter) في ولاية نيويورك الأميركية عام 1998 للميلاد، جاء في الصفحة 38 من هذا الكتاب ما نصّه:
(Here in Britain there was Bloody rain, and milk and butter were turned to blood,685)
ومعناه: (في عام 685 ـ للميلاد ـ هنا في بريطانيا مطرت السماء دماً وتحوّل الحليب والزبدة إلى دم أو صار لونهما أحمر).
وعند مقارنة هذه السنة الميلادية (685) مع السنين الهجرية نجد أنها تطابق سنة 61 للهجرة وهي السنة التي استشهد فيها مولانا أبي الأحرار الإمام الحسين وأهل بيته الأطهار وأصحابه الأخيار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.


ألا لعنة الله على أمة قتلت ابن بنت نبيّها.



أتابع البحث في التاريخ المزيف<<<<<<
بيعة الإمام علي عليه الصلاة والسلام
لقد اصطدمت المؤامرة - ضد الإمام علي عليه الصلاة والسلام, مع التاريخ ولم يبقى أمام الناس سوى الرجوع إليه. وكان لا بد أن يكون للمؤامرة سقف تقف عنده. هذا السقف هو يقظة الجماهير المسلمة على أثر مقتل عثمان. لقد ثار هذا القطاع الواسع من الفقراء والمنبوذين والمؤمنين، على كل أشكال القهر السياسي والاقتصادي والاجتماعي الأموي في عهد عثمان. آن لهم أن يوقفوا زحف المؤامرة. فهم يتطلعون إلى من يسلك فيهم عدل محمد صلى الله عليه وآله ويسوي بينهم في التوزيع ويرشف قلوبهم عقيدة وتقوى. ليس أمامهم إلا علي. علي فقط!.
ولكم حاول بعض الخنافيس من البدو المقملين والطلقاء، أن يطرحوا بديلا آخر للخلافة غير علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام. لقد لجأ البعض جهلا أو عمدا، إلى أمثال ابن عمر وغيره.
أفابن عمر هو أيضا ممن منع التقدم على رمز الأمة الإسلامية؟ أيها المجرمون، ما لكم كيف تحكمون! ها هو ذا التاريخ يضع الأمة أمام الاختيار الصعب. أمام العدل كل العدل، وأمام الجور كل الجور. فكانت يومها بيعت علي بن أبي طالب، أتته تحبوا بعد أن عذرها التاريخ. وأتته رثة، خلقة، عليلة! ليتحمل الإمام علي عليه الصلاة والسلام, مسؤولية سنوات من التخلف، مضت، وليعيد هندسة الاجتماع الإسلامي وفق المبدأ، وبمقتضى الإسلام كانت مسؤوليته يومئذ، مسؤولية تاريخية. كيف يعيد إلى الخط المستقيم، إمبراطورية واسعة الأطراف - تضم أكثر من 40 دولة - كلها لم تر ولم تعلم من الإسلام سوى رتوش قشرية، ليقول عليه الصلاة والسلام, (ولبس الإسلام لبس الفرو مقلوبا){صدقت والله سيدي يا أمير المؤمنين}وكيف يقنع الأمصار بأن الإسلام قد جاء اليوم بعد أن اغتيل مع محمد صلى الله عليه وآله، هاهو قد جاء، ليتمثل في من خوله الشرع والتاريخ مسؤولية الجهاد في سبيل التأويل. مثلما خول محمدا صلى الله عليه وآله مسؤولية الجهاد من أجل التنزيل.
اتجه التاريخ بالأمة صوب علي عليه الصلاة والسلام, لتركع أمام الحق، معترفة بخطيئتها!
ليتحمل الكل مسؤوليته، فلا غموض بعد اليوم. فأما حق بيّن وأما باطل مبلج!.
كان اليوم الجمعة، لخمس بقين من ذي الحجة يوم بويع الإمام علي عليه الصلاة والسلام, من قبل المهاجرين والأنصار. وكان فيهم طلحة والزبير. ورفض الإمام علي عليه الصلاة والسلام, البيعة، وقال لهم: التمسوا غيري! إمعاناً منه في تسجيل الموقف المسبق. فلقد أدرك أن القوم سيحاربونه لا محالة، وبأن الكثير ممن بايعه سينقلبون، وبأن المسؤولية جسيمة، ورأي علي عليه الصلاة والسلام, فيها حاسم. ومتى قبلت الأمة الحسم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إنه يسجل عليهم موقفا تاريخيا. وإن الإمام علي عليه الصلاة والسلام, قد قال للزبير إن شئت بايعني وإن شئت أبايعك. فبايع الزبير. وقد علم الزبير إن علياً عليه الصلاة والسلام, يروم اختباره من خلال هذا العرض، واعترف بذلك لقد قالها الزبير وطلحة: (إنما فعلنا ذلك خشية على نفوسنا، وعرفنا أنه لا يبايعنا. وهرب إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر - تاريخ ابن الأثير ص 191 ج 3-.
(إنا لله وإنا إليه راجعون، أول يد بايعت أمير المؤمنين يد شلاء، لا يتم هذا الأمر أبدا)- - مسكويه في تجاربه - ابن الأثير واليعقوبي في تاريخيهما-. وبايع الزبير أيضا. كان الإمام علي عليه الصلاة والسلام يدرك أن الأمور آلت إلى واقع مريض، ولا يقوم به إلا رجل يطاع، وهو يعلم أن الناس ليسوا على قلب واحد، فقال عليه الصلاة والسلام (دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرا له وجوه.لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول)- مسكويه في تجارب الأمم-. وكان لا بد أيضا للزبير وطلحة أن يبايعا، وقالوا: (إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت) لذلك بعث المصريون ببصري إلى الزبير، في نفر، وكان ذلك، حكيم بن جبلة وكذا بعثوا إلى طلحة كوفيا مع نفر، وقالوا لكل واحد منهما (احذر لا تحابه).
فراحوا إليهما يحدونهما بالسيف. والسبب هو أن الزبير وطلحة طمعا في الخلافة، وقد كان هوى البصريين على الزبير وهوى الكوفيين على طلحة كما ذكر المؤرخون، فيما كان هوى المصريين على علي عليه الصلاة والسلام, وأولئك هم مجموع الوفود التي جاءت للثورة على عثمان.

ويذكر ابن الأثير أن الأنصار بايعت إلا نفراً يسيراً منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، والنعمان ابن بشير، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة وكانوا عثمانية.
كان سبب عدم بيعتهم، هو الخوف من عدالة الإمام علي عليه الصلاة والسلام، فهم الذين عاشوا كالفيروس الاجتماعي، ينخر ثروة الأمة، ويعيش على سبيل النهب. كان حسان بن ثابت - كما ذكر ابن الأثير شاعرا لا يبالي ما يصنع. وأما زيد بن ثابت فولاه عثمان الديوان وبيت المال، فلما حضر عثمان قال: يا معشر الأنصار كونوا أنصارا لله، مرتين، فقال له أبو أيوب: ما تنصره إلا لأنه أكثر لك من العبدان، فماذا - بالله - تنتظر من هكذا رجل. خصوصا وإن الإمام علي عليه الصلاة والسلام, قد باشر في خلع عمال عثمان المتملقين.
وأما كعب بن مالك فاستعمله على صدقة مزينة وترك له ما أخذ منها- ابن الأثير-. وكذلك فعل عبد الله بن سلام والمغيرة بن شعبة. فهذا الأخير ما فتئ يلعب على الحبال.

تسلم الإمام علي عليه الصلاة والسلام, مقاليد الخلافة وألقى خطبته الشهيرة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
(إن الله أنزل كتابا هاديا يبين فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا الشر، الفرائض الفرائض، أدوها إلى الله تعالى يؤدكم إلى الجنة، إن الله حرم حرمات غير مجهولة وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، لا يحل دم امرئ مسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم الموت، فإن الناس أمامكم وأن ما خلفكم الساعة تحدوكم، تخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر الناس أخراهم. اتقوا الله عباد الله في بلاده وعباده، إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم. أطيعوا الله فلا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فدعوه، (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض).

كانت تلك صرخة روحية في مجتمع أنشد إلى طينة الأرض ونتانتها. كلمة رسالية مسؤولة في قوم غدا أكثرهم متداعي العزيمة. وييأس علي عليه الصلاة والسلام, صدمة نفسية لمجتمع، لانت عقيدته من فرط الاستغناء الفاحش بعد الفاقة المدقعة.

وبعد سنوات من النهب والأرستقراطية يأتي الإمام علي عليه الصلاة والسلام, ليقول:
(أيها الناس، إنما أنا رجل منكم لي ما لكم، وعلي ما عليكم، وإني حاملكم على منهج نبيكم ومنفذ فيكم ما أمرت به. ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال، فإن الحق لا يبطله شئ. ولو وجدته قد تزوج به النساء، وملك الإماء، وفرق في البلدان لرددته. فإن في العدل سعة ومن ضاق عليه الحق والجور عليه أضيق.
أيها الناس. ألا لا يقولون رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا فامتلكوا العقار وفجروا الأنهار، وركبوا الخيل، واتخذوا الوصائف المرققة، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، (حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا). ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله يرى أن الفضل له على سواه بصحبته، فإن الفضل غداً عند الله، وثوابه وأجره على الله.
ألا وأيما رجل استجاب لله ولرسوله، فصدق ملتنا ودخل ديننا واستقبل قبلتنا.فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده، فأنتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، ولا فضل فيه لأحد على أحد، وللمتقين عند الله أحسن الجزاء).

هذا هو علي عليه الصلاة والسلام, وتلك هي البيئة التي وجد فيها. بيئة الثراء والاستغلال والامتيازات الطبقية.
أي الناس مستعد يومها، لتسليم ما تراكم لديه خلال سنين الغفلة والنهب وصراع الامتيازات؟.
أي إيمان تركه الجشع الأموي في المجتمع، والتفقير المقابل في صفوف الطبقات الصغرى؟.
وأي حرية تبقى بعد كل هذا القمع الذي أجراه الخلفاء على المجتمع، فعلي عليه الصلاة والسلام, جاء ليرفع صخورا ثقال، إلى سماء الروح، وليعطي للجميع حقه، إنه شطب بالأحمر على إيديولوجية الجبر التي تقول: (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه). جاء ليعلمهم أن الفقير يعيش أعلى مستوى من الحاجة في مجتمع الإسلام. وإن كثيراً من الفقراء إنما وجدوا بسبب سوء التوزيع. كيف وهو القائل: (ما رأيت نعمة موفورة إلا وبجانبها حق مضيع).
هذه الروح السامية، وهذه الاجتماعية الإسلامية هي منهج الإمام علي عليه الصلاة والسلام, في مجتمع إقطاعي!، إنها النقلة البعيدة، والطفرة العليا، والمبادرة النقيضة، ولذلك لم يرضوا عنه، (يقول سيد قطب: ولقد كان من الطبيعي ألا يرضى المستنفعون عن علي، وأن يقنع بشرعة المساواة من اعتاد التفضيل، ومن مردوا على الاستئثار، فانحاز هؤلاء في النهاية إلى المعسكر الآخر: معسكر أمية، حيث يجدون فيه تحقيقا لأطماعهم، على حساب العدل والحق الذين يصر عليهما علي - رضي الله عنه هذا الإصرار)- العدالة الاجتماعية في الإسلام – صــــــ 163ـــ-.
ولذلك دخل الإمام علي عليه الصلاة والسلام, في معركة تاريخية مع فئتين، إحداهما إقطاعية، والأخرى فقيرة انتهازية. وهو صراع بين الحق والباطل، بين الإسلام والجاهلية!.
كان هناك نفر من قريش لم يبايعوا بعد، وهم مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص. فقال أحدهم: يا هذا إنك قد وترتنا جميعا، أما أنا فقتلت أبي صبراً يوم بدر وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر وكان أبوه من نور قريش، وأما مروان فشتمت أباه وعبت على عثمان حين ضمه إليه.- اليعقوبي.-.
ثم اشترطوا عليه في البيعة أن يضع عنهم ما أصابوا ويعفي لهم عما في أيديهم، ثم تقتل قتلة عثمان، ورد الإمام عند ذلك - غاضباً: أما ما ذكرت من وتري إياكم فالحق وتركم، وأما وضعي عنكم ما أصبتم، فليس لي أن أضع حق الله تعالى، وأما إعفائي عما في أيديكم فما كان لله وللمسلمين فالعدل يسعكم، وأما قتلي قتلة عثمان، فلو لزمني قتلهم اليوم لزمن قتالهم غدا، ولكن لكم أن أحملكم على كتاب الله وسنة نبيه، فمن ضاق عليه الحق، فالباطل عليه أضيق، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم. فقال مروان: بل نبايعك، ونقيم معك، فترى ونرى.
وكان القوم يدبرون عملية الهرب إلى الشام، ونقض البيعة. {نفاق}.
كانت كلمة الأشتر- مالك الأشتر-، على مقتضى التصور الشيعي لأئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، حيث قال: أيها الناس، هذا وصي الأوصياء ووارث علم الأنبياء، العظيم البلاء، الحسن الغناء، الذي شهد له كتاب الله بالإيمان، ورسوله بجنة الرضوان. من كملت فيه الفضائل، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر، ولا الأوائل- نفس المصدر-.
ثم قام الإمام بعدها بعزل عمال عثمان عن البلدان، لقطع دابر الاستغلال.
فهو لم يأت في سياق خلفائي رسمي ليبقي على أزلام العهد البائد. إنها ثورة وتغيير للوضع من الجدور..
ولهذا سيلجأ إلى عزل الجميع سوى موسى الأشعري لما أشار الأشتر على علي عليه الصلاة والسلام, بالإبقاء عليه. واستبدلهم جميعا برموز الثورة. فولى قثم بن العباس مكة، و عبد الله بن العباس اليمن، وقيس بن سعد بن عبادة مصر، وعثمان بن حنيف الأنصاري البصرة.
وتزلف كل من طلحة والزبير وطلبا من الإمام علي عليه الصلاة والسلام إشراكهما في الأمر.
فهما رجلان يلهثان وراء الدنيا. غير أن الإمام علي عليه الصلاة والسلام, لم يأت إلى الخلافة ليعبث. أراد أن يعطيهما نموذجا للحق والالتزام. ليتركها صورة للأجيال حول سلوك الإمام، ومدى اختلافها عن سلوك المغتصبين. وماذا يا ترى، سيجدون من جواب عند الإمام علي عليه الصلاة والسلام, الذي اختلطت زينة الحياة عنده وتدنت حتى لم يعد يفرز بين نعمة وأخرى ويقول عن الذهب و الفضة كلاهما عندي حجر؟، كان جواب الإمام علي عليه الصلاة والسلام (أنتما شريكاي في القوة والاستقامة، وعوناي على العجز والأود)- نفس المصدر-.
وما كان لطلحة ولا الزبير، وقد فاضت عليهما الدنيا في زمن عثمان. ما كان لهما أن يشركا عليا عليه الصلاة والسلام, في الزهد والتقشف. وأن ليندى الجبين لأنهما قد تمرغا في رغدهما، وهو يكسر الكسر اليابسة بركبته، ويقول للحسن ابنه عليهما الصلاة والسلام: أمشوي الكراكر عند علي بن أبي طالب.. لا والله، ولمن يتركون الذهب في مخازنهم يكسر بالفؤوس. فأعلنا عند ذلك، الرفض!، بيد أنهما مشدودان إلى الواقع الذي فرضته الوفود. فالتمسا من علي عليه الصلاة والسلام, أن يأذن لهما في الذهاب إلى الحج، وهو يعلم أنهما لا يريدانه. وإنما يريدان اللحاق بعائشة، لقد انفتح الإمام علي عليه الصلاة والسلام, عليهما، وتعامل معهما على أساس المسؤولية والإيمان. ولكن أين أبو الحسن من واقع الرجلين. إنه ولى طلحة اليمن، والزبير اليمامة والبحرين، فلما دفع إليهما عهديهما قالا له: وصلتك رحم!.
وهذه هي الفلتة النفسية التي أظهرها الواقع وعلى ألسنتهما، فالمسألة أصبحت تتحرك ضمن قوالب الأرحام. لم تعد القوانين والشرائع تجري وفق موازين العدل والانضباط. إنهما تعلما من الحقبة العثمانية، إن المسؤولية صلة رحم يشكر عليها، فهي عطاء وليست إدارة مسؤولية!، ولم يكن الإمام علي عليه الصلاة والسلام, ليضعف أمام نعرة إنما ابتلى بها الله ضعاف العقول، وضيقي الآفاق أعطاهما درساً تاريخياً، تنتصر فيه العقيدة على القرابة، وتنتصر فيه المسؤولية على الرحم وتتكسر وشائج الدم والعرق على صخرة القانون! قال عليه الصلاة والسلام:

وإنما وصلتكما بولاية أمور المسلمين، واسترد العهد منهم، فعتبا من ذلك، وقالا: آثرت علينا! فقال لهما: لولا ما ظهر من حرصكما لقد كان لي فيكما رأي- نفس المصدر-.
كان من المفروض وفق النظرية السياسية الداعية للتمسك بالممكن، وأنصاف الحلول (والماكس - مين) و.. وأن يسكت عنهم الإمام علي عليه الصلاة والسلام, أن يترك للزبير اليمامة والبحرين، ثم لطلحة اليمن، ولمعاوية الشام. فالقوم أصحاب دنيا، فليشغلهم بها. لقد كان هذا هو الصواب، هو السياسة!؟.
غير أن الواقع يختلف، والموضوع يتناقض مع مفهوم الممكن وأنصاف الحلول. فهذه غلطة وقع ضحيتها الكثير، والسبب في ذلك، إنهم لم يعيشوا شخصية الإمام علي عليه الصلاة والسلام, بفضائها الأوسع، وإنما اقتصروا على البعد الضيق منها. وكذلك حال العباقرة والعظماء. وحتى استطاع الرعاع فهم العبقرية في كمالها. إن الإمام عليا عليه الصلاة والسلام, لم يكن إماماً لزمانه، لجيله، لأرضه،.. للمستوى الذي يهيمن على ذلك الجيل وتلك الأرض، إن الإمام علي عليه الصلاة والسلام, إمام للإنسان، ويخاطب النضج البشري في مختلف مراحله. يخاطب من وراء جيل من الرعاع، وزمن غابر بسيط، أجيالاً متمدنة، وأزماناً معقدة. لذلك لم يفهموه، كما يفهمه الشيعي الذي عرف علياً من خلال النص ومن خلال العقل.
هنا أتفق بكل قوة مع الجابري، في أن منطق القبيلة والغنيمة والعقيدة، كان هو المحدد الرئيسي للعقل السياسي العربي. ولكنني لا اتفق معه في كثير من القضايا التي ترتبط بتلك المحددات. فالإمام علي عليه الصلاة والسلام, بقي مرفوضاً، لأنه حكم منطق العقيدة. ولكنه لم يراع المتطلب القبلي والغنيمي. لذلك رفض من قبل قطاع كبير من الناس كما تقدم، أولئك الذين تربوا في ترف الحقبة العثمانية.
إلا أن الشيء الذي غاب عن الكثير ممن استحمرتهم وأبهرت وعيهم، لعبة (الشعرة) التي أرسى قواعدها معاوية بن أبي سفيان، ليصبح بذلك الرجل القوي في المعارك السياسية ضد الإمام علي عليه الصلاة والسلام, الذي بدا في عين الآخرين كأنه عديم الخبرة، هو أنهم لم يفهموا الواقع الذي جاءت فيه الخلافة لعلي عليه الصلاة والسلام, وشخصية علي عليه الصلاة والسلام, كذلك.
فالخلافة جاءت لعلي عليه الصلاة والسلام, والأمة كلها تحت الهيمنة الأموية. ولأن كان عثمان قد قتل، فإن معاوية ومن حوله من الأمويين لا يزال مهيمناً على الشام. ثابت الأركان ذا نفوذ لا يطال. وأهل الشام لا يعرفون عن علي عليه الصلاة والسلام, ولا غيره شيئا.
وجاءت الخلافة لعلي عليه الصلاة والسلام, والناس أشبه ما يكونون بالرجل المريض، لا يسمعون ولا يطيعون. وضاقوا من شدة علي عليه الصلاة والسلام, وتنمره. فراحوا إلى السكون، والتمسوا السلام، على كل المفاسد التي لا تزال تهدد صرح الأمة الإسلامية. إنه في قوم قال عنهم: (لقد أفسدتم علي رأيي بالعصيان). وهو الذي ود لو يبدل أصحابه يومها ويصرف العدد الكبير منهم بواحد من أصحاب معاوية- لوددت لو أصرفكم - بأصحاب معاوية - صرف الدينار بالدرهم-.
أولئك الذين كانوا يطيعون معاوية طاعة عمياء. هذا العامل الأول، الذي أربك كفتي الصراع بين علي ومعاوية. ولهذا لم يكن دهاء معاوية بالذي يجتاز على الإمام علي عليه الصلاة والسلام. دهاء يصدر عن نفس دنيئة، خربة. مقابل بصيرة تصدر عن ذات تنظر بعين الله. وهمزات شيطانية لزنيم لفظته رمال الصحراء، مقابل شفافية ولي، نظرته السماء لهذه المهمة الإنسانية الكبرى. شتان، شتان.
ولذلك يعلنها الإمام علي عليه الصلاة والسلام, درساً للأجيال يقرع به منافذ الألباب: (والله ما معاوية بأدهى مني وأنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت أدهى الناس). فالمسألة في جوهرها ليست مسألة سياسية تقتضي التواء وتحايلا، للقبض على أسباب النفوذ. أنها مسألة أمة، كتب لها أن تقوم على الحق وبالحق ليس إلا.
والإمام علي عليه الصلاة والسلام, كان رجل عقيدة. يريد أن (يؤدلج) المجتمع بعقيدة الإسلام. لذلك لم يهتم بالفتوحات التي كانت مصدرا للغنيمة، ولا بالتقرب إلى القبائل والأقرباء، بتنصيب رموزها في الإمارات، على هشاشتهم، تزلفاً، ومرونة.. وفي ذلك مكسب سياسي مصدره - عامل القبيلة وهو يدرك نتائج هذه الإجراءات تجاوز المكسب السياسي من أجل الانجاز الحضاري الكبير!.

كيف؟.

الإمام علي عليه الصلاة والسلام, كان رجل أيديولوجيا - عقيدة وليس سياسيا، مخادعا. له رسالة حضارية يؤديها، ويمارس دوره بوعي خاص ونظرة معينة. له معاييره في (الحقيقة) وليس في (اللعبة السياسية) أي إنه تجاوز (السياسي) من أجل (الأيديولوجي) من أجل التوجه الحضاري!، خسران (دولة) بالنسبة للإمام علي عليه الصلاة والسلام, شأنه كباقي العقائديين، لا يعني شيئاً. لأن دولة سياسية غير قادرة وغير قابلة لممارسة المهمة العقائدية، تساوي اللاشيء. لذلك أراد أن يوقف المسيرة.
يوقف التاريخ التآمري معها. لتنضبط الأمور، أو لا تنضبط. لكي يسير التاريخ في الوجهة المفضوحة الفصيحة. لا في خط التضليل والتلبيس!. الإمام علي عليه الصلاة والسلام, بهذا المعنى كان استراتيجياً ولم يكن سياسياً تكتيكياً.
إننا عندما نريد العودة إلى الذات. نبحث في تجربة الإمام علي عليه الصلاة والسلام, لأنها تجسد مظاهر ثقافتنا، وحضارتنا. وعندما يريد ضعافنا الحداثيون البحث عن النفاق السياسي، للتعامل مع الأطراف الدولية يبحثون في تجربة النفاق الأموي، لمعاوية. يبحث الثائر، الناهض، الغاضب، في تراث علي عليه الصلاة والسلام, ويبحث البورجوازي، النفعي، التبعي، في تراث معاوية. وفي تراث الإمام علي عليه الصلاة والسلام, السياسي، تجربة يجب التفتيش عنها في فضائه الوسيع.. ومع كل ذلك، فإن علياً شيء و معاوية شيء آخر. ونحن ننعى الدهر كما نعاه الإمام نفسه لما قال:
(أنزلني الدهر حتى قيل علي ومعاوية)!.
أجل. لقد جاء من يفهم الحكم والسياسة على هذا الأساس. وكان المغيرة بن شعبة، ومن نصح علياً عليه الصلاة والسلام, بهذا الأمر. غير أن الإمام علي عليه الصلاة والسلام, أبى إلا أن يمارس منهجه، وموقفه الاستراتيجي. طلب منه ابن عباس، أن يهادن معاوية ويعطيه إمارة الشام. فطلب الإمام من ابن عباس، أن يطيعه - فقط - وأن ليس لمعاوية إلا السيف!.
خرج الزبير وطلحة إلى العمرة. لكن علياً عليه الصلاة والسلام, أدرك أمرهما. وما همه ذلك. لأنه يسلك مخططا أبعد مما يتصوران. وقال لبعض أصحابه: والله ما أرادا العمرة، ولكنهما أرادا الغدرة- اليعقوبي وغيره- لحقا بعائشة في مكة وحرضاها على الخروج. وعائشة من، ولماذا؟.
لاحظ معي<<<< كانت عائشة من الناقمين الأول على عثمان. ومراراً صاحت: اقتلوا نعثلاً فقد كفر، وهي أول من أطلق عليه ذلك الاسم- ابن الأثير في التاريخ وابن أبي الحديد في الشرح- ولم تجب طلب مروان لها لنصرة عثمان والتوسط له مع القوم يوم الحصار، وهي تتأهب للعمرة. وسارت تؤلب عليه الناس جميعا، واعتبرت من أشد الناس عليه في ذلك الوقت. وعندما وقف عثمان مرة فخطب، دلت عائشة قميص رسول الله ونادت:
(يا معشر المسلمين هذا جلباب رسول الله لن يبل وقد أبلى عثمان سنته، فقال عثمان، رب اصرف عني كيدهن أن كيدهن عظيم)- اليعقوبي في التاريخ-.
وعندما سمعت بخبر مقتله، قالت: بعداً لنعثل وسحقاً- ابن أبي الحديد في الشرح-.
ومن الجانب الآخر <<<< كان طلحة والزبير يتحينان الفرصة لمغادرة المدينة. فهما يهدفان إلى أكثر من إسقاط عثمان. يريدان الخلافة أو أقل أن يفضلهما علي عليه الصلاة والسلام, على باقي المسلمين في العطايا. غير أنهما لم يفلحا في استدراج علي عليه الصلاة والسلام, للمساومة، فقال طلحة، معربا عن حالة الفشل هذه: (ما لنا من هذا الأمر إلا كلحسة الكلب أنفه)- الطبري في التاريخ-.
وخرج بعد ذلك كل من طلحة والزبير، يبغيان الإفلات من يد علي عليه الصلاة والسلام، ليلتحقا بعائشة.
شوف معي هالموقف<<<< وما أن التحقا بها حتى أقنعاها بالخروج معهما لقتال علي عليه الصلاة والسلام, والتحق بهم كل من الأمويين وولاة عثمان الذين عزلهم الإمام علي عليه الصلاة والسلام. لم تكن عائشة تظن أن الأمر بعد عثمان سيؤول إلى علي عليه الصلاة والسلام. كانت تتصور أن جذوة الهاشميين قد انطفأت، منذ أن أخذ منهم حقهم، أبوها وفاروقه. ورغم ما قامت به من تحريض على عثمان. فهي ترى أن الأمر سيؤول لا محالة لابن عمها طلحة{التعصب القبلي}.
الموقف <<<< وعندما لم يتوفق في ذلك، غيرت عائشة وجهة نظرها، وتبنت خطاً نقيضاً، وهو المطالبة بدم عثمان. فعندما بلغها خبر المقتل، وكانت بمكة، قالت: أبعده الله، ذلك بما قدمت يداه وما الله بظلام للعبيد، وكانت تقول: أبعده الله، قتله ذنبه، وأقاده الله بعمله، يا معشر قريش لا يسومنكم قتل عثمان كما سام أحمر ثمود قومه، إن أحق الناس بهذا الأمر ذو الإصبع - تقصد طلحة - ثم أقبلت مسرعة إلى المدينة وهي لا تشك في أن طلحة هو صاحب الأمر، وكانت تقول:
بعداً لنعثل وسحقا، إيه ذا الإصبع، إيه أبا شبل، إيه ابن عم، لله أبوك أما إنهم وجدوا طلحة لها كفؤا، لكأني أنظر إلى إصبعه وهو يبايع، حثوا الإبل ودعدعوها. ولما انتهت إلى (سرف) قرب مكة في الطريق إلى المدينة، لقيها عبيد بن أم كلاب- أنظر الطبري، وابن سعد- ، فأخبرها بمقتل عثمان وبإجماع على بيعة علي عليه الصلاة والسلام، فقالت بعد ذلك، وهي تولول: ليت هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك، ويحك أنظر ما تقول؟!.
ثم قال لها: ما شأنك يا أم المؤمنين والله لا أعرف بين لابتيها أحد أولى بها منه ولا أحق ولا أرى له نظيرا في جميع حالاته فلماذا تكرهين ولايته؟.
فراحت تقول: ردوني. ردوني. فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما، والله لأطلبن بدمه! فقال لها ابن أم كلاب: فو الله إن أول من أمال حرفه لأنت، فلقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر، قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأول، فقال لها ابن أم كلاب:




فمنك البداء ومنك الغير***ومنك الرياح ومنك المطر

وأنت أمرت بقتل الإمام***وقلت لنا إنه قد كفر

فهبنا أطعناك في قتله***وقاتله عندنا من أمر

ولم يسقط السقف من فوقنا***ولم تنكسف شمسنا والقمر

وقد بايع الناس ذا تدرأ***يزيل الشبا ويقيم الصعر

ويلبس للحرب أثوابها***وما من وفي مثل من قد غدر




>>> ما هو المسمى الذي يمكن أن نطلقه على هذا الشيء يا ترى؟؟.. نفاق أو خداع,,, أو الاثنين معاً<<<<
ويذكر البلاذري في أنسابه إنها ذهبت إلى مكة ونزلت على باب المسجد فقصدت الحجر فتسترت واجتمع الناس إليها، فقالت:
يا أيها الناس إن عثمان قتل مظلوماً والله لأطالبن بدمه. وكانت تقول: يا معشر قريش إن عثمان قد قتل، قتله علي بن أبي طالب، والله لأنملة - أو قالت - لليلة من عثمان خير من علي الدهر كله{والحكم لكم}.
ويذكر البلاذري في أنسابه إنها ذهبت إلى مكة ونزلت على باب المسجد فقصدت الحجر فتسترت واجتمع الناس إليها، فقالت:
يا أيها الناس إن عثمان قتل مظلوماً والله لأطالبن بدمه. وكانت تقول: يا معشر قريش إن عثمان قد قتل، قتله علي بن أبي طالب، والله لأنملة - أو قالت - لليلة من عثمان خير من علي الدهر كله{الحكم لإلك}.
لحق طلحة والزبير، بعد أن خسرا امتيازاتهما مع علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، فانتهيا إلى مكة حيث عائشة تقوم بالشغب. فكانت فرصة لها، ليجتمعا على مخطط يواجهون به علي عليه الصلاة والسلام. والغريب، إنهما لم يكونا يفعلان هذا مع أبي بكر وعمر. إنهم يعلمان أن علياً عليه الصلاة والسلام, رجل له أعداء في كل مكان، وأن بلاءه في الإسلام لم يترك له حليفاً. وهو القائل: ما ترك لي الحق من صديق! استغلا الفرصة للتأليب على أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، وزرع الفتنة في الأمة. وكان إلى جانب ذلك من العمال المعزولين من ليس له مصلحة في خلافة علي عليه الصلاة والسلام, مثل ابن عامر ويعلي بن أمية وما أشبه. وكانا لا يزالان يملكان الثروة الفاحشة. فاستثمرا قسطاً كبيراً منها في المعركة ضد علي عليه الصلاة والسلام, ويذكر الطبري، أن يعلى بن أمية - وكان علي عليه الصلاة والسلام, قد عزله عن اليمن - ساهم بأربعمائة ألف، أعطاها الزبير، وحمل عائشة على جمل (عسكر)، اشتراه بثمانين دينارا. كما ساهم ابن عامر بمال وفير وأربعمائة بعير.{ وهذا أصبح شيء حتمي إن الناس تجتمع على الشر مو على الخير}.
واجتمعوا في بيت عائشة، يخططون للخروج فكانت النتيجة أن يتجهوا بادئ ذي بدء إلى الكوفة حيث للزبير شيعة وأتباع، وإلى البصرة حيث يوجد شيعة لطلحة. وساروا إلى المدينة بجيش يتألف من أهل المدينة والكوفة، يتسع لثلاثة آلاف رجل.
ولما قدموا على البصرة منعهم عامل الإمام علي عليه الصلاة والسلام, عليها - عثمان بن حنيف - فغدروا به ووثبوا عليه، وهموا بقتله {ما ألومهم أبداً, مو الغدر من صفات المنافقين}.
لولا أن خافوا غضب الأنصار، فنتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه وضربوه وحبسوه- ابن الأثير ج 3 - ص 316-. وبقي كذلك رهينة بين أيديهم، ينتظرون قدوم الإمام علي عليه الصلاة والسلام.
ولما علم حكيم بن جبلة بما صنعوا بعثمان بن حنيف جاءهم في جماعة من عبد القيس وسار نحو دار الرزق. وقال: لست أخاف الله إن لم أنصره. وحدث بينه والقوم قتالاً شديداً وقتل هو وابنه شر قتلة، فهموا بقتل عثمان بن حنيف: فقال لهم: أما إن سهلا بالمدينة فإن قتلتموني انتصر، فخلوا سبيله، فقصد علياً- نفس المصدر-. وكان علي عليه الصلاة والسلام, في تلك الأثناء قد تجهز إلى الشام. فلما سمع الخبر، دعا القوم إلى الجهاد. فتثاقل البعض وتحمس جماعة من الأنصار ومن بينهم أبو قتادة الأنصاري، حيث قال لعلي عليه الصلاة والسلام: يا أمير المؤمنين إن رسول الله قلدني هذا السيف وقد أغمدته زمانا وقد حان تجريده على هؤلاء القوم الظالمين الذين لا يألون الأمة غشاً، وقد أحببت أن تقدمني فقدمني. وقالت أم سلمة زوجة الرسول صلى الله عليه وآله -: يا أمير المؤمنين لولا أن أعصي الله وأنك لا تقبله مني لخرجت معك، وهذا ابن عمي، وهو والله أعز علي من نفسي، يخرج معك ويشهد مشاهدك. فخرج معه وهو لم يزل معه- نفس المصدر- {ما أريد أقارن لأن ما في وجه مقارنة}.
كان ضمن معسكر الإمام علي عليه الصلاة والسلام, اثنان من أقرب من عائشة، وهما (أم سلمة زوج النبي) التي التزمت شرع الله، وناصرت علياً عليه الصلاة والسلام, وأخو عائشة محمد بن أبي بكر- وشتان ما بين الأب وابنه((ويخرج الطيب من الخبيث))- الذي قاتل معسكر أخته ولم تأخذه في نصرة علي عليه الصلاة والسلام, قرابته لأخته ، وجاء في الخبر أيضا، أن حفصة بنت عمر قد تهيأت للحاق بهم - أي بعائشة لولا أن نهاها أخوها في الطريق عبد الله بن عمر-، فخرج الإمام علي عليه الصلاة والسلام, في جيشه حتى انتهى إلى الربذة، وكان الإمام علي عليه الصلاة والسلام, يريد الإصلاح، ويتجنب القتال، حتى أرغموه عليه. وعندما سمع بخبر القوم بعث إلى الكوفة محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر وكتب إليهم: إني اخترتكم على الأمصار وفزعت إليكم لما حدث، فكونوا لدين الله أعواناً وأنصاراً وانهضوا إلينا، فالإصلاح نريد لتعود هذه الأمة إخواناً.
وعند وصوله إلى ذي قار أتاه عثمان بن حنيف وليس في وجهه شعرة فقال:
يا أمير المؤمنين بعثتني ذا لحية وقد جئتك أمرد، فقال: أصبت أجراً وخيراً.
ورجع كل من محمد بن أبي بكر وابن جعفر بعد أن لم يوفقا في إقناع القوم، فبعث لهم الإمام علي عليه الصلاة والسلام, أشخاصا كثيرين، كالأشتر وأبي موسى، ثم الحسن وعمار. وبعد ما وقع من مشادات كلامية. كان لا بد للمعركة أن تشتعل.
وكان الإمام علي عليه الصلاة والسلام, قد ذكر الزبير بالله، فحاول الرجوع لولا أن اعترضه ابنه. وخرج طلحة وخرج إليهما علي حتى اختلفت أعناق دوابهم، فقال علي:
لعمري لقد أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا إن كنتما أعددتما عند الله عذرا فاتقيا الله ولا تكونا (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) ألم أكن أخاكما في دينكما تحرمان دمي وأحرم دمكما، فهل من حدث أحل لكما دمي؟.
قال طلحة:ألبت على عثمان. قال علي: (يومئذ يوفيكم الله دينهم الحق).
يا طلحة، تطلب بدم عثمان فلعن الله قتلة عثمان! يا طلحة، أجئت بعرس رسول الله صلى الله عليه وآله تقاتل بها وخبأت عرسك في البيت! أما بايعتني؟ قال:
بايعتك والسيف على عنقي، فقال علي للزبير: يا زبير ما أخرجك؟ قال: أنت، ولا أراك لهذا الأمر أهلا ولا أولى به منا- ابن الأثير- ثم قال له: تذكر يوم مررت مع الرسول الله صلى الله عليه وآله في بني غنم فنظر إلي فضحك وضحكت إليه فقلت له لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال لك رسول الله صلى الله عليه وآله ليس به زهو، لتقاتلنه وأنت له ظالم{حتى الرسول نبه على هذا الأمر , بس مين اللي يتعظ}
قال: اللهم نعم، ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبدا، وكان ابنه عبد الله قد اعترضه وقال له: لكنك خشيت رايات ابن أبي طالب وعلمت أنها تحملها فتية أنجاد وأن تحتها الموت الأحمر فجبنت. وقال: إني حلفت أن لا أقاتله، قال: كفر عن يمينك وقاتله. فأعتق غلامه مكحولاً وقيل سرجس، وذكروا أن الزبير عاد عن القتال لما سمع إن عمار بن ياسر في جيش علي عليه الصلاة والسلام, فخاف أن يقتل عمار. وكانا قد تشابكا ولم يقتتلا، فاعتزل الزبير القتال إلى عسكر الأحنف بن قيس، فلحقه عمرو بن جرموز وقتله.
أما طلحة فقد قتله واحد من الأمويين الذين جاؤوا في جيش عائشة، وهو مروان بن الحكم.
كان الزبير رجلا مفتونا، سرعان ما ولى، لولا أن ابنه عبد الله قد ورد عليه، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين: لا زال الزبير منا حتى ورد ابنه عبد الله، هذا الأخير كان فتانا. لقد غرت الدنيا الزبير وانتصرت عليه، فركب الفتنة وهو لما يفقد كل إيمانه. وذلك ما دفع الإمام إلى البكاء عليه حسرة. أما عائشة، فإنها لم تذكر شيئا من الذكر الحكيم، لترجع عن هذه الغوغاء. ولم يرجعها إلا (الهزيمة) يوم انتصر جيش علي عليه الصلاة والسلام, وقتل جملها، وسقطت من الهودج.
تصدى محمد بن أبي بكر أخو عائشة، هو وعمار فاحتملا الهودج فنحياه.
وأدخل محمد يده فيه، فقالت: من هذا؟ فقال: أخوك البر، قالت: عقق!
قال: يا أخية هل أصابك شئ؟ قالت: وما أنت وذاك؟ قال: فمن إذا الضلال؟
قالت: بل الهداة. وقال لها عمار:
كيف رأيتي ضرب بنيك اليوم يا أماه؟ قالت: لست لك بأم. فأبرزوا هودجها فوضعوها ليس قربها أحد- نفس المصدر- ثم كان إن اختار الإمام علي عليه الصلاة والسلام- أربعين امرأة من نساء البصرة ليخرجن معها، بزي الرجال- إن تفاصيل معركة الجمل يضيق بها المقام، وهي من التفاصيل الفاضحات- .
مات طلحة ابن عمها، وأخوها محمد هو من أخلص شيعة علي عليه الصلاة والسلام، وأنصارها الآخرون كلهم قد مات، وما تبقى كان من العثمانية، وهم إلى معاوية أميل. فبقيت عائشة معزولة، وودت لو تتاح لها الفرصة للخروج عليه. وعندما قتل امتلأت أساريرها بابتسامة، تخفي سنوات من الحقد والضغينة- لنا مع عائشة لا حقا - وقفة!-.
وعلى كل حال، فإن معركة الجمل لم تكن سوى حدث في الطريق، ولا يزال الدهر يتحف أبا الحسن بصنوف الشدائد والنوائب.

________________________يتبع____

alfa-beta
04-10-2006, 04:06 AM
باسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم
الاخت الفاضلة
اميرة الجنة
مشكورة على موضوعك القيم
انني من المتابعين رغم قراءتي البطيء له كما سبق وقلت الوقت الضيق لكن رغم ذلك فانني اقرا منه ماتيسر لي وقد وصلت الى التالي :
((((((((((((((((((((((فاطمة بضعة مني, يؤلمني ما يؤلمها ويحزنني ما يحزنها))))))))))))))))))))))
والحمد له هناك استفادة من كثير من النقاط في موضوعكم اقيم
وشكرا لكم

أميرة الجنة
05-10-2006, 09:36 AM
سلام على من اتبع الهدى,, الله الموفق
أيها المسلم:
إذا كنت واعياً, تفهم ما تسمع, وتفقه ما تقرأ, وكنت أيضاً حراً في تفكيرك, حراً في عقيدتك, ولآراء غيرك لا تخضع, إذا ما رأيتها تصطدم مع دينك وعقلك, فأقرأ هذا البحث بإمعان وتابع, ثم أختر علياً عليه السلام إماماً لك أو أبا بكر, أيهما شئت لتحشر معه يوم القيامة, يوم يدعو كل أناس بإمامهم((لا إكراه في الدين)).
وإذا كنت بخلاف ذلك فدع قراءته ((وما تغني الآيات النذر عن قوم لا يؤمنون))
>>>صفين مأزق المآزق!
كانت حرب الجمل، حربا تلقائية. تخطط لها عقول ارتجالية، وتقودهم امرأة ضعيفة العقل. ولذلك سرعان ما افترق جيش عائشة إلى قسمين بعد خطبتها، فالبرنامج البديل كانت تكسوه ضبابية. وكثيرا ما وقع التصارع بين القوم، حول من يخلف هل الزبير أم طلحة؟.
أما معاوية في الشام، فإنه أدهى من هؤلاء جميعاً، وجمع إلى دهائه، دهاء عمرو بن العاص، ليهندسا أخطر الخطط لتدمير الإسلام، كان الأمويين منذ البداية يدركون أهدافهم. ومنذ أن قرعت عليهم طبول الفتح، كانوا يعرفون إنه لا بد من مخطط بعيد المدى، يواجهون به نفوذ محمد صلى الله عليه وآله.
كان موقف الإمام علي (ع) من معاوية واضحاً. هو أن يعزله مهما كانت مضاعفات هذا الأجراء. وحاول بعض (المتسيسة) أن يتوسطوا في الأمر، ويقنعوا علياً (ع) بأن يعدل عن رأيه هذا، وليزداد مرونة في سياسته. فأبى علي (ع) فلسفتهم السياسية، وشد بالخمسة على قبضة الحسام. وأعلن الحرب على العصابة الأموية.
ولم يكن معاوية، عاملاً بسيطاً في الشام، فهو قلبها وروحها. بحكم بقائه الطويل في إمارتها.
فهو صاحب قرار مسموع، وجيش عرمرم، وعشيرة اكتسبت شوكة ومالا في عصر الخلفاء.

انحاز إلى معسكر معاوية كل من أراد الأموال والضياع. وبقي مع علي (ع) عصبة ما زالت على دين محمد صلى الله عليه وآله وملته. واعتزل الحرب، قوم، تضببت الرؤية في أعينهم، واستعصى عليهم اتخاذ المواقف الحاسمة، وفضلوا الراحة، ومثل هذا الواقع أحدهم قائلاً: (الأكل مع معاوية أدسم، والصلاة مع علي أتم، والوقوف على التل أسلم).
هذه الفئة كانت متذبذبة، خاذلة للحق! ولعل معاوية كان أوعى ديناً من هؤلاء. إذ لما جاء إلى سعد بن أبي وقاص، فقال له: ما منعك أن تقاتل معنا.
حاول أن يلتوي عليه، مبرراً ذلك بأنه يأبى الدخول في قتال بين المؤمنين، فرد عليه معاوية بأن ليس إلا فئة مؤمنة وأخرى جائرة، وبأن الواجب الإسلامي يقتضي الوقوف مع أحداهما - أنظر خصائص الإمام النسائي، وقول سعد، قال صلى الله عليه وآله في علي ثلاث لو كانت لي إحداهن خير لي من حمر النعم- برأيك - ابن الأثير الكامل ص 27 / ج 3-.
حاول معاوية التقرب من قيس، واستدراجه إلى صفه. غير أن قيس اعتصم، ورفض اللعبة، وفوت الفرصة عليه. وكان قيس قد رد عليه في كتاب، لم يفصح فيه عن نيته في عملية تبادل الخطاب جرى بينما حسب ما فصل فيه ابن الأثير وأمثاله. وكان معاوية - يريد موقفاً صريحاً من قيس، فهو من هو في الدهاء حتى يخضع للمخادع، وهو من هو في النفوذ حتى يستسلم للخدعة، وقد قال له: وليس مثلي يصانع المخادع وينخدع للمكايد ومعه عدد الرجال وبيده أعنة الخيل - نفس المصدر-. غير أن قيساً لم يجد مندوحة في الرد عليه، فأعرب عن مواقفه، وأبا على معاوية مكيدته.

ومعاوية لم يكن رجل دين، حتى يقاتل بلا خدعة. فهو من أخس الطلقاء، ودينه الدهاء، وكانت له حيل سياسية، فلذلك لجأ إلى زرع البلبلة في صفوف الإمام علي (ع) ويصطنع أدواراً مسرحية لتضليل الرأي العام، سواء في الشام أم في المدينة. ومن ذلك أنه على الرغم مما ظهر له من قيس، كان حريصاً على كتمان ذلك، وادعى أنه يتواصل معه في الظل، وأن قيساً ممن تاب، وأنكر قتل عثمان، وأحيانا كان يفتعل كتاباً وهمياً، يدعي أنه إليه من قيس، يذكر فيه فيأه إليه أو يظهر رسولا مفتعلاً، يزعم أنه من قيس. للرفع من معنويات أهل الشام. وكان لأمير المؤمنين (ع) كشأن كل قائد مسؤول، جواسيسه وعيونه في البلدان. ونقلوا له الخبر عما يجري هنا وهناك. فسمع أصحاب علي (ع) الخبر، فاقترحوا على الإمام (ع) أن يعزله، ويولي مكانه محمد بن أبي بكر، وكان هذا الأخير من شيعة علي (ع) ورجالاته الاستراتيجيين. فعزل قيسا وثبت مكانه محمد بن أبي بكر - مسكويه: التجارب-.

كانت خطة علي (ع) أن لا يهادن بني أمية وجنودهم. وهو يحتاج إلى من يشاركه في تلك المواقف. يريد عمالاً على قلبه، في التنمر والشدة. لقد أدرك من أمر قيس ما أدرك، وعرف إنه كان يداري مكاره كثار ومكايد عظام. غير أن علياً (ع) لم يكن في حاجة إلى مدارات، والظرف ظرف مواجهة وتحدي، وهو يحتاج إلى من يجند جماهير الأمصار، ويهيئهم للمواجهة، لا من يسلس للمكايد، ويداري على الحق. لذلك اضطر علي (ع) أن يعزله ويضع مكانه رجلا على نهجه في الكفاح.
ولم يقف معاوية عند هذا الحد، بل استمر في الكتابة إلى أهل الأمصار الأخرى، وحتى إلى المدينة ومكة نفسها.
كان يريد معاوية أن ينبه المغفلين ويشكك البسطاء ويحرضهم على الميل إليه في مطلبه للانتقام من قتلة عثمان. غير أن أهلها ردوا عليه على لسان واحد منهم: - ذكر ابن الأثير إنه هو: المسور بن مخزمة، في حين ذكر ابن أبي الحديد في الشرح إنه هو عبد الله بن عمر- أما بعد، فإنك أخطأت خطأ عظيماً، وأخذت مواضع النصرة، وتناولتها من مكان بعيد، وما أنت والخلافة يا معاوية، وأنت طليق، وأبوك من الأحزاب، فكف عنا، فليس لك قبلنا ولي ولا نصير.

وكاتب معاوية علياً (ع) وتبادلا الخطاب، غير أن معاوية كان أكثر تشبثا، برأي مستحيل.
احتاج معاوية إلى عقل يضاربه في الدهاء. فكتب إلى عمرو بن العاص، يستميله إليه، ويطلب منه المشاركة في القتال ضد علي (ع).
ولم يكن عمرو بن العاص يعاني أزمة في الدهاء، حتى تتمكن من مكيدة معاوية. فهذا الذي لا ناقة له ولا جمل إلا في الدنيا، ما لها وبنينها، لم يكن ليستجيب مجاناً لطلب معاوية. ولم يكن عمرو بن العاص يعاني جهلاً في معرفة مجريات الأمور، وما يريده الدين وما لا يريده، حتى ينقاد ساذجاً إلى معاوية، يقاتل إلى جنبه يتوخى نصرة حق مزيف لقد كان عمرو بن العاص أحد دهاتها الكبار. كما كان على بينة من المتطلب الديني، وحيث إن الدنيا هي من يتصدر قائمة الأولويات في اهتمام عمرو، وحيث أنه لم يكن له إيمان يمنعه من الوقوف في وجه الحق والشرع، فإنه حول المسألة منذ البداية إلى صفقة تجارية.
ومعاوية، يدرك بحكم الدهاء والمكيدة أن عمرو من تلك الطينة. ويدرك أنه ما هرب بنفسه عن عثمان وخذلانه إياه، إلا اعتصاماً بمصلحة الذات ورغباتها.

وما أشد معرفة الداهية بالداهية.

وكان وردان غلاماً لعمرو لا يقل دهاءً قال له يوم عزم على اللحاق بمعاوية:
أما وإنك إن شئت نبأتك بما في نفسك. فقال عمرو: هات يا وردان.
فقال:
اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك، فقلت مع علي الآخرة بلا دنيا، ومع معاوية دنيا بغير آخرة، فأنت واقف بينهما. فقال عمرو: ما أخطأت ما في نفسي - ابن قتيبة - الإمامة والسياسة - ص 96-.
هناك كثير مما يمكن أن يستفيده عمرو من معاوية، فهو أهل دنيا، والتفاوض مع أهل الدنيا، سهل، بل وهو أمر مؤكد بالنسبة لرجل مثل عمرو لا يأبه برجالاتها. بخلاف ما يمكن أن يحصل لو أن الأمر في يد رجل مثل علي (ع)، لا يرى باباً أمام أهل الأهواء إلا غلقه ولا باباً ينزوون خلفه إلا فتحه.

وهناك، كذلك الكثير مما يمكن أن يستفيده معاوية من عمرو. فالرجل داهية إذا انضم إليه نفعه، وإذا صار ضده ضره، وهو ذو سابقية في محاربة الإسلام، وما حك دبرة إلا أدماها، وهو رجل لا نسب له يطمعه في الرفعة، ولا دين يمنعه من المكيدة. ويذكر صاحب العقد الفريد: - ابن عبد ربه، عن سفيان بن عينة (في العقد الفريد)، يقول: أخبرني أبو موسى الأشعري قال: أخبرني الحسن، قال علم معاوية- علم معاوية والله إن لم يبايعه عمرو لم يتم له أمر فقال لعمرو: اتبعني، قال: ولماذا الآخرة فوالله ما معك آخرة، أم الدنيا فوالله لا كان حتى أكون شريكك فيها قال: أنت شريكي فيها قال: فاكتب لي مصر وكورها فكتب له وكورها.

وكان عمرو يقول:

معاوية لا أعطيك ديني ولم أنل
وما الدين والدنيا سواء وإنني *** لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع
فإن تعطني مصراً فأربح صفقة *** أخذت بها شيخاً يضر وينفع

كانت الفئة النفعية في هذا المجتمع، قد ركبت متن الصراع، وتاجرت فيه، فكانوا تجار حرب، ولكنها حرب عادلة، بين حق يقف على الإيمان، وباطل له سند في هوى الطلقاء.
وأعمت الدنيا قلوبهم، فهم في غمراتها مستنكفون عن الاستجابة لداعي الحق. وافتقدوا كل مبرراتهم. وعجباً إذ يحاربون الإمام، وهم يعرفون أنه على حق، وأن معاوية رجل دنيا وطمع.
لكنهم كانوا يمسكون بورقة (الجبر). فهم مسيرون لا مخيرون. مسيرون في كل شيء حتى في طلب الإمارة. قال أريب يوماً لعمرو - وهو عمه من بني سهم:
ألا تخبرني يا عمرو، بأي رأي تعيش في قريش! أعطيت دينك وتمنيت دنيا غيرك!
أترى أهل مصر وهم قتلة عثمان - يدفعونها إلى معاوية، وعلي حي! وأتراها إن صارت لمعاوية لا يأخذها بالحرف الذي قدمه في الكتاب؟ فقال عمرو:
يا ابن أخي، إن الأمر لله دون علي ومعاوية، فقال الفتى:


ألا يا هند أخت ابن زياد *** رمي عمرو بداهية البلاد
رمي عمرو بأعور عبسمي *** بعيد القعر مخشى الكياد
له خدع يحار العقل منها *** مزخرفة صوائد للفؤاد
فوشط في الكتاب عليه حرفا *** يناديه بخدعته المنادي - ابن أبي الحديد الشرح-

لم يكن عمرو وهو يتدرج بالجبر، يؤمن بأن هذا الواقع منسوب، لله فعلاً، إنما هو الدهاء، هو الاختباء وراء أستار مهلهلة من الفكر الهزيل. حيث له من يصدقه من رعاع العرب. وما كان لعمرو إلا أن يرحل من فلسطين إلى معاوية، ليرتب معه الصفقة.
وكان علي (ع) محيطاً بملابسة الأمور. وعز عليه السخاء بأمة محمد لصالح الطلقاء. وفضل أن يموت وتموت معه الأمة الصالحة، ليبقى معاوية على أمة غير هذه، كيف يقبل أبو الحسن (ع) وهو الذي ما وقف سيفه في المعترك. وبه قام الإسلام. ولقد حرص أولو النظر المحدود، وأصحاب الحلول الوسط على إقناع علي (ع) بإثبات معاوية - في ولاية الشام. غير أنه أبى. فالقضية ليست سياسية حتى تخضع لهذا المفهوم، وما كان أبو الحسن (ع) غافلاً عن هكذا مفاهيم صغيرة، وهو من حل كل معضلة طرحت في حضرته. إنها قضية إسلام أو جاهلية جديدة، قضية موت أو حياة بالنسبة له، ولم يكن يهتم، إن كان أبو بكر وعمر وعثمان قد أثبتوا معاوية على الشام. إن علياً (ع) أزيح عن الخلافة بعد عمر، لأنه رفض السير على سيرة الشيخين، وما كان يحتاج إلى سنة الشيخين فيكفيه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله لقد أبى إلا أن يحكم شرع الله فيهم، مجرداً عن شوائب اللعبة والتوازنات.. ولذلك قال (ع) والله لا أعطيه - معاوية إلا السيف، وقال:

وما ميتة إن متها غير عاجز * بعار إذا غالت النفس غولها

وكيف يخاف علي (ع) شوكتهم، وكيف يرده عجرهم وبجرهم، فما أحصى التاريخ عن علي (ع) هذه الهناة.
بعث (ع) إلى معاوية جريراً، يطلب منه البيعة، وكان الأشتر قد اعترض على ذلك، ورأى أن هوى الرجل من هواهم، غير أن علياً (ع) لم يكن يحتاج إلى من يقنعهم أكثر، فهو يدرك ببصير الإسلام. إن هؤلاء يدركون الحق والضلال معاً، غير أنهم اختاروا الضلال. ولا بد فقط من إثبات الحجة، للخروج إليهم، وقطع دابرهم إلى الأبد.
كان علي (ع) يملك ورقة (الحق) بينما غطى معاوية وعمرو باطلهما بدهائهما، فعزفا على وترين:
1 - الرشاوي المالية.
2 - التضليل الإعلامي.
كانت الرشوة للذين تاجروا في هذه الحرب متجاوزين إيمانهم بالحق الذي مع علي (ع) حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله (علي مع الحق والحق مع علي يدور معه أينما دار) هؤلاء باعوا دينهم لمعاوية فلا بد لهم من مقابل. ومثال على ذلك عمرو بن العاص، وأبو هريرة ومن لف لفهم من الخونة المندسين{في نقطة هنا أريد الإشارة إليها وهي أنه في كتب الحديث التي تدرس الأطفال في المرحلة الابتدائية – في السعودية طبعاً- أول حديث دائماً عن أبو هريرة وليس هذا فقط بل من المحتمل أن ثلاثة أرباع الأحاديث التي في المنهج قد رواها أبو هريرة, وقد يكون خطأً إذا وجد حديث رواه الإمام علي سلام الله عليه, وربما سقط سهواً, وقد لفت انتباهي كذلك أن يزيد بن معاوية يروي حديثاً!!, أهذا يروي حديثاً عن الرسول الأكرم(ص) وأئمتنا لا يروون عن جدهم عليهم صلاة الله وسلامه ؟؟؟...تأمل!}
والتضليل لأولئك القشريين، الذين اكتفوا بمعرفة سطوح الدين، ولبسوا الإسلام، لبس الفرو مقلوباً، فتضليلهم يمر بطريقين:
1 - تحريف الحقائق وتزييف الواقع في أذهانهم، والضرب على وتر عواطفهم وأحاسيسهم البسيطة. وذلك كأن يرفع معاوية وعمرو بين الفينة والأخرى قميص عثمان، ويستثيروا الروح العشائرية والانتقامية من جهة، ثم تصوير علي (ع) وجنوده كالمجرمين مثل ما فعل عمرو حين خطب في جمهور الشامين:
(إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم، وأوهنوا شوكتهم وقطعوا حدهم. ثم إن أهل البصرة مخالفون لعلي وقد قتلهم، ووترهم، وتفانت صناديدهم يوم الجمل، وإنما سار علي في شرذمة قليلة، منهم من قتل خليفتكم، فالله في حقكم أن تضيعوه، وفي مدمكم أن تبطلوه- سكويه - تجارب الأمم - ص 335-.
_______________________________يتبع_______

alfa-beta
06-10-2006, 05:13 AM
باسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم
الاخت الفاضلة
اميرة الجنة
لاابالغ اذا قلت ان موضوعكم جد قيم وجدير ان يقرا بعقل متفتح وقلب واع بعيدين عن العصبية ومتحررين من السجون الوهمية .على المسلم الحر ان يثور ولو مرة في حياته ويننفض طبقات الغبار التي احدثها التاريخ المزور على العقول والقلوب والابصار .نثور على الباطل ونثور على الكذب والكذابين ونثور على كل من يريد ان يجعل في طريقنا الى الله والى مرضاته والى جنانه والى الفوز بلقاء من ارسله الله رحمة للعالمين ص .فالطريق رسمها لنا رسولنا الكريم ص بوحي من الله .ووضع معالمها سيد الانبياء محمد ص (ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا كتاب الله وعترتي اهل بيتي ).الله اكبر.اللهم صل على محمد وال محمد.
اشكركم مجددا اختي الفاضلة على موضوعكم التنويري وقد اعجبتني العبارات التالية من موضوعكم:
أجل؛ وإذا كنت قد عرفت الحقيقة فأنا لا أعادي من جهلها؛ بل أسعى لتعريفه بها((فالناس أعداء ما جهلوا)).
وقد أوصى أئمة أهل البيت(ع) شيعتهم بالتسامح والحب والصفاء والسلام والألفة مع المسلمين جميعاً, لأن الإسلام دين الحب فلا يمكنه أن يدعو إلى التفرقة والعداء بسبب الخطوط والاتجاهات المختلفة بين الأمة في فهم الشريعة إلا إذا تأكدنا من تعمد تمرد بعض الناس على الحق وتحدي الشريعة والحقيقة, فالموقف بالنسبة لهم يتغير.
اتابع موضوعكم باهتمام والان قد اكملت :
فضائل الأئمة في القرآن.
والله لا يضيع اجركم

أميرة الجنة
06-10-2006, 10:30 AM
سلام قول من رب رحيم,,,
الحمد لله وكفى والصلاة على صفوة من اصطفى,,,
كل الشكر لكم أخي الكريم على المتابعة,
وأقول: كلمات أهل البيت درر, ولكن منهم الذين يلتزمون بها في مثل هذا الزمان, والله تدمع العيون إذا قرأت مثل هذا عن أهل البيت ولا أحد يعلمه, بل وحتى المتبعين لآل البيت قلة قليلة منهم من يقرأ لهم ويتثقف بعلومهم, ولكن ليس لنا سبيل غير الأقلام لكي نعبر بها عن هؤلاء العظماء أملاً في أن نوفي ولو جزء قليل من حقهم علينا, ويكفي أنهم سبب وجودنا في هذه الدنيا..

http://www.kinan1.com/upload/upload/wh_679699374.gif

بحريني جعفر
06-10-2006, 02:54 PM
اللهم صلي على محمد وال محمد

موضوع ممتازز وجميل
ومفيد احسنتي يالاخت الفاضلة اميرة الجنة
وجعل الله هلموضوع وهلجهد في ميزان حسناتش

موضوعش يالاخت جدا جدا مفيد بارك الله فيكم يالاخت على هذهي البحوث

أميرة الجنة
09-10-2006, 02:42 PM
الشكر لكم أخي الكريم..
وأتمنى أن تعم الفائدة الجميع..
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله

alfa-beta
11-10-2006, 02:53 AM
باسم الله الرحمان الرحم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الاخة المحترمة
اميرة الجنة
لا زلت من التتبعين لموضوعكم القيم
وشكرا

أميرة الجنة
14-10-2006, 02:37 AM
بسم اله الرحمن الرحيم
السلام على من اتبع الهدى...
عظم الله لك الأجر سيدي ومولاي يا صاحب الزمان, أحترت سيدي بماذا أعزيك..


أبمحمد الرسول أعزي أم بالزهراء فاطم مكسورة الضلع, أم بعلي المرتضى.. أوأعزيك بجدك الحسين الشهيد..أم بالحسن... أم بعلي..أو محمد..

أأعزيك بالصادق..أم أعزيك بالكاظم للغيظ موسى ابن جعفر.. بالرضا ضامن الجنان أأعزي.. أم للجواد محمد.. يتبعه الهادي التقي أعزي.. أو بالعسكري أبيك الحسن أعزيك..
العجل..العجل.. سيدي, طال الوعد يا موعود..طال, و طال معه الانتظار..
سيدي.. نأمل ونسعى جاهدين لنكون من أنصارك ومن أتباعك المنضمين تحت لوائك..في تلك الدولة الكريمة..


اللهم أعز الإسلام به, وانصر من نصر الدين وأخذل من خذل الدين, وأنتقم به من المعاندين..
عظم الله أجورنا وأجوركم بهذا المصاب الجلل, بمناسبة ذكرى استشهاد يعسوب الدين, وإمام المتقين, أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه سلام الله وعلى أبنائه ومن أتبعهم من الأولين والآخرين..
وأتقدم في هذه الليالي العظيمة بأسمى التعازي للأمة الإسلامية جمعاء ولا سيما المراجع العظام, وكل الأعضاء المنتسبين لهذا المنتدى...

مصيبة يندى لها الجبين .. ويزداد فيها الأنين...
كنت لمدينة العلم باب .. وقد قتلت سيدي في المحراب...
نبايعك ونحن على البيعة لا نحيد .. نواليك وبإذن الله نكون كالحديد...


>><> يا وجيهاً عند الله أشفع لنا عند الله <><<


أعتذر على تأخري نظراً لانشغالي في الفترة الأخيرة____نكمل>>>>>>
ومثل ذلك أعطى معاوية من بيت المال أربع مئة ألف درهم على أن يخطب سمرة بن جندب في أهل الشام بأن قوله تعالى (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه. وهو ألد الخصام. وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد){ألا لعنة الله على الظالمين}. إنها نزلت في علي بن أبي طالب (ع)، بعد ذلك قال سمرة: لعن الله معاوية والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا- ماذا في التاريخ، المجلد الرابع - ص 456-.

2 - تهيئة النفوس للقبول بالأمر الواقع، من خلال نشر الفكر الجبري، الذي يؤمن بالوقائع على أساس إنها قدر مقدوراً. وهو ما سبق أن قاله عمرو بن العاص جبراُ قد انحاز إلى معاوية، وما أكثر النفوس التي آمنت بفكرة الجبر، وخاضت حربا باطلة بوعي جبري. فقد روى عن الأسود، قلت لعائشة: (ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد الخلافة؟ قالت: وما يعجب! هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر! قد ملك فرعون مصر)- من سيرة أعلام النبلاء للذهبي، أنظر ص 183 من كتاب: شيخ المغيرة، أبو هريرة، محمود أبو رية-.
وكذلك سار معاوية في أنصاره يعطي عمراً مصر، ويضخ الذهب والضياع في جيد المغيرة، وسمرة، وأبي هريرة وما شابه.

هيأ معاوية نفسه ومن معه للطوارئ، فهذا علي (ع) لا ينثني ولم ينثن يوماً في طلب الحق، وهذا معاوية لا يرى البيعة لعلي (ع) في صالح بني أمية، لأن في علي (ع) (لوثة) محمد صلى الله عليه وآله هذه التي طالما تطير منها ابن العاص، وبنو أمية وأشباههم، كان حتماً وضرورياً أن تشتعل المعركة، وقد أخبر الإمام علي (ع) إن معاوية لا يريد البيعة، ويستنفر الناس للخروج، فسار إليه الإمام علي (ع) في جيش من المسلمين فيهم سبعون رجلا من البدريين، وسبعة مئة رجل بايعوا تحت شجرة الرضوان، وأربع مئة من بين سائر المهاجرين والأنصار – اليعقوبي- في حين لم يشمل جيش معاوية سوى رعاع العرب وأعرابها والطلقاء- النعمان بن بشير ومسلمة بن مخلد هما الرجلان الوحيدان من الأنصار الذان كانا مع معاوية-.
وكان بود أتباع معاوية أن تردهم الحرب، وهم يرون الصحابة قد اجتمعوا جميعاً في جيش علي (ع) لكن لا حياة لمن تنادي، والقوم كلهم من رعاع الشام، لا يعرفون علياً ولا عماراً، بل لا يعرفون الناقة من الجمل.
بينما نخبة الجيش الأموي المدركون للحقيقة، قد تمكنت الدنيا من أنفسهم، فتجردوا لها.
وانتهت المناوشات، لكي يقف الفريقان بصفين، حيث يجهز جيش علي (ع) على أهل الشام، اجهازاً فرق فيه شملهم، واذهب به ريحهم، وكان من المفروض أن ينتهي أمرهم، غير أن الدهاة لا ينتهون، فقد اقترح عمرو على معاوية رفع المصاحف، كخدعة، كان معاوية قد دعا بفرسه لينجو عليه، وكيف لا يهرب وهو أدرى ببلاء علي (ع) وبأسه، وما دخل هؤلاء الطلقاء سوى خوف ورهبة من هذا الحسام المهند، الذي أرغم أنوف العرب، لتدخل راكعة، منقادة - في الإسلام - لقد نادى علي (ع) معاوية: (يا معاوية، لم تقتتل الناس بيننا؟ هلم أحاكمك إلى الله، فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور).
فقال عمرو: (ما يجمل بك إلا مبارزته).
قال معاوية:
(طمعت فيها بعدي)- مسكويه وغيره- .
وهذا لا يشك فيه أحد، فلقد وتر علي (ع) العرب حين قتل أجدادها، ولكنهم لم يروا في قتل علي (ع) إياهم عيباً ونقيصة، حيث لا تزال النفوس تتردد في أصدائها (لا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار) وليس عيباً عند داهية عربي كعمرو بن العاص، أن يكشف أمام علي (ع) عورته، لينجو من ضربة حسام انشقت تحتها بيضات فرسان العرب، ليس هذا ولا ذاك، عيبا، إنما العيب أن يقاتلوا الحقيقة) عند علي (ع).
كان معاوية، قد دعا بفرسه، فاعترضه عمرو: إلى أين؟ قال: قد نزل ما ترى، فما عندك؟ قال: لم يبق إلا حيلة واحدة، أن ترفع المصاحف، فتدعوهم إلى ما فيها، فتسكنهم وتكسر من حدهم، وتفت في أعضائهم، قال معاوية: فشأنك! فرفعوا المصاحف ودعوا إلى التحكم بما فيها. وقالوا ندعوكم إلى كتاب الله)- اليعقوبي ومسكويه وابن الأثير والطبري-.

كانت تلك بحق أخطر مكيدة في تاريخ العرب والمسلمين، وبها سار خبر عمرو بن العاص، وذاع أمره. إنها المكيدة التي انتصرت لباطلهم، وفرقت شمل جيش علي (ع) غير أن علياً (ع) لم يكن غبياً - حاشاه - حتى تجتاز عليه حيل الطلقاء ومكايدهم، لقد أدرك منذ البداية إنها لعبة، وبأن رفع المصاحف هو تكتيك حربي، وليس إيمانا، ولكن اللعبة تمكنت من الذهنية البسيطة، السطحية في الأمة، ثم إن معاوية وعمرو بن العاص، معروفا التوجه، ومتى دعيا إلى الدين وحكما بالقرآن، وهل هناك قرآن في تبلجه، وتشخصه كالإمام علي (ع) ومئات الصحابة الكبار من خلفه يقاتلون، وهل القشريون الذين كانوا في جيش علي (ع) واستسلموا للخدعة، ألا يدركون إن الإمام علياً (ع) هو أكثرهم تمسكا وعلماً بالقرآن، ومتى احتاج أن يعلموه التحاكم إلى شرع الله، هؤلاء في الواقع كانوا يحاربون مع الإمام وهم يجهلون قدره، فلم يترك الواقع الفاسد، فرصة لفضائله (ع) لتأخذ مكانها في عقول الناس، وهذه هي نتيجة الاغتصاب!.
لقد كان هنالك في صف الإمام (ع) رجل اسمه الأشعث بن قيس الكندي، اعترض على مقاتلة القوم، لأنهم رفعوا المصاحف، أنه رجل هوائي لا يستقر على أمر، وتحكي عنه التواريخ أنه قد أسلم وارتد ثم أسلم في عهد الرسول صلى الله عليه وآله ولذلك كان مؤهلا للانحراف في هذه المكيدة.
وانتشرت الغوغاء في جيش الإمام (ع) بما يشبه حالة انشطار، فما كان له (ع) إلا أن يصبر، فلا رأي له، إذ (لا رأي لمن لا يطاع).
وكان لا بد للفريقين أن ينتدبوا ممثلين عنهم، ليديروا عملية التحكيم، كان عمرو بن العاص، هو الرجل المنتدب في جيش معاوية، وكان المختار في جيش علي (ع) هو عبد الله بن عباس، فرفضوه لقرابته منه وانحيازه إليه، واختاروا مكانه أبا موسى الأشعري. ورفض الإمام (ع) هذا الاختيار. فأبو موسى كان قد خذل الناس عن علي (ع) بالكوفة، وهو يدرك أنه لا يوازن دهاء عمرو بن العاص. هل إن ابن عباس منحاز إلى علي (ع)، وكيف يقبل العقل ذلك!؟.
وعمرو بن العاص هو الرجل الثاني في جيش معاوية، هذه أكبر نكسة وقعت في جيش الإمام علي (ع) من قبل أناس بسطاء سذج لا يفقهون في الدين، إنهم (متورعون) لذلك طلبوا من الإمام علي (ع) أن يعزل ابن عباس، وبهذا التورع الزائد وبهذه (الأخلاقوية) البائسة، خسروا التحكيم، وخسروا الحق الذي من أجله جاءوا إلى صفين، وانتهوا خوارج مارقين!.
ثم انبرى للتحكيم، كل من عمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري بعد أن تمردت طائفة من القشريين في جيش علي (ع) منهم مسعر بن فدكي وزيد بن حصن والسنبسي ومجموعة أخرى، مطالبين علياً (ع) بالخضوع للتحكيم وطلب الأشتر بالتوقف، وما كان من الإمام علي (ع) إلا أن يقول:
فاصنعوا ما بدا لكم.
فراحوا يكتبون: (هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين)
فقال عمرو:(اكتبوا اسمه واسم أبيه، هو أميركم، فأما أميرنا، فلا).
كان الأحنف قد رفض أن يمحوا اسم أمارة أمير المؤمنين، وقد تمثل نفس الدور الذي قام به علي (ع) وهو يكتب وثيقة صلح الحديبية، وكأن التاريخ يعيد نفسه، لكن الأشعث بن قيس قال:
(امح هذا الاسم، أمحاه الله).
فعصي فقال علي (ع):
الله أكبر سنة بسنة، ومثل بمثل، والله، إني لكاتب رسول الله يوم الحديبية، إذ قالوا:
لا نشهد لك، إنك رسول الله، فامح هذا، واكتب اسمك واسم أبيك.
فكتبه, فقال عمرو بن العاص:
(نشبه بالكفار ونحن مؤمنون).
فقال له علي (ع): (يا ابن النابغة، ومتى لم تكن للفاسقين ولياً، وللمسلمين عدواً، وهل تشبه إلا أماً دفعت بك؟).
فقام وقال:
(لا يجمع بيني وبينك مجلس أبداً بعد هذا اليوم).
فقال علي (ع):
(وإني لأرجو أن يطهر الله مجلسي منك ومن أشباهك)- الطبري ومسكويه-.

خرج الأشعث على الناس يقرأ عليهم الكتاب، فرآه عروة بن أذيه، أخو أبي بلال، فقال:
(تحكمون في أمر الله الرجال؟ لا حكم إلا لله). غير أن أصحاب قيس اتصلوا به، فأقنعوه.
لم يعد الإمام يدرك الطريقة التي يتعامل بها مع جيش منشطر، ومع أغلبية من الرعاع، الذين عرفوا حقه لكنهم، لم يقدروا شخصيته، وكانت له خطبة عند ذلك قالها لأصحابه (لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوة، وأسقطت منة، وأورثت وهناً وذلة، ولما كنتم الأعلين، وخاب عدوكم، ورأى الاجتياح، واستحر بهم القتل، ووجدوا ألم الجراح، رفعوا المصاحف، ودعوكم إلى ما فيها ليفتؤوكم عنها، ويقطعوا الحرب في ما بينكم وبينهم، ويتربصوا ريب المنون، خديعةً، ومكيدةً، فأعطيتموهم ما سألكموه، وأبيتم إلا أن توهنوا وتجوروا، وأيم الله، ما أظنكم بعدما توافقون رشداً، ولا تصيبون باب حزم - مسكويه وابن الأثير-.
اجتمع الحكمان ببلدة تقع خارج الشام يقال لها (أذرح) - قي مدينة تبوك، ودومة الجندل قديماً، وحضرت التحكيم جماعة من أصحاب علي وأخرى من أصحاب معاوية.
ولما اجتمع عمرو وأبو موسى، قال عمرو:
(يا أبا موسى: أرأيت أول ما تقضي به من الحق أن تقضي لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغدر بغدرهم).
قال أبو موسى:
(وما ذاك)؟.
قال عمرو:
(ألست تعلم أن معاوية وفي، وقدم للموعد الذي واعدناه؟).
قال: نعم.
قال: اكتبها.
فكتبها أبو موسى.
ثم قال له: يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوماً؟ قال: أشهد.
قال: ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى، قال: فما يمنعك منه وبيته في قريش كما قد علمت؟ فإن خفت أن يقول الناس: ليست له سابقة، فقل وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه الحسن السياسة والتدبير وهو أخو أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وكاتبه وقد صحبه وعوض له بسلطان.
فقال أبو موسى: يا عمرو اتق الله! فأما ما ذكرت من شرف معاوية فإن هذا ليس على الشرف تولاه أهله، ولو كان على الشرف لكان لآل أبرهة ابن الصباح، إنما هو لأهل الدين والفضل، مع أني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفاً أعطيته علي بن أبي طالب{جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} وأما قولك: إن معاوية ولي دم عثمان فوله هذا الأمر، فلم أكن لأوليه وأدع المهاجرين الأولين، وأما تعويضك لي بالسلطان، فوالله لو خرج معاوية لي من سلطانه كله لما وليته، وما كنت لأرتشي في حكم الله!.
قال عمرو: فما يمنعك من ابني وأنت تعلم فضله وصلاحه؟ فقال:
إن ابنك رجل صدق ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة. فقال عمرو: إن هذا الأمر لا يصلح إلا لرجل يأكل ويطعم، وكانت في ابن عمر غفلة، فقال له ابن الزبير: افطن فانتبه! فقال: والله لا أرشوا عليها شيئاً أبداً. وقال: يا ابن العاص، إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعدما تقارعوا بالسيوف فلا تردنهم في فتنة.
ويذكر المؤرخون، أن عمراً قد عود تقديم أبي موسى في الكلام، بقوله:
أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وأسن مني فتكلم، وتعود ذلك أبو موسى.
وكان أبو موسى يريد أيضاً خلع الاثنين، وإثبات ابن عمر، فأبى عليه ذلك عمرو. وقال له:
خبرني ما رأيك؟ قال: أرى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا. وقال عمرو: الرأي ما رأيت. وقال له:
يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد اتفق.
فقال أبو موسى: إن رأينا قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة فقال عمرو: صدق وبر، تقدم يا أبا موسى نتكلم.
تقدم أبو موسى وقال: أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع علياً ومعاوية، ويولي الناس أمرهم من أحبوا، وإني قد خلعت علياً ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه أهلا، ثم تنحى – ابن الأثير في التاريخ/ ج 3 - ص 231 – 232-.
فقام عمرو فقال: لكني خلعت صاحبه علياً كما خلع، وأثبت معاوية {أرأيت أوقح من هذا الأمر}.
يقول الطبري- وكذا ورد في بن الأثير ومسكويه و..-، إنهما لم يبرحا مجلسهما حتى استبا، ثم خرجا إلى الناس، فقال أبو موسى:
(إني وجدت مثل عمرو مثل الذين قال الله عز وجل: (واتل عليهم نبأ الذي أتيناه آياتنا فانسلخ منها)) (الأعراف: 174).
فقال عمرو:
(أيها الناس إني وجدت مثل أبو موسى كمثل الذين قال الله عز وجل:
(مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، كمثل الحمار يحمل أسفارا)) (الجمعة: 5).

كانت القضية من بدايتها خاطئة، لأنها قائمة على مكيدة التحكيم. والإمام علي (ع) لم يكن فقط يملك ورعاً وتقوى يحول دونه والمكيدة. بل أيضا كان يتوفر على قدر لا يوزن من البصيرة، أدرك من خلاله طبيعة اللعبة، فرفض التحكيم واستشرف مأزقه، غير أن الكثير ممن كان معه، كان يملك إيماناً مقلوباً، ورتوشاً (أخلاقوية) زائدة على المبدأ والسلوك. لم يكن عمرو بن العاص يجهل قدر علي (ع) ولكنه سلك اختياراً - لعوامل شتى يقتضي تفويت الخلافة إلى معاوية، أما أبو موسى الأشعري، فقد كان رجلاً من أولئك (الأخلاقويين)، الفاقدين للبصيرة، ذلك أنه طرح عزل علي (ع) وهو يرى في عزل (الحق) حقاً، وليس ذلك إلا تنازلاً للباطل. ولذلك اقترح ابن عمر، ولم يكن هذا الأخير، بمن يستحق طرحه في سياق الاستخلاف، غير أن السذاجة غلبت على مواقف الناس، وما رأيت رجلاً خذل الحق في الإسلام، مثل ابن عمر، الذي كان يدرك كل شئ، ولا يتكلم، ويخشى أن يقول الحق، خوفا من الفتنة، والفتنة ليست سوى تغييب الحق والسكوت عنه.

يذكر ابن الأثير، إن معاوية حصر الحكمين وإنه قام عشية في الناس فقال:
أما بعد من كان متكلماً في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، قال ابن عمر: فاطلعت جبوتي فأردت أن أقول يتكلم فيه رجال قاتلوك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق الجماعة ويسفك فيها دم، وكان ما وعد الله فيه الجنان أحب إلي من ذلك، فلما انصرفت إلى المنزل جاءني حبيب بن مسلم فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت هذا الرجل يتكلم؟ قلت: أردت ذلك ثم خشيت، فقال حبيب: وفقت وعصمت، وهذا أصح.
ترك هؤلاء للباطل فرصة للظهور، ولم يقفوا مع الحق، وهو في حاجة إلى من يسنده. وقف الإمام علي (ع) وحيدا، ليس معه سوى عصبة من المؤمنين الذين لا تهزهم الأطماع، ولا الحطام، الفئة التي نذرت حياتها للحق دون سواه، والباقون كانوا إما قاسطين أو مارقين أو ناكثين.
خرجت من جيش علي (ع) يوم ذاك فرقة من الخوارج زعموا أن الحكم لله، شعاراً ساذجاً، يخفي داخله الضباب والأمية الإسلامية، ولذلك كبر الإمام علي (ع) قائلا: (الله أكبر، كلمة حق يراد بها باطل).
لم يشأ (ع) أن يقتلهم يوم النهروان إلا بعد أن اضطروه إلى ذلك، ولطالما حاورهم، ورفع الراية البيضاء يستتيبهم، خرج بعضهم وبقي شرارهم معتصمين لجهلهم، فحاربهم وبقيت بعد ذلك حفنة من الخوارج، تائهة في فلوات الجزيرة، تبشر بجهلها، وتبيت لعلي (ع) وانتشرت في البلدان، وانتشر معها الغباء, لا أريد هنا أن أفصل في الخوارج، كنشأة، وتطور، فهذا ليس موضوعنا، لأن الخوارج، ليسوا سوى فرقة غبية، طلبت الحق بسذاجة فلم تجده، فرجع منها المخلصون إلى الحق، وبقي الأشقياء يردون موارد الفتن، ولكنني أريد الإشارة إلى المنعطفات. ومن تلك المنعطفات، ما تلي صفين من أحداث، كان الصحابي الجليل عمار قد قتل بصفين، وبذلك قد أرسى ميزانه لتقييم الحدث. وقد فزع من جيش معاوية لما رأوه ميتاً، لأنهم سمعوا إن (ابن سمية تقتله الفئة الباغية) غير أن الإعلام الأيديولوجي حرف القضية، واستصغرها في ذهن القوم، فقال عمرو لقد قتله الذين جاؤوا به!{أترك لكم التعليق هنا} وكان كما أشار معاوية، يعتبر أي عمار يمين الإمام علي (ع) فيما الأشتر يسراه.
لم تكن مصر حتى ذلك اليوم قد خلت لمعاوية وما كان هذا الأخير غافلاً عنها، فهي سلة جديدة تنضاف إلى إمارته الواسعة، وهي ثمن الانتصار الذي جلبه له عمرو بن العاص.
وحيث إن في مصر من هم على هوى علي (ع) أراد معاوية أن يستخدم دهاءه في استمالتها قبل الإجهاز عليها، كانت مصر قد فسدت على محمد بن أبي بكر{أّذكركم فقط إن محمد بن أبي بكر ليس كأبيه كما ذكرت سابقاً, لأن الذكرى تنفع المؤمنين}، فبعث إلى مصر الأشتر.
وبلغ الخبر إلى معاوية، فخشي على مصر من الأشتر وتشدده. فعقد معاوية صفقة مع المقدم على أهل الخراج بالقلزم وقال له: إن الأشتر قد ولي مصر: فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجاً ما بقيت وبقيت. وعندما انتهى الأشتر إلى القلزم وهو في طريقه من العراق إلى مصر، استقبله الرجل، وأتاه بطعام دس فيه سماً، فسقاه إياه. فلما شربه مات - تاريخ ابن الأثير-{أرأيتم إلى أي حد وصل الأمر}.

وحدث أيضا إن قتل محمد بن أبي بكر، في الدفاع عن مصر من قبل جيش معاوية، بقيادة عمرو بن العاص. الحرب التي تركت وراءها أمواتا كثيرين.

وكان محمد بن أبي بكر قد دخل حربه، واشتد عليه العطش، فلحقوا به، وقتلوه شر قتلة. ويذكر صاحب أسد الغابة، إنه قتل، بعد أن أحرق في جوف حمار، كان الذي تولى قتله معاوية بن حديج، طلب منه محمد بن أبي بكر ماء، فأبى عليه، وقال له: لأقتلنك حتى يسقيك الله من الحميم والغساق!.
فقال له محمد: يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك إليك إنما ذلك إلى الله، يسقي أولياءه ويظمئ أعداءه أنت وأمثالك، أما والله لو كان سيفي بيدي ما بلغتم مني هذا، ثم قال له:
أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار. قال محمد:
إن فعلت بي ذلك فلطالما فعلتم ذلك بأولياء الله، وإني لأرجو أن يجعلها عليك وعلى أوليائك ومعاوية وعمرو ناراً تلظى كلما خبت زادها الله سعيراً فغضب منه وقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار- ابن الأثير / التاريخ-. وكانت عائشة قد جزعت عليه بشدة ودعت في قنوتها على معاوية وعمرو وضمت إليها عيال محمد، ويقال أنها لم تأكل من ذلك شواء حتى ماتت.
كان أخوه عبد الرحمن قد اعترض على عمرو بن العاص وكان في جنده.
في تلك الأثناء، حزن الإمام علي (ع) على محمد بن أبي بكر حزنا شديداً، وتمنى لو يفرق الله بينه وبين قومه الذين لا يطيعونه في رأي، ويسمعون له كلمة، ولم يكن أمامه (ع) سوى الكلمة التي يفجر بها أحزانه، ويوجه فيها عتابه لأتباعه المتهالكين، وود سلام الله عليه، لو يجهز على معاوية بمصر، فيرده عنها رداً عزيزاً بل ولود إن لن يبقى في أرض الإسلام لوثةً أمويةً على الإطلاق فيما لو أطاعه قومه.
وكانت خطبته الشهيرة يومها:
ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلمة الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الإسلام عوجاً، ألا وإن محمد بن أبي بكر استشهد فعند الله نحتسبه! أما والله إن كان كما علمت لمن ينتظر القضاء ويعمل للجزاء ويبغض شكل الفاجر ويحب هدى المؤمن، إني والله ما ألوم نفسي على تقصير، وإني لمقاساة الحروب لجدير خبير، وإني لأتقدم على الأمر وأعرف وجه الحزم وأقوم فيكم بالرأي المصيب وأستصرخكم معلناً وأناديكم نداء المستغيث فلا تسمعون لي قولاًً ولا تطيعون لي أمراً حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر، ولا تنقض بكم الأوتار، دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليست له نية في جهاد العدو ولا اكتساب الأجر، ثم خرج إلي منكم جنيد متذانب كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، فأف لكم! ثم نزل - نفس المصدر-.

هذه الخطبة تلخص، الظرف الذي عاناه أمير المؤمنين، إنه أسد الله الذي ابتلاه الله بأغلبية أجبن من بنات آوى، ومدينة العلم التي سكنها الجهلة الرعاع، وذلك هو السقوط، وتلك هي معاناة أبي الحسن (ع){السلام على علي المرتضى, يوم ولد ويوم استشهد, ويوم يبعث حيا}.

بقي الأمر كذلك، علي بالعراق ومعاوية بالشام، حكومة منشطرة، وأمة تحكمها المتناقضات، معاوية منعته شدة علي (ع) وبأسه في الحروب، وعلي (ع) منعه من الخروج تثاقل أصحابه، وعصيانهم له.
في تلك الأجواء، من التهدئة النسبية، اجتمع فريق من الخوارج، ينعون قتلاهم بالنهروان، وتبادلوا وجهات النظر فيما بينهم. وأسفر الاجتماع على مخطط للاغتيال، بزعامة ثلاثة من الخوارج: عبد الرحمن بن ملجم، والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي. وقضى المخطط أن يتولى ابن ملجم قتل علي (ع) والبرك بن عبد الله معاوية فيما قال عمرو بن بكر (أنا أكفيكم عمرو بن العاص) - تجارب الأمم-.
غير أن برك و (عمرو بن بكر) لم يتوفقا في قتل معاوية وعمرو.
فأما الأول، فقد قعد لمعاوية، فلما خرج إلى الصلاة ضربه بالسيف فلم يصب إلا أليته، فأخذه معاوية فأمر فضرب عنقه. أما الثاني فقد قعد لعمرو غير أن هذا الأخير كان قد اشتكى بطنه فأمر خارجة بن أبي حبيبة، ليصلي بالناس، فخرج فوثب عليه ابن بكر، ظاناً أنه عمرو، فضربه فقتله، فأخذه الناس إلى عمرو فأمر بقتله.

أما ابن ملجم، فإنه اتجه صوب الكوفة، وكان قد التقى بامرأة اسمها (قطام) وأحبها، وكان علي (ع) قتل أباها وأخاها يوم النهروان، وافتقد بجمالها ابن ملجم توازنه، فخطبها، فرفضت ذلك إلا بشرط قتل علي (ع) وقيل اشترطت عليه (ثلاثة آلاف وعبد وقينة وقتل علي!){وماذا يسعني أن أقول سوى ألا لعنة الله على الظالمين}.
فقال لها هو لك، ووالله ما وردت إلا لقتل علي.
فذهب وجلس مقابل الشدة التي يخرج منها علي للصلاة، وتمت العملية وقتل ابن ملجم علياً.
وتصايح الناس، فقبض عليه، وجيئ به إلى علي (ع)..
- فقال له: أي عدو الله، ألم أحسن إليك.
- قال: بلى.
- قال: فما حملك على هذا.
- قال: شحذته أربعين صباحاً، فسألت الله أن يقتل به شر خلقه.
- فقال علي (ع): لا أرك إلا مقتولا به، ولا أراك إلى شر خلق الله.

ومات علي (ع) في جو دراماتيكي، معكسه تفاصيل المشهد، مات سلام الله عليه بشهر رمضان في مثل هذا الوقت سنة أربعين.
وأقيم الحد على ابن ملجم، طبقاً لوصية الإمام علي (ع) الذي منع أن يقتل إلا إذا مات، خضوعاً لحكم الشريعة في القتل. مات (ع) فارتاحت القلوب الحاقدة، ويومها وصل الخبر إلى عائشة- مسكويه: تجارب الأمم / ج 1 - ص 383- فقالت:


فألقت عصاها واستقرت بها النوى * كما قر عيناً بالإياب المسافر

وسألت عمن قتله؟ فقيل: رجل من مراد، قالت:


فإن يك نائياً، فلقد نعاه * نعاة ليس في فيها التراب

وشاء القدر أن يموت يعسوب المؤمنين، وقائد الغر المحجلين، بتلك الطريقة النكراء، لينجو منها الأنذال، وتمنح لهم الحياة{تبكيك عيني لا لأجل مثوبة***وإنما عيني لأجلك باكية}

شاء الله أن يبقى علي (ع) - علماً بشهادته، ويبقى مناوئاه خبراً في التاريخ غيبته الأحداث. بقيت النجف الأشرف تستمد نورها من جثمانه الطاهر، على مدى الأجيال، وبقي قبر معاوية، كوخاً، وضيعاً، أشبه بمزبلةً، في أحد أزقة دمشق، والتاريخ يأبى الاحتفال بالأنذال، ولا يبخس العظماء حقهم وإن كره المؤرخون!.
وبموت علي (ع) سوف تنسل تلك البنة الأساس، في بناء الأمة، ستدفع هذه الأخيرة الثمن غالياً، لأنها تهاونت في الحفاظ عليها.
كان على (ع) قد اشتاقت إليه السماء. فأهل الأرض ضاقوا به. والملأ الأعلى ينظر إلى هذه المعارك التي قدر لعلي (ع) أن يخوضها، ولعل ذلك يعز عليهم، لكن الله، قضى أن يضحي علي (ع) بنفسه، ليعلم الله المؤمنين من الكافرين، وليمحص به أمر الأمة.

(ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)- ذكر المفسرون إنها نزلت في علي (ع) يوم نام في فراش الرسول صلى الله عليه وآله عندما عزم على الهجرة، تمويها على المشركين-، وعلي هو أمير هذه الآية، وموضوعها. ولكن علياً (ع) لم يشأ أن يبرح الدنيا، حتى يطمئن على أمة محمد صلى الله عليه وآله فأرسى بعده ابنه الحسن (ع) وهذا لم يكن سنة بسنة الخلفاء، ولا رأياً تلقائياً له مبرراته في هوى جامح ورأي خداج. إنه الرأي الحصيف؟، والنص المحكم البواح وبويع الحسن (ع) بالخلافة في سنة أربعين حسب الطبري وابن الأثير.
وبايعه قيس بن سعد. وهو مقدمة أهل العراق في جمع مؤلف من أربعين ألفاً، كان قد بايعوا علياً على الموت.
هذا هو المنعطف الآخر، الذي ينفتح فيه التاريخ على أخطر المآسي. ليكسب بذلك آل البيت النبوي (ع) دنيا العذابات الدامية الشنيعة.
وفاءً وحباً وتقديراً وتبجيلاً وتعظيماً وتقديساً لمولانا الأمير, حملت على عاتقي أن أكتب هذا التعقيب حوله عليه السلام.
وقد ورد في الحديث الشريف: (بينوا محاسن كلامنا فإن الناس لو عرفوا محاسن كلامنا لاتبعونا).

فالتاريخ والحقيقة يشهدان أنه الضمير العملاق الشهيد أبو الشهداء علي بن أبي طالب صوت العدالة الإنسانية وشخصية الشرق الخالدة!
وماذا عليك يا دنيا لو حشدت قواك فأعطيت في كل زمن علياً بعقله وقلبه ولسانه وذي فقاره!


صوت العدالة: جورج جرداق



الشمس لا تحتاج إلى من يعرّفها, وضوء الشمس لا يحتاج لوصف الواصفين, فكل من يمدح هذه الشمس يذمها! لأن مديحه يتكسر أمام شعاعها الذي يشاهده العالم بأكمله.
قال المتنبي في الأمير:


وتركت مدحي للوصي تعمداً***إذ كان نوراً مستطيلاً شاملاً

وإذا استطال الشيء قام بنفسه***وصفات ضوء الشمس تذهب باطلاً

من منا يستطيع أن يمدح الأمير؟؟ فقصورنا في فهم الأمير جعل كلامنا قاصراً في وصفه!!.
إنه أمير المؤمنين وسيد البلغاء والمتكلمين.. باب مدينة علم رسول الله.. وزوج سيدة نساء العالمين.. أمه فاطمة وما أدراك ما فاطمة.. أبوه أبو طالب وما أدراك ما أبو طالب كافل رسول الله ومؤمن قريش.. إنه علي بن أبي طالب…
يقول حسن سعيد محمد الخاطر, في كتابه الأمير
* ما هي المعارف والعلوم والأشياء التي يتقنها الأمير حتى أستطيع أن أقيمه من خلالها فهو الذي قال: (قيمة كل امرئ ما يحسنه). فماذا يحسن هذا الأمير حتى نضع حداً لقيمته بحيث لا نتجاوز هذه القيمة؟.
ثكلته أمه ذلك الذي يقول أنا أعرف كل الأشياء التي يقتنها الأمير!! نعم!! لا أحد منا يستطيع أن يعرف الأمير, وصدق الأمير, وصدق الرسول حينما قال: (يا علي: لا يعرفك إلا الله وأنا).

يا علي: أجب القوم إلى كتاب الله! إذا دعيت إليه!! وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان, فوالله إنا لنفعلنها إن لم تجبهم.


الخوارج

لم يكن أمير المؤمنين أحسن حظاً من سيده رسول الله(ص), فقد عاش الرسول في مكة وطرده أهل مكة, ثم حاربوه وخاضوا المعارك لقتله, وبعد موته اعتدوا على ابنته وذريته فأخذوا يقتفونهم الواحد تلو الواحد!
قد مات الرسول الأعظم, فاغتصبت منه الخلافة التي يرى أنه صاحب الحق الشرعي فيها: (أما والله لقد تقمصها فلان, وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى), ثم اغتصبت منه فدك (بلى! كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء, فشحت عليها نفوس قوم, وسخت عنها نفوس آخرين, ونعم الحكم لله).
هكذا عاش الأمير بين ظلم هؤلاء القوم, إلى أن تسلم الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان.
هناك الكثير كان يطمح للخلافة كطلحة والزبير وربما يكون طمحهما بالخلافة لأنهما ضمن الستة الذين اختارهم عمر بن الخطاب في البيعة, والجدير بالذكر أن طلحة من قبيلة بني تميم وهي نفس القبيلة التي ينتمي إليها أبو بكر, أما الزبير فهم من قصي وينتسب للهواشم من جهة أمه عمة الرسول محمد.
لهذا لا غرابة أن يطمح كلاً منهما بالخلافة فشهروا سيوفهم في وجه الأمير وساروا إليه مع أم المؤمنين عائشة (زوج الرسول محمد) ووقعت تلك المعركة التي سميت بمعركة الجمل.
مع أن طلحة والزبير هما أول من بايع سيدنا الأمير, وهما أول من نكث بيعته, قال أمير المؤمنين:
(فأقبلتم إلي إقبال العوذ المطافيل على أولادها, تقولون: البيعة البيعة! قبضت كفي فبسطتموها, ونازعتكم يدي فجاذبتموها.
اللهم إنهما قطعاني وظلماني, ونكثا بيعتي, وأبا الناس علي؛ فاحلل ما عقدا, ولا تحكم لهما ما أبرما, وأرهما المساءة فيما أملا وعملا, ولقد استثبتهما قبل القتال, واستأنيت بهما أمام الوقائع, فغمطا النعمة, وردا العافية)
وفي طبيعة الحال تبقى المبررات حول جميع المعارك في التاريخ, ولا توجد حرب إلا يوجد وراءها مبرر وهذا المبرر هو الجواب للشعب حتى يصدقوا وأسهل الناس بالانخداع هم الطبقات الدنيا من الشعب.
يبقى المبرر للحرب التي أشعلها طلحة والزبير هو دم عثمان بن عفان, وقد أوضح أميرنا في خطبه أنه بريء من دم عثمان, وماذا يقتل الأمير في عثمان, ولو كان قاتل عثمان الأمير فويل لعثمان. فما من أحد قتل بسيف الأمير إلا ويستحق القتل.
وهذا هو الكتاب الذي كتبه الإمام علي إلى معاوية:
(إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه, فلم يكن للشاهد أن يختار, ولا للغائب أن يرد, وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار, فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى, فإن خرج ع أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه, فإن أبى قاتلوه على أتباع سبيل غير سبيل المؤمنين, وولاه الله ما تولى.
ولعمري, يا معاوية, لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان, ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه, إلا أن تتجنى؛ فتجن ما بدا لك! والسلام).
بعد معركة الجمل حارب معاوية الأمير هذه المعركة عرفت بمعركة صفين, وبعد معركة صفين خاض الأمير حربه الثالثة مع الخوارج, وفي نهاية المطاف وفي مسجد الكوفة شهر عبد الرحمن بن ملجم سيفه وهو يقول: الحكم لله لا لك يا علي.

هكذا عاش أمير المؤمنين علي بعد عمر قضاه في محبة الله, لهذا أخذ يقول: (فزت ورب الكعبة).

إن هذه المعارك التي خاضها وقتل فيها الكثير من المشركين في يوم بدر وأحد وقتله عمرو بن ود العامري في معركة الخندق. وفتحه لمدينة خيبر, وخوضه للجمل وصفين والنهروان هي ما جعل الكثير ممن ترجموا عن حياته يقصرونه على أنه رجل حرب وقتال.
الحقيقة هي خلاف ما كان يظنه الكثير من البشر, فهذا الرجل ليس رجل حرب وقتال فحسب بل كان رجل علم ومعرفة أيضاً. كان يتدفق العلم من جميع جوانبه وها هو يقول عن نفسه: (سلوني فإن عندي علم الأولين والآخرين, أما والله لو ثنيت الوسادة, وجلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم...), وها هو يقول وهو يشير إلى صدره: (إن هاهنا لعلماً جماً لو أصبت له حملة), كيف لا يصل إلى هذه المقامات السامية وقد نهل العلم من سيده وإمامه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله, فها هو يقول عن نفسه: (علمني رسول الله ألف باب من العلم, كل باب يفتح ألف باب).
انتقل الأمير إلى ربه, ثم أتى الأمويون واتخذوا سبه سنة تجرى على منابرهم, واخذوا يتبرؤون من اسم علي.
فهذا أحد الرواة يروي أنه لم يجد في الشام كلها سنة80هـ. من سمى أولاده باسم علي والحسن والحسين, سوى رجل واحد عثر به في برية الشام فاستغرب أمره وظنه متشيعاً فسأله كيف رضي أن يسمي أولاده: علياً وحسناًُ وحسيناً, فقال: إني ما سميتهم بهذه الأسماء إلا لأستبيح سبهم فكأني أسب أولئك الذين لهم هذه الأسماء.
نعم هذا ما فعله الأمويون تجاه أميرنا علي بن أبي طالب.
وبعد بني أمية أتت بنو العباس, وما فعله العباسيون إلا رشحات مما فعله الأمويون.

ويستمر التاريخ أجيالاً بعد أجيال في ظلم أمير المؤمنين حتى هذه اللحظة التي نعيش فيها الآن!!!!!

أقسم بالله الذي خلق هذا الكون, لو عاش الأمير في الحضارة اليونانية أو الصينية لاتخذوه إلهاً بشجاعته وعلمه وحكمته.
لكن نحن العرب ماذا فعلنا تجاه الأمير, حاربناه في حياته واتخذنا سبه سنة تجرى على منابرنا وتعقبنا أولاده الواحد تلو الواحد! {عذراً سيدي يا أمير المؤمنين}

سأحكي لكم قصة هذا المسيحي الذي أتى إلى يزيد بن معاوية, وكان رأس الحسين بن علي سلام الله عليهما بين يدي يزيد يعبث به! وبعد أن عرف المسيحي أن هذا الذي يعبث به يزيد هو رأس ابن بنت نبيهم! قال له: عندنا كنيسة الحافر نسبة إلى حافر حمار ركبه سيدنا عيسى عليه السلام, ونحن نحج إلى المكان في كل عام ومن كل قطر وناحية وننذر النذور لعظمته كما تعظمون مقدساتكم!! وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم وتطوفون برأسه البلدان!!

قال ابن الأثير في كامله:
ثم أذن للناس فدخلوا عليه والرأس بين يديه ومعه قضيب وهو ينكت به ثغره ثم قال: إن هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام:


أبى قومنا أن ينصفونا فانصفت***قواضب أيماننا تقطر الدما

يفلقن هاماً من رجال أعزة***علينا وهم كانوا أعق وأظلما

لعنة الله عليك يا يزيد!! على ما فعلته في ابن الأمير!!

أخيراً: دعونا نتخيل أمير المؤمنين والدماء تقطر من رأسه والحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وخاصة أصحابه متواجدون وهو ينظر إليهم نظرة الوداع, دعونا نتخيل أننا نعيش معهم ونحن ننظر إلى الأمير في آخر لحظات حياته, وهو يقول لنا:
أوصيكما بتقوى الله, وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما, ولا تأسفا على شيء منها زوى عنكما, وقولا الحق, واعملا للأجر, وكونا للظالم خصماً, وللمظلوم عوناً. أوصيكما, وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي, بتقوى الله, ونظم أمركم, وصلاح ذات بينكم, فإني سمعت جدكما صلى الله عليه وآله يقول: "صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام".
والله الله في الأيتام, فلا تغبوا أفواههم, ولا يضيعوا بحضرتكم.
والله الله في جيرانكم, فإنهم وصية نبيكم, ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم. والله الله في القرآن, لا يسبقكم بالعمل به غيركم. والله الله في الصلاة, فإنها عمود دينكم. والله الله في بيت ربكم, لا تخلوه ما بقيتم, فإنه إن ترك لم تناظروا. والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله. وعليكم بالتواصل والتباذل, وإياكم والتدابر والتقاطع. لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم أشراركم, ثم تدعون فلا يستجاب لكم. يا بني عبد المطلب, لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً, تقولون: قتل أمير المؤمنين.
ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي.
أنظروا إذا أنا مت من ضربته هذه, فاضربوه ضربة بضربة, ولا يمثل بالرجل, فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:"إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور".



أنت العلي الذي فوق العلا رفعا***ببطن مكة وسط البيت إذ وضعا


عبد الباقي العمري

ما ورد لأحد من أصحاب رسول الله(ص) من الفضائل ما ورد لعلي بن أبي طالب.


أحمد بن حنبل(تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي).

احتياج الكل إليه, واستغناؤه عن الكل دليل على أنه إمام الكل.


الخليل بن أحمد الفراهيدي (عبقرية الإمام: د.مهدي محبوبة).

من أتخذ علياً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه.


الفخر الرازي (التفسير الكبير).

إن علياً لمن عمالقة الفكر والروح والبيان في كل زمان ومكان.


ميخائل نعيمة (علي صوت العدالة الإنسانية: جورج جرداق).

هل كان علي(ع) من عظماء الدنيا ليحق للعظماء أن يتحدثوا عنه؟ أم ملكوتياً ليحق للملكوتيين أن يفهموا منزلته؟ لأي رصد يريد أن يعرفوه أهل العرفان غير رصد مرتبتهم العرفانية؟ وبأية مؤونة يريد الفلاسفة سوى ما لديهم من علوم محدودة؟ ما فهمه العظماء والعرفاء والفلاسفة بكل ما لديهم من فضائل وعلوم سامية إنما فهموه من خلال وجودهم ومرآة نفوسهم المحدودة وعلي (ع) غير ذلك.


السيد الخميني (نبراس السياسة ومنهل الشريعة)

قصورنا في فهم الأمير, جعل كلامنا قاصراً في وصفه.


حسن سعيد محمد الخاطر

وتحدث كذلك الدكتور طه حسين, وعباس محمود العقاد, وكذلك الزيات وغيرهم الكثير, الكثير ومهما ذكروه, ومهما وصفوه فلن يبلغوا.
ومما لا شك فيه أن كلام الإمام الذي في نهج البلاغة يحتوي على الكثير من المعاني السامية وكذلك يحتوي على بعض العلوم إذا لم تكن جميعها, فقد تطرق سلام الله عليه في خطبه وأحاديثه عن أشياء لم تكن موجودة في الزمان الذي وجد فيه, من علوم الفلك, والفيزياء,و..و.., وهذا إن دل, دل على سعة علمه وحكمته,ولكن هذا يتطلب بحث علمي, وبإذن الله بعد نهاية هذا البحث.. سوف أبعث لكم نسخة إلكترونية من كتاب (الأمير, من تراث الإمام علي عليه السلام) لـ حسن سعيد محمد الخاطر, فقد قام بعمل بحث علمي دقيق يحتوي على ما ذكرته, وهو يعتبر أول مصنف علمي فلكي يكتب في تراث الأمير عليه السلام.

_____________________________________________يت ع بإذن المولى___ (ما حدث في خلافة الإمام الحسن(ع))__ والله الموفق لكل خير__.

عُدَيّ بن محمد القرشي
14-10-2006, 02:57 AM
الله صلي على محمد وآل محمد وارضى اللهم عن اصحابه اجمعين. هم خير القرون ومن نشر الله على ايديهم الاسلام في بقاع الارض قاطبه.


اللهم احشرنا مع الانبياء والصديقين والشهداء، اللهم احشرنا مع نبيك صلوات الله عليه ومع صحابته الكرام وآل بيته الطاهرين.


وفق الله الجميع لما فيه خير.


دمتم بود ،،

أميرة الجنة
15-10-2006, 02:50 AM
سلام على من اتبع الهدى>>>>>
>>>>> ما حدث في خلافة الحسن (ع)

ذكر المسعودي في إثبات الوصية، إن الإمام علياً (ع) لم يبرح حتى قال:
أخلوني وأهل بيتي أعهد إليهم فقام الناس إلا اليسير، فجمع أهل بيته وهم اثنا عشر ذكرا وبقي قوم من شيعته، حتى قال: وأوصي إلى ابني الحسن - المسعودي إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب، ص 164 – 165-.

وبذلك تسلم الإمام الحسن (ع) مسؤولية الخلافة، في شوطها الأخطر. لقد كان عليه أن يضطلع بأمر، كان سبباً في قتل أبيه. وأي إنسان يتصور ذلك.
فهذا ابن الأنبياء وورعه يحول دونه وتلذذ الملك. كيف يلهث وراء خلافة أبيه والخطب خطر، والمصاب جلل. لقد انشغل بدفن جده وهو صغير، ورأى أن القوم قد تسابقوا إلى السقيفة (يتناهشون) الخلافة. وشهد المؤامرة منذ نشأتها، ورأى بيت أمه يهدد بالحرق، واستضعفوا حتى كادت الجبال تندك لهول المأساة، ورأى أمه وهي تموت بالآلام التي تركتها التحرشات، وهي تبكي أباها، وتتلقى التهديد من ابن الخطاب، وتحرم إرث أبيها، وتندك أضلاعها من خلف الباب، يوم اقتحموا عليها البيت، وهي حبلى بمحسن. لقد شاهد كل هذا.
شاهد أباه، وهو يعاني الأمرين من عصيان أصحابه. ورأى كل ذلك، فقبل رغم اليأس، بخلافة أبيه لأنها المسؤولية، فالإسلام يواجه خطر (الأموية) وهي ما تبقى من تراث الشرك.

كان من الطبيعي للإمام الحسن (ع) فيما لو كان كباقي الرعية، أن يستكين للراحة، ويخلد لها، فمثله يحتاج للاستقرار النفسي والسكينة والسكن. فيكفي بنو هاشم ما تجرعته من خطوب ومحن. ويكفي بنو هاشم ما نالته من الطغمة الأموية على مر السنين. ولكن الإمام الحسن (ع) هو إمام وليس رجلا كباقي الرجال. إنه روح الأمة التي ستتولى مسيرة التصحيح وسواء أزيح عن الخلافة الإدارية أم لا، فأن إمامته لا تنفيها المصادرة والاغتصاب. فالحسن والحسين، إمامان بشهادة الرسول صلى الله عليه وآله قاما أو قعدا. مارسا الخلافة أو لم يمارساها، فهما إماما هذه الأمة. لذلك استجاب للوصية نزولا عند النص- هناك من العامة من رفض أن يكون علي (ع) قد أوصى إلى الحسن (ع) وما هي إلا بلبلات أموية والمعروف عن علي (ع) تاريخياً إنه أوصى. واعتمد بعضهم حديث شعيب بن ميمون الواسطي، أن علياً قيل له ألا تتخاوف فقال: إن يرد الله بالأمة خيراً يجمعهم على خيرهم. أقول إن هذه الرواية فضلاً عن أنها من الموضوعات فهي تحتوي على نزعة (جبرية تخالف منطق الإسلام، وذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب إن من مناكيد عن حصين عن الشعبي عن أبي وائل قال: قيل لعلي ألا تستخلف الحديث وشعيب هذا قال عنه البخاري: فيه نظر. وذكر ابن حيان أنه يروي المناكيد. أما أبو حاتم فقال عنه: مجهول..
وكان من أوائل المبايعين قيس بن سعد.
كان المشكل الأول الذي واجهه الإمام الحسن (ع) هو (الطاعة) إذ علم أن لا رأي لمن لا يطاع وأي سماء كان سيرفعهم إليها الإمام علي (ع) من قبل، لو أنهم أطاعوه. ولكن بعصيانهم، عفروا وجوههم تحت جيوش الطلقاء، فكانت بيعته واضحة ومشروطة بإشارة إلى الطاعة:
(تبايعون لي على السمع والطاعة، وتحاربون من حاربت وتسالمون من سالمت)- ابن قتيبة, الإمامة والسياسة-.
كان الإمام (ع) يدرك أن الواقع يعج بالمتناقضات، وأن جيشه ليس منسجماً. ففيه من المندسين ما قد يبرز في الربع الأخير، ليمنى القوم هزيمة - كما وقع - وأمامه تجربة أبيه وجده من قبله، وله ما عهد به علي (ع) له سراً. كانت وظيفة الإمام الحسن (ع) أن ينتشل الأمة من مواتها، ويردها بكاريزمية إلى الطريق السليم إلى الوجهة المباركة، لكن الأمر اليوم، يحتاج إلى تحقيق القدر الضروري من مصالح الإسلام والمسلمين، وتجنب الدمار الشامل لمكتسبات سنين من الكفاح الرسالي.
ولما سمع القوم منه ذلك، أحجموا عن البيعة، وراحوا إلى أخيه الحسين (ع) قائلين له:
(ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك، وعلى حرب المحلين الضالين أهل الشام).
فردهم الحسين (ع) قائلا: معاذ الله أن أبايعكم ما كان الحسن حياً.
ولما أبى الحسين، عادوا إلى الحسن، فبايعوه وهم مكرهون- نفس المصدر-.
وكانت وراء هذا الحدث أسباب جديرة باستلفات النظر. فالحسين لا يقبل الخلافة، ما دام أخوه الحسن أمامه. ذلك أن الوصية الشرعية لأخيه من قبله.
وكان من المفروض أن يستجيب الإمام الحسين (ع) للبيعة فيما لو لم يكن حائل شرعي.
ولما عادوا للإمام الحسن (ع) كان من الضروري أن يستجيب لاكتمال النصرة. بايعهم الإمام الحسن (ع) وقلبه زاهد فيهم، لولا حرصه على مستقبل الأمة.
كان أصحابه مصرين على قتال أهل الشام. فهم يريدون إماماً يسير على هواهم وهذا ما جعل الإمام الحسن (ع) لا يغامر بعيداً.
والجيش العراقي الذي كان يتكئ عليه الإمام الحسن (ع) لم يكن منسجماً كما قلنا، ولا خالصا من المندسين والانتهازيين. فهناك قسم من الخوارج لا يزال يتربص بمعاوية، ليس له هدف غير ذلك، بعد أن قتل الإمام علي (ع) وهنالك الرعاع الذين فهموا الإسلام بوعي الصحراء وهناك القلة القليلة من الصحابة الشيعة الذين عانوا مع الإمام الحسن (ع) نفس الأزمات.

وما أن شرع الإمام الحسن في ممارسة دوره كإمام، حتى بدأت تحرشات الأمويين تتحرك ضده من كل الأطراف. وقام معاوية بتطويق الخلافة الحسنية، بسلوك أنماط من الأساليب الديماغوجية وكذا الدعائية. فبثوا عيونهم بالبصرة والكوفة وباقي البلدان التي انقادت لإمامة الحسن ونشروا عناصرهم وعمالهم الجواسيس لنشر البلبلة، وخلط الأوراق، وتجميع المعلومات. وكان الرجلان اللذان بعثهما معاوية هما: رجل من حمير بعثه إلى الكوفة، والآخر من بني القين بعثه إلى البصرة، وما أن وصلا إلى البلدين، حتى انتشر أمرهما وألقي القبض عليهما. وقدم الحميري إلى الإمام الحسن فقضى بقتله. وقدم القيني إلى عبد الله بن عباس، وكان عاملاً للإمام على البصرة، فقتله كانت هنالك إذاً، تحرشات بين الحسن ومعاوية. ومناوشات قد تسفر عن معركة حقيقة. ولذلك كتب الإمام الحسن إلى معاوية كتاباً، يحذره فيه من مغبة مغامراته وينذره من خطر المواجهة قائلا: أما بعد: فإنك دسست إلى الرجال، كأنك تحب اللقاء، لا شك في ذلك فتوقعه إن شاء الله، وبلغني إنك شمت بما لم يشمت به ذوو الحجى وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول:




فأنا ومن قد مات منا لكالذي*** يروح فيمسي في المبيت ليغتدي


فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى***تجهز لأخرى مثلها فكأن قد

وحاول معاوية أن يجيبه بنفس منضبطة تصنع فيها الهدوء وسعة الصدر، يريد من خلالها استمالة الإمام الحسن، فهو لا يزال يضرب له حساباً، لأنه بقية أبيه ووارث بصيرته وشجاعته فقال له:
أما بعد: فقد وصل كتابك وفهمت ما ذكرت فيه، ولقد علمت بما حدث، فلم أفرح، ولم أحزن، ولم أشمت، ولم آس وإن عليا أباك لكما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:



فأنت الجواد وأنت الذي***إذا ما القلوب ملآن الصدورا

جدير بطعنة يوم اللقا***يضرب منها النساء النحورا

وما مزبد من خليج البحار***يعلو الآكام ويعلو الجسورا

بأجود منه بما عنده***فيعطي الآلوف ويعطي البدورا

ثم يذكر صاحب الأغاني وشرح النهج، إن ابن عباس بعث بكتاب إلى معاوية، يحذره من الأعمال التي يقوم بها وبث الجواسيس في البصرة:
أما بعد: فإنك ودسك أخا بني القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش بمثل ما ظفرت به من يماينتك لكما قال أمية بن أبي الصلت:



لعمرك إني والخزاعي طارقا***كنعجة غادت حتفها تتحفر

أثارت عليها شفرة بكراعها***فظلت بها من آخر الليل تنحر

شمت بقوم هم صديقك أهلكوا***أصابهم يوم من الدهر أعسر

غير أن معاوية كان يروم إلى بث الانكسار والتهدئة في صفوف الإمام الحسن. فراح يسبك أجوبته بشكل منسجم. قائلاً في رده على رسالة ابن عباس:
أما بعد: فإن الحسن كتب إلينا بنحو الذي كتبت به، أنبني بما لم يحقق سوء ظن ورأي في، وإنك لم تصب مثلي ومثلكم، وإنما مثلنا كما قال طارق الخزاعي يجيب أمية:



والله ما أدري (وإني لصادق)***إلى أي من يتظنني أتعذر

أعنف إن كانت زبينة أهلكت***ونال بني لحيان شرفا نفروا

أدرك ابن عباس، أن معاوية، صاحب خدعة ومكيدة. وأن الحرب عليه، ضرورة تقتضيها طبيعة المرحلة. وكان الإمام الحسن (ع) مصمماً على منازلته، وموطناً عزيمته على استكمال مسيرة التطهير. تطهير الأمة من الجرثومة الأموية. غير أنه كان يضرب حسابات الواقع إذ ليس معه الجيش الحقيقي القادر على تنفيذ هذا الهدف إلى آخر أشواط الكفاح. فالجيش متضارب العزائم، ومتباين الأهواء، ومنكسر في الداخل.
فبعث له ابن عباس رسالة جاء فيها: -
(أما بعد: فإن المسلمين ولوك أمرهم بعد علي (ع) فشمر للحرب وجاهد عدوك وقارب أصحابك، واشنر من الظنين دينه بما لا يثلم لك دنياه. ولا تخرجن من حق أنت أولى به حتى يحول الموت دون ذلك والسلام)- ابن أبي الحديد: شرح النهج، رسائل جمهرة العرب-.

الإمام الحسن والواقع الصعب
نحن نريد فهم الأحداث في مجملها، لا القعود في سرد تفاصيلها الدقيقة، بما ينافي فلسفة التاريخ. ولكي نفهم الأسباب التي فرضت الصلح على الإمام الحسن، لا بد من إجراء جرد وتحقيق في الشروط التاريخية التي توافرت للإمام الحسن (ع) هذا الإمام الذي أظهره التاريخ (الفولكلوري) كرجل مسالم، يهوى الراحة، ويتقي الشدائد لقد رأينا كيف أن الإمام الحسن (ع) كان تواقا لردم الواقع على بني أمية، لو توفرت له الشروط الضرورية. غير أن محترفي التاريخ السطحي، يرون عكس ذلك. يقول (روايت م رونلدس): (فإن الأخبار تدل على أن الحسن كانت تنقصه القوة المعنوية والقابلية العقلية لقيادة شعبه بنجاح)- عقيدة الشيعة-.
ويذكر (فيليب حتى) في (تاريخ العرب) إن الحسن كان أميل إلى البذخ والترف منه إلى الحكم والإدارة. ولعل هذا التصور الساذج المبني على الوعي بالقشور، ونقل الأخبار من دون الحفر فيها. هو الذي يترك كثيرا من المؤرخين عرباً ومستشرقين، يقعون في مثل هذه المآزق. ولشد ما ظلم هذا الإمام. فلا أبوه امتدحوه لما قام بقتل رؤرس النفاق ولا ابنه عذروه لما قبل الصلح وهو له كاره, ولكي نبين (لروايت) وأمثاله من المستشرقين بأنهم ليسوا سوى نقله ميكانيكين للمعلومات التاريخية الرسمية. وبأن (فيليب حتى) هو أقل من (حتى) في تقدير الإمام الحسن (ع) لا بد أن نقف على خلفيات الصلح وملابساته.
كيف يتوقع أهل الغباء التاريخي، أن يقوم الإمام الحسن (ع) ويغامر بالحرب بجيش منهار. فالحرب مع معاوية. هي حرب مع نفوذ أوسع من نفوذ الحسن (ع) وهي حرب مع الدنيا كل (الدنيا) بأيديولوجيتها القبلية والاقتصادية. لقد دخل الدين المحض مع الدنيا المحضة في صراع الاستحقاق.
الجيش العراقي كما سبق ذكره كان يعاني الأزمات الآتية:
1 - حدث اغتيال الإمام، ترك آثاره السلبية في نفوس الأغلبية، لأن ذلك الحدث قد تحول بفعل التشكيك الأموي، إلى هزيمة في جيش العراق. أي بمثابة انهيار نفسي. مقابل معنويات الشاميين. فكان الإمام الحسن حائراً بين قلة معدودة من المتحمسين، وهنالك من كان على غير يقين في اختياره. مثل عبيد الله بن عباس.
2 - وجود اليأس في صفوف الجيش العراقي، مضافاً إليه التكثيف المضاعف للإعلام المضلل الأموي، أوجد حالة التدابر والانشطار في المواقف، كما استطاع الإعلام أن يستميل بعض عناصر هذا الجيش إلى الصف الأموي. كان الإمام الحسن (ع) قد جعل عبيد الله بن عباس على رأس الجيش الذي جهزه لقتال معاوية وأهل الشام. وعندما انطلق معاوية بجيش إلى جسر (منبج) انتشر الذعر في العراقيين، ووصلت قلوبهم الحناجر، فكان لا بد للإمام الحسن (ع) أن يزرع الأمل في نفوسهم، ويعيد إليهم العزيمة في القتال فقال: (أما بعد: فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد: اصبروا إن الله مع الصابرين، فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني أن معاوية بلغه أن كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم في النخيل حتى ننظر وتنظرون، ونرى وترون)- شرح النهج لابن أبي الحديد- ولم يجد الإمام الحسن (ع) بعد إتمامه خطبته، استجابة جماهيرية من العراقيين. لقد ظهر منهم الفزع واليأس. الحالة التي يصورها (عدي بن حاتم) وكان من رموز الجيش الحسني قائلاً:
(أنا عدي بن حاتم، سبحان الله ما أقبح هذا المقام!!! ألا تجيبون إمامكم، وابن بنت نبيكم؟ أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا جد الجد راوغوا كالثعالب، أما تخافون مقت الله، ولاعيبها وعارها) ثم دعا القوم:
(وهذا وجهي إلى معسكرنا، فمن أحب أن يوافي فليواف) فركب دابته وانطلق وحيداً وعسكر في النخيل- نفس المصدر-.

ولما رأى ذلك قيس بن سعد بن عبادة، وزياد بن صعصعة التميمي ومعقل بن قيس الرياحي وكان ممن أدرك النبي صلى الله عليه وآله قاموا يلومون أصحابهم على عدم استجابتهم لأمر الجهاد، وعلى تخاذلهم في نصرة الإمام الحسن (ع) فأثنى عليهم. فانطلق الإمام بجيشه يريد القتال، وكان قد أعطى القيادة العامة.
لعبيد الله بن العباس. ورشح للقيادة من بعد عبيد الله كل من قيس بن سعد.
وسعيد بن قيس وكان عدد الجيش، أربعين ألفا حسب الطبري، وذكر ابن أبي الحديد إنه (اثنى عشر ألفا)- اختلفوا في تحديد جيش الحسن (ع) ذكر ابن قتيبة: مائة ألف، واليعقوبي: تسعين ألف، أما في البداية والنهاية: فسبعون ألف-, وعلى أية حال، فإن هذه الإحصائيات تدل على أن جيش الإمام جراراً عرمرماً. بيد أنه ضعيف البنيان، متهاك الروح، متضارب الأهواء. ينصرك اليوم ويخذلك غداً، ليس له قرار. وذكر ابن الأثير، إن أربعين ألفاً من جيش العراق كان قد بايع الإمام الحسن (ع) على الموت. وهذا ما دعا الإمام أن ينطلق من الكوفة لرد العدوان الأموي. والملاحظ من خلال الاستعدادات التي أبداها الحسن (ع) للحرب، والتدابير التي اتخذها، لسحق الجيش الأموي، والإصرار على تجهيز الجيش. لم يكن يختلف عن سيرة أبيه.
فالقضية واحدة، والروح العلوية واحدة، ولكن الظروف تغيرت، وبتغيرها تختلف المواقف. فقد كان الإمام الحسين (ع) الذي فجر أكبر ثورة في التاريخ، سامعاً مطيعاً في عهد أخيه، ولم ينبس ببنت شفة. لقد علم أن الظرف ليس ظرف قتال.
هذا الجيش بهذه المواصفات. لم يكن مؤهلاً للقيام بالدور الرسالي الحقيقي.
ومهيأ للأنهيار في كل لحظة. وأدرك معاوية نقطة الضعف هذه في جيش الإمام الحسن (ع) واستغلها لصالح نفوذه فراح يبث الإشاعات في صفوف الجيش ويبعث لهم الرسائل الميئسة ويغري بعضهم البعض الآخر. ولم يستخدم طريقة واحدة في التعامل مع عناصر الجيش العراقي، بل سلك كل تلكم السبل، لأنه يعرف مدى التنوع في أهواء ذلك الجيش فطوراً بالترهيب وطوراً بالترغيب.
وبث داخل الجيش مجموعة دعايات، مثل (إن الحسن يكاتب معاوية على الصلح فلم تقتلون أنفسكم)- ابن أبي الحديد- وبعث إلى عبيد الله بن عباس رسالة استطاع استمالته بها:
(إن الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلم الأمر إلي فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً، وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن أجبتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، أعجل لك في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر)- ابن أبي الحديد-.
واستطاع معاوية أن يضم إليه عبيد الله بن عباس بهذه الكلمة. وخان هذا الأخير إمامه الحسن. وكان هو المحرض الأول لقتال معاوية. فهي حالة كان يدركها الإمام الحسن، وأدركها معاوية، لذلك عزف له على وتر الإغراء والرشا. ورأينا كيف أن الجيش العراقي لم يعزم على الخروج إلا للوم هؤلاء القوم. فهو مستعد للتراجع حيثما ظهر له مبرر ذلك. وأي مبرر أعظم من انكسار القيادة العليا للجيش. فعبيد الله بن عباس الذي خان الإمام الحسن (ع)، كان يملك قابلية الرشوة والإغراء. فحرب مع الحسن، قد تطول، وأفضل له من ذلك دنيا قريبة واستكانة مضمونة. فراح يدبر عملية خيانة داخل الجيش، فاستجاب له قطيع من الرعاع فانطلقوا إلى معاوية، ويذكر اليعقوبي، إن عبيد الله بن عباس تسلل في غلس الليل ومعه ثمانية آلاف من الجيش، وكانوا كلهم من أهل الأطماع، فترك هذا الحدث أثراً سلبياً في باقي الجيش، وكل عارف بقضايا الحروب، وكل عالم بطبيعة الجيوش، يدرك مدى ما يمكن أن تخلفه عملية انشقاق مثل تلك، أو خيانة قيادة عليا، خصوصاً أن القيادة العليا لم تكن اعتباطية، فعبيد الله وال على اليمن، وواحد من أتباع الإمام علي (ع) وقد قتل بسر بن أرطأة ولديه. فتراجع هكذا رجال جدير أن يترك أثره على جيش منهار ومختلف الطباع والأهواء، فانتشر الاضطراب في هذا الجيش وكادت عراه أن تنكسر، لولا أن بادر إلى إحكامها، واحد من خلص شيعة الإمام الحسن، وهو قيس بن سعد، ابن واحد من أكبر رموز المعارضة في (السقيفة).
فقد عرف أن سبب اضطراب الجيش، كان بسبب ما تركته خيانة عبيد الله بن عباس، فقام خطيباً فيهم، يكشف لهم عن حقيقة الأوصاف التي يعرفونها عنه، حيث تبين أمره وأميط اللثام عن حقيقته، فقال:
(إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط، إن أباه عم رسول الله (ص) خرج يقاتله ببدر فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري فآتى به رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ فداءه، فقسمه بين المسلمين وإن أخاه ولاه علي على البصرة فسرق ماله ومال المسلمين فاشترى به الجواري، وزعم أن ذلك له حلال، وأن هذا ولاه علي على اليمن فهرب من بسر بن أبي أرطأة، وترك ولده حتى قتلوا، وصنع الآن هذا الذي صنع)- مقاتل الطالبين-. وسرعان ما أعادت هذه الكلمة، التوازن إلى الجيش، وأدركوا أن الخيانة كان طبيعية من عبيد الله بن العباس، وما برحوا أن قالوا: (الحمد لله الذي أخرجه من بيننا)- نفس المصدر السابق-.
وتولى بعد ذلك قيس مهمة القيادة في جيش الحسن (ع) وبعث برسالة إليه، يخبره بما وقع من أمر عبيد الله بن عباس. وكان ذلك بمثابة دليل ملموس على مدى اهتزاز جيشه. فازداد يقيناً، وخف اعتماده على هذا الجيش. أما معاوية، فدامت عملياته الدعائية داخل الجيش،{سبحان الله, ما أشبه الليلة بالبارحة, فالتاريخ يعيد نفسه الآن} بحثاً عن العناصر الأخرى، ذات الأطماع الرخيصة. فزاد في نشر العيون، وإشاعة البلبلة. خصوصاً لما رأى مخططه قد نجح، وكان مما أذاعه في (المدائن) إن قيس بن سعد قد صالح معاوية، ودخل صفه، كما أذاع - حسب اليعقوبي- خبر مقتل (قيس بن سعد).
وسار على ذلك النهج، ينشر الرعب والذعر في العراقيين، ويغريهم بالمال والمناصب أحياناً.
وكانت كل إشاعة تنشر تجد لها من يصدقها، فليس مستحيلاً أن يغدر قيس جيشه ويخونه، ما دام عبيد الله قد فعلها وهو من هو في ولائه وقربه من الإمام الحسن (ع) بل وقد صدق بعضهم إشاعة أن الحسن قد صالح معاوية، فكل شئ وارد، لقد اختلطت الأوراق، والكل بات متهماً حتى تثبت له البراءة! وقد عانى الإمام الحسن (ع) الأمرين من جيشه أكثر من معاوية، فماذا يفعل الإمام الحسن (ع) بجيش مريض. لقد أغدق معاوية أمواله ورشاويه، ولم يغرهم الإمام الحسن (ع) إلا بالجهاد والجنة، فكان إن هرب عبيد الله مع ثمانية آلاف إلى معاوية، وهرب الكندي إليه مع مائتي رجل بعد أن أغراه معاوية بخمسمائة ألف درهم، وكان الإمام الحسن قد وجهه قائداً على أربعة آلاف ليعسكر بالأنبار- البداية والنهاية-.
وعمت السرقة في صفوف الجيش، فراح ينهب بعضهم بعضاً، لما سمعوا أن قيساً قد قتل، ولما أذاع المغيرة بن شعبة وعبيد الله بن عامر وعبد الرحمن بن الحكم أن الحسن (ع) قبل الصلح، ويذكر الطبري أنهم نهبوا بعضهم بعضاً حتى انتهبوا سرادق الحسن، واستلبوا منه رداءه- اليعقوبي- وراح بعضهم يكفره على غرار ما فعل الخوارج بأبيه، فقال بعضهم وأراه من الخوارج المندسين (أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل).
وتعرض الإمام الحسن (ع) إلى عمليات اغتيال من قبل عناصر جيشه، فجاءه مرة واحد من بني أسد - الحراح بن سنان - وأخذ بلجام بغلته، وطعن الإمام في فخذه فاعتنقه الإمام وخرا إلى الأرض. حتى انبرى له عبد الله بن حنظل الطائي، فأخذ منه (المغول) وطعنه به. وطعن مرة أخرى في أثناء الصلاة- ينابيع المودة-.
ماذا يفعل الإمام بعد كل هذا، إنه رغم الإشاعات وما فعلته في جيش الإمام، رأى أن ينبه جيشه إلى مضاعفات السلام مع معاوية، لعلهم يفهمون.
إن معاوية يواجه الإمام الحسن (ع) بنفوذ قوي، له عناصره داخل جيشه نفسه، فلا بد من قبول الصلح، حفاظاً على الحد الأدنى من مصلحة الأمة، التي كانت يومها في حقن الدماء. وما دام إن الإمام الحسن (ع) يرى أن معاوية بلغ من العمر ما يكفيه، فإنه فضل الانتظار، بأن تكون الخلافة لبني هاشم من بعد معاوية.
فبدأ يهيئ أصحابه للقبول بالصلح، قائلا: (إني خشيت أن يجتث المسلمون عن وجه الأرض فأردت أن يكون للدين ناع). ثم قال: (أيها الناس: إن الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إنما هو حق أتركه لإصلاح أمر الأمة، وحقن دمائها)- الأعيان- للسيد المين-.
عرف إن قتال معاوية قد يؤدي إلى سفك الدماء، ومحو الصلحاء، وإذلال المؤمنين.
(والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلماً، والله لئن أسالمه وأنا عزيز، أحب إلى من أن يقتلني وأنا أسير أو يمن علي فتكون سبة على بني هاشم إلى آخر الدهر ولمعاوية لا يزال يمن بها هو وعقبه على الحي منا والميت)- الإمام الحسن بن علي: باقر شريف القرشي / ج 2 - ص 133-.
لقد تمثل الإمام، مشهد الحديبية، يوم قبل الرسول صلى الله عليه وآله بالصلح مع المشركين، فرأى أن ذلك أمر ضروري أيضاً مع أبنائهم اليوم، لأن ميزان القوى غير متكافئ، وما كان للإمام الحسن أن يرضخ للصلح إلا بعد أن نادى به معاوية ونشر في الناس من يشيعه.
وكان معاوية قد بعث إلى الحسن سراً، ليصالحه فأبى الحسن (ع) حتى أجابه بعد ذلك- تذكرة الخواص سبط بن الجوزية-.
ألفى الإمام نفسه لدى معضلة تستلزم شجاعة في الاختيار والقرار، فإما أن ينازع معاوية في السلطان، ليكون له، أو يتركه على أن يكون له من بعده، فالإمام الحسن، لم يكن يعدو خلف الملك والحطام، ولا أحد من أئمة أهل البيت (ع) كان كذلك، ولو كان الأمر كذلك، لنازع معاوية الملك وزج بالجيش في معركة شاملة، أو طلب اللجوء إلى معاوية، ليوليه على أحد البلدان أو ينظر في أمره.
إن الأمر كان يختلف تماماً، تماماً. فهو نظر إلى المستقبل. فليربح القدر القليل من مصلحة المسلمين، ويعود الأمر إلى أهله. فلو دخل في حرب مع معاوية، فربما سيبقى الأمر كذلك، وربما خلف معاوية من يسير أكثر منه في طلب الملك والفتنة في أمة الإسلام.
فما كان له (ع) إلا أن يستجيب للصلح وهو يدرك أهداف الأمويين، مثلما استجاب جده للصلح مع المشركين وهو يعلم نفوسهم.
وذكر ابن عبد البر، في الاستيعاب، بأن وثيقة الإمام في الصلح كانت تتضمن شروطا معينة، قال:
(إن الإمام كتب إلى معاوية يخبره أنه يصير الأمر إليه على أن يشترط عليه أن لا يطلب أحداً من أهل المدينة والحجاز ولا أهل العراق بشيء كان في أيام أبيه، فأجابه معاوية وكاد يطير فرحاً إلا أنه قال: أما عشرة أنفس فلا أؤمنهم، فراجعه الحسن فيهم فكتب إليه يقول: إني قد آليت متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده، فراجعه الحسن إني لا أبايعك أبداً وأنت تطلب قيساً أو غيره بتبعة، قلت أو كثرت! فبعث إليه معاوية حينئذ برقاً أبيض وقال: أكتب ما شئت فيه وأنا ألتزمه، فاصطلحا على ذلك، واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده، فالتزم ذلك كله معاوية).

ويذكر أبو الفداء في تاريخه إن الإمام الحسن اشترط على معاوية هذه الشروط :
(وكتب الحسن إلى معاوية واشترط عليه شروطاً وقال: إن أجبت إليها فأنا سامع مطيع، فأجاب معاوية إليها، وكان الذي طلبه الحسن أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة، وخراج دار أبجرد من فارس، وأن لا يسب علياً، فلم يجبه إلى الكف عن سب علي فطلب الحسن أن لا يشتم علياً وهو يسمع فأجابه إلى ذلك، ثم لم يف له به).
ويؤكد على ذلك أيضاً، كل من ابن الأثير، والطبري، إذ قال الحسن: (وأنا قد اشترطت حين جاء كتابك وأعطيتني العهد على الوفاء بما فيه، فاختلفا في ذلك، فلم ينفذ للحسن من الشروط شيئاً).
ثم كان الشيء المركزي في شروط الصلح، أن ترجع الخلافة بعده للحسن- تهذيب التهذيب، الإمامة والسياسة، الإصابة، الطبقات الكبرى، الشعراني-، فإذا لم يكن الحسن ترجع إلى الحسين (ع).
{وأنتم تعلمون أن التاريخ الذي درسناه , كما سبق وقلت مزيف, فقد كانوا يعملون على أن يظهروا أئمتنا بأبشع صورة, ويظهروا أعداءهم في أحسن الصور, ومما يدل على أنهم يعلمون الحقيقة, تطبيقاً للآية((وجحدوا بها وأستيقنتها أنفسهم)), أنه إحدى المعلمات التي درستني التاريخ في المدرسة, وكان ذلك في درس العهد الأموي- خلافة معاوية بن أبي سفيان, أنها قد تطرقت إلى واقعة الطف, ثم قالت: (نحن نعترف بأن معاوية, أخطأ في أنه لم يعيد الخلافة للبيت الأموي), مع ذلك فهم يعملون على تقديسهم ,,ما هذا التناقض!!,, في حين أنه لا يوجد في التاريخ(المزيف, أو الصحيح), ولو شيء بسيط يمس بأئمتنا, وأتحدى أفراد العالم كله, بأن يأتوا برواية واحدة تتعرض لأهل بيت الرسالة عليهم السلام, ولكم أن تحكموا في ذلك}

هناك منطقان كانا يواجهان الإمام الحسن (ع) الأول: منطق الثورة والثاني: منطق الإصلاح. وعندما يفشل في الثورة على الواقع الأموي. فإنه لا يفرط في منطق الإصلاح، ووثيقة الصلح تضمنت ذلك، فهناك من قتل أبوه مع علي (ع) في الجمل وصفين، ويدرك الحسن أن معاوية آخذهم لا محالة بالانتقام، بأن يمنع عنهم العطاء، لذلك طلب ضمن المعاهدة بأن يوزع عليهم ألف ألف درهم، ويجعلها من خراج دار أبجرد. فلم يكن طلبه لخراج (دار أبجرد) كما أورد أبو الفداء، سابقاً، بطمع في الحطام من قبل الحسن، وإنما من أجل ضمان مورد مادي ليتامى شهداء صفين والجمل، الذين قد يواجهون حالة البؤس في حكومة معاوية.
كما أن الحسن يعرف أن أصحابه وشيعته المقربين قد تطالهم يد معاوية، للانتقام، فكان لا بد أن يشترط عدم إلحاق أي أذى بهم.
واشترط عدم سب الإمام علي (ع) لأن ذلك يحرف فضائل الصالحين ورموز الأمة في عين الناس. ولأن ذلك مخالف للإسلام، وكيف لا يخالفه والإمام علي (ع) أحد الأركان الذين قام الإسلام على أكتافهم.
هذه باختصار، هي خلفيات الصلح، التي يمكن تلخيصها في الآتي:
1.تماسك كامل في جيش معاوية، يقابله انشطار في جيش الإمام الحسن (ع).
2.دعم مالي قوي وهائل لعناصر الجيش الأموي، مقابل الفقر والحاجة في صفوف الجيش العراقي.
3.جهل مطبق في جيش الشام، يقابله وعي أعرج ومبتور في أغلبية الجيش العراقي، الجهل الشامي الذي يؤدي إلى التمحور المضاعف حول معاوية، والوعي المبتور الذي يؤدي إلى هروب الجيش العراقي وعدم استجابته للإمام الحسن (ع)- الإمامة والسياسة، تاريخ ابن عساكر-.
4. طاعة مطلقة في جيش الشام، تقابلها انشقاقات وتجزئات داخل جيش العراق.

كل هذا وأكثر منه، جعل معنويات الجيش العراقي تنهار، وتلتمس الاستقرار، وحطام الدنيا.
أدرك معاوية أن الإمام الحسن بقي وحده في الميدان، وأن جيشه لا يعدو كونه نمور من ورق، يعشعش الرعب والتمزق في أعماقها. وأدرك أن صلح الحسن إنما كان لأن هذا الأخير لم يجد عليه عوناً- يذكر ابن مسكويه في تجاربه إن الإمام الحسن قال: يا أهل العراق، إنه سخي بنفسي عنكم ثلاث: قتلتم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي- ، فهو صلح من موقف ضعف، ضعف في الأمة! لذلك مزق معاوية الوثيقة، ونقض العهد، وتلاعب بالأوراق. استمر معاوية في سب الإمام علي (ع) ولعنه على المنابر، وصارت سنة لأهل الشام يرددونها بعد كل صلاة، وكأن الصلاة لا تقبل إلا بسب علي (ع). هذا الذي قام الإسلام به، وبه كان الصحابة يميزون بين منافق مبغض له ومؤمن محب له، حتى قال الشاعر:



أعلى المنابر تعلنون بسبه***وبسيفه نصبت لكم أعوادها

وذكر صاحب العقد الفريد - إن أبا عبد الله الجدلي قال: دخلت على أم سلمة - زوجة الرسول صلى الله عليه وآله فقالت لي: أيسب رسول الله صلى الله عليه وآله فيكم؟ فقلت:
معاذ الله، أو سبحان الله، أو كلمة نحوها فقالت:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من سب عليا فقد سبني.- كما في مستدرك الصحيحين: عن أبي عبد الله الجدلي-.
وقال يومها مروان بن الحكم: لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك - أي بسب علي (ع) - الصواعق المحرقة ص 33-.
ثم رفض معاوية أن يسلم للحسن، خراج دار أبجرد، لدعم الفقراء من شيعته، ونقض هذا الشرط أيضا حسب ابن الأثير والطبري وأبي الفداء. وبدلاً من ذلك عمد معاوية إلى محو آثار الشيعة، وسحقهم عن آخرهم، وجعل عليهم عمالاً بطاشين، جبابرة، عاثوا فيها فساداً، وشردوهم وقتلوهم، وخطب فيهم معاوية (انظروا إلى من قامت عليه البينة أنه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه). وكان من الذين سقطوا ضحايا على مذبح العقيدة والولاء الهاشمي، الصحابي الجليل (حجر بن عدي)، ذلك الذي ما زال سيفه ذاباً عن الإسلام وتحت راية الرسول صلى الله عليه وآله وما قتلوه إلا لأنه رفض عليهم سب الإمام علي (ع) ولعنه من على المنابر وفي الصلوات، وضاقت به الطغمة الأموية. ونظرت في أمره، بعد أن أصبح له أنصار يرومون التصحيح والنهي عن المنكر، فما كان إلا أن عزموا على معاقبته، فراح زياد، يطلبه. وقد التف حجر بجماعة من أنصاره الكوفيين، التي دهش منها زياد فقال موجهاً خطابه لأهل الكوفة:
(يا أهل الكوفة، أتشجون بيد، وتأسون بأخرى، أبدانكم علي وأهواءكم مع حجر الهجهاجة، الأحمق المذبوب، أنتم معي وإخوانكم وأبناؤكم وعشائركم مع حجر، هذا والله من دحسكم (أي: افسادكم) وغشكم والله لتظهرن لي براءتكم أو لأتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم)- الإمام الحسن / باقر شريف القريشي-.
ثم ما فتئ أن سلمه الكوفيون إلى الشرطة الأموية، لينفذوا فيه جريمة الإعدام.
ولم يكن دافع حجر، سوى إيمانه، ومن هو حجر (ع) حتى لا يخونه أهل الكوفة، ولا يقتله معاوية صبراً. لقد خان الكوفيون الإمام علياً (ع) وبنيه، وقتل الأمويون خيرة آل البيت (ع) فدعا ربه:

(اللهم إنا نستعديك على أمتنا فإن أهل الكوفة شهدوا علينا وإن أهل الشام يقتلوننا، أما والله لئن قتلتموني بها فإني لأول فارس من المسلمين هلك في واديها وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها).
ثم قال: لا تطلقوا عني حديداً، ولا تغسلوا عني دماً، فإني ملاق معاوية على الجادة (الإستيعاب 1 / 256).
وكان من المنكرين لذلك عائشة إذ قالت لمعاوية: أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه- الطبري واليعقوبي والكامل-.
وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سيقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء- مروج الذهب - أقول إن قاتلة الحسن، أغراها ترف الأمويين، فلو صدق (حي) فيما ذهب إليه من أن الحسن كان يميل إلى الترف والبذخ، إذن لما اضطروا (جعدة) إلى قتله لقاء مائة ألف درهم, إن قتل حجر وأصحابه بعذراء كان من الكبائر التي ارتكبها معاوية , لمكانة حجر في الإسلام, ويكفي أنه قتل في عذراء التي افتتحها هو مع المسلمين, لقد خلد التاريخ عذراء وها هو ضريحه مأوى للمؤمنين بينما قتلته أصبحوا في مزبلة التاريخ-.

قتل الحسن .. المؤامرة الكبرى
لقد قويت شوكة الأمويين، وركعت الجزيرة تحت أقدامهم، فأرهبوا أهلها، وقتلوا خيرتها، فما قام لهم قائم يردهم، ولا ممانع يزجرهم. ونظروا في وثيقة الصلح فوجدوها مثقلة بشروط لا تتفق ومشروعهم التخريبي. وأي دين، وأي ضمير، يمنعهم من مخالفة العهد ونقض الميثاق، وقد قتلوا خيرة المسلمين وأفسدوا في الأرض فساداً عريضاً. إلا أن معاوية أدهى من أن يتسرع في اتخاذ القرار.
وفضل أن يتخلص من الحسن، لأن في التخلص منه تخلص من الوثيقة.
ولكن يجب أن يتم القتل في ظروف غامضة، فنظر إلى أقرب الناس إلى الإمام الحسن (ع) وأكثرهم عداء له، فوقع نظره على (جعدة بنت الأشعث) إحدى أزواج الحسن (ع) وكان لهذا الاختيار أسبابه التي أدركها معاوية بدهائه البشع، وهي:
1 - إن أباها (الأشعث بن القيس) وهو الذي فرض على الإمام علي (ع) التحكيم، ورفض عليه انتداب ابن عباس والأشتر.
2 - كانت تعاني عقدة النقص، لأنها لم تنجب من الحسن أبناء، بخلاف نسائه الأخريات.
3 - هي من عائلة مهيأة للتآمر على آل البيت، فقد كان أبوها قد شرك في دم الإمام علي (ع) وابنه شرك في دم الحسين - فيما بعد-.

فأغراها معاوية بالمال وبمستقبل زاهر حيث بشرها بالزواج من ابنه يزيد، ومائة ألف درهم، ولماذا لا تختار يزيد، فأبوها وأخوها لم يصمدا أمام دنيا معاوية وبنيه، وما ردهم الضمير عن إلحاق الأذى بالعترة الطاهرة. ولماذا لا تختاره والدنيا كلها معه. وليس لها من الحسن إلا الشرف والدين والورع، فهي في حاجة إلى زوج يلاعب القرود مثل يزيد، ويشرب الخمر، فيمرح، ويدع الصلاة فيلهو، فأولى لها ذلك من الحسن، الذي يضيق على متعتها بالصلاة والقيام والزهد.
إنه يزيد القصور والدنيا. فهل هذه المرأة من هذا النوع الذي يسمو على الدنيا.
راح الإمام الحسن ضحية زهده، وورعه، فليس له من الدنيا إلا التهجد والعبادة وإحقاق الحق. وهذا زاد لا يستهوي النساء، فقبلت الصفقة، وكان مروان بن الحكم، هو عراب المخطط بينها ومعاوية.
وفيما كان الإمام الحسن (ع) صائماً، إذا بها تقدم له إفطاراً وقد دست فيه السم الذي أرسله إليها معاوية عبر مروان بن الحكم، فتناوله (ع) فتقطعت أمعاؤه، واشتد عليه الألم، واستبشر بالجنة ولقاء الأحبة ونظر إليها وقال:
(يا عدوة الله، قتلتيني قتلك الله، والله لا تصيبين مني خلفاً، ولقد غرك معاوية، وسخر منك يخزيك الله ويخزيه)- تحف العقول-.
ونفذت الخطة، وانتهى أمر الحسن، وكان على مسممة الأزواج- هذا هو الاسم الذي كان يطلق عليها أعيان الشيعة- أن تلتمس الأجر.
وخسرت زوجها، ورفض معاوية تزويجها بيزيد، إذ كيف يزوج من قد خانت أشرف زوج تمنته النساء. ومعاوية يدرك كل ذلك فهو يعرف إن الناس إنما انقادوا له لماله وسلطانه.
فقال لها: (إنا نحب حياة يزيد، ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه)- مروج الذهب-.

وذكر بعض المؤرخين - مثل أبي الفداء إن يزيد هو الذي سمه وليس أباه، بل وعارض بعض المؤرخين (الكاريكاتوريون) أن يكون معاوية قد سم الحسن، وعلى رأسهم ابن خلدون، ومن رجع إليه، من أمثال د. فيليب حتى وعبد المنعم في - التأريخ السياسي - وحجتهم في ذلك التي عارضوا بها المؤرخين الموثقين، إن ذلك لا يمكن صدوره عن معاوية، فهي وجهة نظر قائمة وصادرة عن موقف نفسي معين، يقول ابن خلدون:

(وما ينقل من أن معاوية قد دس السم إلى الإمام الحسن على يد زوجته جعدة بنت الأشعث فهو من أحاديث الشيعة، وحاشا لمعاوية ذلك)- تاريخ ابن خلدون.


((والمشكلة تكمن في تبريراتهم))
ابن خلدون كغيره، كان يؤرخ لعصبيته، وللبلاط، وإلا كيف يرفض حدثاً وهو الذي أخذ (فكرة السبئية) على علتها من تاريخ الطبري. أما عن أن الشيعة هم الذين وضعوا الرواية، فإن الرواية تثبت عند أهل السنة، وذكرت في تذكرة الخواص، والاستيعاب وتأريخ أبي الفداء والنصائح الكافية ومروج الذهب وابن أبي الحديد.
وكيف يستبعد ابن خلدون أن يأتي معاوية بذلك، وهذا التاريخ يعلن الأخبار مجلجلة، حول جرائم معاوية. وماذا يمنع معاوية من الحسن، وقد رام قتل أبيه، وخيرة الصحابة. لقد دافع ابن خلدون عن طواغيت التاريخ، وحرف الكثير من الحقائق تزلفاً للبلاط. ثم ما أن التحق الإمام الحسن (ع) بالرفيق الأعلى، حتى جاء الخبر إلى معاوية، ففرح وسر، ثم سجد وسجد من كان معه - ابن قتيبة: التاريخ: ص 175-.
ورفض بنو أمية أن يدفن الإمام الحسن بجوار النبي صلى الله عليه وآله، واتصل كل من مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص بعائشة وحرضاها على ذلك، فمنعت أن يدفن بجوار جده وقالت: لا تدخلوا بيتي من لا أحب، إن دفن الحسن في بيتي لتجز هذه - وأومأت إلى ناصيتها - وذكر كل من ابن أبي الحديد، والسبط الجوزي واليعقوبي وأبو الفداء، منع عائشة لدفن الحسن (ع) بجوار جده. بل وذكر ابن عساكر، إنه حدث بين لواء مروان ولواء الحسين رمي بالسهام بخصوص مسألة (الدفن)! وشاع خبر الفاجعة، وبكت الحسن، البلدان، وكانت تلك بمثابة محطة، أعاد فيها الناس نظرهم وصوبوه في قضية البيت الهاشمي، فرقت قلوبهم، وأرهفت مشاعرهم تجاه المأتم.

واشرأب الملك بنفسه
كان موت وثيقة الصلح بالنسبة لمعاوية أمراً ضرورياً، لذلك كان قتل الحسن!.
وأهم شرط ظل معاوية يدرس إمكانية نقضه، هو إرجاء الخلافة إلى الحسن أو إلى الحسين في حالة موت الحسن، لقد انتهى الحسن، وانتهت معه الوثيقة، فدبر معاوية أمر المستقبل فرأى أن يأخذ البيعة لابنه يزيد. ليتحول أمر الخلافة إلى ملك عضوض، ولتبدأ رحلة المسخ في الأمة، وسار معاوية يفرض على كل البلاد، البيعة لابنه يزيد، ويأمر عماله بممارسة القمع والبطش لإرغام المسلمين على قبول بيعة يزيد وكان أهل المدينة ممن رفض، وكان عليها سعيد بن العاص- مروج الذهب- وكانت بنو هاشم في مقدمة الرافضين للبيعة.
أبعد هذا كله، كيف يأتي مؤرخة البلاط، ليجدوا الأعذار لمعاوية بن أبي سفيان، وأي عذر بعد قتله للمسلمين، وتحريفه لمسيرة الحكم في الإسلام، لقد وجدوا الأعذار لمعاوية في إراقة دماء آل البيت وفي تخريب الأمة وتفريغ الإسلام من محتواه، ولم يجدوا عذرا واحدا للمختار الثقفي إذ يخرج على بني أمية طلبا للتغيير!.
وقف معاوية متحديا جماهير الإسلام، ووجه كلمته القارصة إلى أهل الكوفة:
(يا أهل الكوفة! أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت أنكم تصلون، وتزكون، وتحجون؟ ولكنني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم وقد أتاني الله ذلك، وأنتم كارهون، ألا إن كل مال أو دم أصيب في هذه الفتنة فمطلول، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين)- المصدر نفسه انظر أيضا: العدالة الاجتماعية: سيد قطب-.
ثم بايع ليزيد بالشام، عقب وفاة الحسن (ع) وبعث لعماله يطلب منهم تهيئة الناس لبيعة يزيد، فتمردت الأغلبية، غير أن قوة السلطان قد أجبرتهم على الإذعان فما بقي إلا مجموعة من المتمردين، اعتصموا بالحسين (ع).
فقام معاوية خطيبا في الناس بخطبته الشهيرة:
فإني قد أحببت أن أتقدم إليكم إنه قد أعذر من أنذر، إني كنت أخطب فيكم فيقوم إلى القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح وإني قائم بمقالة فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه فلا يبقين رجل إلا على نفسه – ابن قتيبة-{شتان ما بين الاثنان, أيتساوى هذا بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)}.
ودعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال له: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع كل واحد سيفه فإن ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما ثم خرج وخرجوا معه حتى رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال:
إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم لا يبرم أمر دونهم ولا يقضي إلا عن مشورتهم وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد فبايعوا على اسم الله, بايع الناس تحت ظروف القمع والبطش الشديدين، وبقي الإمام الحسين وجماعة لم تبايع.
واتفق أن أخذت المنية معاوية بعد أن وغل في السبعين. وبعد أن ترك مقاليد السلطة لمجموعة من الغلمان على رأسهم ابنه الفاسق، يزيد، حيث أذلت بيعته المؤمنين.



كان هذا باختصار موقف الإمام الحسن سلام الله عليه, الذي اتهموه, وألفوا الكثير الكثير و.. و..., محاولين الإنقاص من شخصه, ولكن خسئوا والله..

يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون...

________________________________يتبع بإذن المولى _____((ملك يزيد))___والله الموفق لكل خير__.

alfa-beta
31-10-2006, 02:10 AM
باسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الاخت الفاضلة
اميرة الجنة
اشكركم على مجهودكم الجبار لايضاح امور كثيرة لم نكن نعرفها او كانت مغيبة عنا من تاريخنا المؤلم التاريخ الذي حاول المجرمون ان يوصلوه لنا بالطريقة التي ارادها الطواغيت واعداء هذه الامة .جعلوا من الحق باطلا ومن الباطل معروفا وجعلوا من الصالحين اناس تتقزز منهم ومن المجرمين مصلحين والغريب ان هناك (علماء) جدد يكرسون هذا التاريخ المزيف ويستغلون العقول الساذجة والقلوب الهشة بمايقدمونه لهم من مواعظ تذكر بالاخر حتى ما اذا ارتبط المسلم المتتبع لمواعيظهم يبدؤون في دس السموم الاموية للمستمع الساذج الذي يصبح العالم في نظره القدوة والمثل المقتدى فما يقوله العالم يصدق لانه يذكر بالاخرة ويربط القلوب بالله .لكن هذا الاستغلال للعقول الساذجه التي لاتتعب نفسها ولو لوقت قصير لتبحث وتتبين مما يقوله هؤلاء(العلماء)بل قطاع الطريق.
الاخت الفاضلة اشكركم مجددا.
من خلال وسائل الاعلام والاتصال المتطورة من قنوات فضائية وانترنيت بدانا نتعرف على الجزء الكبير والمهم من تاريخنا المغيب ومن اسلامنا الذي يتمثل في مدرسة ال البيت ع في الحقيقة كنا مغبونين .وكانوا يصورون لنا الشيعة كانهم جسم غريب .حتى النطق بكلمة شيعة كانوا يحسسونا انها كلم يتقزز منها الانسان هذا هو ما كان ويمازال يروج في مجتمعنا(السني) للاسف لكن والحمد لله هناك عقول متحررة تبحث عن الحقيقة ومن سار على الدرب سيصل بمشيئة الله. وبالله التوفيق
وشكرا

أميرة الجنة
31-10-2006, 05:44 PM
وعليكم السلام والرحمة
الشكر لكم أخي الكريم alfa-beta..
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله... يكفي أن نقول هذا..
وأنا أتنمى منكم أن تستمروا في القراءة والإطلاع.. لأنه حقيقةً عندما قرأت وأطلعت, رأيت أشياء جديدة وغريبة.. والأكثر من ذلك إنها حقيقية..لم أكن أعرفها.. وكما يقولون <<ما خفي أعظم>>...
ثبتنا الله وإياكم على ولاية علي أمير المؤمنين فاتح خيبر عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام وعلى نبينا كذلك أبا القاسم محمد صلوات الله وسلامه.. والسلام على آل بيته أجميعين إلى قيام يوم الدين..
سؤال أخي الكريم...
هل قرأتم موضوع الأخت أسيرة بلا قيود (( صاحب الغار ليس أبا بكر))كما أشرت سابقاً أم لا؟؟...


من خلال وسائل الاعلام والاتصال المتطورة من قنوات فضائية وانترنيت بدانا نتعرف على الجزء الكبير والمهم من تاريخنا المغيب ومن اسلامنا الذي يتمثل في مدرسة ال البيت ع .

وهل أفهم من كلامكم هذا أنكم أكتفيتم أم أتابع تتمة الموضوع(التاريخ المزيف))؟؟


والحمد لله هناك عقول متحررة تبحث عن الحقيقة ومن سار على الدرب سيصل بمشيئة الله.

الحمد لله وإن شاء الله ستصلوا.. والله الموفق لكل خير..
وعذراً على التقصير...
والسلام خير ختام..

alfa-beta
31-10-2006, 11:56 PM
باسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الاخ المحترمة
اميرة الجنة
اولا لم اقرا موضوع الأخت أسيرة بلا قيود (( صاحب الغار ليس أبا بكر)).سابحث عنه واقراه ان شاء الله
ثانيا بالنسبة لموضوعكم حول التاريخ المزور فانني اتابع موضوعكم باهتمام. وتابعوا تتمة موضوعكم ادعو لكم بالتوفيق.لانني لست وحدي الذي اتابع الموضوع هناك اصدقاء ليسوا اعضاء بالمنتدى اشاركهم ويشاركوني بتتبع موضوعكم بكل اهتمام.
ثالثا الحمد لله لقد ركبنا سفينة النجاة "من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك وغرق". وعلى الطريق ان شاء الله طريق نبينا الحبيب المصطفى ص وال بيته الاطهار ع.
وشكرا

أميرة الجنة
01-11-2006, 05:11 AM
سلام قول من رب رحيم..
بالنسبة للموضوع أخي الكريم هو كل الآتي:_

أبو بكر لم يكن مع النبي (صلى الله عليه وآله) في الغار!
تاريخ الزيف.. وزيف التاريخ!
حقائق حُرِّفت لتصبحِ غرائب، وأكاذيب زُيُنت لتكون ثوابت، وأحاديث محيِت وحُرقت، ونصوص غُيِّبت ودُفنِت، وعقائد استُبدلت، وأحكام ابتُدعت!
لك ما جرى طوال ألف وأربعمائة عام، على يد أجهزة التحريف والتزوير التابعة للسلاطين والحكام! فكل ما يمكن أن يساعد على تثبيت المُلك؛ لم تتردد تلك الأجهزة في نسجه وصنعه وتدوينه، وكل ما يمكن أن يهدد استقرار النظام؛ لم تتردد تلك الأجهزة في محوه وإلغائه وتحريفه!
منذ يوم السقيفة المشؤوم، بدأت مرحلة الكذب والخداع والتدليس، لإقصاء آل محمد (صلوات الله عليهم) عن مكانتهم الدينية بعدما تم إقصاؤهم عن وظيفتهم الشرعية في قيادة الأمة.
إنهم لم يكتفوا بإبعاد أهل الوحي عن طريق سلطانهم، بل حاكوا المؤامرات لقتلهم والتخلص منهم! ثم لم يكتفوا بذلك أيضاً فعمدوا إلى الإنقاص من شأنهم والرفع من شأن أعدائهم!
وهكذا صنعوا تاريخ الزيف المكتظ بالأباطيل والأكاذيب والملفقات، وهكذا اكتشفنا زيف التاريخ المجمل بالأساطير والأوهام والخرافات!
وانطلى هذا التاريخ على الشعوب والأجيال، وغدت الأكاذيب مسلمات لا محيص عنها! فيما صارت الحقائق بدعا من القول لا صحة فيها!
في ذلك التاريخ الزائف؛ رُمِيَ ولي الله الأعظم أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) بطعون شتى، فهو شارب الخمر الذي لم ينتهِ عنه حتى نزلت آية: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى)! وهو الذي أغضب الزهراء (سلام الله وصلواته عليها) حيث أراد الزواج عليها من ابنة أبي جهل فخرج النبي (صلى الله عليه وآله) مغضباً وهو يقول: (فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني)!
ولكن الزيف مآله إلى زوال، ففي تاريخ الحقيقة؛ أن الذي شرب الخمر وكان مولعاً به ليس إلا عمر بن الخطاب، والآية قد نزلت فيه! وأما الذي أغضب فاطمة (عليها الصلاة والسلام) فمعلوم من يكون؛ إنه أبو بكر بن أبي قحافة.. ومن غيره!
هذه هي سمات تاريخ الزيف، التبديل والتحريف. تُلصِق مثالب القوم بأهل الطهر، وتُسلب فضائل أهل الطهر لتُلصق بالقوم!
لذا فلا عجب - في ذلك التاريخ - إن أصبح لمدينة العلم أرض وحيطان وسقف ومفتاح، بعدما كانت تقتصر على باب واحد! وقف النبي (صلى الله عليه وآله) ليقول: (أنا مدينة العلم وعلي بابها). فجاء أبو هريرة ليروي: (أنا مدينة العلم وأبو بكر أرضها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها ومعاوية مفتاحها)!!
ولا عجب إن أصبح للمسجد أكثر من باب مفتوح، بعدما كانت الأبواب تقتصر على باب واحد! أمر النبي (صلى الله عليه وآله) أن تُسد جميع أبواب البيوت الملاصقة للمسجد والمطلة عليه، إذ لا يجوز أن يدخل المسجد جُنُب على غير طهارة، باستثناء علي وأهل بيته (عليهم الصلاة والسلام) لأنهم طاهرون مطهرون.. فيأتينا أمثال أبي هريرة ليروي أن النبي سد الأبواب إلا باب أبي بكر أو (خوخة) أبي بكر!
وهكذا استُبدلت (كتاب الله وعترتي) بـ (كتاب الله وسنتي)! وهكذا استبدلت (أهل بيتي كالنجوم) بـ (صحابتي كالنجوم)! وهكذا استبدلت: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) بـ (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة)! وهكذا استبدلت (عما عُرج بي إلى السماء رأيت مكتوباً على العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه ولي الله) بـ (.. رأيت مكتوباً على العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله أبو بكر الصديق)!!
دجل وخداع وكذب وتزوير!
هذا ما أتانا من تاريخ السلاطين والحكام وخلفاء الجور الذين انقضوا على رسول الله وأهل بيته وأرادوا ليطفئوا نورهم.. ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون!
مهما طال الزمان.. ستظهر الحقيقة يوماً، وسيكتشف المسلمون كيف خدعوا بالأساطير والخرافات، وكيف غُيِّبوا عن معرفة الحقائق بفعل الأنظمة والحكومات!
قد كان التاريخ بيد تلك الأنظمة، فمعاوية - لعنه لله, وبدك تسمح لي ألعن- كان قد أمر جميع قصاصي ورواة نظامه بأن يروجوا بين الناس فضائل مختلقة مكذوبة لرفع شأن ابن عمه عثمان بن عفان! ولما وجد أن هذه (الفضائل) زادت عن حدها؛ أمر بأن يروجوا فضائل أبي بكر وعمر في مقابل أن ينتقصوا من قدر أبي تراب.. علي (عليه الصلاة والسلام)!
وحصل القصاصون على الدرهم والدينار، وحصلنا نحن المسلمون على تاريخهم الذي كتبوه لنا بيد من طمع ودجل! والله وحده العالم مقدار ما خسرناه من تراث الإسلام العظيم الذي لم يصلنا ولم نعرف عنه شيئاً، منذ أن بدأت حملة إحراقِ أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في العهد العُمَري، حتى زماننا هذا.
لكن الذين حاولوا طمس الحقائق لن يهنئوا أبداً، فمهما طال الزمان فلابد للحقيقة أن تظهر يوماً ما، ولابد لها أن تتجلى أمام الناس كالشمس في رابعة النهار، حتى ولو استمر الزيف لقرون وعقود طوال وانطلى على عقول الأجيال.
لقد كان قدراً مقداراً أن تقع عينا عالم محقق على عدد من النصوص التي أثارت علامات الاستفهام لديه، وقد كان توفيقاً إلهياً ذلك الذي جعله يندفع إلى دراستها والتمحيص حولها بما قاده إلى نتائج باهرة. وأخيراً فلقد كان إمداداً غيبياً ذلك الذي جعل هذا السر ينكشف بعد 1422 عاماً من التمويه المتواصل. ذلك على يدي العلامة الشيخ نجاح الطائي، أشهر المعاصرين المتخصصين في قراءة واستنطاق السير والتواريخ.
(أبو بكر لم يكن مع الرسول في الغار)!
هذه هي النتيجة التي توصل إليها الشيخ الطائي بعد بحث مضن جهيد في جميع مصادر أهل العامة، فطوى بذلك 1422 سنة من الكذب والاختلاق اللذان لفا تلك القضية وأخرجاها عن واقعها الحقيقي.
(إنه أعظم توفيق إلهي حصل لي في حياتي إلى هذا اليوم).. هكذا وصف العلامة الطائي رحلته في سبر أغوار هذه القضية الشائكة والمعقدة في بحثه المتكامل، الذي خص (المنبر) به للنشر - حصراً - قبل طبعه في كتاب مستقل ستتبناه (هيئة خدام المهدي) عليه الصلاة والسلام بالتعاون مع (دار الهدى).
بهدوء واضح وبرصانة علمية ناقش الطائي أكذوبة أن أبا بكر بن أبي قحافة هو من صحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هجرته المباركة من مكة إلى المدينة، والكلام الذي يقال من أنه قد لجأ مع النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) في غار جبل ثور للاختباء من الكفرة الذين يلاحقونهما فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة: (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها).
ورد الشيخ في بحثه المعمّق على جميع الاستدلالات التي يوردها أهل السنة في شأن حضور أبي بكر في الغار، معتمداً على كتبهم ومصادرهم الحديثية والسيرية، وعليه فقد كسر الشيخ جميع القواعد التي بُنيت على هذه الفرضية، والتي يحاول منها القوم إثبات أفضلية لأبي بكر تؤهله للخلافة وقيادة الأمة.
ورغم أن القواعد التي بُنيت على تلك الفرضية لم تكن سليمة، إذ يظهر - عند التدقيق في اللفظ والسياق - أن الآية الكريمة هي في مقام الذم لا المدح لأن الرجل الذي كان مع النبي (صلى الله عليه وآله) تلقى نهيا عن (حزنه) وهو ما ينبئ عن كونه ارتكب معصية، كما أن هذا الرجل حُرم من السكينة إذ اقتصر نزولها على النبي.. رغم ذلك إلا أن فقهاء العامة استماتوا في إثبات أن الآية تمدح أبا بكر وتجعل له مرتبة رفيعة رغم مخالفة هذه النتيجة لظاهر النص القرآني.
ويأتي الإنجاز العلمي الباهر الذي حققه سماحة الشيخ الطائي في بحث هذه القضية ليبدد كل الأوهام التي ارتبطت بها وكل التفسيرات غير المنطقية التي التصقت بالآية الشريفة، التي ثبت أنها لم تنزل في أبي بكر لأنه - في الأصل - لم يهاجر مع النبي ولم يكن في الغار بل كان قد هاجر مع البقية إلى المدينة قبل مجيء الرسول (صلى الله عليه وآله) إليها. وما دام قد ثبت ذلك فإن كل الامتيازات العقائدية التي منحها أهل العامة لأبي بكر - بناء على فرضية النزول - ستنتفي وسيتجرد هو منها تلقائياً.
ويمثل هذا الإنجاز أيضاً تحولا جذرياً في رؤية التاريخ الإسلامي، تلك الرؤية التي كانت طوال 1400 عام بعين واحدة، واليوم بات بالإمكان أن تكتمل الرؤية بعينين.
والأهم أنه - أي الإنجاز العلمي هذا - سيكون بحول الله وقوته موضع رضى مولانا رسول الله الأعظم (صلى الله عليه وآله)، الذي تجرأ عليه أرباب السير والحديث وأهل التدوين، فنسبوا إلى سيرته ما ليس منها في شيء، أملا في إضفاء هالة القداسة على الحكام.
ومن المتوقع أن يكون لهذا الإنجاز شأن عظيم في إثارة الجو العلمي والحماسة العقائدية، خاصة في حال نشره مفصلاً في الكتاب المرتقب، فالبحث الذي تنشره (المنبر) في هذا العدد إنما يمثل خلاصة الكتاب بما يورث الاطمئنان إلى الحقيقة التاريخية. وفي الكتاب استدلالات وتفصيلات وتشعبات أكثر، فهو يقع في حوالي 300 صفحة من القطع الكبير. والمؤمل من جميع المؤمنين والمهتمين المساهمة في طباعة هذا السفر العظيم وتكثيره ليكون له الدور الأكبر في تصحيح الخطأ التاريخي الفادح وتوعية الجماهير الإسلامية بالحقيقة.
وأترك السطور والصفحات التالية لقلم سماحة الشيخ الطائي:
قبل البدء فإنني أهدي رحلتي هذه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلى كل طلاب الحقيقة الساعين للوصول إلى الوقائع كما هي.
فليفرح المخلصون بشتى أصنافهم في وصولنا جميعاً إلى قصة الغار الحقيقية دون زيادة ولا نقصان.
لنطوي سوية 1422 هـ سنة من الكذب والاختلاق الذي لف تلك القضية وأخرجها عن صحتها وسيرتها الأصلية.
والشكر لله تعالى على ما أسداه لنا وهدانا إليه في هذا الموضوع. فقد مضت 1420 سنة هجرية والمسلمون يقرؤون ما لفقه لهم الحكام وما كتبه لهم وعاظ السلاطين وأعوانهم. فاعتادت الأجيال الإسلامية على قراءة الأكاذيب المكتوبة عن الغار والهجرة فأصبح الخطأ فادحاً والأمر مريباً.
ولقد نجح الحكام المستبدون في فرض الظلام على الشعوب فكانت السجون مكتظة بالأحرار والمقابر ملئى بالشهداء. وفي عالم الفكر أفلحوا في فرض تعتيم ثقافي على المسلمين في أغلب الحقبات التاريخية التي مرت على الشعوب. فكتبوا التاريخ كتابة ذاتية في مصلحتهم بعيداً عن الواقع والحقيقة.
وهذا البحث يفنّد قضية حضور أبي بكر في الغار بشكل علمي استناداً لرواية صحيحة ومتواترة وشواهد وقرائن كثيرة.
ويذكر بأن الأكاذيب كثيرة في موضوع ما يحوّل الحق إلى باطل ويحول الباطل إلى حق؛ فلقد كذب الأحبار على عيسى (عليه السلام) فصدق اليهود كلامهم فحاربوا عيسى (عليه السلام) وتآمروا على قتله، وإلى يومنا هذا هم يعتقدون بكذبه ودجله!
وكذب نمرود على إبراهيم (عليه السلام) فحمل معظم الناس الحطب لإحراقه!
وكذب قارون على بني إسرائيل فأصبحوا في جانبه معارضين لموسى (عليه السلام) ووصيه يوشع، وبلغ الأمر درجة أن حاربت صفيراء بنت شعيب زوجة موسى (عليه السلام) وصي زوجها يوشع بن نون (عليه السلام)!.
ورجال الحزب القرشي حاولوا جهدهم حشر أبي بكر في قضية الغار والهجرة متشبثين بكل الوسائل الممكنة في هذا المجال. فانتشرت عشرات الأحاديث المختلقة بين الناس ووضعت الدولة عيداً كبيراً لهذه المناسبة.
ولأن حبل الكذب قصير فقد تبين أن هذه الأكذوبة وضعت لمعارضة حادثة الغدير الواقعة في 18 ذي الحجة. فقد جعل رجال السياسة حادثة الغار في 26 ذي الحجة! في حين كانت واقعة الغار في شهر صفر!
ويتعب المرء من كثرة أكاذيب قريش وأذنابها وقدرتهم الفنية العالية في هذا المجال. ويكفي أن تعلم أن دهاء قريش لا يلحقه دهاء في ذلك الوقت.
واشتد هذا المكر بتلاحم قريش واليهود فأصبح كعب الأحبار وهو شيطان اليهود واعظ المسجد النبوي في زمن عمر بن الخطاب واستمر في منصبه في زمن عثمان بن عفان.
وإذا كان كعب اليهود معلماً للمسلمين يعلمهم دينهم فتصور ما يمكن أن يدخله في الدين من افتراءات وإسرائيليات لا حصر لها!
وبلغ ذلك الدهاء قمته في تكفير السلطة للمسلم غير المعتقد بحضور أبي بكر في الغار! بينما قال الله تعالى في كتابه الشريف: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً).
هذا في الوقت الذي لم يكفر فيه وعاظ السلاطين هؤلاء قتلة فاطمة بنت محمد (عليهما الصلاة والسلام)، ولم يكفروا قتلة الحسين (عليه السلام) ولم يكفروا المعتقدين بنقص القرآن!
ولا يعلم إلا الله تعالى كم هي أعداد المسلمين الذين قتلوا لعدم إيمانهم بحضور أبي بكر في الغار. لأن الحكومات كانت تقتل المسلمين بأعذار شتى وتكتم الأسباب الحقيقية لسفكها الدماء. فلقد قتل الحجاج بن يوسف الثقفي مئة وعشرين ألفاً بحجج غير معروفة، وسجن ثلاثة وثلاثين ألفاً، وكان من جملة المقتولين على يديه الفقيه الزاهد سعيد بن جبير وتلميذ الإمام علي (عليه السلام) كميل بن زياد وعبد الرحمن بن أبي ليلى الذي أخذ القرآن من أمير المؤمنين (عليه السلام). فهل قُتِل هؤلاء لعدم إيمانهم بحضور أبي بكر في الغار والهجرة؟
ومؤمن الطاق وكذلك هشام بن الحكم أعظم تلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام) أطلقوا عليهما اسم الشيطان واتهموهما بأنهما يعتقدان بنقص القرآن، ذلك لأنهما ما كانا يعتقدان بصحبة أبي بكر للنبي محمد (صلى الله عليه وآله) في الغار!
هذا يجب أن لا نستغرب إذا اكتشفنا الآن أن كل قضية هجرة وحضور أبي بكر في الغار ليس لها أساس من الصحة، وأنها قضية مختلقة ملفقة، بل أكذوبة، ذلك لأنها تصطدم بالحقائق الموضوعية والروايات التاريخية، ونحن سنناقشها ونعرضها نقدياً كي تتضح الصورة للجميع.
إن ما هو منتشر بشكل خاطئ بين المسلمين في شأن هذا الموضوع، أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج من بيته ليلة الهجرة وقد أنام علياً (عليه السلام) في مكانه، وقد كان خروجه إعجازياً لأن مشركي قريش الذين كانوا يحوطون داره لم يروه بعدما قرأ الآيات: (وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون...) فعموا عن مشاهدته. ثم توجه (صلى الله عليه وآله) إلى بيت أبي بكر بن أبي قحافة، وهناك انتظر إلى الصباح ثم خرج هو وأبو بكر للهجرة بصحبه أحد أدلاء الطرق ويدعى عبد الله بن أريقط بن بكر، وبدلاً من أن يسلك ابن بكر بهما طريق الشمال حيث يثرب (المدينة المنورة) فإنه سلك بهما طريق الجنوب، أي جنوب مكة، تمويهاً للكفار الذين كانوا يريدون القضاء على خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) ورسالته السماوية. إلا أن الكفار فطنوا إلى ذلك من خلال دليل آخر هو كرز بن علقمة الخزاعي، الذي تتبع آثار أقدام النبي (صلى الله عليه وآله) وقارنها بقدم جده إبراهيم (عليه السلام)، فوصلوا أخيراً إلى جبل (ثور) حيث كان النبي (صلى الله عليه وآله) وأبو بكر في غاره مختبئين، وعندما وصلوا هناك بدأ أبو بكر يرتجب وكان حزيناً وخائفاً، فنهاه النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك بقوله له: (لا تحزن إن الله معنا). وقد جاءت في تلك اللحظات حمامة وباضت بيضة أمام الغار، ثم جاء عنكبوت من العناكب فنسج خيوطه على الغار أيضاً، الأمر الذي جعل كفار قريش ينصرفون لاعتقادهم أنه مادامت الخيوط العنكبوتية موجودة وكذلك البيضة فإن أحداً لم يدخل في هذا الغار. وكذبوا بذلك دليلهم كرز بن علقمة رغم تأكيده مراراً على أن النبي موجود في هذا الغار. وبقي النبي (صلى الله عليه وآله) مع أبي بكر في هذا الغار ثلاثة أيام انتظاراً لهدوء حملات الملاحقة ضده، وطوال تلك الفترة كانت أسماء بنت أبي بكر هي التي تأتي بالطعام من مكة إلى الغار لتقديمه إلى رسول الله وإلى أبيها. بعد ذلك تحرك النبي (صلى الله عليه وآله) نحو المدينة بصحبة دليله عبد الله بن أريقط بن بكر، ووصل إليها واستقبله المسلمون مبتهجين فرحين.
هذه هي محصلة ما يتناقله المسلمون في شأن قضية غار جبل ثور، وهي محطة لعبت فيها السياسة بألاعيبها، ونحن هنا سنبرهن إن شاء الله على بطلان كثير من تفاصيل هذه الرواية بناء على مصادر أهل السنة، كقضية كون أبي بكر مع النبي في الهجرة وفي الغار، وكقضية أن أسماء بنت أبي بكر هي التي كانت تغذي الرسول وتهيئ له الطعام وتوصله إليه، وكقضية أن الحمامة قد باضت والعنكبوت قد نسج خيوطه وما شاكل ذلك من أمور عارية عن الصحة، والتي شابت هذه الحادثة التاريخية العظيمة عن طريق الإسرائيليات.
1 - أول ما يجب أن نعلمه أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد اعتمد أسلوب السرية التامة في أمر هجرته تلك الليلة، خاصة بعدما أمر بهجرة جميع المسلمين إلى المدينة، وأبقى علياً (عليه السلام) لأنه وصيه والقائم مقامه في تأدية حقوق وأمانات الناس المودعة عنده.
وكان لابد من اعتماد أسلوب السرية لأن كفار قريش كانوا يحيكون المؤامرات للحيلولة دون وصول النبي (صلى الله عليه وآله) إلى يثرب، حيث سيقود من هناك الدولة التي ستحطم ملكهم وسلطانهم وتقضي على جبروتهم.
لذا فإن أحداً لم يكن عالماً بخروج النبي في تلك الليلة سوى أهل بيته المقربين، علي وفاطمة (عليهما السلام)، وأم هانئ بنت أبي طالب (عليه السلام).
ومصادر أهل السنة متفقة على أن أبا بكر لم يكن عالماً بخروج النبي في تلك الليلة، بل فوجئ بمسألة الهجرة صباحاً فطلب منه أن صحبه، فقبل النبي (صلى الله عليه وآله). [تفسير القرطبي: ج 3 ص 21، تاريخ الطبري: ج 2 ص 102، البحر المحيط لأبي حيان: ج 2 ص 118].
إن هذه السرية تتناقض مع الرواية المنقولة، والتي تقول بأن النبي قد خرج من بيت أبي بكر نهاراً وأمام مرأى من المسلمين كلهم! [تاريخ الطبري: ج 2 ص 100].
فكيف يحرص النبي على إنجاح مشروع الهجرة وهو يعرض نفسه للقتل هكذا أمام الكفار، ويمشي أمامهم في النهار في طريقه إلى خارج مكة؟! وكيف يمكن ذلك وقد كان الكفار يطلبونه ويلاحقونه في أي مكان وقد كانوا ليلتها قد أحاطوا بداره متقلدين سيوفهم عزماً على قتله! إن هذا يعني الانتحار! وهذا يضع علامة استفهام كبيرة على مسألة توجه النبي إلى بيت أبي بكر وانطلاقه من هناك صباحاً.
لقد كان من حرص النبي (صلى الله عليه وآله) على إنجاح الهجرة والتستر عن أعين المجرمين، أن طلب من المسلمين القليلين المتبقين في مكة عدم الهجرة في تلك الليلة التي سيهاجر فيها، مخفياً عنهم سبب طلبه. وكان من حرصه أن اختار وقت الهجرة ليلاً وفي نهاية شهر صفر لئلا يكون في السماء ضوء القمر فينكشف في الطرقات.
فبالنظر إلى هذه الحيطة والسرية الكاملتين؛ هل من المعقول أن يخرج النبي (صلى الله عليه وآله) صباحاً وأمام أعين المشركين؟! بالطبع لا.. لذا فما دامت الرواية تقول أنه قد خرج صباحاً من بيت أبي بكر فإنها تسقط تلقائياً.
2 - إن الرواية تتقاطع مع روايات أخرى، قد تبدو مضحكة بعض الشيء، حيث يُذكر أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج من بيته متوجهاً مباشرة إلى غار ثور، وفي تلك الأثناء ذهب أبو بكر إلى بيته فلم يجده، فسأل علياً (عليه السلام) فأخبره الإمام بأن النبي في طريقه إلى خارج مكة، فانطلق أبو بكر ليلحق بالنبي وقد كان يحمل جرساً معه، فعندما أدركه ظن النبي أن أبا بكر من المشركين فأسرع في المشي حتى يبتعد عنه، ولكن الله جعل شسع نعله ينقطع فانطلق إبهام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالحجر وسالت منه الدماء، الأمر الذي أدى إلى توقف الرسول عن المسير اضطراراً، وعندئذ وصل أبو بكر إليه فاجتمع معاً وسارا خارج مكة! [تاريخ الطبري: ج2 ص 102].
إن هذه الرواية توضح جانباً من الكذب والبهتان، فكيف يمكن أن يدخل أبو بكر بيت رسول الله والحال أن البيت محاصر من قبل المشركين في تلك الليلة العصيبة ولم يكن يسمح لأي أحد بالخروج أو الدخول؟! وكيف له أن يسأل علياً (عليه السلام) وهذا معناه كشف الخطة النبوية لأنه سيتبين لدى المشركين أن هذا النائم ليس محمدا بل علي؟!
ثم كيف استطاع أبو بكر أن يعرف الزقاق الذي مر فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! وكيف تمكن من تشخيص ورؤية النبي في ذلك الليل الدامس؟!
أما قضية فلق الإبهام وانقطاع شسع النعل فربما نحن لسنا بحاجة إلى الرد عليها! فليس مجرد دم يسير خارج من إبهام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بجاعل إياه يتوقف عن إكمال مسيرته تجاه المدينة وتهديد مشروع الإسلام كله للخطر كون أحد المشركين يتعقبه.. لقد أُدمي النبي من رأسه إلى أخمص قدميه في رحلته لدعوة أهل الطائف إلى الإسلام عندما رموه (لعنهم الله) بالأحجار، ولكنه لم يتوقف عن أداء مهمته تلك، فكيف يتخلى عن أداء أعظم المهمات بهذه السهولة؟!
إن هذه من الأراجيف الواضحة التي تحاول أن تصور أن لأبي بكر منزلة كبيرة عند السماء حتى يجبر الله نبيه على التوقف بإيذائه وإسالة الدم منه!
إن هذا التناقض يثير علامة استفهام أخرى، فهل ذهب النبي إلى بيت أبي بكر ومن هناك اصطحبه معه، أم توجه مباشرة إلى خارج مكة وفي الطريق أدركه أبو بكر؟! أيهما نأخذ؟!
.. إذا تعارضتا تساقطتا.
3 - هناك شيء غريب في الرواية المزعومة، إذ تذكر أن أسماء بنت أبي بكر كانت موجودة في بيت أبيها عندما وصل النبي (صلى الله عليه وآله) إليه، وأنه استراح فيه قليلاً ثم أخذ أبا بكر معه، ومن بعد ذلك كانت أسماء تأخذ إليهما الطعام في الغار...
الغرابة هي في: كيف يمكن أن تكون أسماء في مكانين يبعد كل منهما عن الآخر آلاف آلاف الأميال في الوقت نفسه؟!
إن التاريخ يقول أن أسماء بنت أبي بكر كانت في تلك الفترة مع زوجها الزبير بن العوام في الحبشة!! [الثقات لابن حبان: ج 3 ص 23].
إن هذا يدلل على أن (صناعة حكومية) وراء قصة صحبة أبي بكر للنبي (صلى الله عليه وآله) في تلك الهجرة المباركة.
4 - هناك سؤال منطقي آخر هو: كيف يتوجه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى بيت أبي بكر الذي كان يحوي المشركين؟! ألا يفترض به أن لا يتوجه إلى ذلك البيت بالذات حتى لا يكشفه أحد من هؤلاء المشركين؟!
إن بيت أبي بكر كان يضم كلاً من: ابنيه عبد العزى وعبد الله، وابنته عائشة، وأمهم أم رومان (نملة بنت عبد العزى) بالإضافة إلى أبيه أبي قحافة.
وتنص الروايات على أن عبد العزى بن أبي بكر كان: (كافراً عنيداً محارباً للإسلام)! [تاريخ ابن عساكر: ج 13 ص 280].
وكذلك تنص على أن أم رومان كانت كافرة، وقد طلقها أبو بكر بعد هجرته إلى المدينة عند نزول آية: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر..)! وكذلك تنص على أن أبا قحافة - والد أبي بكر - كان كافراً أيضاً! [شرح النهج: ج 13 ص 268].
فهل يعقل أن يتوجه النبي إلى هذا البيت في هذه الليلة الخطيرة التي خططت فيها قريش لقتله ووأد حركة الهجرة؟! هل يعقل أن يلجأ النبي إلى الذين يحاربونه ويرصدونه؟! هل يعقل أن يتكلم في ذلك البيت عن الهجرة ويأخذ أبا بكر معه ولا يفترض أن أهله المشركين الموجودين في ذلك البيت سوف يكشفون الموضوع لرؤوس الكفر في قريش؟!
إن هذا يدلل على أن النبي لا يمكن أن يكون قد ذهب إلى بيت أبي بكر إطلاقاً. خاصة وأن عبد العزى بن أبي بكر كان من جملة الذين جندتهم قريش لملاحقة النبي (صلى الله عليه وآله).
5 - لقد أجمعت الروايات على أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد توجه من بيته إلى الغار وحيداً فريداً، وهذا أصل وجوهر الحادثة.[ مسند أحمد: ج 1 ص 331، المستدرك: ج 3 ص 133، فتح الباري: ج 7 ص 8، سنن النسائي: ج 5 ص 113، شواهد التنزيل: ج 1 ص 135].
والروايات الملفقة تقول بأن أبا بكر صحب النبي (صلى الله عليه وآله) في طريقه إلى الغار، ولكن ذلك يتناقض بشكل صارخ مع حقائق تاريخية ثابتة.
فعندما أخذ المشركون معهم دليلهم كرزبن علقمة الخزاعي لتتبع مسير رسول الله (صلى الله عليه وآله) والقبض عليه، رأى كرز آثار قدمي النبي فقال: (هذه قدم محمد المشابهة للقدم التي في المقام) ويقصد بها قدم إبراهيم الخليل (عليه السلام) في مقامه قرب الكعبة. [الإصابة: ج 5 ص 436، من له رواية في مسند أحمد لمحمد بن علي بن حمزة: ص 360، فتوح البلدان للبلاذري: ج 1 ص 64].
ومادام كرز لم يذكر مشاهدته لآثار قدمي أبي بكر، فإن الإشكال على صحبته للنبي في هجرته يتعاظم ويكبر.
والمثير أن عبد العزى بن أبي بكر كان من بين مجموعة المشركين الذين كانوا يلاحقون النبي (صلى الله عليه وآله) [طالع ترجمة عبد الرحمن عبد العزى بن أبي بكر في تاريخ ابن عساكر وأسد الغابة].
وذلك يعني أن عبد العزى الذي هو ابن أبي بكر نفسه، لم يتعرف على قدم أبيه، كما لم يتعرف عليها الدليل كرز الخزاعي. وهذا مما يزيد من الإشكال ويدلل على أن أبا بكر لم يصحب النبي أصلاً في تلك الرحلة.
6 - إن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) لم يؤثر عنه أي قول أو نص يثبت فيه وجود أبي بكر معه في الغار، ولو كان كذلك لحصل أبو بكر على منقبة عظيمة يستحق بها المديح والإطراء النبوي بينما لم نلحظ ذلك. أي لم نسمع بحديث يقول فيه النبي عن أبي بكر: (هو صاحبي في الغار) مثلاً بل على العكس من ذلك سمعنا النبي (صلى الله عليه وآله) يذمه في كثير من المواطن، فعندما تقدم أبو بكر للزواج من فاطمة (عليها السلام) رفضه، وعندما تقدم عمر رفضه أيضاً، ولكن عندما تقدم أمير المؤمنين (عليه السلام) وافق النبي (صلى الله عليه وآله) وقال له: (أنت لست بدجال) في تعريض واضح منه (صلى الله عليه وآله) بأبي بكر وعمر. [مجمع الزوائد: ج 9 ص 204، طبقات ابن سعد: ج 8 ص 12، الإصابة: ج 1 ص 374].
ولو كان أبو بكر حاضراً مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الغار، وقد نزلت فيه تلك الآية، لما عرض به النبي (صلى الله عليه وآله).
يضاف إلى ذلك أن معظم الروايات المنقولة عن صحبة أبي بكر للنبي في الغار، منقولة على لسان عائشة وأبي هريرة وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر، وهؤلاء مشكوك في روايتهم لأنهم من المحسوبين على أبي بكر نفسه.
في المقابل لم نجد أحداً من معارضي أبي بكر، كسعد بن عبادة والزبير بن العوام والحباب بن المنذر ومالك بن نويرة وغيرهم من الصحابة، يقر بحضوره الغار، إذ لو كانوا يقرون بذلك لما عارضوا حكمه وتمردوا عليه ورفضوا مبايعته بدعوى أنه (أبو فصيل) أي الذي لا فضائل له أو لقومه.
7 - جاء في كتاب البداية والنهاية لابن كثير الأموي عن ابن جرير الطبري ما يؤيد هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى غار ثور وحده، فخاف ابن كثير من هذه الرواية الصحيحة الدالة على بطلان صحبة أبي بكر فارتجف قائلاً: (وهذا غريب جداً وخلاف المشهور من أنهما خرجا معاً)! [البداية والنهاية: ج3 ص 219، السيرة النبوية لابن كثير أيضاً: ج 2 ص 236].
8 - أجمعت الروايات على أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج وحيداً إلى الغار، وهناك سأل الله تعالى أن يبعث إليه من يدله على الطريق، فكان أن التقى النبي بالدليل عبد الله بن أريقط بن بكر حيث تذكر الروايات أن النبي قال له: (يا ابن أريقط.. أأتمنك على دمي؟ فقال ابن بكر: إذا والله أحرسك وأحفظك ولا أدل عليك. فأين تريد يا محمد؟ فقال (صلى الله عليه وآله): يثرب. قال ابن بكر: لأسلكن بك مسلكاً لا يهتدي فيها أحد). [المستدرك: ج 3 ص 133، فتح الباري: ج 7 ص 8، سنن النسائي: ج 5 ص 113، شواهد التنزيل: ج 1 ص 135].
فما دام هذا هو الثابت، أي أن النبي خرج مع ابن بكر - وليس أبا بكر - من الغار متوجهاً إلى يثرب (المدينة المنورة)، ومادامت جميع الروايات تذكر أن أهل المدينة وكذلك الذين يسكنون ما بين المدينة ومكة، لم يشاهدوا سوى شخصين اثنين فقط [الطبقات الكبرى لابن سعد: ج 1 ص 230 ،سيرة ابن هاشم: ج 2 ص 100، عيون الأثر: ج 1 ص 248].
فإن ذلك يعني أن أبا بكر لم يكن مع النبي (صلى الله عليه وآله) في هجرته، لأن ذلك يتطلب أن يرى الناس ثلاثة أشخاص وليس شخصين فقط.
وكما ذكرنا فإن الثابت هو خروج النبي مع دليله ابن بكر، لأنه بدونه لا يستطيع الاهتداء في طريقه إلى يثرب، فهو الخبير بالطرقات والمسالك.
9 - الروايات المختلقة التي تقول أن أبا بكر قد خرج مع النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الغار، تذكر أيضاً أن أسماء بنت أبي بكر تزودهما بالطعام طوال فترة مكوثهما في الغار والبالغة ثلاثة أيام.
إن هذا أمر يتناقض مع العقل والمنطق، لأنه لو كان أبو بكر مهاجراً مع النبي فعلاً لكان من أيسر اليسير على مشركي قريش أن يتعقبوا ابنته التي تخرج كل يوم، ويتتبعوا خطواتها حتى يتوصلوا إلى مكان النبي (صلى الله عليه وآله). خاصة وأن عبد العزى بن أبي بكر وهو أخ أسماء ويسكن معها في البيت نفسه، كان من الذين يلاحقون النبي (صلى الله عليه وآله)، فكان سهلاً عليه ملاحظة أخته وهي خارجة كل يوم حاملة معها الطعام والزاد.
على أننا أثبتنا سابقاً أن أسماء لم تكن في مكة أصلاً، إذ كانت مع زوجها الزبير في الحبشة، ضمن مجموعة المسلمين الذين لجؤوا إلى هناك.
وهذا التخبط والتضارب يسقط أكذوبة وجود أبي بكر مع النبي (صلى الله عليه وآله) في الغار، وينفي هجرته معه، بل يؤكد أنه قد هاجر مع بقية المسلمين في المجموعة الأولى المتوجهة إلى المدينة. خاصة إذا ما أدركنا أن أبا بكر كان ملازماً دائماً لعمر بن الخطاب في حله وترحاله، وقد ثبت في السير أن ابن الخطاب قد هاجر إلى المدينة قبل هجرة النبي (صلى الله عليه وآله) إليها.
10 - جاء في أصح كتب أهل العامة ما يثبت حقيقة أنه لم تنزل آية واحدة في القرآن تمدح أبا بكر أو أهله، فقد ورد عن عائشة في صحيح البخاري قولها: (لم ينزل فينا قرآن)! [صحيح البخاري: ج 6 ص 42، تاريخ ابن الأثير: ج 3 ص 199، الأغاني: ج 16 ص 90، البداية والنهاية: ج 8 ص 96 وغيرها كثير].
وهنا فلنركز قليلاً: لقد ذكرت عائشة هذا أمام جميع الصحابة والمسلمين الأوائل، وقالت: لم ينزل فينا قرآن. ولو كانت آية: (ثاني اثنين..) نازلة في أبي بكر لما قالت هذا الكلام لأنها تنتقص بذلك أباها وتجرده من مزية واضحة في القرآن. أو على الأقل لرد عليها الصحابة الذين يفترض أنهم متيقنون من حضور أبي بكر في الغار، ولذكروها بالآية وبقضية هجرته مع النبي (صلى الله عليه وآله).
لكن شيئاً من هذا لم يحدث، وهو ما يثبت زيف أحاديث حضور أبي بكر في الغار، حتى تلك المسندة إلى عائشة منها. وهذا يوضح أن مسألة حضوره في الغار هي مسألة طارئة ولم تكن معروفة في صدر الإسلام.
خاصة أننا إذا تتبعنا التاريخ فإننا لن نجد إشارات واضحة على لسان أبي بكر حول حضوره في الغار، وهجرته مع النبي (صلى الله عليه وآله). مما يدعم كون القضية من اختلاقات السلطة لإثبات مزية لأبي بكر.
11 - كان يحيى بن معين من المشككين برواية حضور أبي بكر في الغار الواردة عن طريق أنس بن مالك. فكانت الشكوك تحوم حول ذلك الحديث بصور متعددة. (سير أعلام النبلاء للذهبي: ج 10 ص 362، تهذيب الكمال للمزي: ص 29].
وقد ذكر حديث الغار العباس بن الفضل الأزرق عن ثابت عن أنس، فقال فيه يحيى بن معين: (كذاب خبيث)! [تاريخ بغداد: ج 12 ص 133].
وإذا نظرنا إلى رواة حديث الغار، نجدهم بين كذاب ومدلس وضعيف، فقد كان سليمان بن حرب يضعف حديث الغار الذي ذكره خالد بن خداش عن حماد بن زيد عن أيوب بن نافع عن ابن عمر. [سؤالات الآجري لأبي داود سليمان بن الأشعث: ج 1 ص 399].
ولقد ازدادت الطعون في رواة الحديث المكذوب في حضور أبي بكر في الغار. [طالع تاريخ بغداد: ج 8 ص 302، تهذيب الكمال للمزي: ج 1 ص 314، تهذيب التهذيب لابن حجر: ج 1 ص 27، تاريخ دمشق: ج 5 ص 235، سير أعلام النبلاء: ج 12 ص 232، ميزان الاعتدال للذهبي: ج 1 ص 73 وغيرها).
12 - إن الذي كان حاضراً مع النبي (صلى الله عليه وآله) في الغار، ليس سوى دليله ابن بكر، الذي التقى به النبي (صلى الله عليه وآله) في اليوم الأول من هجرته ومكوثه في الغار، فطلب منه مساعدته، واستجاب الرجل للأمر النبوي.
وقد ذكرت مصادر العامة أن ابن بكر كان مشركاً في ذلك الوقت! وهنا نضع علامة استفهام كبيرة، إذ لو كان ابن بكر مشركاً حقاً فما الداعي لأن يساعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!
إن هذا يكشف جزءاً من الحكمة النبوية، فلقد كان ابن بكر يمارس التقية، وكان يخفي إسلامه حتى يقوم بهذه المهمة العظيمة في حفظ رسول الإنسانية وإيصاله سالماً إلى المدينة. لقد كان ابن بكر معروفاً في أوساط كفار قريش بالكفر، وكان يتظاهر بعبادة الأوثان، حتى لا يشكوا فيه، خاصة أنه كان من أشهر الأدلاء على الطرق.
إنه لم يرد في التاريخ أن النبي (صلى الله عليه وآله) منح مكافأة لابن بكر، أو أنه كانت لديه مصلحة معينة معه، حتى نقول مثلاً أنه قد ساعد النبي في الهجرة لغرض دنيوي. فلابد لنا والحال هذه أن نقول بأن ابن بكر كان رجلاً مسلماً صالحاً قام بدوره بدافع من عقيدته.
والذي يؤيد ذلك أنه مادام غائباً عن أذهان مشركي قريش أن ابن بكر مسلم ومن أتباع محمد (صلى الله عليه وآله)؛ فإنه لا يكون مراقباً من قبلهم، وبذا يمكنه أن يوصل الطعام والأخبار إلى النبي في الغار طوال فترة مكوثه فيه، والبالغة ثلاثة أيام حتى يهدأ ويسكن الطلب عليه. ثم يتوجه به إلى المدينة.
والواضح أن ابن بكر في إحدى زياراته للنبي (صلى الله عليه وآله) في الغار، تفاجأ بمجيء مشركي قريش ووصولهم إلى الغار عن طريق الاستدلال على آثار قدمي النبي (صلى الله عليه وآله). وهنا حزن ابن بكر وخاف، فلجأ إلى الغار وطمأنه النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم انصرف المشركون بالإعجاز الإلهي ونزلت الآية.
13 - الظاهر أن الماكرين قد قاموا بتصحيف وتزوير كبيرين، ليوافق اسم (أبي بكر) اسم (ابن بكر). فقد غيروا اسم أبي بكر الحقيقي (عتيق) وجعلوه (عبد الله) ليوافق اسم (عبد الله) بن أريقط بن بكر. [مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر: ج 13 ص 35].
وبهذا بقي التغيير بين (ابن بكر) و(أبي بكر) وهو سهل وبسيط، لأن الكتابة في السابق لم تكن منقوطة، لذا فإن اسم أبي بكر وكذلك ابن بكر يكتبان بالطريقة نفسها.
ولهذا نظائر في التاريخ، فقد قام العباسيون بتصحيف اسم عباس بن نضلة الأنصاري، الصحابي الذي استشهد في معركة أحد، ليسرقوا فضائله ويلصقوها بالعباس بن عبد المطلب.
14 - إن الروايات التي تذكر هجرة أبي بكر مع خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) هي روايات إسرائيلية، لأنها تشتمل على بعض التفاصيل الواضح اتصالها باليهود وتراثهم.
من تلك القضايا، أن حمامة قد جاءت وباضت بيضة أمام الغار، وأن عنكبوتاً قد جاء ونسج خيوطه على فتحة الغار، الأمر الذي جعل المشركين يتوهمون عدم وجود أحد فيه.
وهذا الأمر مناقض للعقل وللصحيح من الروايات، لأن غار ثور - كما شاهدناه - هو غار صغير لا تتعدى مساحته مترين مربعين فقط، فمن غير الممكن أن يحجب أي شيء الرؤية إلى داخله، فلو وقف أي شخص أمام فتحة الغار لشاهد كل ما فيه بشكل واضح جداً، لأنه غار صغير، ويضاف إلى ذلك أن هناك فتحة أخرى جانبية في الغار، الأمر الذي يجعل الضوء ينفذ ويضيء الغار بأكمله مما يسهل الرؤية. لذا فلا معنى لخيوط عنكبوت ولبيضة حمامة، فالرؤية واضحة تماماً.
والحقيقة أنهم قد جاؤوا برواية العنكبوت من سيرة النبي داود (عليه السلام) في كتب اليهود، حيث نسج العنكبوت خيوطه على غار داود (عليه السلام) عندما لاحقه جالوت بغرض قتله. [تفسير القرطبي: ج13 ص 346].
والصحيح أن المشركين عندما وصلوا إلى الغار عميت أبصارهم ولم يتمكنوا من مشاهدة أي أحد داخل الغار، كما حصل عندما مر النبي (صلى الله عليه وآله) أمام أعينهم في خروجه من بيته في مكة المكرمة.
قال أبو الطفيل عامر بن واثلة عن أبيه: (كنت أطلب النبي فيمن يطلبه وهو في الغار، فنظرت فيه فلم أرَ أحداً). ونظر القرشيون في الغار أيضاً فلم يشاهدوا أحداً. [الإصابة: ج 7 ص 194].
إن هذا يؤكد أن المشركين قد عميت أبصارهم عن مشاهدة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكذلك صاحبه ودليله عبد الله بن بكر.
15 - نجد في التاريخ أن أعاظم أصحاب الأئمة (صلوات الله عليهم) قد اتهموا بعدم اعتقادهم بوجود آية (ثاني اثنين إذ هما في الغار...) ضمن القرآن لأنهم لا يعتقدون بنزول آية واحدة في حق أبي بكر!
قال ابن حجر نقلاً عن الحافظ: (أخبرني النظام وبشر بن خالد قالا: قلنا لمحمد بن جعفر الرافضي المعروف بشيطان الطاق: ويحك! أما استحييت لما قلت: إن الله لم يقل قط في القرآن: (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)؟!
قال: فضحك طويلاً حتى خجلنا نحن وكنا نحن الذين قلنا ذلك). [لسان الميزان لابن حجر: ج 5 ص 108].
إن مؤمن الطاق من أعظم تلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام) ولا يمكن أن يخرج عن اعتقاده، والواضح أن اتهامه بها الاتهام الخطير مرده إلى عدم اعتقاده بنزول أية آية في شأن أبي بكر، مما يعني أن آية (ثاني اثنين...) عنده نزلت في رجل آخر، وهو ابن بكر. ولذا وجدنا خصومه يشنعون عليه عندما رأوه ينفي نزول قرآن في حق أبي بكر.
والتهمة نفسها اتُّهِم بها هشام بن الحكم، الذي كان يقول بعدم نزول قرآن في شأن أبي بكر، وبذلك رموه بنقص القرآن لأنهم ربطوا آية الغار بأبي بكر غصباً! فيكون عندهم الذي لا يعتقد بنزول آيات في أبي بكر كمن يعتقد بنقص القرآن!
16 - كان العلماء والمثقفون والحكام من التابعين المنتشرين في شرق الأرض ومغربها عارفين بعدم صحبة أبي بكر للنبي (صلى الله عليه وآله) في الغار والهجرة،ومن هؤلاء محمد بن المهدي مؤسس الدولة الفاطمية الذي كان يكذب حضور أبي بكر في الغار وهجرته مع الرسول (صلى الله عليه وآله). [سير أعلام النبلاء للذهبي: ج 12 ص 133].
ومحمد بن المهدي من العلماء الأشراف المنحدرين من نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد هاجر من الكوفة إلى شمال أفريقيا حيث مكنه الله تعالى من تأسيس أقوى دولة إسلامية في أفريقيا ثم ازدادت عظمة بعد سيطرتها على شبه جزيرة العرب والشام ومصر متخذة من القاهرة عاصمة لها.
إن مما هو بيّنٌ أن قصة هجرة النبي (صلى الله عليه وآله) مع أبي بكر وحضوره وإياه في الغار هي من اختلاقات الأنظمة الحاكمة، ولقد شرحنا في كتابنا الذي سيصدر قريباً إن شاء الله تعالى كيفية ترسيخ الحكومات تاريخياً لهذه القصة في أذهان الناس، فقد قامت السلطة بحرق جميع الأحاديث الواردة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لطمس كثير من الحقائق ومن بينها حقيقة أن الذي هاجر مع النبي هو دليله ابن بكر، وليس أبا بكر.
وما دام ذلك قد حصل فإنه يسهل الترويج لأية أكذوبة لأنه ما من مصدر يرجع إليه المسلمون للتأكد من صحة هذا الحديث. وقد استمرت سياسة التعتيم على الأحاديث النبوية حتى أيام عمر بن عبد العزيز الأموي، أي بعد عشرات السنين من حادثة الإحراق والمنع من تدوين السنة النبوية الشريفة.
ومثلما اختلق الأمويون رواية أن لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ابنتان قد زوجهما من عثمان بن عفان، مستفيدين من كونهما من ربيبات خديجة أم المؤمنين (عليها السلام)، كذلك فقد عمد رجال السقيفة ومن تبعهم من الأمويين إلى تزوير حادثة الغار وإلصاق أبي بكر بها زورا، مستفيدين من شخصية ابن بكر الذي هاجر مع النبي فعلاً. كما قام العباسيون بالاستفادة من شخصية العباس بن نضلة الأنصاري وسرقة فضائله لجدهم العباس بن عبد المطلب.
وبعد التوفيق الإلهي لنا في التوصل لهذه الحقائق العظيمة لنا أن ننفض غبار الأكاذيب عن السيرة النبوية العظيمة.
والوصول إلى الواقع نعمة ربانية عظيمة لنا بعد 1420 سنة من الجهل المطبق على هذه الحادثة.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
العلامة الشيخ نجاح الطائي
مجلة المنبر العدد 19 (السنة الثانية)
شهر رمضان 1422.

وبالنسبة لموضوعي ... سأضع تتمة اليوم... بمشيئة الله تعالى..

أميرة الجنة
01-11-2006, 05:12 AM
سلام قول من رب رحيم..
بالنسبة للموضوع أخي الكريم هو كل الآتي:_

أبو بكر لم يكن مع النبي (صلى الله عليه وآله) في الغار!
تاريخ الزيف.. وزيف التاريخ!
حقائق حُرِّفت لتصبحِ غرائب، وأكاذيب زُيُنت لتكون ثوابت، وأحاديث محيِت وحُرقت، ونصوص غُيِّبت ودُفنِت، وعقائد استُبدلت، وأحكام ابتُدعت!
لك ما جرى طوال ألف وأربعمائة عام، على يد أجهزة التحريف والتزوير التابعة للسلاطين والحكام! فكل ما يمكن أن يساعد على تثبيت المُلك؛ لم تتردد تلك الأجهزة في نسجه وصنعه وتدوينه، وكل ما يمكن أن يهدد استقرار النظام؛ لم تتردد تلك الأجهزة في محوه وإلغائه وتحريفه!
منذ يوم السقيفة المشؤوم، بدأت مرحلة الكذب والخداع والتدليس، لإقصاء آل محمد (صلوات الله عليهم) عن مكانتهم الدينية بعدما تم إقصاؤهم عن وظيفتهم الشرعية في قيادة الأمة.
إنهم لم يكتفوا بإبعاد أهل الوحي عن طريق سلطانهم، بل حاكوا المؤامرات لقتلهم والتخلص منهم! ثم لم يكتفوا بذلك أيضاً فعمدوا إلى الإنقاص من شأنهم والرفع من شأن أعدائهم!
وهكذا صنعوا تاريخ الزيف المكتظ بالأباطيل والأكاذيب والملفقات، وهكذا اكتشفنا زيف التاريخ المجمل بالأساطير والأوهام والخرافات!
وانطلى هذا التاريخ على الشعوب والأجيال، وغدت الأكاذيب مسلمات لا محيص عنها! فيما صارت الحقائق بدعا من القول لا صحة فيها!
في ذلك التاريخ الزائف؛ رُمِيَ ولي الله الأعظم أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) بطعون شتى، فهو شارب الخمر الذي لم ينتهِ عنه حتى نزلت آية: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى)! وهو الذي أغضب الزهراء (سلام الله وصلواته عليها) حيث أراد الزواج عليها من ابنة أبي جهل فخرج النبي (صلى الله عليه وآله) مغضباً وهو يقول: (فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني)!
ولكن الزيف مآله إلى زوال، ففي تاريخ الحقيقة؛ أن الذي شرب الخمر وكان مولعاً به ليس إلا عمر بن الخطاب، والآية قد نزلت فيه! وأما الذي أغضب فاطمة (عليها الصلاة والسلام) فمعلوم من يكون؛ إنه أبو بكر بن أبي قحافة.. ومن غيره!
هذه هي سمات تاريخ الزيف، التبديل والتحريف. تُلصِق مثالب القوم بأهل الطهر، وتُسلب فضائل أهل الطهر لتُلصق بالقوم!
لذا فلا عجب - في ذلك التاريخ - إن أصبح لمدينة العلم أرض وحيطان وسقف ومفتاح، بعدما كانت تقتصر على باب واحد! وقف النبي (صلى الله عليه وآله) ليقول: (أنا مدينة العلم وعلي بابها). فجاء أبو هريرة ليروي: (أنا مدينة العلم وأبو بكر أرضها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها ومعاوية مفتاحها)!!
ولا عجب إن أصبح للمسجد أكثر من باب مفتوح، بعدما كانت الأبواب تقتصر على باب واحد! أمر النبي (صلى الله عليه وآله) أن تُسد جميع أبواب البيوت الملاصقة للمسجد والمطلة عليه، إذ لا يجوز أن يدخل المسجد جُنُب على غير طهارة، باستثناء علي وأهل بيته (عليهم الصلاة والسلام) لأنهم طاهرون مطهرون.. فيأتينا أمثال أبي هريرة ليروي أن النبي سد الأبواب إلا باب أبي بكر أو (خوخة) أبي بكر!
وهكذا استُبدلت (كتاب الله وعترتي) بـ (كتاب الله وسنتي)! وهكذا استبدلت (أهل بيتي كالنجوم) بـ (صحابتي كالنجوم)! وهكذا استبدلت: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) بـ (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة)! وهكذا استبدلت (عما عُرج بي إلى السماء رأيت مكتوباً على العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه ولي الله) بـ (.. رأيت مكتوباً على العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله أبو بكر الصديق)!!
دجل وخداع وكذب وتزوير!
هذا ما أتانا من تاريخ السلاطين والحكام وخلفاء الجور الذين انقضوا على رسول الله وأهل بيته وأرادوا ليطفئوا نورهم.. ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون!
مهما طال الزمان.. ستظهر الحقيقة يوماً، وسيكتشف المسلمون كيف خدعوا بالأساطير والخرافات، وكيف غُيِّبوا عن معرفة الحقائق بفعل الأنظمة والحكومات!
قد كان التاريخ بيد تلك الأنظمة، فمعاوية - لعنه لله, وبدك تسمح لي ألعن- كان قد أمر جميع قصاصي ورواة نظامه بأن يروجوا بين الناس فضائل مختلقة مكذوبة لرفع شأن ابن عمه عثمان بن عفان! ولما وجد أن هذه (الفضائل) زادت عن حدها؛ أمر بأن يروجوا فضائل أبي بكر وعمر في مقابل أن ينتقصوا من قدر أبي تراب.. علي (عليه الصلاة والسلام)!
وحصل القصاصون على الدرهم والدينار، وحصلنا نحن المسلمون على تاريخهم الذي كتبوه لنا بيد من طمع ودجل! والله وحده العالم مقدار ما خسرناه من تراث الإسلام العظيم الذي لم يصلنا ولم نعرف عنه شيئاً، منذ أن بدأت حملة إحراقِ أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في العهد العُمَري، حتى زماننا هذا.
لكن الذين حاولوا طمس الحقائق لن يهنئوا أبداً، فمهما طال الزمان فلابد للحقيقة أن تظهر يوماً ما، ولابد لها أن تتجلى أمام الناس كالشمس في رابعة النهار، حتى ولو استمر الزيف لقرون وعقود طوال وانطلى على عقول الأجيال.
لقد كان قدراً مقداراً أن تقع عينا عالم محقق على عدد من النصوص التي أثارت علامات الاستفهام لديه، وقد كان توفيقاً إلهياً ذلك الذي جعله يندفع إلى دراستها والتمحيص حولها بما قاده إلى نتائج باهرة. وأخيراً فلقد كان إمداداً غيبياً ذلك الذي جعل هذا السر ينكشف بعد 1422 عاماً من التمويه المتواصل. ذلك على يدي العلامة الشيخ نجاح الطائي، أشهر المعاصرين المتخصصين في قراءة واستنطاق السير والتواريخ.
(أبو بكر لم يكن مع الرسول في الغار)!
هذه هي النتيجة التي توصل إليها الشيخ الطائي بعد بحث مضن جهيد في جميع مصادر أهل العامة، فطوى بذلك 1422 سنة من الكذب والاختلاق اللذان لفا تلك القضية وأخرجاها عن واقعها الحقيقي.
(إنه أعظم توفيق إلهي حصل لي في حياتي إلى هذا اليوم).. هكذا وصف العلامة الطائي رحلته في سبر أغوار هذه القضية الشائكة والمعقدة في بحثه المتكامل، الذي خص (المنبر) به للنشر - حصراً - قبل طبعه في كتاب مستقل ستتبناه (هيئة خدام المهدي) عليه الصلاة والسلام بالتعاون مع (دار الهدى).
بهدوء واضح وبرصانة علمية ناقش الطائي أكذوبة أن أبا بكر بن أبي قحافة هو من صحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هجرته المباركة من مكة إلى المدينة، والكلام الذي يقال من أنه قد لجأ مع النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) في غار جبل ثور للاختباء من الكفرة الذين يلاحقونهما فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة: (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها).
ورد الشيخ في بحثه المعمّق على جميع الاستدلالات التي يوردها أهل السنة في شأن حضور أبي بكر في الغار، معتمداً على كتبهم ومصادرهم الحديثية والسيرية، وعليه فقد كسر الشيخ جميع القواعد التي بُنيت على هذه الفرضية، والتي يحاول منها القوم إثبات أفضلية لأبي بكر تؤهله للخلافة وقيادة الأمة.
ورغم أن القواعد التي بُنيت على تلك الفرضية لم تكن سليمة، إذ يظهر - عند التدقيق في اللفظ والسياق - أن الآية الكريمة هي في مقام الذم لا المدح لأن الرجل الذي كان مع النبي (صلى الله عليه وآله) تلقى نهيا عن (حزنه) وهو ما ينبئ عن كونه ارتكب معصية، كما أن هذا الرجل حُرم من السكينة إذ اقتصر نزولها على النبي.. رغم ذلك إلا أن فقهاء العامة استماتوا في إثبات أن الآية تمدح أبا بكر وتجعل له مرتبة رفيعة رغم مخالفة هذه النتيجة لظاهر النص القرآني.
ويأتي الإنجاز العلمي الباهر الذي حققه سماحة الشيخ الطائي في بحث هذه القضية ليبدد كل الأوهام التي ارتبطت بها وكل التفسيرات غير المنطقية التي التصقت بالآية الشريفة، التي ثبت أنها لم تنزل في أبي بكر لأنه - في الأصل - لم يهاجر مع النبي ولم يكن في الغار بل كان قد هاجر مع البقية إلى المدينة قبل مجيء الرسول (صلى الله عليه وآله) إليها. وما دام قد ثبت ذلك فإن كل الامتيازات العقائدية التي منحها أهل العامة لأبي بكر - بناء على فرضية النزول - ستنتفي وسيتجرد هو منها تلقائياً.
ويمثل هذا الإنجاز أيضاً تحولا جذرياً في رؤية التاريخ الإسلامي، تلك الرؤية التي كانت طوال 1400 عام بعين واحدة، واليوم بات بالإمكان أن تكتمل الرؤية بعينين.
والأهم أنه - أي الإنجاز العلمي هذا - سيكون بحول الله وقوته موضع رضى مولانا رسول الله الأعظم (صلى الله عليه وآله)، الذي تجرأ عليه أرباب السير والحديث وأهل التدوين، فنسبوا إلى سيرته ما ليس منها في شيء، أملا في إضفاء هالة القداسة على الحكام.
ومن المتوقع أن يكون لهذا الإنجاز شأن عظيم في إثارة الجو العلمي والحماسة العقائدية، خاصة في حال نشره مفصلاً في الكتاب المرتقب، فالبحث الذي تنشره (المنبر) في هذا العدد إنما يمثل خلاصة الكتاب بما يورث الاطمئنان إلى الحقيقة التاريخية. وفي الكتاب استدلالات وتفصيلات وتشعبات أكثر، فهو يقع في حوالي 300 صفحة من القطع الكبير. والمؤمل من جميع المؤمنين والمهتمين المساهمة في طباعة هذا السفر العظيم وتكثيره ليكون له الدور الأكبر في تصحيح الخطأ التاريخي الفادح وتوعية الجماهير الإسلامية بالحقيقة.
وأترك السطور والصفحات التالية لقلم سماحة الشيخ الطائي:
قبل البدء فإنني أهدي رحلتي هذه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلى كل طلاب الحقيقة الساعين للوصول إلى الوقائع كما هي.
فليفرح المخلصون بشتى أصنافهم في وصولنا جميعاً إلى قصة الغار الحقيقية دون زيادة ولا نقصان.
لنطوي سوية 1422 هـ سنة من الكذب والاختلاق الذي لف تلك القضية وأخرجها عن صحتها وسيرتها الأصلية.
والشكر لله تعالى على ما أسداه لنا وهدانا إليه في هذا الموضوع. فقد مضت 1420 سنة هجرية والمسلمون يقرؤون ما لفقه لهم الحكام وما كتبه لهم وعاظ السلاطين وأعوانهم. فاعتادت الأجيال الإسلامية على قراءة الأكاذيب المكتوبة عن الغار والهجرة فأصبح الخطأ فادحاً والأمر مريباً.
ولقد نجح الحكام المستبدون في فرض الظلام على الشعوب فكانت السجون مكتظة بالأحرار والمقابر ملئى بالشهداء. وفي عالم الفكر أفلحوا في فرض تعتيم ثقافي على المسلمين في أغلب الحقبات التاريخية التي مرت على الشعوب. فكتبوا التاريخ كتابة ذاتية في مصلحتهم بعيداً عن الواقع والحقيقة.
وهذا البحث يفنّد قضية حضور أبي بكر في الغار بشكل علمي استناداً لرواية صحيحة ومتواترة وشواهد وقرائن كثيرة.
ويذكر بأن الأكاذيب كثيرة في موضوع ما يحوّل الحق إلى باطل ويحول الباطل إلى حق؛ فلقد كذب الأحبار على عيسى (عليه السلام) فصدق اليهود كلامهم فحاربوا عيسى (عليه السلام) وتآمروا على قتله، وإلى يومنا هذا هم يعتقدون بكذبه ودجله!
وكذب نمرود على إبراهيم (عليه السلام) فحمل معظم الناس الحطب لإحراقه!
وكذب قارون على بني إسرائيل فأصبحوا في جانبه معارضين لموسى (عليه السلام) ووصيه يوشع، وبلغ الأمر درجة أن حاربت صفيراء بنت شعيب زوجة موسى (عليه السلام) وصي زوجها يوشع بن نون (عليه السلام)!.
ورجال الحزب القرشي حاولوا جهدهم حشر أبي بكر في قضية الغار والهجرة متشبثين بكل الوسائل الممكنة في هذا المجال. فانتشرت عشرات الأحاديث المختلقة بين الناس ووضعت الدولة عيداً كبيراً لهذه المناسبة.
ولأن حبل الكذب قصير فقد تبين أن هذه الأكذوبة وضعت لمعارضة حادثة الغدير الواقعة في 18 ذي الحجة. فقد جعل رجال السياسة حادثة الغار في 26 ذي الحجة! في حين كانت واقعة الغار في شهر صفر!
ويتعب المرء من كثرة أكاذيب قريش وأذنابها وقدرتهم الفنية العالية في هذا المجال. ويكفي أن تعلم أن دهاء قريش لا يلحقه دهاء في ذلك الوقت.
واشتد هذا المكر بتلاحم قريش واليهود فأصبح كعب الأحبار وهو شيطان اليهود واعظ المسجد النبوي في زمن عمر بن الخطاب واستمر في منصبه في زمن عثمان بن عفان.
وإذا كان كعب اليهود معلماً للمسلمين يعلمهم دينهم فتصور ما يمكن أن يدخله في الدين من افتراءات وإسرائيليات لا حصر لها!
وبلغ ذلك الدهاء قمته في تكفير السلطة للمسلم غير المعتقد بحضور أبي بكر في الغار! بينما قال الله تعالى في كتابه الشريف: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً).
هذا في الوقت الذي لم يكفر فيه وعاظ السلاطين هؤلاء قتلة فاطمة بنت محمد (عليهما الصلاة والسلام)، ولم يكفروا قتلة الحسين (عليه السلام) ولم يكفروا المعتقدين بنقص القرآن!
ولا يعلم إلا الله تعالى كم هي أعداد المسلمين الذين قتلوا لعدم إيمانهم بحضور أبي بكر في الغار. لأن الحكومات كانت تقتل المسلمين بأعذار شتى وتكتم الأسباب الحقيقية لسفكها الدماء. فلقد قتل الحجاج بن يوسف الثقفي مئة وعشرين ألفاً بحجج غير معروفة، وسجن ثلاثة وثلاثين ألفاً، وكان من جملة المقتولين على يديه الفقيه الزاهد سعيد بن جبير وتلميذ الإمام علي (عليه السلام) كميل بن زياد وعبد الرحمن بن أبي ليلى الذي أخذ القرآن من أمير المؤمنين (عليه السلام). فهل قُتِل هؤلاء لعدم إيمانهم بحضور أبي بكر في الغار والهجرة؟
ومؤمن الطاق وكذلك هشام بن الحكم أعظم تلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام) أطلقوا عليهما اسم الشيطان واتهموهما بأنهما يعتقدان بنقص القرآن، ذلك لأنهما ما كانا يعتقدان بصحبة أبي بكر للنبي محمد (صلى الله عليه وآله) في الغار!
هذا يجب أن لا نستغرب إذا اكتشفنا الآن أن كل قضية هجرة وحضور أبي بكر في الغار ليس لها أساس من الصحة، وأنها قضية مختلقة ملفقة، بل أكذوبة، ذلك لأنها تصطدم بالحقائق الموضوعية والروايات التاريخية، ونحن سنناقشها ونعرضها نقدياً كي تتضح الصورة للجميع.
إن ما هو منتشر بشكل خاطئ بين المسلمين في شأن هذا الموضوع، أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج من بيته ليلة الهجرة وقد أنام علياً (عليه السلام) في مكانه، وقد كان خروجه إعجازياً لأن مشركي قريش الذين كانوا يحوطون داره لم يروه بعدما قرأ الآيات: (وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون...) فعموا عن مشاهدته. ثم توجه (صلى الله عليه وآله) إلى بيت أبي بكر بن أبي قحافة، وهناك انتظر إلى الصباح ثم خرج هو وأبو بكر للهجرة بصحبه أحد أدلاء الطرق ويدعى عبد الله بن أريقط بن بكر، وبدلاً من أن يسلك ابن بكر بهما طريق الشمال حيث يثرب (المدينة المنورة) فإنه سلك بهما طريق الجنوب، أي جنوب مكة، تمويهاً للكفار الذين كانوا يريدون القضاء على خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) ورسالته السماوية. إلا أن الكفار فطنوا إلى ذلك من خلال دليل آخر هو كرز بن علقمة الخزاعي، الذي تتبع آثار أقدام النبي (صلى الله عليه وآله) وقارنها بقدم جده إبراهيم (عليه السلام)، فوصلوا أخيراً إلى جبل (ثور) حيث كان النبي (صلى الله عليه وآله) وأبو بكر في غاره مختبئين، وعندما وصلوا هناك بدأ أبو بكر يرتجب وكان حزيناً وخائفاً، فنهاه النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك بقوله له: (لا تحزن إن الله معنا). وقد جاءت في تلك اللحظات حمامة وباضت بيضة أمام الغار، ثم جاء عنكبوت من العناكب فنسج خيوطه على الغار أيضاً، الأمر الذي جعل كفار قريش ينصرفون لاعتقادهم أنه مادامت الخيوط العنكبوتية موجودة وكذلك البيضة فإن أحداً لم يدخل في هذا الغار. وكذبوا بذلك دليلهم كرز بن علقمة رغم تأكيده مراراً على أن النبي موجود في هذا الغار. وبقي النبي (صلى الله عليه وآله) مع أبي بكر في هذا الغار ثلاثة أيام انتظاراً لهدوء حملات الملاحقة ضده، وطوال تلك الفترة كانت أسماء بنت أبي بكر هي التي تأتي بالطعام من مكة إلى الغار لتقديمه إلى رسول الله وإلى أبيها. بعد ذلك تحرك النبي (صلى الله عليه وآله) نحو المدينة بصحبة دليله عبد الله بن أريقط بن بكر، ووصل إليها واستقبله المسلمون مبتهجين فرحين.
هذه هي محصلة ما يتناقله المسلمون في شأن قضية غار جبل ثور، وهي محطة لعبت فيها السياسة بألاعيبها، ونحن هنا سنبرهن إن شاء الله على بطلان كثير من تفاصيل هذه الرواية بناء على مصادر أهل السنة، كقضية كون أبي بكر مع النبي في الهجرة وفي الغار، وكقضية أن أسماء بنت أبي بكر هي التي كانت تغذي الرسول وتهيئ له الطعام وتوصله إليه، وكقضية أن الحمامة قد باضت والعنكبوت قد نسج خيوطه وما شاكل ذلك من أمور عارية عن الصحة، والتي شابت هذه الحادثة التاريخية العظيمة عن طريق الإسرائيليات.
1 - أول ما يجب أن نعلمه أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد اعتمد أسلوب السرية التامة في أمر هجرته تلك الليلة، خاصة بعدما أمر بهجرة جميع المسلمين إلى المدينة، وأبقى علياً (عليه السلام) لأنه وصيه والقائم مقامه في تأدية حقوق وأمانات الناس المودعة عنده.
وكان لابد من اعتماد أسلوب السرية لأن كفار قريش كانوا يحيكون المؤامرات للحيلولة دون وصول النبي (صلى الله عليه وآله) إلى يثرب، حيث سيقود من هناك الدولة التي ستحطم ملكهم وسلطانهم وتقضي على جبروتهم.
لذا فإن أحداً لم يكن عالماً بخروج النبي في تلك الليلة سوى أهل بيته المقربين، علي وفاطمة (عليهما السلام)، وأم هانئ بنت أبي طالب (عليه السلام).
ومصادر أهل السنة متفقة على أن أبا بكر لم يكن عالماً بخروج النبي في تلك الليلة، بل فوجئ بمسألة الهجرة صباحاً فطلب منه أن صحبه، فقبل النبي (صلى الله عليه وآله). [تفسير القرطبي: ج 3 ص 21، تاريخ الطبري: ج 2 ص 102، البحر المحيط لأبي حيان: ج 2 ص 118].
إن هذه السرية تتناقض مع الرواية المنقولة، والتي تقول بأن النبي قد خرج من بيت أبي بكر نهاراً وأمام مرأى من المسلمين كلهم! [تاريخ الطبري: ج 2 ص 100].
فكيف يحرص النبي على إنجاح مشروع الهجرة وهو يعرض نفسه للقتل هكذا أمام الكفار، ويمشي أمامهم في النهار في طريقه إلى خارج مكة؟! وكيف يمكن ذلك وقد كان الكفار يطلبونه ويلاحقونه في أي مكان وقد كانوا ليلتها قد أحاطوا بداره متقلدين سيوفهم عزماً على قتله! إن هذا يعني الانتحار! وهذا يضع علامة استفهام كبيرة على مسألة توجه النبي إلى بيت أبي بكر وانطلاقه من هناك صباحاً.
لقد كان من حرص النبي (صلى الله عليه وآله) على إنجاح الهجرة والتستر عن أعين المجرمين، أن طلب من المسلمين القليلين المتبقين في مكة عدم الهجرة في تلك الليلة التي سيهاجر فيها، مخفياً عنهم سبب طلبه. وكان من حرصه أن اختار وقت الهجرة ليلاً وفي نهاية شهر صفر لئلا يكون في السماء ضوء القمر فينكشف في الطرقات.
فبالنظر إلى هذه الحيطة والسرية الكاملتين؛ هل من المعقول أن يخرج النبي (صلى الله عليه وآله) صباحاً وأمام أعين المشركين؟! بالطبع لا.. لذا فما دامت الرواية تقول أنه قد خرج صباحاً من بيت أبي بكر فإنها تسقط تلقائياً.
2 - إن الرواية تتقاطع مع روايات أخرى، قد تبدو مضحكة بعض الشيء، حيث يُذكر أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج من بيته متوجهاً مباشرة إلى غار ثور، وفي تلك الأثناء ذهب أبو بكر إلى بيته فلم يجده، فسأل علياً (عليه السلام) فأخبره الإمام بأن النبي في طريقه إلى خارج مكة، فانطلق أبو بكر ليلحق بالنبي وقد كان يحمل جرساً معه، فعندما أدركه ظن النبي أن أبا بكر من المشركين فأسرع في المشي حتى يبتعد عنه، ولكن الله جعل شسع نعله ينقطع فانطلق إبهام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالحجر وسالت منه الدماء، الأمر الذي أدى إلى توقف الرسول عن المسير اضطراراً، وعندئذ وصل أبو بكر إليه فاجتمع معاً وسارا خارج مكة! [تاريخ الطبري: ج2 ص 102].
إن هذه الرواية توضح جانباً من الكذب والبهتان، فكيف يمكن أن يدخل أبو بكر بيت رسول الله والحال أن البيت محاصر من قبل المشركين في تلك الليلة العصيبة ولم يكن يسمح لأي أحد بالخروج أو الدخول؟! وكيف له أن يسأل علياً (عليه السلام) وهذا معناه كشف الخطة النبوية لأنه سيتبين لدى المشركين أن هذا النائم ليس محمدا بل علي؟!
ثم كيف استطاع أبو بكر أن يعرف الزقاق الذي مر فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! وكيف تمكن من تشخيص ورؤية النبي في ذلك الليل الدامس؟!
أما قضية فلق الإبهام وانقطاع شسع النعل فربما نحن لسنا بحاجة إلى الرد عليها! فليس مجرد دم يسير خارج من إبهام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بجاعل إياه يتوقف عن إكمال مسيرته تجاه المدينة وتهديد مشروع الإسلام كله للخطر كون أحد المشركين يتعقبه.. لقد أُدمي النبي من رأسه إلى أخمص قدميه في رحلته لدعوة أهل الطائف إلى الإسلام عندما رموه (لعنهم الله) بالأحجار، ولكنه لم يتوقف عن أداء مهمته تلك، فكيف يتخلى عن أداء أعظم المهمات بهذه السهولة؟!
إن هذه من الأراجيف الواضحة التي تحاول أن تصور أن لأبي بكر منزلة كبيرة عند السماء حتى يجبر الله نبيه على التوقف بإيذائه وإسالة الدم منه!
إن هذا التناقض يثير علامة استفهام أخرى، فهل ذهب النبي إلى بيت أبي بكر ومن هناك اصطحبه معه، أم توجه مباشرة إلى خارج مكة وفي الطريق أدركه أبو بكر؟! أيهما نأخذ؟!
.. إذا تعارضتا تساقطتا.
3 - هناك شيء غريب في الرواية المزعومة، إذ تذكر أن أسماء بنت أبي بكر كانت موجودة في بيت أبيها عندما وصل النبي (صلى الله عليه وآله) إليه، وأنه استراح فيه قليلاً ثم أخذ أبا بكر معه، ومن بعد ذلك كانت أسماء تأخذ إليهما الطعام في الغار...
الغرابة هي في: كيف يمكن أن تكون أسماء في مكانين يبعد كل منهما عن الآخر آلاف آلاف الأميال في الوقت نفسه؟!
إن التاريخ يقول أن أسماء بنت أبي بكر كانت في تلك الفترة مع زوجها الزبير بن العوام في الحبشة!! [الثقات لابن حبان: ج 3 ص 23].
إن هذا يدلل على أن (صناعة حكومية) وراء قصة صحبة أبي بكر للنبي (صلى الله عليه وآله) في تلك الهجرة المباركة.
4 - هناك سؤال منطقي آخر هو: كيف يتوجه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى بيت أبي بكر الذي كان يحوي المشركين؟! ألا يفترض به أن لا يتوجه إلى ذلك البيت بالذات حتى لا يكشفه أحد من هؤلاء المشركين؟!
إن بيت أبي بكر كان يضم كلاً من: ابنيه عبد العزى وعبد الله، وابنته عائشة، وأمهم أم رومان (نملة بنت عبد العزى) بالإضافة إلى أبيه أبي قحافة.
وتنص الروايات على أن عبد العزى بن أبي بكر كان: (كافراً عنيداً محارباً للإسلام)! [تاريخ ابن عساكر: ج 13 ص 280].
وكذلك تنص على أن أم رومان كانت كافرة، وقد طلقها أبو بكر بعد هجرته إلى المدينة عند نزول آية: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر..)! وكذلك تنص على أن أبا قحافة - والد أبي بكر - كان كافراً أيضاً! [شرح النهج: ج 13 ص 268].
فهل يعقل أن يتوجه النبي إلى هذا البيت في هذه الليلة الخطيرة التي خططت فيها قريش لقتله ووأد حركة الهجرة؟! هل يعقل أن يلجأ النبي إلى الذين يحاربونه ويرصدونه؟! هل يعقل أن يتكلم في ذلك البيت عن الهجرة ويأخذ أبا بكر معه ولا يفترض أن أهله المشركين الموجودين في ذلك البيت سوف يكشفون الموضوع لرؤوس الكفر في قريش؟!
إن هذا يدلل على أن النبي لا يمكن أن يكون قد ذهب إلى بيت أبي بكر إطلاقاً. خاصة وأن عبد العزى بن أبي بكر كان من جملة الذين جندتهم قريش لملاحقة النبي (صلى الله عليه وآله).
5 - لقد أجمعت الروايات على أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد توجه من بيته إلى الغار وحيداً فريداً، وهذا أصل وجوهر الحادثة.[ مسند أحمد: ج 1 ص 331، المستدرك: ج 3 ص 133، فتح الباري: ج 7 ص 8، سنن النسائي: ج 5 ص 113، شواهد التنزيل: ج 1 ص 135].
والروايات الملفقة تقول بأن أبا بكر صحب النبي (صلى الله عليه وآله) في طريقه إلى الغار، ولكن ذلك يتناقض بشكل صارخ مع حقائق تاريخية ثابتة.
فعندما أخذ المشركون معهم دليلهم كرزبن علقمة الخزاعي لتتبع مسير رسول الله (صلى الله عليه وآله) والقبض عليه، رأى كرز آثار قدمي النبي فقال: (هذه قدم محمد المشابهة للقدم التي في المقام) ويقصد بها قدم إبراهيم الخليل (عليه السلام) في مقامه قرب الكعبة. [الإصابة: ج 5 ص 436، من له رواية في مسند أحمد لمحمد بن علي بن حمزة: ص 360، فتوح البلدان للبلاذري: ج 1 ص 64].
ومادام كرز لم يذكر مشاهدته لآثار قدمي أبي بكر، فإن الإشكال على صحبته للنبي في هجرته يتعاظم ويكبر.
والمثير أن عبد العزى بن أبي بكر كان من بين مجموعة المشركين الذين كانوا يلاحقون النبي (صلى الله عليه وآله) [طالع ترجمة عبد الرحمن عبد العزى بن أبي بكر في تاريخ ابن عساكر وأسد الغابة].
وذلك يعني أن عبد العزى الذي هو ابن أبي بكر نفسه، لم يتعرف على قدم أبيه، كما لم يتعرف عليها الدليل كرز الخزاعي. وهذا مما يزيد من الإشكال ويدلل على أن أبا بكر لم يصحب النبي أصلاً في تلك الرحلة.
6 - إن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) لم يؤثر عنه أي قول أو نص يثبت فيه وجود أبي بكر معه في الغار، ولو كان كذلك لحصل أبو بكر على منقبة عظيمة يستحق بها المديح والإطراء النبوي بينما لم نلحظ ذلك. أي لم نسمع بحديث يقول فيه النبي عن أبي بكر: (هو صاحبي في الغار) مثلاً بل على العكس من ذلك سمعنا النبي (صلى الله عليه وآله) يذمه في كثير من المواطن، فعندما تقدم أبو بكر للزواج من فاطمة (عليها السلام) رفضه، وعندما تقدم عمر رفضه أيضاً، ولكن عندما تقدم أمير المؤمنين (عليه السلام) وافق النبي (صلى الله عليه وآله) وقال له: (أنت لست بدجال) في تعريض واضح منه (صلى الله عليه وآله) بأبي بكر وعمر. [مجمع الزوائد: ج 9 ص 204، طبقات ابن سعد: ج 8 ص 12، الإصابة: ج 1 ص 374].
ولو كان أبو بكر حاضراً مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الغار، وقد نزلت فيه تلك الآية، لما عرض به النبي (صلى الله عليه وآله).
يضاف إلى ذلك أن معظم الروايات المنقولة عن صحبة أبي بكر للنبي في الغار، منقولة على لسان عائشة وأبي هريرة وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر، وهؤلاء مشكوك في روايتهم لأنهم من المحسوبين على أبي بكر نفسه.
في المقابل لم نجد أحداً من معارضي أبي بكر، كسعد بن عبادة والزبير بن العوام والحباب بن المنذر ومالك بن نويرة وغيرهم من الصحابة، يقر بحضوره الغار، إذ لو كانوا يقرون بذلك لما عارضوا حكمه وتمردوا عليه ورفضوا مبايعته بدعوى أنه (أبو فصيل) أي الذي لا فضائل له أو لقومه.
7 - جاء في كتاب البداية والنهاية لابن كثير الأموي عن ابن جرير الطبري ما يؤيد هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى غار ثور وحده، فخاف ابن كثير من هذه الرواية الصحيحة الدالة على بطلان صحبة أبي بكر فارتجف قائلاً: (وهذا غريب جداً وخلاف المشهور من أنهما خرجا معاً)! [البداية والنهاية: ج3 ص 219، السيرة النبوية لابن كثير أيضاً: ج 2 ص 236].
8 - أجمعت الروايات على أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج وحيداً إلى الغار، وهناك سأل الله تعالى أن يبعث إليه من يدله على الطريق، فكان أن التقى النبي بالدليل عبد الله بن أريقط بن بكر حيث تذكر الروايات أن النبي قال له: (يا ابن أريقط.. أأتمنك على دمي؟ فقال ابن بكر: إذا والله أحرسك وأحفظك ولا أدل عليك. فأين تريد يا محمد؟ فقال (صلى الله عليه وآله): يثرب. قال ابن بكر: لأسلكن بك مسلكاً لا يهتدي فيها أحد). [المستدرك: ج 3 ص 133، فتح الباري: ج 7 ص 8، سنن النسائي: ج 5 ص 113، شواهد التنزيل: ج 1 ص 135].
فما دام هذا هو الثابت، أي أن النبي خرج مع ابن بكر - وليس أبا بكر - من الغار متوجهاً إلى يثرب (المدينة المنورة)، ومادامت جميع الروايات تذكر أن أهل المدينة وكذلك الذين يسكنون ما بين المدينة ومكة، لم يشاهدوا سوى شخصين اثنين فقط [الطبقات الكبرى لابن سعد: ج 1 ص 230 ،سيرة ابن هاشم: ج 2 ص 100، عيون الأثر: ج 1 ص 248].
فإن ذلك يعني أن أبا بكر لم يكن مع النبي (صلى الله عليه وآله) في هجرته، لأن ذلك يتطلب أن يرى الناس ثلاثة أشخاص وليس شخصين فقط.
وكما ذكرنا فإن الثابت هو خروج النبي مع دليله ابن بكر، لأنه بدونه لا يستطيع الاهتداء في طريقه إلى يثرب، فهو الخبير بالطرقات والمسالك.
9 - الروايات المختلقة التي تقول أن أبا بكر قد خرج مع النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الغار، تذكر أيضاً أن أسماء بنت أبي بكر تزودهما بالطعام طوال فترة مكوثهما في الغار والبالغة ثلاثة أيام.
إن هذا أمر يتناقض مع العقل والمنطق، لأنه لو كان أبو بكر مهاجراً مع النبي فعلاً لكان من أيسر اليسير على مشركي قريش أن يتعقبوا ابنته التي تخرج كل يوم، ويتتبعوا خطواتها حتى يتوصلوا إلى مكان النبي (صلى الله عليه وآله). خاصة وأن عبد العزى بن أبي بكر وهو أخ أسماء ويسكن معها في البيت نفسه، كان من الذين يلاحقون النبي (صلى الله عليه وآله)، فكان سهلاً عليه ملاحظة أخته وهي خارجة كل يوم حاملة معها الطعام والزاد.
على أننا أثبتنا سابقاً أن أسماء لم تكن في مكة أصلاً، إذ كانت مع زوجها الزبير في الحبشة، ضمن مجموعة المسلمين الذين لجؤوا إلى هناك.
وهذا التخبط والتضارب يسقط أكذوبة وجود أبي بكر مع النبي (صلى الله عليه وآله) في الغار، وينفي هجرته معه، بل يؤكد أنه قد هاجر مع بقية المسلمين في المجموعة الأولى المتوجهة إلى المدينة. خاصة إذا ما أدركنا أن أبا بكر كان ملازماً دائماً لعمر بن الخطاب في حله وترحاله، وقد ثبت في السير أن ابن الخطاب قد هاجر إلى المدينة قبل هجرة النبي (صلى الله عليه وآله) إليها.
10 - جاء في أصح كتب أهل العامة ما يثبت حقيقة أنه لم تنزل آية واحدة في القرآن تمدح أبا بكر أو أهله، فقد ورد عن عائشة في صحيح البخاري قولها: (لم ينزل فينا قرآن)! [صحيح البخاري: ج 6 ص 42، تاريخ ابن الأثير: ج 3 ص 199، الأغاني: ج 16 ص 90، البداية والنهاية: ج 8 ص 96 وغيرها كثير].
وهنا فلنركز قليلاً: لقد ذكرت عائشة هذا أمام جميع الصحابة والمسلمين الأوائل، وقالت: لم ينزل فينا قرآن. ولو كانت آية: (ثاني اثنين..) نازلة في أبي بكر لما قالت هذا الكلام لأنها تنتقص بذلك أباها وتجرده من مزية واضحة في القرآن. أو على الأقل لرد عليها الصحابة الذين يفترض أنهم متيقنون من حضور أبي بكر في الغار، ولذكروها بالآية وبقضية هجرته مع النبي (صلى الله عليه وآله).
لكن شيئاً من هذا لم يحدث، وهو ما يثبت زيف أحاديث حضور أبي بكر في الغار، حتى تلك المسندة إلى عائشة منها. وهذا يوضح أن مسألة حضوره في الغار هي مسألة طارئة ولم تكن معروفة في صدر الإسلام.
خاصة أننا إذا تتبعنا التاريخ فإننا لن نجد إشارات واضحة على لسان أبي بكر حول حضوره في الغار، وهجرته مع النبي (صلى الله عليه وآله). مما يدعم كون القضية من اختلاقات السلطة لإثبات مزية لأبي بكر.
11 - كان يحيى بن معين من المشككين برواية حضور أبي بكر في الغار الواردة عن طريق أنس بن مالك. فكانت الشكوك تحوم حول ذلك الحديث بصور متعددة. (سير أعلام النبلاء للذهبي: ج 10 ص 362، تهذيب الكمال للمزي: ص 29].
وقد ذكر حديث الغار العباس بن الفضل الأزرق عن ثابت عن أنس، فقال فيه يحيى بن معين: (كذاب خبيث)! [تاريخ بغداد: ج 12 ص 133].
وإذا نظرنا إلى رواة حديث الغار، نجدهم بين كذاب ومدلس وضعيف، فقد كان سليمان بن حرب يضعف حديث الغار الذي ذكره خالد بن خداش عن حماد بن زيد عن أيوب بن نافع عن ابن عمر. [سؤالات الآجري لأبي داود سليمان بن الأشعث: ج 1 ص 399].
ولقد ازدادت الطعون في رواة الحديث المكذوب في حضور أبي بكر في الغار. [طالع تاريخ بغداد: ج 8 ص 302، تهذيب الكمال للمزي: ج 1 ص 314، تهذيب التهذيب لابن حجر: ج 1 ص 27، تاريخ دمشق: ج 5 ص 235، سير أعلام النبلاء: ج 12 ص 232، ميزان الاعتدال للذهبي: ج 1 ص 73 وغيرها).
12 - إن الذي كان حاضراً مع النبي (صلى الله عليه وآله) في الغار، ليس سوى دليله ابن بكر، الذي التقى به النبي (صلى الله عليه وآله) في اليوم الأول من هجرته ومكوثه في الغار، فطلب منه مساعدته، واستجاب الرجل للأمر النبوي.
وقد ذكرت مصادر العامة أن ابن بكر كان مشركاً في ذلك الوقت! وهنا نضع علامة استفهام كبيرة، إذ لو كان ابن بكر مشركاً حقاً فما الداعي لأن يساعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!
إن هذا يكشف جزءاً من الحكمة النبوية، فلقد كان ابن بكر يمارس التقية، وكان يخفي إسلامه حتى يقوم بهذه المهمة العظيمة في حفظ رسول الإنسانية وإيصاله سالماً إلى المدينة. لقد كان ابن بكر معروفاً في أوساط كفار قريش بالكفر، وكان يتظاهر بعبادة الأوثان، حتى لا يشكوا فيه، خاصة أنه كان من أشهر الأدلاء على الطرق.
إنه لم يرد في التاريخ أن النبي (صلى الله عليه وآله) منح مكافأة لابن بكر، أو أنه كانت لديه مصلحة معينة معه، حتى نقول مثلاً أنه قد ساعد النبي في الهجرة لغرض دنيوي. فلابد لنا والحال هذه أن نقول بأن ابن بكر كان رجلاً مسلماً صالحاً قام بدوره بدافع من عقيدته.
والذي يؤيد ذلك أنه مادام غائباً عن أذهان مشركي قريش أن ابن بكر مسلم ومن أتباع محمد (صلى الله عليه وآله)؛ فإنه لا يكون مراقباً من قبلهم، وبذا يمكنه أن يوصل الطعام والأخبار إلى النبي في الغار طوال فترة مكوثه فيه، والبالغة ثلاثة أيام حتى يهدأ ويسكن الطلب عليه. ثم يتوجه به إلى المدينة.
والواضح أن ابن بكر في إحدى زياراته للنبي (صلى الله عليه وآله) في الغار، تفاجأ بمجيء مشركي قريش ووصولهم إلى الغار عن طريق الاستدلال على آثار قدمي النبي (صلى الله عليه وآله). وهنا حزن ابن بكر وخاف، فلجأ إلى الغار وطمأنه النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم انصرف المشركون بالإعجاز الإلهي ونزلت الآية.
13 - الظاهر أن الماكرين قد قاموا بتصحيف وتزوير كبيرين، ليوافق اسم (أبي بكر) اسم (ابن بكر). فقد غيروا اسم أبي بكر الحقيقي (عتيق) وجعلوه (عبد الله) ليوافق اسم (عبد الله) بن أريقط بن بكر. [مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر: ج 13 ص 35].
وبهذا بقي التغيير بين (ابن بكر) و(أبي بكر) وهو سهل وبسيط، لأن الكتابة في السابق لم تكن منقوطة، لذا فإن اسم أبي بكر وكذلك ابن بكر يكتبان بالطريقة نفسها.
ولهذا نظائر في التاريخ، فقد قام العباسيون بتصحيف اسم عباس بن نضلة الأنصاري، الصحابي الذي استشهد في معركة أحد، ليسرقوا فضائله ويلصقوها بالعباس بن عبد المطلب.
14 - إن الروايات التي تذكر هجرة أبي بكر مع خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) هي روايات إسرائيلية، لأنها تشتمل على بعض التفاصيل الواضح اتصالها باليهود وتراثهم.
من تلك القضايا، أن حمامة قد جاءت وباضت بيضة أمام الغار، وأن عنكبوتاً قد جاء ونسج خيوطه على فتحة الغار، الأمر الذي جعل المشركين يتوهمون عدم وجود أحد فيه.
وهذا الأمر مناقض للعقل وللصحيح من الروايات، لأن غار ثور - كما شاهدناه - هو غار صغير لا تتعدى مساحته مترين مربعين فقط، فمن غير الممكن أن يحجب أي شيء الرؤية إلى داخله، فلو وقف أي شخص أمام فتحة الغار لشاهد كل ما فيه بشكل واضح جداً، لأنه غار صغير، ويضاف إلى ذلك أن هناك فتحة أخرى جانبية في الغار، الأمر الذي يجعل الضوء ينفذ ويضيء الغار بأكمله مما يسهل الرؤية. لذا فلا معنى لخيوط عنكبوت ولبيضة حمامة، فالرؤية واضحة تماماً.
والحقيقة أنهم قد جاؤوا برواية العنكبوت من سيرة النبي داود (عليه السلام) في كتب اليهود، حيث نسج العنكبوت خيوطه على غار داود (عليه السلام) عندما لاحقه جالوت بغرض قتله. [تفسير القرطبي: ج13 ص 346].
والصحيح أن المشركين عندما وصلوا إلى الغار عميت أبصارهم ولم يتمكنوا من مشاهدة أي أحد داخل الغار، كما حصل عندما مر النبي (صلى الله عليه وآله) أمام أعينهم في خروجه من بيته في مكة المكرمة.
قال أبو الطفيل عامر بن واثلة عن أبيه: (كنت أطلب النبي فيمن يطلبه وهو في الغار، فنظرت فيه فلم أرَ أحداً). ونظر القرشيون في الغار أيضاً فلم يشاهدوا أحداً. [الإصابة: ج 7 ص 194].
إن هذا يؤكد أن المشركين قد عميت أبصارهم عن مشاهدة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكذلك صاحبه ودليله عبد الله بن بكر.
15 - نجد في التاريخ أن أعاظم أصحاب الأئمة (صلوات الله عليهم) قد اتهموا بعدم اعتقادهم بوجود آية (ثاني اثنين إذ هما في الغار...) ضمن القرآن لأنهم لا يعتقدون بنزول آية واحدة في حق أبي بكر!
قال ابن حجر نقلاً عن الحافظ: (أخبرني النظام وبشر بن خالد قالا: قلنا لمحمد بن جعفر الرافضي المعروف بشيطان الطاق: ويحك! أما استحييت لما قلت: إن الله لم يقل قط في القرآن: (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)؟!
قال: فضحك طويلاً حتى خجلنا نحن وكنا نحن الذين قلنا ذلك). [لسان الميزان لابن حجر: ج 5 ص 108].
إن مؤمن الطاق من أعظم تلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام) ولا يمكن أن يخرج عن اعتقاده، والواضح أن اتهامه بها الاتهام الخطير مرده إلى عدم اعتقاده بنزول أية آية في شأن أبي بكر، مما يعني أن آية (ثاني اثنين...) عنده نزلت في رجل آخر، وهو ابن بكر. ولذا وجدنا خصومه يشنعون عليه عندما رأوه ينفي نزول قرآن في حق أبي بكر.
والتهمة نفسها اتُّهِم بها هشام بن الحكم، الذي كان يقول بعدم نزول قرآن في شأن أبي بكر، وبذلك رموه بنقص القرآن لأنهم ربطوا آية الغار بأبي بكر غصباً! فيكون عندهم الذي لا يعتقد بنزول آيات في أبي بكر كمن يعتقد بنقص القرآن!
16 - كان العلماء والمثقفون والحكام من التابعين المنتشرين في شرق الأرض ومغربها عارفين بعدم صحبة أبي بكر للنبي (صلى الله عليه وآله) في الغار والهجرة،ومن هؤلاء محمد بن المهدي مؤسس الدولة الفاطمية الذي كان يكذب حضور أبي بكر في الغار وهجرته مع الرسول (صلى الله عليه وآله). [سير أعلام النبلاء للذهبي: ج 12 ص 133].
ومحمد بن المهدي من العلماء الأشراف المنحدرين من نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد هاجر من الكوفة إلى شمال أفريقيا حيث مكنه الله تعالى من تأسيس أقوى دولة إسلامية في أفريقيا ثم ازدادت عظمة بعد سيطرتها على شبه جزيرة العرب والشام ومصر متخذة من القاهرة عاصمة لها.
إن مما هو بيّنٌ أن قصة هجرة النبي (صلى الله عليه وآله) مع أبي بكر وحضوره وإياه في الغار هي من اختلاقات الأنظمة الحاكمة، ولقد شرحنا في كتابنا الذي سيصدر قريباً إن شاء الله تعالى كيفية ترسيخ الحكومات تاريخياً لهذه القصة في أذهان الناس، فقد قامت السلطة بحرق جميع الأحاديث الواردة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لطمس كثير من الحقائق ومن بينها حقيقة أن الذي هاجر مع النبي هو دليله ابن بكر، وليس أبا بكر.
وما دام ذلك قد حصل فإنه يسهل الترويج لأية أكذوبة لأنه ما من مصدر يرجع إليه المسلمون للتأكد من صحة هذا الحديث. وقد استمرت سياسة التعتيم على الأحاديث النبوية حتى أيام عمر بن عبد العزيز الأموي، أي بعد عشرات السنين من حادثة الإحراق والمنع من تدوين السنة النبوية الشريفة.
ومثلما اختلق الأمويون رواية أن لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ابنتان قد زوجهما من عثمان بن عفان، مستفيدين من كونهما من ربيبات خديجة أم المؤمنين (عليها السلام)، كذلك فقد عمد رجال السقيفة ومن تبعهم من الأمويين إلى تزوير حادثة الغار وإلصاق أبي بكر بها زورا، مستفيدين من شخصية ابن بكر الذي هاجر مع النبي فعلاً. كما قام العباسيون بالاستفادة من شخصية العباس بن نضلة الأنصاري وسرقة فضائله لجدهم العباس بن عبد المطلب.
وبعد التوفيق الإلهي لنا في التوصل لهذه الحقائق العظيمة لنا أن ننفض غبار الأكاذيب عن السيرة النبوية العظيمة.
والوصول إلى الواقع نعمة ربانية عظيمة لنا بعد 1420 سنة من الجهل المطبق على هذه الحادثة.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
العلامة الشيخ نجاح الطائي
مجلة المنبر العدد 19 (السنة الثانية)
شهر رمضان 1422.

وبالنسبة لموضوعي ... سأضع تتمة اليوم... بمشيئة الله تعالى..

أميرة الجنة
02-11-2006, 12:43 AM
عذراً لم أنتبه على تكرار المشاركة السابقة..
ولكن.. التكرار كما يقال للتأكيد....
نكمل الموضوع>>>>>>>>>
وملك يزيد
وأعتذر كذلك أخي الكريم لأن هناك عبارات لابد من كتابتها,, في حق هؤلاء,, وطبعاً هذا إذا كنا منصفين..

دخل يزيد معمعة السلطة في بداية رجب من سنة 60 حسب اليعقوبي، وكان لا بد أن يرسي عرشه على كل الرؤوس، لتذل له، حتى لو كانت رؤوساً هاشمية، فبادر بالكتابة إلى عامله بالمدينة، والوليد بن عتبة بن أبي سفيان وقال له: إذا أتاك كتابي هذا، فأحضر الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة لي، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما، وابعث لي برؤسهما، وخذ الناس بالبيعة، فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم، وفي الحسين وعبد الله بن الزبير، والسلام – ابن الأثير ص 296-.
إن السياسة الأموية وواقع الانحراف الذي خطط له الطاغية معاوية، وتبناه بشكله المرعب فور موته بتولي ابنه يزيد الحكم الموروث، أن منح يزيد السلطة ليقود الأمة الإسلامية، ويخطط لمستقبلها ويحدد مسارها، فهذا معناه الإنهاء العملي للوجود الإسلامي على الإطلاق، وردة واقعية عن مبادىء السماء وعودة للجاهلية ولكن في ثوب جديد، فيزيد هذا كما تؤكد المصادر التاريخية يغلب عليه طابع الشذوذ في شتى أفكاره وممارساته ومشاعره، وأن يزيد لم يتوفر له أي انفتاح واع على الرسالة الإسلامية وأهدافها العليا التي تحقق أرقى صياغة للإنسان كفرد وكعضو في المجتمع.
ومن الجدير بالذكر أن يزيد بن معاوية هو بن ميسون النصرانية الذي تربى في حجرها وعند قومها النصارى، ويحدثنا التاريخ عن نشاطات مشبعة بروح الانحراف عن الإسلام مما كان بن معاوية ابن أكلة الأكباد يمارسها على مسمع ومرأى من كثير من المسلمين في بلاد الشام، كاللهو الماجن واللعب الخليع وشرب الخمور ومنادمة الفتيات والغناء وكان يلبس كلابه أساور الذهب، واشتهر بالمعازف والصيد واتخاذ الغلمان والقيان والكلاب والدباب والقرود، وما من يوم يمر إلا يصبح فيه مخموراً.

قرر معاوية أن ينصب ابنه يزيد هذا الوزغ المنحط خلقياً خليفة على المسلمين، ويأخذ له البيعة بنفسه خلافاً للأعراف والأحكام الإسلامية المتبعة في تعين الخليفة. فأثار هذا القرار الرأي العام الإسلامي وخصوصاً الشخصيات الإسلامية البارزة كالحسين (ع) وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر وشخصيات أخرى. ذلل معاوية الصعاب وأحكم القبضة بكل ما أوتي من وسائل المال والدهاء والإرهاب. ونقل السلطة ورئاسة الدولة إلى ولده يزيد الفاسق مما حفز الأمة للثورة وجعلها تتهيئ لخلع يزيد الحاكم المفروض عليها.
وطبيعي عندما تشتد المحن وتتوالى الشدائد، ويطوق الأمة طوق الإرهاب والتسلط السياسي الجائر تتجه الأنظار إلى رجال المعارضة وقادة الرأي التي تحمل روح الثورة والتضحية وتعيش من أجل المبادئ والقيم، ولم يكن في الأمة يومها من رجل كالحسين بن علي (عليهما السلام)، فهو سيد قريش وسبط الرسول وابن أمير المؤمنين وخير رجال الأمة علماً وورعاً وكفاءةً وخلقاً، وليس في المسلمين من يجهل مقامه الشريف أو لا يعرف شخصيته. ويزيد يعرف تعلق الأمة بالحسين (ع) وشدة الحسين وعنفه وروح الوثبة والثورة فيه، فكتب في الأيام الأولى من توليه السلطة وبعد هلاك الطاغية - معاوية كما ذكرت ولكن من مصدر آخر-، رسالة إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والي المدينة آنذاك كتاباً جاء فيه:- أما بعد، فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليس فيه رخصة حتى يبايعوا. أستلم الوليد رسالة يزيد وقرأ فيها نعي معاوية وإعلان البيعة ليزيد وتكليفه بمهمة سياسية كبرى. أستدعى مستشاره مروان ليبلغه نبأ هلاك معاوية وإعلان البيعة ليزيد، وفي كيفية مواجهة الحسين وتنفيذ قرار يزيد فأشار عليه مروان:(أرى أن تدعوهم الساعة وتأمرهم بالبيعة فإن خلعوا قبلت منهم وإن أبو ضربت أعناقهم). فأرسل الوليد عبد الله بن عمر بن عثمان وهو غلام حدث إلى الحسين (ع) وابن الزبير يدعوهما للحضور فقالا انصرف الآن ناتيه. لم يكن هذا الاستدعاء اعتيادياً، ولم يكن الحسين ليغفل عنه، وماذا يريد الوليد في هذه الساعة، أحس الإمام الحسين وابن الزبير بخطورة الموقف وأدركا أن أمراً جديداً قد حدث، وظن الحسين (ع) أن الطاغية معاوية قد هلك فبعث إلينا ليأخذ بالبيعة منا قبيل أن ينتشر في الناس خبر هلاك الطاغية معاوية.
لقد اختصر يزيد الطريق مذ البداية، إذ رأى قتل الحسين (ع) بمجرد الامتناع عن البيعة. كان القدر حليف القضية الحسينية، لم يدعها تغتال في جنح الظلام، بل أراد أن يهيئ لها أسباب الانفجار الفاضح، كان بود الوليد أن يقتله إذ جاءه وابن الزبير، فقالا:
نصبح ونأتيك مع الناس، وأشار مروان على الوليد بعدم السماح لهما بالخروج، غير أن الأقدار أعمت بصيرة الوليد فتركهما يخرجان، فخرج بذلك الحسين إلى مكة، فلبث فيها بضعة أيام وكاتب منها أهل العراق، فكان ردهم بزعامة ابن أبي هانئ وسعيد بن عبد الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي من شيعته المؤمنين المسلمين، أما بعد فحي هلا فإن الناس ينتظرونك، لا إمام لهم غيرك، فالعجل ثم العجل والسلام.
وبعث إليهم بعد ذلك رسوله (مسلم بن عقيل) فأخذ منهم البيعة للإمام الحسين (ع).
فكان ذلك الخيار الصعب والوحيد للحسين، لينطلق إلى العراق. إلا أن عيون يزيد قد أخبرته بمسير الحسين (ع) إلى العراق، فوكل به عبيد الله بن زياد، لقتاله.
كان عبيد الله بن زياد قد قتل مسلم بن عقيل، رسول الإمام الحسين إلى أهل الكوفة، ووصل الخبر إلى الحسين (ع) وقد بلغ إلى (القطقطانه)، فبعث عبيد الله بن زياد بالحر بن يزيد الرياحي في مجموعة لمنع الحسين (ع) من أن يعدل، فبعث بعمر بن سعد في جيش جرار، يهدفون إلى قتل الإمام الحسين (ع) فكان ميدان القتال بكربلاء حيث كان الإمام الحسين (ع) في مقدمة اثنين وسبعين رجلا من أهل بيته وشيعته الخلص. بينما جيش يزيد بلغ أربعة آلاف جندي.

حاول يزيد منذ البداية قتل الحسين (ع) إذا استعصى عن مبايعته، وما كان الإمام الحسين يرى أن يبايع رجلاً من أكبر فساق بني أمية، فكان الخيار الوحيد أمام الإمام الحسين، أن يستقبل الموت مع آل بيته الذين أبوا إلا الخروج معه، إنه التاريخ يعود من جديد، ليشهد معركة الحق كله ضد الباطل كله إذ ليس الآن أمام جيش بني أمية سوى الحسين (ع) وآل البيت وشيعته القلائل، وهم بقية الرسول صلى الله عليه وآله.
وهكذا استقبل الحسين (ع) الخطة الأموية وتهيأ للمواجهة وأدرك المباغتة وعرف لغة التعامل مع هذا الحزب ثم قال:(لا آتيه إلا وأنا قادر على الامتناع)، ثم بعث الحسين الشهيد إلى أهل بيته وحاشيته فاجتمع من حوله ثلاثون فارساً، فكانوا كوكبة أبطال ورجال ثورة، ثم سار إلى الوليد ومعه حرسه ورجاله مستعداً للدفاع متأهباً للمواجهة بهذه الروح وبتلك العزيمة وبالموقف الشجاع وبالتحدي والرفض، ومن الوهلة الأولى قرر الحسين (ع) أن يجابه تسلط يزيد ويرد على الموقف السياسي الخطير، فهو يعرف يزيد ويدرك عمق المأساة ويعلم أن لا بد من السيف والدم والثورة والجهاد وسحب الصفة الشرعية من هذا المتسلط الطاغية بأي ثمن كان، فليس في نفس الحسين (ع) الثائر الشهيد رضى ولا مهادنة وليس في لغته ضعف ولا وهن، فبين جنبيه قلب علي بن أبي طالب، وفي يده سيف الحق، وفي نفسه نفحة النبوة وعزة الإمامة وشرف الرجولة.
سار الحسين ليحدد الموقف ويعلن القرار ويحسم النزاع ويقول كلمة الرفض وهو يمثل إرادة الأمة وينطق بلسان الشريعة ومن حوله حاشيته وأهل بيته موحياً بالمواجهة وملوحاً بالموقف الصعب ومهدداً بالعنف والثورة. سار موكب الحسين حتى وصل ديوان الوليد وقد حضر مروان بن الحكم. فاقتحم الموكب الحسيني مجلس الوليد وروح الرفض والتحدي ظاهرة على الحسين الشهيد(ع) وأجلس حرسه ورجاله في موضع بحيث يرون مكانه ويسمعون قوله لئلا يؤخذ غدراً أو يهاجم على حين غرة. ثم احتاط للأمر وأعد رجاله وحرسه للوثوب والهجوم ووضع كلمة سر بينه وبينهم.
بدأ الحوار بعد أن سلم عليهم وجلس عليه السلام وأخبر الوليد الحسين بموت معاوية وعرض عليه البيعة ليزيد، فقال الحسين أيها الأمير إن البيعة لا تكون سراً ولكن إذا دعوت الناس غداً فادعنا معهم، فقال مروان لا تقبل أيها الأمير عذره وحتى لم يقبل فاضرب عنقه، فغضب الحسين (ع) ثم قال ويلك يا ابن الزرقاء، أأنت تضرب عنقي... كذبت والله وخسئت، ثم أقبل على الوليد وقال: إنا أهل النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة وبنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق شارب للخمر قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة. ثم خرج وانفض المجلس وانصرف الحسين عائداً إلى أهله وقد عزم على الجهاد وتأهب للمواجهة، ثم قرر التحرك وإعلان الثورة وأن يتخذ مكة المكرمة مقراً للانطلاق وميداناً للتحرك.
ملحمة كربلاء
كربلاء وما أدراكم.. إنها الجدبة التي لا أتمالك فيها أحاسيسي مهما كان الأمر، لأن الحدث بلغ من الدراماتيكية ما يفقد الإنسان تقنياته المعرفية.
إنه إمام الأمة، وإنه جدي، وإنه الإنسان. كل هذا لا يسمح لي أن أقوم بمجرد سرد وإحصاءات و (فبركات) في مثل هذا المشهد.
لكم التاريخ، ولكم الوثائق، ولكم كل شئ، ولي أن أبكي، وأحزن, و.. وويل للذي يلومني على كل هذا..
كان الإمام الحسين (ع) يريد أن ينتشل الأمة من جمودها، يحركها للثورة ضد الكيان الأموي الجاثم على السلطة. ولا بد له من تضحية، ولا بد من دم شريف يراق، ليحدث الانقلاب في نفوس القوم الذين خذلوا قضيته وما زالوا يخذلون!.
لقد سمع الرسول صلى الله عليه وآله يقول لأم سلمة، بعد أن أعطاها تربة في قارورة:
إذا أصبح هذا التراب أحمر فاعلمي أن ابني الحسين قد مات- ابن الأثير / راجع عقيلة بني هاشم بنت الشاطئ-. كان يعلم منذ البداية كما أبيه، أنه سيموت لا محالة مقتولاً، لذلك لما وصل إلى كربلاء وسأل عنها القوم، قال:
هذا كرب وبلا. لقد حاصره الجنود في هذه المنطقة النائية حتى ينفذوا فيه الجريمة.
فالقضية قبل كل شئ، قضية إنسانية، إذ أن أهله معه وأبناءه، ولا بد أن يراعي الأعداء حقه في حماية هؤلاء، نزلوا يلتمسون ماء، فمنعهم القوم.
منعوهم وهم لا يأبهون. ولعمري أي ملة وأي دين كان يجيز لهم منع الماء عن الأطفال والنساء. وهب إننا عذرناهم في منع الحسين (ع) فما بال الأمهات ورضعهن، قال شهر بن حوشب وكان من عملاء يزيد: لا تشربوا منه حتى تشربوا من الحميم.
طرح عليهم الإمام الحسين (ع) خيارات كثيرة، فإما يدعوه يرجع وأما يدعوه يلتقي بيزيد. غير أن القوم المجرمين، علموا أن وجود الحسين أمام يزيد قد يقلب المعادلة. وقد يثير عليهم لوم الناس وأحقادهم، فأبوا إلا أن يقتلوه في هذه الصحراء النائية، وليمتص رمل الصحراء دمه ولا يعلم به أحد. فالناس ليس أمامهم رقابة تمنعهم. أجل، ليس أمامهم إلا الله.
وكانوا به لا يأبهون!.
لقد قدر للإمام الحسين (ع) أن يدفع الثمن كله. ثمن أخيه وأبيه وجده.
طرح عليهم اختياراته فأبوا إلا أن ينزل على حكم ابن زياد. فقال لهم الحسين:
أنزل على حكم ابن زانية؟ لا والله لا أفعل، الموت دون ذلك أحلى.
لقد خرج الحسين في مهمة رسالية، فرضتها عليه ظروف المرحلة، مرحلة السيطرة الكاملة والسافرة للمجرمين وأعداء الشعوب على أمة، إنما وجدت لتخاطب البشرية بالفضيلة والسلام والحرية وكل المعاني التي اندكت في عهد بني أمية، كان هذا منهج الإمام الحسين (ع) وهو خارج إلى الكوفة. حيث قال، إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي. أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين)- تاريخ الخلفاء- ابن قتيبة-.
ثم راح (ع) يطوف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، وأنهى عمرته- تاريخ الطبري-.
لقد حاولوا تجبين الإمام، وهو في الطريق إلى الكوفة، غير أنه لم ينتبه إليهم.
مضى في طريقه إلى الموت وهو يهتف: سأمضي وما بالموت عار على الفتى. إذا نوى حقا وجاهد مسلما.
فهو لم ينهض من بعد أخيه، إلا لما نقض معاوية الوثيقة، ونصب ابنه على الأمة. وكيف يسكت الإمام الحسين (ع) على هذا الأمر. فلا بد لصوت أن ينطلق، ولا بد لضمير أن يهتز:
(إنا أهل بيت النبوة، بنا فتح الله، وبنا يختم، ويزيد شارب الخمور وراكب الفجور، وقاتل النفس المحترمة، ومثلي لا يبايع مثله).
وربما قد نعذره (ع) لو أنه استسلم، وربما امتدحه القوم، وأعلوا منصبه.
غير أن الحسين، هو أمين الله في الأرض، لا يحيد عن مصلحة الأمة، ولو أدى به الأمر إلى خسران حياته، إذ لا قيمة للحياة في ظل ذل وفساد، ولا قيمة لحياة، لا تستثمر في إقامة أركان الدين ونصرة الإسلام. لقد قالها للتاريخ، واستلهمتها منه الأجيال في مسيرات كفاحها:

إن كان دين محمد لا يستقيم * إلا بقتلي فيا سيوف خذيني

لقد صمم الإمام على مغادرة مكة، ليتجه إلى الكوفة، حيث الأنصار الذين يميلون بين نصرته وخذلانه، وقد اعترضه الفرزدق وقال له: إن القوم قلوبهم معك وسيوفهم عليك.
غير أن الإمام، كان يرسم خريطة مرسومة سلفاً في اللوح المحفوظ، كان يعلم بما سيجري له ولآل بيته. وقام خطيبا:
الحمد لله وما شاء الله، ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على رسوله. خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشا جوفا، وأجربة سغبا، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس، تقربهم عينه، وينجز بهم وعده، ألا ومن كان فينا باذلا مهجته، موطنا على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا فإني راحل مصبحا إن شاء الله تعالى).

لقد تآمرت الأمة كلها على الحسين (ع) وآل البيت بعضهم بالتقتيل والآخرون بالخذلان. لم يكن الإمام يريد شق الصفوف وتفريق الشعث. لكن حركة الأجرام كانت تتجه صوب قمع كل صوت، وهدم كل فضيلة، فالأمة ابتليت بخليفة، يشرب الخمور، ولا يرتاح من اللهو. ولا يفهم معاني الورع، كان لاهياً عابثاً في الصحراء لما فرض أبوه بيعته على المسلمين. وجاء متأخراً يلهو بالقرود. وكان يريد أن يأخذ البيعة غصباً من الحسين (ع).

وليتهم تركوه، إذن لما قاتلهم والظروف لا تسمح. لكنهم أرادوا أن يذلوه ببيعة يزيد، فما كان إلا أن قال (ع) هيهات منا الذلة!.
حاول أن يقنع الجيش، غير أنهم منعوه من الماء وأبوا إلا قتله، فدخل إلى الخيمة التي كانت بها أخته زينب (ع) حيث كان علي بن الحسين مريضاً، وهو يقول:

يا دهر أف لك من خليل * كم لك في الإشراق والأصيل
من طالب وصاحب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل * وكل حي سالك سبيلي

وفي يوم الغد، حاول مع القوم أن يخلوا سبيله للرجوع أو ملاقاة يزيد، أو يفتحوا له الطريق إلى إحدى ثغور الأمة، ليقاتل كباقي المجاهدين، فأبوا إلا قتله.
فرجع إلى قومه يكلمهم: إن القوم ليسوا يقصدون غيري، وقد قضيتم ما عليكم فانصرفوا، فأنتم في حل، فقالوا: لا والله، يا ابن رسول الله، حتى تكون أنفسنا قبل نفسك.
ثم يذكر اليعقوبي، أن زهير بن القين خرج على فرس له فنادى:
يا أهل الكوفة! نذار لكم من عذاب الله، نذار عباد الله! ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ولد سمية، فإن لم تنصروهم، فلا تقاتلوهم، أيها الناس! إنه ما أصبح على ظهر الأرض ابن بنت نبي إلا الحسين، فلا يعين أحد على قتله ولو بكلمة إلا نغصه الله الدنيا، وعذبه أشد عذاب الآخرة.
وانطلق الرعاع، يحرقون خيام الإمام الحسين، وقتلوا كل من كان معه، وتشرد حريم الحسين، وتفرق الصبية هاربين من الهجمة البربرية.
لقد عرفوا أنهم يقتلون ابن رسول الله. فلقد عرفهم بمنزلته من الرسول صلى الله عليه وآله وبفضله، وبالآخرة. إلا أن الدنيا كانت قد حجبت عنهم كل حقيقة قال لهم (ع) كلمة يسترجعهم فيها إلا الاستقامة: ((أيها الناس انسبوني من أنا؟ ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟.
ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه؟.
أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي.
أو ليس جعفر الطيار عمي.
أولم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ فإن صدقتموني بما أقوله، وهو الحق والله وما تعمدت الكذب منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ويضرب من اختلقه، وإن كذبتموني فإن فيكم من أن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك يخبروكم عن سفك دمي)؟.
فقال، شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول!.
فقال ابن مظاهر: والله إني أراك تعبد الله على سبعين حرفا، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع الله على قلبك!.
قال الحسين: فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أني ابن بنت نبيكم؟
فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم.
(ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته! أو مال لكم استهلكته أو بقصاص جرامة، ثم نادى: يا شبث بن ربعي، ويا حجار بن ابجر ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث ألم تكتبوا إلي أن أقدم قد أينعت الثمار واخضر الجناب وإنما تقدم على جند لك مجندة؟.
فقالوا: لم نفعل.
قال: سبحان الله بلى والله لقد فعلتم.
فقال: أيها الناس إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمن من الأرض. فقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم بني عمك؟ فإنهم لن يروك إلا ما تحب ولن يصل إليك منهم مكروه!. فقال الحسين:
أنت أخو أخيك؟ أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟
لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد.
كان الإمام الحسين (ع) يحرص على كرامة الأمة ومصلحتها. ويحول دون يزيد وإذلالها: ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة.
وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت وأنوف حمية ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام.
لقد خذل الحسين (ع) وهو في أمس الحاجة إلى من ينصره. فما كان إلا أن يتوكل على الله. ودعا على القوم: اللهم احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهم سنين كسني يوسف وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبره فإنهم كذبونا وخذلونا وأنت ربنا عليك توكلنا وإليك المصير.
كانت لكلمة الإمام الحسين (ع) صدى، أدركت معناها قلوب القوم، غير أنها لم تستجب.
فدنيا يزيد أنفس لديهم من ظلم الحسين (ع) فهي الفرصة التي لا يضيعها لئيم. غير أن الكلمة كان لها وقع ثقيل، ولطيف. على رجل من كبار الفرسان، وهو الذي دفع بالإمام الحسين (ع) إلى كربلاء ومنعه عن دخول الكوفة. سمع الكلمة فوعاها. وكان هنالك خلف لكل إغراءات يزيد، رقة إيمان تسكن قلب الحر. فأقبل إلى عمر بن سعد وقال له: أمقاتل أنت هذا الرجل؟.
قال: إي والله قتالا أيسره أن تسقط فيه الرؤس وتطيح الأيدي.
قال: ما لكم فيما عرضه عليكم من الخصال؟
فقال: لو كان الأمر إلي لقبلت ولكن أميرك أبى ذلك. فتركه، وقال لقرة بن قيس: هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا: قال: فهل تريد أن تسقيه؟.
فطن قرة من ذاك أنه يريد الاعتزال. فأخذ الحر يدنو من الحسين. فقال له المهاجر بن أوس: أتريد أن تحمل؟ فسكت، فارتاب المهاجر من هذا الحال، وقال له، لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك، فما هذا الذي أراه منك؟
فقال الحر. إني أخير نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو أحرقت.
ثم اتجه نحو الحسين (ع) منكسراً معتذراً يلتمس الغفران. فقال للإمام:
اللهم إليك أنيب فتب علي، أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك! يا أبا عبد الله، إني تائب فهل لي من توبة؟.
قال له: أبو عبد الله: نعم يتوب الله عليك.
فأستأذن الحسين في أن يخاطب القوم ثم قال:
(يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر، أدعوتم هذا العبد الصالح، حتى إذا جاءكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه وأمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب فمنعتموه التوجه إلى بلاد الله العريضة حتى يأمن وأهل بيته، وأصبح كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، وحلأتموه ونساءه وصبيته وصحبه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهود والنصارى والمجوس، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه! وهاهم قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمداً في ذريته لا سقاكم الله يوم الظمأ).
انطلق الحر((الحر بن يزيد الرياحي))، معرباً عن ورعه وإخلاصه لقضية الحسين، وهو يقول:

إني أنا الحر ومأوى الضيف * أضرب في أعناقكم بالسيف
عن خير من حل بأرض الخيف * أضربكم ولا أرى من حيف
ثم راح يقاتل ببسالة يقل لها نظير، حتى قتل. وكانت تلك شهادة على توبته وفيئه إلى الحق، ثم جاء إليه الحسين (ع) وهو ممدد فقال:

لنعم الحر حر بني رياح * صبور عند مشتبك الرماح
ونعم الحر إذ نادى حسينا * وجاد بنفسه عند الصباح

وقال: والله ما أخطأت أمك لما سمتك حراً، فأنت الحر في الدنيا والآخرة!
كان شعار الإمام الحسين (ع) بكربلاء (الحرية) ولذلك معنى عميق، يدرك باستيعاب الحدث وفلسفته. انطلق الإمام وهو ينادي القوم (إن كنتم لا تؤمنون بالله ولا تخافون الميعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم إن كنتم عرباً كما تزعمون) وقضية الحسين، هي بالإضافة إلى كونها قضية إسلام وجاهلية، تبقى قضيته حرية. إذ أن الذين طلبوه ثم خذلوه، كانوا يفتقدون للحس التحريري. التحرر من كل ما يفقد الضمير يقظته، ويعكر المعاني والقيم في النفوس. لقد فقدوا حريتهم أمام (دنيا) يزيد. واستعبدهم بطشه. فافتقدوا الإرادة، وافتقدوا معها (الحرية). ولم تكن هذه المعركة تعبر حتى عن الذهنية العربية. فمعارك العرب أسمى من أن تجمع بين جيش جرار وفئة قليلة من الناس. وهي أسمى من أن تجمع بين لقطاء وبين عصبة تنتمي لبيت الشرف. وقد كان الحس القبلي طاغياً على الحس الغنيمي عند العرب، والفضيلة غالبة على كل الاعتبارات الأخرى فهذا القدر من الحرية، افتقده جيش يزيد، وبالتالي كانوا يحتاجون إلى أكثر من قفزة للوصول إلى مستوى الخطاب الإسلامي. فهم في حاجة إلى (حرية) ولو في صبغتها العربية، كان الحر بن يزيد هو ذلك النموذج الذي أثرت عليه كلمات الحسين (ع) والإحساس بالتحرر كان لا يزال حياً في أعماقه. وكل من كان هناك كان يعرف إنه مسلوب الحرية باختيار منه ليس إلا. فالحر بن يزيد أدرك إنه أكثر تحرراً من أن يمنعه القوم المجرمون عن نصرة الحسين (ع) ومهما بطش يزيد وتجبر، فإنه لا يملك أن يسلب الحرية ممن وطن نفسه على الكفاح واستقبل الموت بصدر وسيع. كان يزيد أقل قدراً وأخس من أن يجبر مسلماً على الخضوع لو أن المسلمين استجابوا للجهاد. فما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا. وكان نموذج أهل الكوفة نموذج القوم الذين افتقدوا حس التحرر. وتلك هي أهم القضايا التي واجهها الحسين (ع).

والقوم الذين ضاع حسهم التحرري في منعرجات النزوع الدنيوي، لم يكونوا في حاجة إلى ضمير ثوري، يزعجهم، ويضعهم أمام المسؤولية وفي مواجهة الخيار الصعب. فكان ضرورياً أن يهاجموا معسكر الأحرار، ويدكوا بفرسانهم جسد الحسين (ع) انتقاماً، من صلابته التي تعتبر، انتصاراً على مستوياتهم النفسية.
لقد ظهرت لهم نفوسهم أخس وأخس مئات المرات من (جون) ذلك العبد الذي تنفس حريته. ووجد في معسكر الحسين، ميداناً واسعاً للتعبير عن تحرره المكبوت خلال سنين مد يده. إنهم يرون في تحرر الحسين وشيعته، قبح وجوههم وذمامتها، وخسة نفوسهم وانحطاطها. فلذلك ازداد انتقامهم وتضاعف.
فراحوا يتنافسون على تدمير معسكر الإمام الحسين (ع).
اشتد القتال، وشيعة الحسين (ع) يتساقطون كأوراق الخريف الواحد تلو الآخر، وكلهم يقدم أروع أدوار البطولة والفداء. حتى لم يبق إلا الحسين وأهل بيته ليس معهم إلا الله.
كان علي بن الحسين (ع) مريضاً. وقد شاءت الأقدار أن يكون كذلك للدور التاريخي المنوط به بعد الحسين (ع) غير أن علياً الأكبر، وهو أخوه، كان في تمام الاستعداد، لالتماس (الشهادة) ليكتب بها وثيقة عار في تاريخ الجريمة التي شهدها آل البيت المحمدي. انطلق يطلب القوم نصرة أبيه، وللحق الذي جاء من أجله ونشد في القوم:
أنا علي بن الحسين بن علي * نحن ورب البيت أولى بالنبي
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي * أضرب بالسيف أحامي عن أبي
ضرب غلام هاشمي قرشي

كان المشهد يدور بعين الحسين (ع) يرى ببصيرة المعصوم، انحطاط النفوس، وتشوه القلوب. يرى كيف صار الأمر في أمة، طالما ربى فيها جده وأبوه النفوس التعبى ثم أطلقها صرخة، والدموع تنساب من عينيه، وقد أحس بالاستضعاف:
ما لك؟ (يقصد عمر بن سعد) قطع الله رحمك كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلط عليك من يذبحك على فراشك. ثم رفع يديه الكريمتين نحو السماء وتمثل قائلا:
اللهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم أشبه الناس برسولك محمداً خلقاً وخلقاً ومنطقاً وكناً إذا اشتقنا إلى رؤية نب