Follow us on Facebook Follow us on Twitter Instagram Watch us on YouTube
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 45
  1. #1
    عضو في ذمة الله الصورة الرمزية عمار علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    الدولة
    نـومــيـديـــــا ( الجزائر )
    المشاركات
    1,559

    افتراضي مدرسة المدارس الامام جعفر الصادق عليه السلام


    الإمام الصادق (عليه السلام) في سطور

    الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) سادس الأئمة الأطهار من أهل البيت المعصومين الذين نص الرسول (صلى الله عليه وآله) على خلافتهم من بعده.
    ولد في سنة ( 83 ) هجرية وترعرع في ظلال جدّه زين العابدين وأبيه محمّد الباقر (عليهم السلام) وعنهما أخذ علوم الشريعة ومعارف الإسلام. فهو يشكّل مع آبائه الطاهرين حلقات نورية متواصلة لا يفصُل بينها غريب أو مجهول، حتَّى تصل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لذا فهو يغترف من معين الوحي ومنبع الحكمة الإلهية.
    وبهذا تميزت مدرسة أهل البيت التي أشاد بناءها الأئمة الأطهار ولا سيما الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام) فهي مدرسة الرسالة المحمّدية التي حفظت لنا أصالة الإسلام ونقاءه.
    وهكذا تبوّأ الإمام الصادق مركز الإمامة الشرعية بعد آبائه الكرام وبرز إلى قمّة العلم والمعرفة في عصره مرموقاً مهاباً فطأطأت له رؤوس العلماء اجلالا وإكباراً حتَّى عصرنا هذا.
    لقد كان عامة المسلمين وعلماؤهم يرون جعفر بن محمّد (عليه السلام) سليل النبوّة وعميد أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً.
    فهو الرمز الشرعي للمعارضة التي قادها أهل بيت الوحي(عليهم السلام) ضد الظلم والطغيان الاُموي والعبَّاسي معاً.
    كما كان العلماء يرونه بحراً زاخراً وإماماً لا ينازعه أحد في العلم والمعرفة واستاذاً فذاً في جميع العلوم التي عرفها أهل عصره والتي لم يعرفوها آنذاك.
    لقد عايش الإمام الصادق (عليه السلام) الحكم الاُموي مدة تقارب (أربعة) عقود وشاهد الظلم والارهاب والقسوة التي كانت لبني اُمية ضد الاُمة الإسلامية بشكل عام وضد أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) وشيعتهم بشكل خاص.
    وكان من الطبيعي ـ بعد ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ـ أن يكون آل البيت هم الطليعة والقيادة المحبوبة لدى الجماهير المسلمة، ومن هنا بدأت فصائل العباسيين تتحرك باسم أهل البيت وتدعو إلى الرضا من آل محمّد (صلى الله عليه وآله) وخلافة ذرية فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله).
    لقد انسحب الإمام الصادق (عليه السلام) من المواجهة المكشوفة ولم تنطل عليه الشعارات التي كان يستخدمها بنو العباس للوصول إلى الحكم بعد سقوط بني اُمية بعد أن ازداد ظلمهم وعتوهم وارهابهم وتعاظمت نقمة الاُمة عليهم.
    لقد سقط سلطان بني اُمية سنة ( 132 هـ ) ، ثمّ آلت الخلافة إلى بني العباس فعاصر حكم أبي العباس السفّاح وشطراً من حكم المنصور الدوانيقي بما يقرب من عشر سنوات.
    لقد انصرف الإمام الصادق (عليه السلام) عن الصراع السياسي المكشوف إلى بناء الاُمة الاسلامية علمياً وفكرياً وعقائدياً وأخلاقياً، بناءاً يضمن سلامة الخط الاسلامي على المدى البعيد بالرغم من استمرار الانحرافات السياسية والفكرية في أوساط المجتمع الاسلامي.
    لقد انتشرت الفرق الاسلامية كالمعتزلة والاشاعرة والخوارج والكيسانية والزيدية في عصره واشتد الصراع بينها، كما بدأت الزندقة تستفحل وتخترق اجواء المجتمع الاسلامي فتصدى الإمام الصادق (عليه السلام) للردّ على الملاحدة من جهة وتصدى لمحاكمة الفرق المنحرفة من جهة اُخرى.
    لقد اهتمّ الإمام (عليه السلام) ببناء الجماعة الصالحة التي تتحمّل مسؤولية تجذير خط أهل البيت في الاُمة الاسلامية إلى جانب اهتمامه ببناء جامعة أهل البيت الاسلامية وتخريج العلماء في مختلف فنون المعرفة ولا سيما علماء الشريعة الذين يضمنون للاُمة سلامة مسيرتها على مدى المستقبل القريب والبعيد ويزرعون بذور الثورة ضد الطغيان.
    ولم يغفل الإمام (عليه السلام) عن تقوية الخط الثوري والجهادي في أوساط الاُمة من خلال تأييده لمثل ثورة عمه زيد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) ومن تلاه من ثوار البيت العلوي الكرام.
    ولم يكن الإمام الصادق (عليه السلام) ليسلم من هذه المحنة ـ محنة الثورة على الظلم العباسي ـ فقد كان المنصور يطارده الخوف من الإمام الصادق (عليه السلام) ويتصور أنَّه اليد التي تحرّك كل ثورة ضد حكمه، مما أدى إلى استدعائه إلى العراق أكثر من مرة وضيّق عليه وأجرى عليه محاكمة يجل الإمام عن مثلها ليشعره بالرقابة والمتابعة ثمَّ خلّى سبيله.
    بل قد ذكرت بعض المصادر أن المنصور قد نوى قتله أكثر من مرَّة الا أن الله سبحانه حال بينه وبين ما أراد.
    وهكذا عاش الإمام الصادق (عليه السلام) الفترة الأخيرة من حياته ـ وبعد أن استقرت دعائم الحكم العباسي ـ حياة الاضطراب والارهاب، وفي جوّ مشحون بالعداء والملاحقة، إلاّ انه استطاع أن يؤدي رسالته بحكمة وحنكة وقوّة عزم ويفجّر ينابيع العلم والمعرفة ويبني الاُمة الاسلامية من داخلها ويربّي العلماء والفقهاء الاُمناء على حلاله وحرامه ويشيد بناء شيعة أهل البيت الذين يمثّلون الجماعة الصالحة التي عليها تتكئ دعائم الخطّ النبوي لتحقيق مهامّه الرسالية بعد أن عصفت الرياح الجاهلية بالرسالة الخاتمة وتصدّى لقيادة الاُمة رجال لم يكونوا مؤهلين لذلك.

    نشأة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)

    الاُسرة الكريمة :
    إنّ اُسرة الإمام الصادق (عليه السلام) ، هي أجل وأسمى أسرة في دنيا العرب والإسلام، فإنّها تلك الأسرة التي أنجبت خاتم النبيين وسيد المرسلين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنجبت أيضاً عظماء الأئمة وأعلام العلماء، وهي على امتداد التأريخ لا تزال مهوى أفئدة المسلمين، ومهبط الوحي والإلهام.
    من هذه الأسرة التي أغناها الله بفضله، والقائمة في قلوب المسلمين وعواطفهم تفرّع عملاق هذه الاُمة، ومؤسس نهضتها الفكرية والعلمية الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)، وقد ورث من عظماء أسرته جميع خصالهم العظيمة فكان ملء فم الدنيا في صفاته وحركاته.

    الأب الكريم :
    هو الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) سيد الناس لا في عصره، وإنما في جميع العصور على امتداد التأريخ علماً وفضلا وتقوى، ولم يظهر من أحد في ولد الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) من علم الدين والسنن وعلم القرآن والسير، وفنون الأدب والبلاغة مثل ما ظهر منه[1].
    لقد فجّر هذا الإمام العظيم ينابيع العلم والحكمة في الأرض، وساهم مساهمة إيجابية في تطوير العقل البشري، وذلك بما نشره من مختلف العلوم. لقد أزهرت الدينا بهذا المولود العظيم الذي تفرع من شجرة النبوة ودوحة الإمامة ومعدن الحكمة والعلم، ومن أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

    الاُم الزكية :
    هي السيدة المهذبة الزكية (اُم فروة) بنت الفقيه القاسم[2] بن محمّد بن أبي بكر[3] وكانت من سيدات النساء عفة وشرفاً وفضلا، فقد تربت في بيت أبيها وهو من الفضلاء اللامعين في عصره، كما تلقت الفقه والمعارف الإسلامية من زوجها الإمام الأعظم محمّد الباقر (عليه السلام)، وكانت على جانب كبير من الفضل، حتى أصبحت مرجعاً للسيدات من نساء بلدها وغيره في مهام اُمورهن الدينية وحسبها فخراً وشرفاً أنها صارت اُمّاً لأعظم إمام من أئمة المسلمين، وكانت تعامل في بيتها بإجلال واحترام من قبل زوجها، وباقي أفراد العائلة النبوية.

    ولادة النور :
    ولم تمضِ فترة طويلة من زواج السيدة (اُم فروة) بالإمام محمّد الباقر(عليه السلام) حتَّى حملت، وعمت البشرى أفراد الأسرة العلوية، وتطلعوا إلى المولود العظيم تطلعهم لمشرق الشمس، ولما أشرقت الأرض بولادة المولود المبارك سارعت القابلة لتزف البشرى إلى أبيه فلم تجده في البيت، وإنما وجدت جده الإمام زين العابدين (عليه السلام)، فهنأته بالمولود الجديد، وغمرت الإمام موجات من الفرح والسرور لأنه علم أن هذا الوليد سيجدد معالم الدين، ويحيي سنّة جدّه سيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبرته القابلة بأن له عينين زرقاوين جميلتين، فتبسم الإمام (عليه السلام) وقال: إنه يشبه عيني والدتي[4].
    وبادر الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلى الحجرة فتناول حفيده فقبّله، وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية، فأذّن في اُذنه اليمنى، وأقام في اليسرى.
    لقد كانت البداية المشرقة للإمام الصادق (عليه السلام) أن استقبله جدّه الذي هو خير أهل الأرض، وهمس في أذنه:
    «الله أكبر..»...
    «لا إله إلاّ الله»...
    وقد غذاه بهذه الكلمات التي هي سرّ الوجود لتكون أنشودته في مستقبل حياته.

    تاريخ ولادته :
    اختلف المؤرخون في السنة التي وُلد فيها الإمام الصادق (عليه السلام) فمن قائل إنه وُلد بالمدينة المنورة سنة ( 80 هـ )[5].
    وقال آخرون إنه وُلد سنة ( 83 هـ ) يوم الجمعة أو يوم الإثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول[6].
    وقال ثالث إنه وُلد سنة ( 86 هـ )[7].

    تسميته وألقابه :
    أما اسمه الشريف فهو (جعفر) ونص كثير من المؤرخين على أن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي سماه بهذا الاسم، ولقّبه بالصادق.
    لقد لُقِّب الإمام (عليه السلام) بألقاب عديدة يمثلّ كل منها مظهراً من مظاهر شخصيّته وإليك بعض هذه الألقاب الكريمة :
    1 ـ الصادق: لقبه بذلك جدّه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) باعتباره أصدق إنسان في حديثه وكلامه[8] وقيل: إن المنصور الدوانيقي الذي هو من ألد أعدائه، هو الذي أضفى عليه هذا اللقب، والسبب في ذلك: أن أبا مسلم الخراساني طلب من الإمام الصادق (عليه السلام) أن يدله على قبر جده الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فامتنع، وأخبره أنه إنما يظهر القبر الشريف في أيام رجل هاشمي يقال له أبو جعفر المنصور، وأخبر أبو مسلم المنصور بذلك في أيام حكومته وهو في الرصافة ببغداد، ففرح بذلك، وقال: هذا هو الصادق[9].1
    2 ـ الصابر[10] : ولقب بذلك لأنه صبر على المحن الشاقة والخطوب المريرة التي تجرعها من خصومه الاُمويين والعباسيين.
    3 ـ الفاضل[11]: لقب بذلك لأنه كان أفضل أهل زمانه وأعلمهم لا في شؤون الشريعة فحسب وإنما في جميع العلوم، فهو الفاضل وغيره المفضول.
    4 ـ الطاهر[12]: لأنه أطهر إنسان في عمله وسلوكه واتجاهاته في عصره.
    5 ـ عمود الشرف[13]: لقد كان الإمام (عليه السلام) عمود الشرف، وعنوان الفخر والمجد لجميع المسلمين.
    6 ـ القائم[14]: لأنه كان قائماً بإحياء دين الله والذب عن شريعة سيد المرسلين.
    7 ـ الكافل[15]: لأنه كان كافلا للفقراء والأيتام والمحرومين، فقد قام بالإنفاق عليهم وإعالتهم.
    8 ـ المنجي[16]: من الضلالة، فقد هدى من التجأ إليه، وأنقذ من اتصل به.
    وهذه بعض ألقابه الكريمة التي تحكي بعض صفاته، ومعالم شخصيته.

    كُناه :
    وكني الإمام الصادق (عليه السلام) بأبي عبد الله، وأبي إسماعيل، وأبي موسى[17].

    .................................................. .................................................. ...........

    [1] الفصول المهمة: 192.
    [2] صفة الصفوة: 2/249، المعارف: 175.
    [3] القاسم بن محمد بن أبي بكر كان من الفقهاء الأجلاء، وكان عمر بن عبد العزيز يجله كثيراً وقد قال: لو كان لي من الأمر شيء لوليت القاسم بن محمّد الخلافة، وقد عمر طويلا وذهب بصره في آخر عمره، ولما احتضر قال لابنه: سن عليّ التراب سناً ـ أي ضعه علي سهلا ـ وسوّي على قبري، والحق بأهلك، وإياك أن تقول: كان أبي، وكانت وفاته بمكان يقال له قديد، وهو إسم موضع يقع ما بين مكة والمدينة، راجع ترجمته في صفة الصفوة: 2/49 ـ 50 والمعارف: 54، ومعجم البلدان: 7 / 38، ووفيات الأعيان: 3 / 224.
    [4] الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب: 72.
    [5] تأريخ ابن الوردي: 1/266، الاتحاف بحب الإشراف: 54، سر السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري: 34، ينابيع المودة: 457، تذكرة الحفاظ: 1/157، نور الأبصار للشبلنجي: 132، وفيات الأعيان: 1/191.
    [6] أصول الكافي: 1/472، مناقب آل أبي طالب: 4/280، أعلام الورى: 271 وجاء فيه أنه ولد بالمدينة لثلاث عشر ليلة بقيت من شهر ربيع الأول.
    [7] مناقب آل أبي طالب: 4/208.
    [8] قال السمعاني في أنسابه : 3 / 507، الصادق لقب لجعفر الصادق لصدقه في مقاله.
    [9] موسوعة الإمام الصادق : 1 / 22 .
    [10] مرآة الزمان : 5 / ورقة 166 من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين.
    [11] المصدر السابق.
    [12] المصدر السابق.
    [13] سر السلسلة العلوية: 34.
    [14] مناقب آل أبي طالب: 4/281.
    [15] المصدر السابق.
    [16] المصدر السابق.
    [17] مناقب آل أبي طالب: 4/281.


    اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد الطيبين المعصومين الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا

    عمار علي الأعجمي (الامازيغي)

  2. #2

    افتراضي


    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد
    اللهم صل على فاطمه وأبيها وبعلها وبنيها وسرك المستودع فيها وعجل فرجهم وأهلك أعدائهم وانصر مواليهم بقدرتك يا أرحم الراحمين.
    الحمد لله رب العالمين في الأولين والاخرين.
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


    سلام الله على أئمة البقيع ورحمة الله وبركاته..

    رزقنا الله في النيا زيارتهم وفي الأخره شفاعتهم..

  3. #3
    عضو في ذمة الله الصورة الرمزية عمار علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    الدولة
    نـومــيـديـــــا ( الجزائر )
    المشاركات
    1,559

    افتراضي الإمام جعفر الصادق عليه السلام رائد العلم ومكتشف النظريات


    يقول الاستاذ: محمد العرادي
    وهذا ملخص قوله
    لقد أصبحت البشرية جمعاء تدين بالفضل، لاؤلائك العلماء الغربيين الذين اكتشفوا النظريات من خلال بحوثهم المستفيضة، وصار العالم كلما مرت عليهم هذه النظريات يقف إجلالا لمن اخترعها، وسهل على البشر الكثير من العقبات، وراح يقيم لأجلهم الاحتفالات السنوية تخليدا لذكراهم واعترافا بفضلهم على البشرية !!
    فصاروا يذكرون في كل حين بجوائزهم التقديرية العظيمة، التي أصبحت تحمل أسمائهم !!
    ولكن هناك تساؤلات يثيرها العقل الإنساني، ويفرضها التاريخ بكل فلسفته العميقة...
    هل يعقل أن ندين بالفضل للغرب، وهو الذي عاش قرون طويلة يرزح تحت نير العصور المظلمة ويعيش الجهل بكل صوره؟؟؟؟؟
    كيف ينقلب الجاهل حكيما بين ليلة وضحاها !!!
    إن الأمر يحتاج لبحث طويل في بطون الكتب، لكشف أغوار الحقيقة لتظهر للعالم جلية كنهر جاري في وسط الصحراء يرده الظامئ إذا عطش، لا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.
    إن اكتشاف الحقيقة ليس بالصعب المستصعب، بل هو واضحا للعيان انه كالخط الأبيض في السماء الحالكة....
    إن هذا الخط يا عزيزي القارئ هو خط الولاية، خط آهل البيت عليهم الصلاة والسلام، ذلك الخط الذي رسمه الله سبحانه لنا وأمرنا بإتباعه....
    انه الصراط المستقيم الذي نهايته الجنة، من سار عليه بخطى ثابتة وقوية وصل الجنة وأمن العذاب، قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ((مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى))....
    فهم معصومون كالأنبياء من الأخطاء والزلات، إذ هم المؤهلين لتوصيل الناس لطريق الخير والفلاح، وإتباعهم فرضا وواجب ((لا تسبقوهم فتضلوا ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا)) نهج البلاغة.
    ((ردوهم ورود الهيم العطاش)) نفس المصدر.
    وشخصية كالإمام الصادق عليه الصلاة والسلام، قد سبق عصره بقرون طويلة وتبحر في العلوم وكشف عن النظريات قبل أن تكتشف، أو يفكر أحدا في اكتشافها....
    وكيف لا وهو سليل العترة الطاهرة وهو الإمام المعصوم من الزلل..
    وهنا يجب أن أعطي ملاحظة جديرة بالاهتمام، وهي إن الإمام لم يكتشف نظريات، بل اكتشف حقائق فالنظريات تحتمل الخطأ أو الصواب، وعندما يكتشف احد العلماء نظرية يأتي اخر ويكتشف أمور أخرى، فيصبح هو صاحبها، لكن إمامنا عليه الصلاة والسلام علمه من الله فإذا حقائقه لا يأتيها الباطل أو يفندها احد.....
    والإمام المعصوم تتوافر له شروط لا تتوافر لغيره منها انه:
    1- يتمتع بالعلم الواسع.
    2- مطلع على روح وجسم الإنسان ومسائله النفسية.
    3- محيط بتاريخ المجتمع البشري.
    4- يتمتع بمعرفة العلم المستقبلي ((المغيبات))
    ولو تتبعنا العلوم والاكتشافات التي أصبح الغرب يتشدق باكتشافها، لوجدنا إن معظم هذه النظريات والاكتشافات، قد كشفها الأمام الصادق عليه الصلاة والسلام قبل أن تنعقد نطف أولائك العلماء في أرحام أمهاتهم !!!!
    وسوف أتناول بشكل مختصر بعض العلوم وإتقان الإمام صلوات الله عليه لها، فعلوم الإمام الصادق لا يسعها هذا المقال البسيط إنما تحتاج لمجلدات طويلة.

    الإمام الصادق وعلم اللغات:
    تعتبر اللغة من مرتكزات الثقافات العالمية، فهي طريق التواصل بين الشعوب،وقد قيل في المثل ((اعرف لغة عدوك تأمن شره))، والأمام الصادق عليه السلام ولا غرو رائد في هذا المجال، وكيف لا وهو ينحدر من بيت علم وفضل ((كبيرهم لا يقاس وصغيرهم جمرة لا تداس))، وقد كان والده الامام الباقر عليه السلام عارفاً باللغات العبرية والسريانية....
    وإمامنا الصادق عليه السلام قد أتقن جميع اللغات، فقد كان يعرف النبطية والصقلبية والحبشية ويتحدث بها بطلاقة تامة !!!
    وسوف اسوق بعض الامثلة على بعض اللغات التي أتقنها أمامنا الصادق عليه السلام.

    معرفته عليه السلام باللغة الفارسية:
    لقد برع الإمام الصادق عليه السلام، في هضم جميع اللغات وصار يتحدث بها بكل طلاقة، والإمام هو حجة الله على العباد فلابد بل من الواجب عليه، أن يتقن جميع لغات البشر وغير البشر لأنه الإمام المكلف بتوصيل الأحكام الإلهية للناس، فيجب أن يتصل به الناس من غير حجب ولا موانع، ومعرفته عليه السلام بجميع اللغات تؤهله لهذا المنصب الرفيع...
    فقد روي في بصائر الدرجات، أنه دخل على أبي عبد الله عليه السلام قوم من أهل خراسان فقال ابتداءً ((من جمع مالا يحرسه، عذبه الله على مقداره)) فقالوا بالفارسية ((لا نفهم العربية)) فقال عليه السلام لهم ((هركه درم اندوزد جزايش ذوزخ باشد))؟؟؟
    وبذلك أوضح عليه السلام ما استشكل على الإخوة، والذي منعهم من معرفته هو عدم نطقهم بلغة الضاد....
    وعن أبي بصير أنه قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وعنده رجل من أهل خراسان وهو يكلمه بلسان لا أفهمه ((الاختصاص))، وهذا الحديث يدل على الجلسات الخاصة بين الإمام سلام الله عليه وأناس لا ينطقون العربية.

    معرفته عليه السلام بلغة الحيوان:
    روى أبو بصير قال: جاء رجل إلى أبي عبد الله – عليه السلام – فسأله عن حق المؤمن فقال له ((تأتي ناحية أحد)) يقصد جبل احد، فخرج فإذا أبو عبد الله – عليه السلام – يصلي، ودابته قائمة، وإذا ذئب قد أقبل، فسارّ أبا عبد الله – عليه السلام – كما يسارّ الرّجل، ثم قال له: ((قد فعلت))، فقلت: جئت أسألك عن شيء فرأيت ما هو أعظم من مسألتي فقال:
    ((إن الذئب أخبرني أن زوجته بين الجبل وقد عسر عليها الولادة فادع الله تعالى لها أن يخلصها مما هي فيه، فقلت قد فعلت، على أن لا يسلّط أحداً من نسلكم على أحد من شيعتنا أبداً)).
    فقلت: ما حق المؤمن على الله تعالى؟
    قال: فلو قال للجبال ((أوّبي لأوّبت)) فأقبلت الجبال يتداك بعضها ببعض.
    فقال أبو عبد الله – عليه السلام – ضربت لها مثلاً ليس إياك نعني ورجعت إلى مكانها. المصدر الثاقب في المناقب.

    الإمام الصادق عليه السلام وعلم الطب:
    يعتبر الإمام الصادق عليه السلام، أبو الطب ولا منازع له في ذلك فقد ألم إلمام تام بمسائل الطب، ووضع لكل داء دواء ولا أبالغ عندما أقول إن الإمام الصادق عليه السلام، قد اكتشف علاجات لكثير من الأمراض التي يعجز الطب في وقتنا الحاضر على علاجها، وفي اعتقادي إنها تحتاج لكثير من البحث في عملية استنباطها من الكتب، علما بأن كتب كثيرة لأهل البيت عليهم السلام قد حرقت على يد صلاح الدين الأيوبي الذي أسرف في قتل الشيعة !!!!
    وقد عالج الإمام عليه السلام الكثير من الأمراض، وقدم النصائح الوقائية وقدم النموذج السليم لحياة سليمة، خالية من الأمراض والعلل بشرط ان تتبع النصائح بشكل سليم...
    فقد روي عن محمد بن مسلم أنه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما وجدنا للحمى مثل الماء البارد وفي حديثا أخر: ((الحمّى من فيح جهنم فأطفؤها بالماء البارد. وسائل الشيعة
    وقال عليه السلام ((أن لكل ثمرة سماً، فإذا أتيتم بها فامسكوها واغسلوها بالماء)) كتاب الأطعمة والاشربة.
    ويعتبر الامام الصادق عليه السلام أول مشرّح لجسم الإنسان فهو العارف بكل دقائق الجسم البشري ولو لم يكن عارفاً لما شرحها بهذه الدقة !!!
    فقد روى سالم الصرير: ((ان نصرانيا سأل الصادق عليه السلام تفصيل الجسم، فقال عليه السلام: ان الله تعالى خلق الإنسان على اثني عشر وصلا، وعلى مائتي وستة وأربعين عظما، وعلى ثلاث وستين عرقا. فالعروق هي التي تسقي الجسد، والعظام تمسكها، والشحم يمسك العظام، والعصب يمسك اللحم، وجعل في يديه اثنين وثمانين عظما في كل يد واحد وأربعون عظما، منها في كفه خمسة وثلاثون عظما، وفي ساعده اثنان، وفي عضده واحد، وفي كتفه ثلاثة، وكذلك الأخرى......
    وفي رجله ثلاثة وأربعون عظيما، منها في قدمه خمسة وثلاثون عظما، وفي ساقه اثنان، وفي ركبته ثلاث، وفي فخذه واحد، وفي وركه اثنان، وكذلك في الأخرى.......
    وفي صلبه ثماني عشرة فقارة، وفي كل واحد من جنبيه تسعة أضلاع، وفي عنقه ثمانية، وفي رأسه ستة وثلاثون عظما، وفي فيه ثمانية وعشرون واثنان وثلاثون. المصدر (المناقب)
    هل بمقدور أحدا ان يصف الجسم البشري بكل هذه الدقة المتناهية، هل الإمام شرح جسما بشريا؟؟؟؟
    لا....
    إنما هو علم لا يتأتي إلا لنبي أو وصي، وإمامنا هو خليفة الأنبياء والأوصياء عليهم السلام فلا وجه للاستغراب.
    وقد قدم الإمام عليه السلام حقائق لم تكن لتعرف إلا بعد مدة طويلة من الزمن فقد قدم الإمام عليه السلام حقيقة مهمة للغاية اعتبرت فيما بعد كنظرية عرفت بنظرية انتقال الأمراض عن طريق الضوء !!!!
    ويرجع الإمام عليه السلام السبب في بعض الأمراض إلى الضوء وليس البكتيريا أو الرائحة كما كان يعتقد....
    فالضوء أيضا ينقل الأمراض من الشخص المريض إلى الشخص السليم،حيث ان بعض الأمراض ينبعث منها ضوء، فإذا أصاب أحدا انتابته العلة!!!!
    وقد لاقى هذا القول اعتراض وسخريا من بعض المطببين، وذلك لقصر أفقهم ونظرتهم الآنية الضيقة، حيث كان في اعتقادهم ونظرهم القاصر ان الرائحة التي تنبعث من المريض إلى السليم، هي السبب في المرض إلى ان جاء العلم الحديث وطرح نظرياته،التي اعتبرها جديدة بينما هي مقتبسة من علم الإمام الصادق عليه السلام، وذلك من حيث يعلموا أو لا يعلموا، وجاءت تلك النظريات المقتبسة معززة بالتجارب وتم اكتشاف صدق حقائق ونظرة الإمام....
    ففي مدينة ((نوو- وو- سيبيرسك)) الواقعة في الاتحاد السوفيتي مركزً من أهم مراكز البحوث في العلوم الكيميائية والطبية. وقد استطاع هذا المركز أن يثبت للمرة الأولى بان هناك من الأمراض ما يشع ضوءا، وان هذا الضوء قادر في حد ذاته، ودون ميكروب أو فيروس، على إصابة الخلايا السليمة وإيقاع المرض بها.

    الإمام الصادق عليه السلام ملهم الكيمياء:
    تميزت مدرسة الإمام الصادق عليه السلام بتخريج أكثر من أربعة آلاف من العلماء، كل يقول حدثنا جعفر بن محمد عليه السلام،وقد تخرج من مدرسة الإمام عليه السلام علماء جهابذة، قدموا النظريات مستلهمينها من علم الإمام الصادق عليه السلام،ومن اؤلائك العلماء هشام بن الحكم المتوفى حوالي سنة (199هج) صاحب نظرية جسمية الأعراض كاللون والطعم والرائحة، وقد أخذ ابراهيم بن سيّار النّظام المعتزلي هذه النظرية لما تتلمذ على هشام....
    ولا ننسى جابر بن حيان وعبقريته في الكيمياء فهو خريج مدرسة الإمام الصادق لا بل جامعة الإمام الصادق وان شئت فقل أكثر.....
    وقد برع في علم الكيمياء ودون ألف المصنفات، والتي بلغت خمسمائة رسالة من تقريرات الإمام في علمي الكيمياء والطب في ألف ورقة !!!

    الإمام الصادق عليه السلام مكتشف الأكسجين:
    تتكون كلمة الأوكسجين من مقطعين، فهي كلمة يونانية الأصل مركبة من مقطعين، أولهما (الحموضة) وثانيهما (المولد) فتعني الكلمة موّلد الحموضة، وقد اشتهر العالم الانجليزي جوزيف بريستلي، بأنه أول من اكتشف الأوكسجين.
    ولكن الحقيقة التاريخية تشير إلى غير ذلك؟؟؟؟
    فالإمام الصادق عليه السلام اهتدى إلى الأوكسجين أو مولد الحموضة إلا انه عليه السلام، لم يأتي بذلك اللفظ وإنما أعطى الأساس...
    فقد عّرف الإمام عليه السلام الهواء على انه ((مزيج من عناصر شتى يساعد بعضها على تنفس الكائنات الحية كما يساعد على الاحتراق))
    والمتأمل اللبيب في قول الإمام الصادق عليه السلام، يلمس ما يرمز إليه الإمام عليه السلام في قوله ((يساعد بعضها على تنفس الكائنات الحية))
    وما هو الذي يساعد على التنفس غير الأكسجين، إذ يحق لنا ان نقول ان الإمام الصادق عليه السلام قد سبق بريستلي (1733- 1804) في شرح الأكسجين قبل ان يهتدي بريستلي ومن بعده إلى الأكسجين واعتباره جزء من الهواء، وما استخدمه بريستلي ليس إلا تغير ألفاظ تفرضها تغير الحضارات.

    الإمام الصادق عليه السلام وعلم البيئة:
    ((ان على الانسان ألا يلوث ما حوله لكي لا يجعل الحياة شاقة له ولغيره)) المصدر (الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب).
    تلك هي مقولة إمامنا الصادق عليه الصلاة والسلام، التي تصلح ان تكون دستورا بيئيا ترجع إليها المنظمات البيئية في العالم، فالمتأمل في قوله عليه السلام يرى انه نافذ الفكر واسع الأفق سابقا لعصره بسنوات طويلة فهو عليه السلام يربط بين ما يفعله الإنسان من تلويث ببيئته وبين مصادر الشقاء والحرمان !!!
    وتلويث البيئة لم تعرف في زمن الإمام عليه السلام، حتى يتحدث عنها بكل هذا الوضوح، فالعالم المعاصر لم يهتم بالبيئة إلا عندما دقت أجراس الخطر، وبدأ الشقاء الفعلي عندما تم إلقاء القنبلة الذرية على المدينتين اليابانيتين، خلال الحرب العالمية الثانية، حيث ما زلنا نلمس أثارها المدمرة والمستمرة إلى يومنا هذا ونحن في القرن الحادي والعشرين !!!!؟؟؟؟
    ناهيك عن المصانع الضخمة في أوروبا وأمريكا، ودورهما في تلويث مياه الأنهار والبيئة، وتملص الولايات المتحدة الأمريكية من التوقيع على اتفاقيات البيئة العالمية، وخير مثال اتفاقية(كيوتو) للحد من انبعاث الغازات التي تؤدي للإحترار الكوني.

    الخلاصة:
    إن فضل الإمام الصادق عليه السلام على العالم ككل لا يقاس فهو الذي حمل علوم أبيه الباقر وجده الإمام السجاد وأجداده الإمام الحسين وامير المؤمنين الذي قال ((علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألف باب من العلم ينفتح لي من كل باب ألف باب)).
    فعلم الإمام مصدره الله سبحانه وتعالى لا مصدره المدارس والجامعات الوضعية، مصدره متمثل في ((حدثني أبي عن جدي عن رسول الله عن جبرائيل عن الله)).
    الـــــــــــــــــــــــ ـــــــرابط:
    http://www.annabaa.org/nbanews/52/144.htm
    اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد الطيبين المعصومين الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا

    عمار علي الأعجمي (الامازيغي)

  4. #4
    عضو في ذمة الله الصورة الرمزية عمار علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    الدولة
    نـومــيـديـــــا ( الجزائر )
    المشاركات
    1,559

    افتراضي مدرسة المدارس وجامع الجوامع الامام جعفر الصادق عليه السلام في منظور علماء الغرب





    ملاحظة هامة:


    الموضوع منقول حرفيا من صاحبه الدكتور نور الدين ال علي
    الذي قام بنقله الى العربية
    وهو بعنوان:


    الامــــــــــــــام الصـــــــــــــادق عليــــــــــه الســــــــــلام


    كمـــــــــــــــــــــــ ــــا عــــــــــــــرفه علمــــــــــــــــاء الغــــــــــرب



    تمهيد:


    ولد الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في المدينة المنورة في يوم الاثنين السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين(1) أو سنة ثمانين للهجرة(2). وأمه هي فاطمة بنت قاسم بن محمد بن أبي بكر، الكنّاة بأم فروة، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، أي أن نسبها ينتهي إلى أبي بكر من ناحيتي الأب والأم.


    وقام جدّه علي بن الحسين زين العابدين بتربيته ورعايته طوال مدة اثنتي عشرة سنة، فنهل منذ صباه من منهل جده زين العابدين (عليه السلام) في الأدب والفقه والمعارف الإسلامية والزهد والتقوى. أما والدة الإمام علي ابن الحسين زين العابدين (عليه السلام) فهي شهر بانويه بنت يزرجرد بن شهريار بن كسرى، ويسمونها أيضاً شاه زنان، وقيل جهان بانويه، وقيل سلافة، وقيل خولة.


    وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) سمّاها مريم، وكانت تدعى سيدة النساء(3). قضى الإمام زين العابدين (عليه السلام) بضع سنين في كنف جدّه الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم نشأ في مدرسة عمه الحسن وأبيه الحسين سبطي الرسول (صلى الله عليه وآله) وتغذى من نمير علوم النبوة، واستقى من مصادر آبائه الطاهرينن فهو وارث علم جدّه علي (عليه السلام) وأبيه الحسين (عليه السلام).


    وأما عن زهده وورعه ومواعظة، فهو إمام الزهاد وقدوة المتقين وهداية المتعظين، قلّ أن تجد كتاب زهد وموعظة لم يرد فيه. (قال علي بن الحسين، أو قال زين العابدين (عليه السلام) ). وقد جاء في سيرة الإمام أنه كان يخطب الناس في كل جمعة ويعظمهم، ويزهدّهم في الدنيا، ويرغبهم في أعمال الآخرة، ويقرع أسماعهم بتلك القطع الفنية من ألوان الدعاء والحمد والثناء التي تمثل أروع صورة للعبودية المخلصة لله سبحانه وتعالى.


    وقد ترك لنا زين العابدين (عليه السلام) هذه الأدعية والخطب في وثيقة سميت (بالصحيفة السجادية) تعتبر تراثاً ربانياً فريداً، يبقى على مر الدهور مصدر عطاء ومشعل هداية ومدرسة أخلاق وتهذيب، فهذه الوثيقة هي حقاً ثمرة المدرسة المحمدية وتراثها الخالد، وقد قدّر للإمام زين العابدين (عليه السلام) أن يعاصر همرحلةً من أدق المراحل التي مرت على الأمة الإسلامية في القرون الأولى من تاريخ الإسلام.


    فقد شهد النصف الثاني من القرن الأول امتداداً للفتوح الإسلامية من الحجاز إلى أدنى الشرق وأقصى الغرب، فزعزع المسلمون عروش الأكاسرة والقياصرة، وضموّا إليهم شعوباً مختلفة وبلاداً واسعة، وأصبح المسملون قادة القسم الأكبر من العالم الممتدين وقتئذ وخلال نصف قرن.


    ومع أن هذه القيادة جعلت من المسلمين قوةً كبرى على الصعيد العالمي من الناحيتين السياسية والعسكرية، إلاّ أنها عرضتهم لخطرين داهمين خارج النطاق السياسي والعسكري، وكان لا بد من الإقدام على عمل حاسم للوقوف في وجههما:


    أما الخطر الأول فهو الذي نجم عن انفتاح المسلمين على ثقافات الأمم المتحضرة، وعلى اعراف تشريعية، وأوضاع اجتماعية مختلفة نتيجة لتفاعلهم مع الشعوب التي دخلت في دين الله أفواجاً وكان لابد من عمل على الصعيد العلمي يؤكد للمسلمين أصالتهم الفكرية وشخصيتهم التشريعية المتميزة المستمدّة من الكتاب والسنّة.


    وكان لابد من حركةٍ فكرية اجتهادية تفتح آفاقهم الذهنية ضمن ذلك الإطار لكي يستطيعوا أن يحملوا مشعل الكتاب والسنّة بروح المجتهد البصير، والممارس الذكي، الذي يستطيع أن يستنبط ما يفيده في كل ما يستجد له من حالات(4)، فكان لابد إذن من تأصيل الشخصية الإسلامية، ومن بذر بذور الاجتهاد، وهو ما قام به زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) الذي أنشأ حلقةً للبحث والدرس في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ليحدّث الناس بصنوف المعرفة الإسلامية من تفسير وحديث وفقه، ويفيض عليهم من علوم آبائه الطاهرين ويمرّن النابهين منهم على الفقه والاستنباط.


    وقد تخرج من هذه المدرسة عدد كبير، منهم فقهاء المسلمين من الصحابة والتابعين الذين وردت أسماء بعضهم في كتب سير الصحابة من أمثال جابر بن عبد الله الأنصاري، وعامر بن وائلة الكناني، وسعيد ابن جهان الكناني، وسعيد بن المسيّب بن حزن. وقد قال زين العابدين (عليه السلام) عن الأخير: (سعيد بن المسيّب أعلم الناس بما تقدم من الآثار).


    ومن التابعين سعيد بن جبير ومحمد بن جبير بن مطعم وأبو خالد الكابلي والقاسم بن عوف واسماعيل بن عبد الله بن جعفر وإبراهيم والحسن ابنا محمد بن الحنفية وحبيب بن أبي ثابت وأبو يحيى الأسدي وأبو حازم الأعرج وسلمة بن دينار المدني وغيرهم(5)، فجمع من حوله الفقهاء ورواة الحديث، وأقرّ المسلمون جميعاً بعلمه واستقامته وأفضليته، وانقاذ الواعون منهم إلى زعامته وفقهه ومرجعيته، حتى لقد اعترف أعداؤه بفضله، واستنجدوا بعلمه وإرشاداته، فهذا عبد الملك بن مروان وقد اصطدم بملك الروم، الذي هدده باستغلال حاجة المسلمين إلى استعمال نقود بلاد الرومان في التعامل حيث أراد بذلك إذلال المسلمين وفرض شروطه عليهم، فوقف عبد الملك متحيراً، وضاقت به الأرض، وقال كما جاء في الرواية (أحسبني شأم مولودٍ في الإسلام).


    وجمع أهل الرأي واستشارهم، فلم يجد عند أحد منهم رأياً يعنى به، فقال له القوم: (إنك لتعلم الرأي والخرج من هذا الأمر) فقال: (ويحكم)، مَن؟ (قالوا: (الباقي من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله).


    قال: (صدقتم)، وهكذا كان، فقد فزع إلى الإمام زين العابدين (عليه السلام)، الذي بعث ولده محمداً الباقر إلى الشام، وزوده بتعليماته الخاصة، فوضع خطة جديدة للنقد الإسلامي، وأنقذ الموقف عندئذٍ(6) ولقد فصّل الدميري في حياة الحيوان القول في هذه القضية وذكرها بالأرقام.


    وإننا لو جمعنا ما قيل في علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) وعلمه وفضله وزهده وعبادته لأصبح كتاباً مستقلاً، وروضة تسرّ الناظرين، ولكننا نخرج بذلك عن الهدف، وقُصارى الأمر أن نسوق ما قاله بعض الأئمة فيه، فقد قال الزهري: (ما رأيت هاشمياً من علي بن الحسين، ولا أفقه منه). وقال سعيد بن المسيّب: (ما رأيت قط مثل علي الحسين). وقال الإمام مالك: (إنما سمي زين العابدين لكثرة عبادته). وقال سفيان بن عيينه: (ما رأيت هاشمياً أفضل من علي بن الحسين زين العابدين، ولا أفقه منه). وعَدَّ الإمام الشافعي علياً بن الحسين (أفقه أهل المدينة).


    وكانت مدرسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) توطئةً لما نشأ بعد ذلك من مدارس الفقه، ودعامةً لحركته الناشطة.


    وقد استطاع الإمام بفضل هذا الأسلوب استقطاب الحركة الفكرية الاسلامية الأصلية عند القراء وحملة الكتاب والسنّة، حتى قال سعيد بن المسيّب: (إن القرّاء كانوا لا يخرجون إلــــى مكة حتى يخرج علي بـــن الحسين، فخــــرج وخرجنا معه ألف راكب)(7).


    أما الخطر الثاني، فقد نجم عن موجة الرخاء التي عمّت المجتمع الاسلامي في اعقاب ذلك الامتداد الهائل وهيّأت للمجتمع أسباب الانسياق مع ملذات الدنيا والإسراف في الزخرف وزينة الحياة، وقد وردت أخبار الترف والإسراف في كتب التاريخ والسيرة بكثرة، وحسبنا في هذا المقام مراجعة كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني مثلاً، لنقف على أطراف ذلك.


    وقد ادرك الإمام زين العابدين (عليه السلام) مدى هذا الخطر، وتصدى لعلاجه بدعوى المسلمين إلى التوجه إلى الله والدعاء له، واتخذ من الدعاء أساساً لهذا العلاج، واستطاع بما أوتي من بلاغة نبوية فريدة، وتمكن تام من أساليب التعبير العربي، وذهينة ربانية تتفق عن أروع المعاني وأدقها في تصوير صلة الإنسان بربه ووجده بخالقه تعلقه بمبدئه ومعاده، وماستطاع بذلك وبما أوتي من المواهب أن ينشر من خلال الدعاء جواً روحانياً يشد من عزيمة الإنسان المسلم امام المغريات، ويشده إلى ربه.


    هذه هي مدرسة الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وهي المدرسة الأولى التي تعلّم فيها الإمام جعفر الصاق(عليه السلام) منذ نعومة ظفاره برعاية جده واهتمامه به وحنانه الأبوي عليه.


    وقد توفي الإمام زين العابدين (عليه السلام) سنة خمس وتسعين هجرية، وكان الصادق عندئذ في الخامسة عشرة أو في الثانية عشرة من عمره الشريف.


    وآلت الإمامة والزعامة الروحية بعد الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلى ابنه الإمام أبي جعفر محمد الباقر (عليه السلام).


    1 - أصول الكافي: للكليني ج1 ص 472.


    مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب ج4 ص 280.


    2 - الفصول المهمة: ص208، 216.


    3 - المناقب: ج4 ص 176.


    ربيع الأبرار عن الزمخشري: روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (لله من عباه خيرتان، فخيرته من العرب قريش ومن العجم فارس) ز وكان علي ابن الحسين يقول أنا ابن الخيرتين، لأن جده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأمه بنت يزدجرد، وقد قال فيه أبو الأسود الدولي:


    وإن غلاماً بين كسرى وهــاشم لأكرم من نيطت عليـــه الشتائم


    4 - الإمام محمد باقر المصدر: مقدمة (الصحيفة السجادية) ص 14.


    5 - المناقب ج4 ص 136.


    6 - المناقب: ج4 ص 303 ـ ومحمد باقر الصدر: مقدمة (الصحيفة السجادية) (صلى الله عليه وآله)90.


    7 - المناقب ج4 ص 136.




    ................................................يتبـــــــــــع.................................................. ..........
    اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد الطيبين المعصومين الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا

    عمار علي الأعجمي (الامازيغي)

  5. #5


    مُميز الصحة والعلوم

    تاريخ التسجيل
    May 2008
    الدولة
    الـكـاظمــيــة
    المشاركات
    2,749
    مقالات المدونة
    1

    افتراضي


    متابع

    ونشكركم على الموضوع
    HULK
    :::::SMASH:::::
    www.facebook.com/MUHAMMED.ELYA.ALKZMAWI




    WILL COLLIDE WITH THE HULK

  6. #6

    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابتسامة حزين
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    الدولة
    دولة العدل الالهي
    المشاركات
    3,289

    افتراضي


    بارك الله بكل من وضع حرفا هنا
    بارك الله بكم جميعا
    اخوتي الافاضل عرفوا العالم من هو الامام الصادق عليه السلام
    عرفوا القريب الذي يجهل وينكر وعرفوا البعيد الذي لايعلم

    جعلها الله لكم في ميزان الاعمال
    http://albrhan.org/portal/templates/Default/images/takferyon2.gif
    ولو أن بعضي مالَ من آل أحمدٍ
    لشاهدتَ بعضي قد تبرأَ من بعضي


  7. #7

    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابتسامة حزين
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    الدولة
    دولة العدل الالهي
    المشاركات
    3,289

    افتراضي


    الصادق في العراق
    قضت السياسة العبّاسيّة وحذق رجالها العاملين - والقدر من ورائهم - بتقويض مُلك بني مروان، والحيلولة دون نجاح الحسنيين، وانتشار روح الامامة في الناس للحسينيين، بيد أنهم أخطأوا في سياسة الإرهاق والإرهاب مع الصادق عليه السّلام، وحملهم إِيّاه إِلى العراق عدّة مرّات، لأنهم بهذا خدموا الإمامة وأظهروا أمر أهل البيت اكثر ممّا لو تركوه وادعاً في مكانه.
    مازجت تربة العراق مودّة أهل البيت من بدء دخول الاسلام فيه، لا سيّما وقد صار برهة عاصمة سلطانهم، وبه مدفن عدّة من أعاظم رجالهم، وبه حوادث لهم لا ينساها الناس والتأريخ مادام بشر على وجه الأرض، ومادام تأريخ مسطور، كحادثة الطفّ وحادثة زيد.
    وإِن للنظر والمشاهدة أثراً لا يبلغه السماع، فإن الجمال اذا اجتذب الأرواح الشفّافة، والعواطف الرقيقة، فبالعيان لا بالآذان، نعم ربّ شيء يكون لسماعه أثر - والاذن تعشق قبل العين أحياناً - إِلا أنّ السماع لا يماثل المشاهدة مهما بلغ تصويره مبلغاً يجذب القلوب والمشاعر.
    كما أن للمظلوميّة عاطفة في القلوب، ورحمة في النفوس، لا سيّما اذا كان المظلوم من أماثل الناس، وأعاظم العلماء.
    فإذا غلب على القلوب حبّ الصادق عليه السّلام بالسماع، واعتقد الناس إِمامته بالبرهان، فأين ذلك من مبلغ العيان، ومشاهدة البرهان، وسماع البيان، فكان لقدوم الصادق العراق بلاد الولاء للعترة، ولمشاهدة شمائله وفضائله، ولسماع عظاته ونوادر آياته أثر بليغ في ميل النفوس اليه، وانعطافهم عليه، فوق ما يجدونه من السماع عنه، وما كان الناس كلّهم يذهب للحجّ فيجتمع به، فكانت جملة من الأحاديث أخذوها عنه في جيئاته إِلى العراق.
    وربت على هذا كلّه مظلوميّته، فإن الناس كلّهم أو جلّهم يعلمون بأن الصادق مظلوم مقهور على هذا المجيء، ويعلمون بما ينالون منه من سوء أذى في مجيئه، هذا فوق ما يعتقدونه من غضب مقامه والتضييق عليه، والحيلولة دون نشر علومه ومعرفه.
    وما كان حتّى الشيعة يعرفون عن الإمام من الشأن والقدر والعلم والكرامة مثلما عرفوه عنه بعد مجيئه، لأن التقيّة وعداء السلطة حواجز دون نشر فضائله والصادق عليه السّلام كما يقول عمرو بن أبي المقدام: كنت إِذا نظرت اليه علمت أنه من سلالة النبيين، وكما يقول ابن طلحة في مطالب السؤل: رؤيته تذكّر الآخرة، واستماع حديثه يزهد في الدنيا، والاقتداء بهديه يورث الجنّة، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع بأنه من ذوي الرسالة.
    ومن ثمّ تجد هشام بن الحكم وكان جهمياً يعدل إِلى القول بالإمامة لمحاورة الصادق له ونظره اليه، ذلك النظر الذي امتلأت نفسه منه جلالاً وهيبةً فأحسّ أن ذلك لشأن لا يكون إِلا للأنبياء والأوصياء، فكان من آثار مجيئه إِلى العراق هداية هشام، وأنت تعرف مَن هشام، وما آثاره في خدمة أهل البيت، وخدمة الدين(1).
    ______________________________
    (1) كتبت رسالة عن هشام بن الحكم استقصيت فيها قدر الامكان أخباره وآثاره.
    ومن آثار مجيئه إِلى العراق إِشادته لموضع قبر أمير المؤمنين عليه السّلام ودلالته خواصّ الشيعة عليه، وكان اكثرهم لا يعلمون موضعه على اليقين، سوى أنه على ظهر الكوفة في النجف لأن أولاده جهدوا في إخفائه خوفاً من أعدائه فصارت الشيعة تقصده زائرين، وكان الصادق عليه السّلام يصحب في كلّ زيارة بعض خواصّ أصحابه، وهو الذي أمر صفوان بن مهران الجمّال بالبناء عليه.
    وقد ذكر شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي في كتاب التهذيب، في كتاب المزار منه، في باب فصل الكوفة عدّة زيارات للصادق عليه السّلام.
    كما ذكر مثل ذلك الشيخ الكليني طاب ثراه في الكافي، والسيد ابن طاووس في فرحة الغري، والمجلسي في مزار البحار وهو الجزء الثاني والعشرون، والشيخ الحرّ العاملي في وسائل الشيعة في كتاب المزار الجزء الثاني الى كثير غيرهم.
    ونحن نورد لك بعض تلك الزيارات والدلالات منه، قال الشيخ أبو جعفر الطوسي: إِن الصادق عليه السّلام زار قبر أمير المؤمنين عليه السّلام عدّة مرات، منها يوم أقدمه السفّاح الحيرة، ومنها ما يرويه عبد اللّه بن طلحة النهدي(1) يقول: دخلت على أبي عبد اللّه عليه السلام - ثمّ قال - فمضينا معه حتّى انتهينا إِلى الغري فأتى موضعاً فصلّى فيه.
    وذكر أيضاً مجيئه مرّة اُخرى من الحيرة ومعه يونس بن ظبيان(2) ودعا عند القبر وصلّى وأعلم يونس أنه قبر أمير المؤمنين عليه السّلام بعد أن كان يونس لا يدري أين هو سوى أنه في الصحراء.

    ______________________________
    (1) عربي كوفي روى عن الصادق عليه السلام، وروى عنه جماعة من الثقات مثل علي بن إسماعيل الميثمي ومحمّد بن سنان وابن محبوب.
    (2) الكوفي ممّن روى عن الصادق عليه السلام وجاءت فيه روايات قادحة واُخرى مادحة، ولكن روى عنه جماعة كثيرة من الثقات، وبعضهم من أصحاب الاجماع.
    http://albrhan.org/portal/templates/Default/images/takferyon2.gif
    ولو أن بعضي مالَ من آل أحمدٍ
    لشاهدتَ بعضي قد تبرأَ من بعضي


  8. #8
    عضو في ذمة الله الصورة الرمزية عمار علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    الدولة
    نـومــيـديـــــا ( الجزائر )
    المشاركات
    1,559

    افتراضي مدرسة المدارس وجامع الجوامع الامام جعفر الصادق عليه السلام في منظور علماء الغرب


    ...تــــــــــــــــابع...
    الإمام أبو جعفر محمد الباقر عليه السلام

    ولد الإمام الباقر (عليه السلام) (بالمدينة المنورة سنة سبع وخمسين من الهجرة النبوية، وكان أول مولود اجتمع بنسبه الإمامان الحسن والحسين (عليه السلام)، لأن أمه هي فاطمة أم عبد الله بنت الحسن بن علي، فهو هاشمي من هاشميين، وأول علوي من علويين، وأول فاطمي من فاطميين. أقام مع جده الحسين ثلاث سنين أو أربع وحضر واقعة كربلاء كما عاش مع أبيه زين العابدين أربع وثلاثين سنة وعشرة أشهر، أو تسعاً وثلاثين سنة، وبعد أبيه تسع عشر سنة(1). وعاصر من الخلفاء الأمويين وليداً ابن يزيد، وسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك وأخاه هشاماً والوليد بن يزيد وأخاه إبراهيم، وقُبض بالمدينة في ذي الحجة سنة أربع عشرة ومائة، وله يومئذ سبع وخمسون سنة مثل عمر أبيه وجده.


    وهو ربيب مدرسة أبيه زين العابدين (عليه السلام)، وجامع علومه، ووارث فضائله ومكارمه، وقد قام بدوره بحمل عبء الإمامة الدينية والزعامة العلمية في عصره، فاجتذب إلى مدرسته الصديق والمعاند، والمحب والمبغض، واعترفوا جميعاً بفضله وعلمه.


    سئل جابر الجعفي: (لِمَ سُمي الباقر باقراً؟) قال: (لأنه بقر العلم بقرا، أي شقه شقاً، وأظهره إظهاراً)(2) ولم يكن اهتمامه منصباً على الفقه وعلوم القرآن فحسب، بل تعداهما إلى علوم خرى كالحكمة والتاريخ والكيمياء واللغات وغيرها مما نرى أخباره أو إشارات عنه في تاريخ حياة الإمام، وفي طيات كتب السير والحديث.


    ومما قاله موسى بن أكيل النميري: (جئنا إلى باب دار أبي جعفر (عليه السلام) نستأذن عليه، فسمعنا صوتاً حزيناً يقراً بالعبرانية، فدلنا عليه، وسألنا عن قارئه، فقال (عليه السلام): (ذكرت مناجاة إيليا فبكيت من ذلك)(3). وروي عن سماعة بن مهران أنه قال: (جئنا نريد الدخول على أبي جعفر (عليه السلام)، فلما صرنا في الدهليز، سمعنا قراءة سريانية بصوت حزين، يقرأ ويبكي حتى أبكى بعضنا)(4).


    وقد قيل إنه لم يظهر من أحد من أولاد الحسن والحسين عليهما السلام من العلوم ما ظهر منه من التفسير والكلام والفُتيا. قال محمد بن مسلم: (سألته عن ثلاثين ألف حديث، وقد روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين)(5). ووفد إليه كل طالب علم، واستقى من منهله العذب كل متعطش لمعرفة الحقيقة. فهذا الدهري يسأله تارة، وهذا الخارجي يجادله أخرى، وهؤلاء أئمة المذاهب يأخذون عنه ويعترفون بعلمه وفضله وزهده.


    فهذا الأبرش الكلبي يقول للإمام الباقر (عليه السلام): (يا ابن علي، هل قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان؟). قال: (نعم)، قال: (فإني سائلك عن مسائل). قال: (فإني كنت مسترشداً فستنتفع بما تسأل عنه(6).


    وهذا عبد الله بن نافع الأزرق وهو من رؤساء الخوارج جاء ليسأل الباقر (عليه السلام) عن مسائل(7)،وتكلم رؤساء الكيسانية مع الباقر (عليه السلام) في حياة محمد بن حنيفة وقد رد الإمام قولهم في ابن حنيفة(8).


    وفي (حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني): قال عبد الله بن عطاء المكي: (ما رأينا العلماء عند أحد أصغر منهم عند
    أبي جعفر، يعني الباقر (عليه السلام) ولقد رأيت الحكم بن عيينة مع جلالته وسنة عنده، كأنه صبي بين يدي معلّم يتعلم منه).



    عن محمد بن مسلم قال: (ما شجرني في قلبي شيء قط إلا سألت عنه أبا جعفر (عليه السلام) حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث، وسألت أبا عبد الله(عليه السلام)(9) عن ستة عشر ألف حديث)(10). وهناك أمور هامة في تاريخ حياة الإمام الباقر وسيرته (عليه السلام) تجدر الاشارة إليها؛ الأول، إن الإمام الباقر انصرف في مدرسته إلى إفادته النخبة الجليلة التي حملت لواء العمل ومشعل الهداية في كل قطر ومصر، وإن ابتعاد الإمام الباقر(عليه السلام).


    عن الزعامة السياسية وتفرغه للعلم كفاه شر الخلفاء الأمويين، ويسرَّ عليه أداء هذه الرسالة الروحية السامية. وقد كان حريصاً على نشر الرسالة العلمية في خفية عن الأعين واعتكاف الناس، نأيا بنفسه عن غضب السلطان، ودرءاً للعداوات والأحقاد.


    عن أبي القاسم اللالكائي في (شرح حجج أهل السنة): قال أبو حنيفة لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام): (أأجلس) وكان أبو جعفر قاعداً في المسجد، فقال أبو جعفر: (أنت رجل مشهور ولا أحب أن تجلس إليّ). قال: (فلم يلتفت إلى أبي جعفر وجلس...)(11) وهذا جابر الجعفي يقول: (دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: من أين أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة، فقال: ممن؟ قلت: من جعف. قال لِمَ قدمت إليَّ ها هنا؟ قلت: طلباً للعلم. قال: ممن؟ قلت: منك. قال: إذا سألك أحد من أين أنت فقل من أهل المدينة. قلت: أيحـــل لي أن أكـــذب؟ قال: ليس هذا كـــذبـــاً. من كـــان في مدينة فهو مــن أهلها حتى يخرج)(12).


    ثانياً، أن الإمام الباقر (عليه السلام)، وهو زعيم المدرسة العلميّة المحمدية بالمدينة، لم يمنعه اشتغاله بالافادة والتدريس من العمل لكسب العيش، مهما كانت ظروف العمل وأوضاعه، فقد ضرب باضطلاعه بأعمال صعبة أروع الأمثلة على بذل الجهد والجدّ في طلب الحلال، ليكون بذلك إماماً وقدوة للعلماء العاملين، يقول محمد بن المنكدر: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة، فلقيت محمداً بن علي (الباقر)، وكان رجلاً بديناً، وهو متكيء على غلامين له موليين، فقلت في نفسي: شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحــــال في طـــلب الدنيا؟ فدنــوت منه، فسلمــــت عليه، فسلّم عليّ ببهر(13) وقد تصبب عرقاً، فقلت: أصلحك الله، لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال؟ فخلّى عن الغلامين، ثم تساند وقال: لو جاءني والله الموت وأنا في هذه الحال، جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله تعالى أكف بها نفسي عنك وعن الناس، وإنما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله.


    ثالثاً: كان الباقر (عليه السلام)، مع علمه وزهده، لا يحرم على نفسه ما أحل الله له من نِعَمِ الأكل والشرب واللباس. في (الكافي)، عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام)، فدعا بالغداء، فأكلت معه طعاماً ما أملت طعاماً قط أنظف منه ولا أطيب، فلما فرغنا من الطعام قال: يا أبا خالد، كيف رأيت طعامك، أو قال: طعامنا؟ قلت: جُعلت فداك؟ ما رأيت أطيب منه قط، ولا أنظف. ولكني ذكرت الآية في كتاب الله عز وجل (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم)(14). فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنما تسألون عما أنتم عليه من الحق.


    وفي (الكافي) عن زرارة قال: خرج أبو جعفر (عليه السلام) يصلي على بعض أطفالهم، وعليه جُبّة خَزّ صفراء، ومطرف خَزّ أصفر(15).


    وأيضاً عن الحسن الزيات البصري قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) أنا وصاحب لي، فإذا هو في بيت منجد وعليه ملحفة وردية، وقد حفَّ لحيته واكتحل، فسألناه عن مسائل...(16).


    وأما عن زهده وورعه وعبادته فحدّث ولا حرج، فهو ربيب زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام). في (الكافي): عن ابن القداح عن أبي عبد الله جعفر (عليه السلام) قال: كان أبي (عليه السلام) كثير الذكر، لقد كنت أمشي معه وإنه ليذكر الله، وآكل معه الطعام وإنه ليذكر الله، ولقد كان يحدّث القوم، وما يشغله ذلك عن ذكر الله. وكنت أرى لسانه لازقاً بحنكه يقول: لا إله إلا الله، ولقد كان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منا، كان لا يقرأ منا أمره بالذكر(17).


    هذه هي بيئة الإمام الصادق (عليه السلام) وأسرته والمدارس التي تعلم فيها وتخرج منها مما هيأه لحمل عبء الإمامة والزعامة العلمية الفريدة في عصره.


    وها نحن مقبلون على دراسة حياة الإمام الصادق (عليه السلام) الحافلة، والوقوف على جوانب علومه وثقافته المتشعبة. وقد مرّ أن الدراسات الاسلامية وكتابات علماء المسلمين عن سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) وحياة الأئمة (عليه السلام) انصبت، وما زالت، على جانب العبادة ومعرفة الحلال والحرام، حتى يومنا هذا، في حين أن دراسة المستشرقين للإمام الصادق (عليه السلام) ومدرسته العلمية، ركزت على الجوانب العلمية والتاريخية والاجتماعية.


    وفي هذه الدراسة يقف القارئ للمرة الأولى على نظريات الإمام الصادق (عليه السلام) العلمية في الكيمياء والفيزياء والنجوم والفلك وعلم الصحة والطب وغيرها، مع شروح ومقارنات تبين دقة النظرية وأهميتها وسبقها للاكتشافات العلمية التي تحققت في عصر النهضة في أوربا.


    وقد تواتر القول بأن جابراً بن حيّان، وهو أبو الكيمياء، قد تتلمذ على الصادق (عليه السلام)، وأنه جمع إفادات الصادق (عليه السلام) له في كتاب في ألف ورقة(18) ولكن لم يتسن لأحدٍ من الباحثين والمؤرخين أن يطرح مسألةٍ علمية أفادها الإمام الصادق (عليه السلام)، أو أن يبرز أهمية تلك المسألة ويحللها ويشرحها.


    على أن هذا الكتاب يطالعنا بأمثلة شتى من القضايا والنظريات والنواميس العلمية التي أثارها الإمام الصادق (عليه السلام)، وقام بعض تلاميذه وأصحابه بإثباتها وتسجيلها، وهي في مجموعها تثير دهشة القارئ بسعة علم الإمام ودقة وصفه. فالقارئ يلقى نفسه تارة تلقاء عالم في الكيمياء، وكأنه خارج لتوّه من مختبره يحدّث طلابه بحصيلة تجاربه واختباراته، وهو تارة تلقاء عالم في الفلك، وكأنّه تقدّم بالسبق والريادة على علماء الفلك في القرن العشرين في رصد حركات الفلك والمنظومات الشمسية، وهو تارة أمام طبيب حاذق يقوم بتشريح جسم الانسان وتبيين الأمراض والأسقام وعللها وطرق معالجتها. فإذا انتقلنا من الجانب العلمي النظري إلى الجانب الروحي، رأينا فيه ذلك العالم الرباني، والوجه الملائكي، والإمام القدوة لكل عالم وتقي، وقد قال عنه عمرو بن أبي المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين(19).


    كما قال فيه الإمام مالك بن أنس (رض): ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق فضلاً وعلماً وعبادة وورعاً(20). ونود في هذه المقدمة أن نشير ولو بإيجاز إلى الجوانب غير


    المعروفة من ثقافة الإمام وعلومه لنثير شوق الطالب إلى مزيد من البحث والتنقيب اغترافاً من هذا البحر الزاخر.


    من رأي الإمام علي (عليه السلام) أن الإمام ينبغي أن يكون عالماً بكل شيء، وأعلم الناس في كل علم وفن، فهو لسان ولغة، كما أنه يراعي ما يقتضيه حكم العقل، والإمامية ترى أن علم الإمام لايدخل فيه الرأي والاجتهاد، فيحاسب الامام على المصدر والمسند، وإنما علمه إلهي موروث، ولدنّي غير اكتسابي(21)(22).


    فالإمام إذن في رأي الإمامية يعرف جميع العلوم والصنايع واللغات، وقد أفرد الشيخ المفيد (ق) فصلاً في كتابه (أوائل المقالات) سماه (القول في معرفة الأئمة بجميع الصنايع وسائر اللغات)، جاء فيه: (أقول إنه ليس يمتنع ذلك منهم، ولا واجب من جهة العل والقياس، وقد جاءت أخبار عمت يجب تصديقه بأن أئمة آل محمد (صلى الله عليه وآله) قد كانوا يعلمون ذلك...) وعلى قولي هذا جماعة من الإمامية. وقد خالف فيه بنو نوبخت، رحمهم الله، وأوجبوا ذلك عقلاً وقياساً، ووافقتهم في المفوّضة كافة وسائر الغلاة(23). ولكي نعطي الطالب الدارس مفتاح عبقرية الإمام وشخصيته الفذة نشير إلى أنه (عليه السلام) كان يتقن لغات الأمم المتحضرة في عصره، واللغة هي المفتاح أو المنفذ إلى ثقافة أهلها كما هو معروف، وسنورد طرفاً من اللغات التي كان يعرفها الإمام الصادق (عليه السلام) ويتحدث بها(24)، ثم طرفاً من اهتمامه بالطب والفلك والكيمياء، وهي علوم يدور حولها معظم أبحاث هذا السفر النفيس.

    الهوامش



    1 - المناقب ج4 ص 210.


    2 - علل الشرايع ج1 ص 233 وبحار الأنوار ج46 ص 231.


    3 - المناقب ج4 ص 195.


    4 - المصدر السابق.


    5 - المصدر السابق.


    6 - المصدر السابق.


    7 - المناقب 4: 194.


    8 - المصدر السابق.


    9 - يعني الصادق (عليه السلام).


    10 - الاختصاص ص 201 ورجال الكشي ص 109.


    11 - المناقب ج4 ص 199.


    12 - المصدر السابق ص 200.


    13 - البهر بالضم: انقطاع النَفَس من الاعياء.


    14 - سورة التكاثر الآية 8.


    15 - الكافي ج6 ص 280.


    16 - المصدر السابق ج6 ص450.


    17 - نفس المصدر ج6 ص 447.


    18 - الفهرست: ابن النديم.


    19 - النووي: تهذيب الأسماء واللغات 1 ـ 149.


    20 - المناقب 4.


    21 - الإمام الصادق: محمد المظفر 139 ـ 185.


    22 - لدني: من لدن العزيز الحكيم، قال تعالى: من لَوُنَّا علماً


    23 - أوائل المقالات في المذاهب والمختارات: الشيخ المفيد: ص38 طبع قم، إيران.


    24 - وقد مرّ بنا أن الإمام الباقر (عليه السلام) يقرأ بالعبرانية والسريانية.



    ...........................يتـــــــــــــــــــــــ ــــــــــــبع.................................

    اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد الطيبين المعصومين الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا

    عمار علي الأعجمي (الامازيغي)

  9. #9
    عضو في ذمة الله الصورة الرمزية عمار علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    الدولة
    نـومــيـديـــــا ( الجزائر )
    المشاركات
    1,559

    افتراضي مدرسة المدارس وجامع الجوامع الامام جعفر الصادق عليه السلام في منظور علماء الغرب


    جوانب من علومه وثقافته


    1ـ معرفته باللغات


    مرّ في تاريخ حياة الإمام الباقر (عليه السلام) أنه كان يعرف العبرية والسريانية، وأن جدته، أي والدة الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام)، كانت الأميرة الفارسية شهربانوبنت كسرى يزدجرد. فلا عجب أن يعرف الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) هذه اللغات وثقافات أممها، وأن ينطلق في التحدث أو القراءة والكتابة فيها، وسيأتي أثناء عرضنا لبعض الروايات المأثورة عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) ما يثبت ذلك، وفضلاً عن إتقانه لهذه اللغات، كان يعرف النبطية والصقلبية والحبشية ويتحدث بها أيضاً.


    أ ـ الفارسية:


    عن محمد بن أحمد عن أبي عبد الله قال: دخل عليه قوم من أهل خراسان، فقال ابتداء من غير مسألة: (من جمع مالاً من مهاوش اذهبه الله في نهابر). فقالوا: (جُعلنا فداك، لا نفهم هذا الكلام)، فقال عليه السلام: (ازباد آيد بدم بشود)(1) (مايأتي به الريح يذهب به).


    وقال أحمد بن محمد بن الأهوازي عن النضر عن يحيى الحلبي عن أخي مليح عن فرقة: (كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وقد بعت غلاماً أعجمياً، فرجع إليه، فجعل يغيّر الرسالة فلا يخبره، حتى ظننت أنه سيغضب. فقال له: تكلم بأي لسان شئت، فإني أفهم عنك)(2).


    وعن أبي بصير أنه قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده رجل من أهل خراسان وهو يكلمه بلسان لا أفهمه(3).


    وأيضاً في (بصائر الدرجات)، دخل على أبي عبد الله (عليه السلام) قوم من أهل خراسان فقال ابتداءً: (من جمع مالاً يحرسه، عذّبه الله على مقداره). فقالوا بالفارسية: (لانفهم العربية). فقال (عليه السلام) لهم: (هركة درم اندوزد جزايش ذوزخ باشد).


    وكان مجلسه يجمع أحياناً بين العرب والعجم على اختلاف لغاتهم ولهجاتهم، فيحدث كلاً منهم بلغته، ويفهمه بلسانه.


    وعن أبان بن تغلب قال: غدوت من منزلي بالمدينة وأنا أريد أبا عبد الله (عليه السلام)، فلما صرت بالباب، وجدث قوماً عنده لم أعرفهم، ولم أر قوماً أحسن زياً منهم، ولا أحسن سيماء منهم، كأن الطير على رؤوسهم، فجعل أبو عبد الله (عليه السلام) (يحدثنا بحديث، فخرجنا من عنده، وقد فهم خمسة عشر نفراً منها متفرقوا الألسن، منها اللسان العربي والفارسي والنبطي والحبشي والصقلبي. فقال البعض: ما هذا الحديث الذي حدثنا به؟ قال له آخر لسانه عربي: حدّثني كذا بالعربية. وقال الفارسي: ما فهمت، إنما حدثني كذا وكذا بالفارسية. وقال الحبشي: ما حدثني إلا بالحبشية. وقال الصقلبي: ما حدّثني إلا بالصقلبية، فرجعوا إليه، فأخبروه، فقال (عليه السلام): الحديث واحد، ولكنه فسر لكم بألسنتكم(4).


    ب ـ العبرية:


    وأما معرفته بالعبرية وتحدثه بها فمما لا شك فيه أيضاً. فقد جاء في ثنايا الأحاديث المروّية عنه ما يثبت ذلك، وسنسوق حديثنا عنه (عليه السلام) استشهاداً لا استقراء.


    في (بصائر الدرجات): عن عامر بن علي الجامعي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) (جُعلت فداك، إنا نأكل ذبائح أهل الكتاب، ولا ندري أيسمون عليها أم لا؟(5).


    فقال: إذا سمعتوهم قد سمّوا، فكلوا، أتدري ما يقولون على ذبائحهم؟


    فقلت: لا.


    فقرأ كأنه شبه يهودي، قد عذها، ثم قال: بهذا أمروا.


    فقلت: جُعلت فداك، إن رأيت أن نكتبها.


    قال: اكتب: (نوح أيوا أدينوا يلهيز ما لحوا عالم أشرسوا أو صوبنوا (يوسعه) موسق ذعال اسطحوا)(6).


    وفي حديث آخر جاء النص كالآتي: (باروح أنا دوناي إيلوهنوا ملخ عولام اشرفدشنوا عبسوتا وسينوانوا على هشخيطا). يعني تباركت أنت الله إلهنا مالك العالمين الذي قدّسنا بأوامره، وأمرنا على الذبح(7).


    ج ـ النبطية(8):


    بدخول الاسلام بلاد الشام وفلسطين (بيزنطة الشرقية) ازداد عدد الأنباط في حاضرة العالم الإسلامي، سواء الأحرار منهم أم الموالي، وكثر التزاوج بينهم وبين العرب، فتعلم البعض النبطية من هذا الاختلاط.


    وكان امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يعرف النبطية ويتحدث بها. ولا شك أن أبناءه الكرام الذين تخرجوا من مدرسته وتخلقوا بأخلاقه هم حملة علمه ووارثو فضله(9).


    فهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) (حين أتى أهل النهروان، نزل (قطفتا) فاجتمع إليه أهل بادوريا)(10) فشكوا إليه ثقل خراجهم، وكلموه بالنبطية، وقالوا أن لهم جيراناً أوسع أرضاً وأقل خراجاً، فأجابهم بالنبطية (رعر روظا من عوديا)، أي معناه، رُبَّ رجز صغير خير من رجز كبير(11).


    وهذا يونس بن ظبيان النبطي يحدث الإمام الصادق (عليه السلام) (بالنبطية ويخبره عن أول خارجة خرجت على موسى بن عمران، وعلى المسيح، ثم على أمير المؤمنين بالنهروان. ثمَّ قال لي: كيف (مالح دير بير ماكي


    مالح)، يعني عند قريتك، وهو بالنبطية(12).


    فمن خلال هذا العرض السريع والاشارات الواضحة، يبين أن الصادق (عليه السلام) (كان على معرفة تامة بلغات أهل عصره وأبناء مجتمعه مهما بعدت أوطانهم واختلفت ثقاقاتهم.


    2 ـ الطب


    لاريب في أن الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) (كان على إلمام تام بالطب وما يتعلق به. وقد تحدث وأبان، في ما روي عنه، عن الطبائع والأمزجة، وعن الأشياء ومنافعها ومضارها، مما يثبت وقوفه على هذا العلم.


    وقد جمع بعض علماء السلف شيئاً كثيراً من آراء الأئمة في الطب وسماه (طب الأئمة). ويروي المجلسي (قد) الكثير عن هذا الكتاب في كتابه (بحار الأنوار)، وكذلك الشيخ الحرّ العاملي في (وسائل الشيعة)، إلا أن هذا الكتاب لا وجود له اليوم.


    وقد خصص الإمام الصادق (عليه السلام) (في ما القاه على المفضّل بن عمر الجعفي فصلاً تحدّث فيه عن الطبائع وفوائد الأدوية وتشريح الجسم ومعرفة وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا).


    وفي ثنايا كتب الأحاديث وما إليها حديث مستفيض من كلام الإمام الصادق (عليه السلام) (عن خواص الأشياء وفوائدها وعلاج الأمراض والأوجاع والحمية الوقائية. وسنورد بعض هذه الأحاديث للتدليل على هذا القول تدليلاً قاطعاً.


    قال محمد بن مسلم سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) (يقول: ما وجدناللحمى مثل الماء البارد. وفي حديث آخر: الحمّى من فيح جهنم.


    فأطفئوها بالماء البارد(13).


    وفي وجوب غسل الفاكهة قبل الأكل قال: (إن لكل ثمرة سما، فإذا أتيتم بها فامسكوها واغسلوها بالماء(14).


    وفي (الكافي) عن أحمد بن محمد عن بعض أصحابه قال: كنت أجالس أبا عبد الله (عليه السلام) (فلا والله ما رأيت مجلساً أنبل من مجالسه. قال:


    فقال لي ذات يوم: من أين تخرج العطسة؟.


    فقلت: من الأنف.


    فقال لي: أصبت الخطأ.


    فقلت جُعلت فداك، من أين تخرج؟


    فقال: من جميع البدن، كما وأن النطفة تخرج من جميع البدن... أما رأيت الانسان إذا عطس نفض أعضاءه؟(15).


    وهذا ابن ماسوية، أشهر أطباء عصره، ينصت للامام الصادق (عليه السلام) في شرحه وتوضيحه للطبائع وعلى الأمراض. وحدث أبو هفان في محضر ابن ماسوية(16) بأن جعفرا بن محمد (عليه السلام) قال: الطبائع أربع: الدم وهو عبد، وربما قتل العبد سيده، والريح، وهو عدو، إذا سددت له بابا أتاك من آخر. والبلغم وهو ملك يُدارى، والمرة، وهي الأرض إذا رجفت رجفت بمن عليها. فقال ماسوية: أعد عليّ، فوالله ما يُحسن جالينوس أن يصف هذا الوصف(17).


    وهذا طبيب المنصور يحضر عنده ليقرأ عليه كتاب الطب، فإذا به يحضر مرة وعند الصادق (عليه السلام)، فجعل ينصت لقراءته، فلما فرغ، قال: يا أبا عبد الله، أتريد مما معي شيئاً، قال: لا، لأن ما معي خير مما هو معك. قال: ما هو؟ قال: أداوي الحار بالبارد، والبارد بالحار، والرطب باليابس، واليابس بالرطب، وارد الأمر كله إلى الله، واستعمل ما قاله رسول الله وأعلم أن المعدة بيت الأدواء وأن الحمية هي الدواء، وأعود البدن ما اعتاد. قال (الطبيب) وهل الطب إلا هذا؟


    قال الصادق: أتراني عن كتب الطب أخذت؟


    قال: نعم.


    قال: لا والله ما أخذت إلا عن الله سبحانه وتعالى. فأخبرني: أأنا أعلم بالطب أم أنت؟


    قال: سل.


    فسأل عشرين مسألة، وهو يقول لا أعلم. فقال الصادق (عليه السلام): ولكني أعلم(18) وبدأ بشرحها وتفصيلها. وهذا مذكور في كتب الحديث.


    وقد فصّل (عليه السلام) الحديث على الهيكل العظمي والأعصاب والجوارح في جسم الانسان وشرحها شرحاً دقيقاً عندما سأله الطبيب النصراني عن ذلك. فقد روى سالم الصرير: أن نصرانياً سأل الصادق (عليه السلام) تفصيل الجسم، فقال (عليه السلام): ان الله تعالى خلق الانسان على اثني عشر وصلاً، وعلى مائتي وستة وأربعين عظماً، وعلى ثلاث مائة وستين عرقاً.


    فالعروق هي التي تسقي الجسد كله، والعظام تمسكها، والشحم يمسك العظام، والعصب يمسك اللحم. وجعل في يديه اثنين وثمانين عظماً في كل يد واحد وأربعون عظماً، منها في كفة خمسة وثلاثون عظماً، وفي ساعده اثنان، وفي عضده واحد، وكتفه ثلاثة وكذلك الأخرى.


    وفي رجله ثلاثة وأربعون عظيماً، منها في قدمه خمسة وثلاثون عظماً، وفي ساقه اثنان، وفي ركبته ثلاث، وفي فخذه واحد، وفي وركه اثنان، وكذلك في الأخرى. وفي صلبه ثماني عشرة فقارة، وفي كل واحد من جنبيه تسعة أضلاع، وفي عنقه ثمانية، وفي رأسه ستة وثلاثون عظماً، وفي فيه ثمانية وعشرون واثنان وثلاثون(19).


    ولا يتسنى تفصيل الجسم البشري والهيكل العظمي بهذه الدقة إلا لمن اتيحت له فرصة دراسة الطب والتشريح. وقد أفاد الإمام (عليه السلام) غيره بهذا العلم، وتخرج من مدرسته هذه عدد من أصحابه.


    ومن خريجي مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) العلمية في مجال الطب والصيدلة جابر بن حيّان الطرطوسي. فهو بالاضافة إلى تخصصه في الكيمياء صنف مؤلفات في الطب أورد منها ابن النديم: (رسالة في الطب) و(كتاب السموم) و(كتاب المجسة) و(كتاب النبض) و(كتاب التشريح)(20).


    وكان جابر بن حيّان أول من أشار إلى طبقات العين، فسبق بذلك يوحنا ابن ماسوية المتوفي سنة (243 هـ)، وسبق حنين ابن اسحاق المتوفي سنة (264 هـ)، وهما من اعلام الطب في هذا العصر.


    ومن أبناء هذه المدرسة أبو علي الحسن بن فضل، وهو من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) ومن علماء علم الشيعة العظام في عصره الذين برعوا في علم الطب وألفّوا فيه. ومن مؤلفاته (كتاب الطب) و(كتاب النجوم)(21).


    3 ـ الكيمياء


    تتزايد أهمية الكيمياء يوماً بعد يوم، وتثبت التجارب العلمية الحديثة أن الحياة تتألف من عمليات كيميائية معقدّة، كما ثبت أن الوراثة وليدة للتفاعلات الكيميائية.


    بل لعلم الكواكب والأرض تكونت نتيجة لعمليات كيميائية مستمرة، كما أن التغييرات التي تطرأ على الكون هي في كثير من الحالات ذات طبيعة كيميائية.


    ومن الشائع الثابت أن الإمام الصادق (عليه السلام) كان على علم بخواص الأشياء منفردة ومركّبة، وأنه درّس علم الكيمياء في مدرسته قبل اثني عشر قرناً ونصف قرن. واشتهر من تلامذته في هذا العلم هشام بن الحكم المتوفي حوالي سنة (199 هـ) وهو من أصحاب الصادق (عليه السلام) وتلامذته، وله نظرية في جسمية الأعراض كاللون والطعم والرائحة، وقد أخذ ابراهيم بن سيّار النظّام المعتزلي هذه النظرية لمّا تتلمذ على هشام.


    وقد أثبتت صحة هذا الرأي النظريات العلمية الحديثة القائلة أن الضوء يتألف من جزيئات في منتهى الصغر، تجتاز الفراغ والأجسام الشفافة، وأن الرائحة أيضاً من جزيئات متبخرة من الأجسام تتأثر بها الغدد الأنفية، وأن المذاق جزيئات صغيرة تتأثر به الحليمات اللسانية.


    ومن تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام) الذين اشتهروا ببراعتهم في


    الكيمياء والعلوم الطبيعية جابر بن حيّان الصوفي الطرطوسي، الذي دوّن وألف خمسمائة رسالة من تقريرات الإمام في علمي الكيمياء والطب في ألف ورقة(22).


    وقد ذكر، ابن النديم في الفهرست وأطال فيه الكلام، وذكر له كتبا ورسائل في مختلف العلوم ولا سيما في الكيمياء، والطب، والفلسفة والكلام.


    وقد أكبر المؤلفون المسلمون منزلة جابر، وعدّوه مفخرةً من مفاخر الاسلام. ولا بدع، فإن تزيد مؤلفاته على ثلاثة آلاف كتاب ورسالة في مختلف العلوم، وجلها في العوم النظرية والطبيعية التي تحتاج إلى زمن طويل في تجاربها وتطبيقاتها، لجدير بالتقدير والاكبار.


    وقد تمكن جابر من تحقيق وتطبيق طائفة كبيرة من النظريات العلمية، أهمها تحضير (حامض الكبريتيك) بتقطيره من الشبّة. وسمّه (زيت الزاج).كما حضر (حامض النتريك) و (ماء الذهب) و (الصودا الكاوية).


    وكان جابر أوّل من لاحظ ترسّب (كلورود الفضة) عند إضافة محلول ملح الطعام إلى محلول (نترات الفضة).


    وينسب إليه تحضير مركّبات أخرى مثل كربونات البوتاسيوم و كربونات الصوديوم وغير ذلك مما له أهمية كبرى في صنع المفرقعات والاصباغ والسماد الصناعي والصابون وما إلى ذلك.


    ولم تقف عبقرية جابر في الكيمياء عند حدّ تحضير هذه المواد فحسب، بل انبعث منها إلى ابتكار شيء جديد في الكيمياء هو ما سمّاه


    بعلم (الميزان)، أي معادلة ما في الأجساد والمعادن من طبائع، وقد جعل لكل جسد من الأجساد موازين خاصة بطبائعه، وكان ذلك بداية لعلم المعادلات في طبائع كل جسم(23).


    وقد امتد نشاط جابر إلى ناحية أخرى من الكيمياء هي التي يسمونها بالصنعة، أي تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة من ذهب وفضة. ويعدّ جابر رائداً لمن أتى بعده من العلماء اللذين شُغفوا بهذه الناحية من الكيمياء، كالرازي وابن مسكوية والصغرائي والمجيرطي واالجلدكي.


    وكانت نظرية تحويل المعادن إلى ذهب أو فضة نظرية يونانية قديمة فُتن بها المسلمون من بعدهم، فوضع جابر فيها رسائل كثيرة، وشرح قواعدها وأصولها بكتبه المتعددة.


    يقول ابن النديم: (حدّثني بعض الثقات ممن تعاطى الصنعة إنه (أي جابر) كان ينزل في شارع باب الشام في درب يعرف بدرب الذهب، وقال لي هذا الرجل أن جابراً كان أكثر مقامه بالكوفة، وبها كان يدير (الأكسير) لصحة هوائها، ولمّا أصيب الأزج الذي وجد فيه هاون ذهب، فيه نحو مائتي رطل. كان من موضع دار جابر بن حيّان، فإنه لم يصب في ذلك الأزج غير الهاون فقط)(24).


    ويعتقد الدكتور محمد يحيى الهاشمي أن الذي يقصده جابر (بالأكاسير) هو (الراديوم) نفسه، أو أحد الأجسام المشعّة فيقول: (ومما يزيد اعجابنا ادّعاء جابر بأنّ هذا السّر له دخل في جميع الأعمال، واننا إذا أمعنّا النظر في الوقت الحاضر، لوجدنا اكتشاف الأجسام المشعّة التي تؤدي إلى قلب عنصر المادة وتحطيم الذرة لم يمكن من نتائجها القنبلة


    الذرية فحسب بل ايجاد منابع قوة جديدة لم تكن تطرق على بال الانسان)(25).


    وصلت نظرية (الصنعة) ضرباً من ضروب الآمال والأحلام بل الأوهام وكان من يشتغل بها يُرمى بالعته والهوس، حتى ان الكندي وابن خلدون نبذا هذه الفكرة، وأكدّا عدم امكان تحويل أي عنصر إلى عنصر آخر.


    غير أن ما حدث في عام 1919 من تحطيم ذرّات (النتروجين) وتحيلها إلى ذرات (الأكسجين) و (الهيدروجين) قد بدّل مفهوم هذه الفكرة، وأثبت إمكان تحقيقها بالفعل.


    وقد تولت بعد ذلك تجارب شطر نواة الذّرة، باستخدام قذائف من جُسيمات (ألفا) أي نوى (الهليوم)، ومن جسميات أخف ولكن أكبر أثراً منها وهي البروتونات أي نُوى (الهدرجين) بعد إطلاقها بسرعة فائقة، وأمكن بذلك شطر نواة الذّرة وتحويل عدد من العناصر إلى عناصر أخرى، كتحويل الهدروجين إلى عنصر الهليوم، وتحويل الصوديوم إلى مغنسيوم، والليثيوم والبورون إلى هليوم، فتحقق فعلاً أمر تحليل العناصر وتحويل بعضها الى بعض.


    وقد افرد الاْستاذ محمد يحيى الهاشمي لهذا الموضوع كتابا سماه(الإمام الصادق ملهم الكيمياء)(26)، نحيل إليه القارىْطلبا لمزيد من البحث.


    وللمستشرق الفرنسي بول كراوس(27) (Kraus) كتب وبحث مستفيضان حول شخصية جابر بن حيّان العلمية، وإن كان فيهما ما يدعو إلى التأمل والمناقشة، خاصة استبعاد، لبعض هذه النظريات العلمية في عصر الصادق ع. وقد قام الكاتب والعالم المصري اسماعيل مظهر بمناقشة آراء كرواس والرد على ما أورده، من شكوك واهية، في سلسلة مقالات نشرتها مجلة (المقتطف)(28). كما أن الأستاذ أحمد زكي صالح نشر سلسلة أخرى من المقالات في نفس الموضوع في مجلة (الرسالة) المصرية(29). وللفيلسوف الفرنسي هنري كوربلن بدوره مؤلف عن جابر بن حيّان وكتابه الكيمياء(30).


    4 - علم الهيئة والنجوم


    كان الإمام الصادق (عليه السلام) (من علماء الفلك والنجوم(31)، وله آراء ونظريات في دوران الكرة الأرضية وحركتها، وفي مقدار اشعة النجوم، وحركة الضوء. وكان يلقي دروسه وإفاداته في هذا العلم على تلاميذه وطلاب العلم، ويناقش محترفي علم النجوم، ويصحح آرائهم، ويوضح لهم اخطاءهم.


    دخل على الصادق (عليه السلام) (منجم يماني.


    فسأله الإمام: ما صناعتك يا سعد؟


    قال: أن من أهل بين ننظر في النجوم.


    فقال: كم ضوء الشمس على ضوء القمر درجة؟


    قال: لا أدري.


    قال: فكم ضوء القمر على ضوء الزهرة درجة؟


    قال: لا ادري.


    قال: فكم للمشتري من ضوء عطارد؟


    قال لا أدري.


    قال: فما أسم النجوم التي إذا طلعت هاجت البقر؟


    قال: لا أدري.


    قال: يا أخا أهل اليمن، عندكم علماء؟


    قال:نعم. إن عالمهم ليزجر الطير ويقفو الأثر في الساعة الواحدة مسير سير الراكب المجد.


    فقال (عليه السلام): إن عالم المدينة(32) أعلم من عالم اليمن، لأن عالم المدينة ينتهي إلى حيث لا يقفو الأثر ويزجر الطير، ويعلم ما في اللحظة الواحدة مسيرة الشمس.


    قال: ما ظننت أن أحداً يعلم هذا ويدري(33).


    كان هذا الفلكي من اليمن التي كانت من مراكز الاهتمام بالنجوم وعلم الفلك بين النهرين وواسط. وقد جاء فلكي من (واسط) ودخل على الإمام الصادق (عليه السلام)، فسأله الصادق (عليه السلام) (عن المنظومة الشمسية وحركة الكرة الأرضية، وجرى بينهما حوار مفصل ورد في (الكافي) نجترئ منه بما يهمنا في هذا المقام.


    قال: الفلكي: قلت ا خلفت بالعراق ابصر بالنجوم مني.


    فقال الإمام (عليه السلام): كيف دوران الفلك عندكم؟


    قال: فاخذت قلنسوتي عن رأسي فأدرتها.


    فقال الإمام (عليه السلام): إن كان الأمر على ما تقول، فما بال بنات النعش والجدي والفرقدين لا يرون يدورون يوماً من الدهر في القبلة؟


    قال: قلت: والله هذا شيء لا أعرفه، ولا سمعت أحداً من أهل الحساب يذكره.


    فقال لي: كم السكينة من الزهرة جزءا في ضوئها؟


    قال قلت: هذا والله نجم ما سمعت به، ولا سمعت أحداً من الناس يذكره.


    قال: سبحان الله، فأسقطتم نجماً بأسره، فعلى ما تحسبون؟


    إلى أن قال (عليه السلام): صدقت، أهل الحساب حق، ولكن لا يعمل ذلك إلا من علم مواليد الخلق كلهم(34).


    وكان من تأثير توجيهات الإمام وارشاداته في علوم الهيئة والفلك أن اهتم تلامذته بهذه العلوم، واشتغلوا بالأرصاد والأزياج والتقاويم والتنجيم والاختبارات وغير ذلك من فروع علم الفلك من أقدم الأزمنة.


    كان ابو اسحاق ابراهيم حبيب الفزاري المتوفي عام (161 هـ ـ 777 م)، وهو من أصحاب الإمامين الصادق وموسى بن جعفر (عليه السلام)، أول من عمل الاصطرلاب في الاسلام(35). وأول من ألف فيه. وله في ذلك (كتاب العمل بالاصطرلابات ذوات الحلق)، وكتاب (العملبالاصطرلاب السطح)(36).


    والاصطرلاب لفظة يونانية مأخوذة من كلمة (الاصطرلابون)، ومعناها مرآة النجم (اصطر: النجم، لابون: مرآة). وقيل أنها لفظة فارسية أصلها (ستارة باب) أي كاشف النجم.


    وهذا أحمد بن الحسن بن أبي الحسن الفلكي الطوسي،تخصص في علم الفلك حتى اشتهر به، ووضع كتاب (المنار) وكتاب (شرح التهذيب في الامامة) وله في النجوم والفلك كتاب (ريحان المجالس وتحفة المؤانس)، وقد نقل عنه السيد ابن طاووس. وقال عنه في كتابه (فرج المهموم) إن الكتاب عندي، وفيه أحاديث الكواكب وأسرارها واختيارها(37).


    وهذا محمد بن مسعود العياشي التميمي، وصفه ابن النديم بقوله: من فقهاء الشيعة الامامية. أوحد أهل دهره وزمانه في غزارة العلم، له كتاب (النجوم والفأر)، و (القيافة والزجر) و(كتاب الطب)(38).


    وهذا أبــــو علي الحسن بــن فضال من اصحـــاب الإمام علي بـــن موسى الرضا (عليه السلام)، وله كتاب (النجوم) و(كتاب الطب)


    (39).

    الهوامش:


    1 - بصائر الدرجات ج7 باب 11 ص 96.


    2 - المصدر السابق ج7 باب 12 ص67 (وفيه فلا يخبرنا).


    3 - الاختصاص ص325.


    4 - بحار الأنوار ج47 ص99، قال الجزري في (صفة الصحابة): كأنما على رؤوسهم الطير، وصفهم بالسكون والوقار وأنه لم يكن فيهم طيش ولا خفة لأن الطير لا تكاد تقع إلا على شيء ساكن. (أسد الغابة 1/36).


    5 - التسمية: النطق باسم الله عند الذبح، عملاً بالآية الكريمة (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) الأنعام آية/121.


    6 - ج7 باب11 ص95 وبحار الأنوار ج47 ص81.


    7 - المناقب 4: 318 والدمعة الساكبة أيضاً.


    8 - ذكر القزويني في عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات عن علي عليه السلام أنه قال: وأن تسألوا عنا فأنا نبط من كوثى ـ أنظر مادة كوثى (على وزن موسى).


    9 - وفي عقيدة الشيعة أن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) والأئمة من بعده (عليه السلام) يعرفون جميع اللغات ـ بالعلم اللدني من الله سبحانه، ولهم على ذلك أدلة ليس هنا مجال لذكرها.


    10 - بادوريا: طسوج من كورة الاستان بالجانب الغربي من بغداد (معجم البلدان).


    11 - بصائر الدرجات ج7 ص96.


    12 - نفس المصدر ج7 باب 11 ص97.


    13 - وسائل الشيعة 2: 647.


    14 - المصدر السابق كتاب الأطعمة والأشربة 3: 276.


    15 - الأصول من الكافي 3: 657.


    16 - هو يوحنا بن ماسوية من أطباء العصر العباسي المشهورين وقد توفي عام 234هـ.


    17 - المناقب 4: 259.


    18 - المصدر السابق: 4: 260.


    19 - المناقب 4: 255 ـ 256.


    20 - الفهرست 312.


    21 - المرجع السابق.


    22 - ابن خنلكان في أحوال الصادق 1: 150 وكتاب الفهرست.


    23 - فلاسفة الشيعة ص 63.


    24 - الفهرست: 499.


    25 - الإمام الصادق ملهم الكيمياء: 156 للاستاذ محمد يحيى الهاشمي /مطبعة النجاح ببغداد/ 1950 م.


    26 - الإمام الصادق ملهم الكيمياء: مطبعة النجاح، بغداد، 1950 م.


    27 -P.Kraus, Jabir Ibn Hayan


    contributionL,histoire Des Idees Scientfiques Dans I,Islam, Le Cair, 1943.


    28 - مجلة المقتطف في أعدادها (68: 544 ـ 551 ومن 617 ـ 625).


    29 - مجلة (الرسالة) (السنة الثامنة ص 1204 ـ 1206 ومن 1235 ـ 1237 ومن 1268 ـ 1270 ومن 1299 ـ 1302).


    30 - أنظر المقدمة.


    31 - قولنا إن الإمام عالم بالفلك والنجوم لا يعني أنه فلكي أو منجم.


    32 - يقصد الإمام بعالم المدينة نفسه.


    33 - بحار الأنوار: 47: 318.


    34 - الكافي 8: 351.


    35 - فلاسفة الشيعة: ص 74.


    36 - الاصطرلاب أنواع منها المسطح والمبطح والتام والهلالي، ومن أجهزة الرصد الأخرى التي صنعها علماء الشيعة اللنبة، والحلقة الاعتدالية ذات الأوتار، وذات الحلق، وذات الشعبتين، وذات الجيب، وذات السمت والارتفاع.


    37 - انظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة.


    38 - الفهرست: 274 ـ 275.


    39 - المصدر السابق.


    ......................يتبـــــــــع..........................
    اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد الطيبين المعصومين الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا

    عمار علي الأعجمي (الامازيغي)

  10. #10
    عضو في ذمة الله الصورة الرمزية عمار علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    الدولة
    نـومــيـديـــــا ( الجزائر )
    المشاركات
    1,559

    افتراضي مدرسة المدارس وجامع الجوامع الامام جعفر الصادق عليه السلام في منظور علماء الغرب


    تدوين العلوم في عصر الامام جعفر الصادق عليه السلام

    طالعنا في العرض الموجز غزارة علم الإمام وتشعب معارفه، فكان يحق له ان يكون مهوى للانظار وملاذاً فريداً للباحثين، وعوناً للعارفين والموالين، مهما بعدت أوطانهم، فكانوا يأتونه من كل بقعة وأرض، ويتوجهون إليه من كل ناحية وصوب، يستحضرون الدواء والقرطاس ليكتبوا ما يمليه عليهم الإمام، وقد كثر من استقى منه العلم، حتى بلغ من عرف منهم أربعة آلاف أو يزيدون، فهو منعطف هام في تاريخ الشيعة العلمي. أما الذين أخذوا عنه العلم من غير الامامية، فكانوا يرون جلالته وسيادته وإمامته، وقد عدّوا أخذهم عنه منقبةً شرفوا بها وفضيلة اكتسبوها(1). وفي (صواعق) ابن حجر، ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان.


    ومما قاله النووي: (اتفقوا على إمامته (الصادق) وجلالته وسيادته).


    قال عمرو بن أبي المقدام: (كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد، علمت أنه من سلالة النبيين)(2).


    وهذا ابن أبي الحديد قد أرجع علم المذاهب الأربعة إليه في الفقه(3).


    ولنفاسة العلم وشرفه حض على طلبه وإن كلف غالياً فقال: (اطلبوا العلم ولو بخوض المهج وشق اللجج)(4).


    وحثهم على كتابة العلم ونشره، فقال (عليه السلام): (اكتبوا، فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا) ومما قاله لمفضل بن عمر: (اكتب وبث علمك في إخوانك، فإن متَّ فورِّث كتبك بنيك، فإنه يأتي زمان هرج، ما يأنسون فيه إلا بكتبهم).


    وقال (عليه السلام): (احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها)(5).


    وكان من تأثير توجيهه هذا إن جمع شطر من الأحاديث التي رويت عنه وعن آبائه وأبنائه في الأخلاق والأدب والأحكام وحدها، فكانت الحصيلة أربعة كتب هي: (الكافي) و (من لا يحضره الفقيه) و (التهذيب) و (الاستبصار).


    هذا بالاضافة إلى من ألف في مختلف العلوم من الطب والكيمياء والنجوم والفلك مما مر ذكره. فمن عصر الإمام الصادق (عليه السلام) ابتدأ الأليف ونشط التدوين عند الشيعة.


    فهذا جابر بن حيّان يسجل تقريرات الإمام في خمسمائة رسالة وفي ألف ورقة(6). وهذا اسماعيل بن مهران بن أبي نصر السكوني وهذا أبو جعفر أحمد بن خالد البرقي، وهذا أحمد بن الحسين بن أبي الحسن الفلكي الطوسي، وهذا أبو النضر محمد بن مسعود العياشي التميمي، وهذا أبو علي الحسن بن فضال وغيرهم من أصحاب الصادق وابنه (عليه السلام)، لكل منهم تأليف وتدوين في الحديث والطب والفلك والكيمياء.


    ويطالعنا الكتاب بالجوانب غير المعروفة من حياة الإمام (عليه السلام) العلمية التي لم تنل حقها من عناية كتّابنا الاسلاميين، اذ كان جلّ اهتمام علماء المسلمين من الشيعة والسنة منصرفاً ـ كما نعلم ـ إلى دراسة الفقه والتفسير والاخلاق، وكل ما روي عن الرسول الأعظم في ما يتعلق بأمور العبادة والروح. فهذه إذن دراسة علمية وافية لجوانب أخرى مجهولة لنا من مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)، وخاصة ما يتعلق منها بالعلوم التجريبيةوالنظرية كالطب والرياضيات والفلك والفيزياء والكيمياء ومبادئ علمية أخرى لم تظهر أهميتها إلا بعد عصر النهضة في أوربا مع ثورة الاختراعات الحديثة والاكتشافات العلمية المذهلة في هذه الميادين.

    الهوامش:


    1 - تهذيب الأسماء واللغات، وشرح النهج لابين أبي الحديد: 1: 6.


    2 - تهذيب الأسماء واللغات: 1: 149 ـ 150.


    3 - شرح النهج 1: 6.


    4 - بحار الأنوار 46: 265.


    5 - المصدر السابق.


    6 - الفهرست 450 ـ 498.


    .........................يتبع..........................
    اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد الطيبين المعصومين الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا

    عمار علي الأعجمي (الامازيغي)

  11. #11
    عضو في ذمة الله الصورة الرمزية عمار علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    الدولة
    نـومــيـديـــــا ( الجزائر )
    المشاركات
    1,559

    افتراضي مدرسة المدارس وجامع الجوامع الامام جعفر الصادق عليه السلام في منظور علماء الغرب


    موقف الإمام جعفر الصادق عليه السلام من الخلافة والخلفاء


    وقد تفرغ الإمام الصادق (عليه السلام) لأداء الرسالة العلمية، واستغنى عن طلب الرئاسة والسلطة السياسية(1)، في حين أنه كان يحمل على عاتقه عبء الحفاظ على مكانة بني هاشم وعلى دمائهم، لأن الإمام (عليه السلام) كان أكبرهم منزلة. وفي سنة (125 هـ 743 م) قتل همه يزيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) في حرب بني أمية، وكان لها وقع شديد في نفس الإمام (عليه السلام)، وزاد موقفه حرجاً. وزاد ثقل العبء على كاهله، غير أنه استطاع بمقدرته ولباقته اجتناب غضب بني أمية بزهده في دنياهم واعتزاله في بيته ومدرسته، حيناً في المدينة وحيناً في الكوفة، منصرفاً إلى افادة طلاب العلم والعبادة.


    ثمَّ جاءت الدولة العباسية، فظن البعض أن الغمة قد انجابت، فإذا ببني العباس أشدّ إلحاحاً في تعقب آل علي (عليه السلام) من بني أمية، فاستمر الإمام (عليه السلام) في عزلته وانصرافه إلى التعليم والافادة.



    وكانت أيام السفاح (أول الخلفاء العباسيين) أربع سنين، وهي مدة غير كافية للقضاء على بني أمية قضاءاً مبرماً، ولا لبناء أسس الملك وترسيخ دعائمه. ولكنه مع ذلك لم يدع الصادق (عليه السلام) وشأنه، بل بعث إليه من يتعقبه من المدينة المنورة إلى الحيرة ليفتك به، وكان دافعه في الإِقدام علىهذا العمل الشائن ضدَّ رجل اشتغل بالعبادة والتعليم والارشاد، فضلا عن كونه من أبناء عمومته، خوفه من أن يتجه القوم إلى الصادق (عليه السلام) ويعرفوا منزلته. وكانت الناس إلى ذلك العهد، ترى أن الخلافة جماع للسلطتين الروحية والزمنية، ولا تراها سلطاناً خالصاً مبتوت الصلة بالدين.



    وبسبب هذه الخشية ترصد المنصور للصادق (عليه السلام)، فرأى الإمام (عليه السلام) منه ضروباً من الآلام والمكاره. قال ابن طاووس: إن المنصور دعا الصادق (عليه السلام) سبع مرات كان بعضها في المدينة والربذة حين حج المنصور، وبعضها يرسل إليه إلى الكوفة، وبعضها إلى بغداد، وما كان يرسل عليه مرة إلا ويريد فيها قتله(2).



    وقال ابن حمدون: كتب المنصور إلى جعفر بن محمد (عليه السلام): (لم لا تغشانا كما يغشانا الناس؟ فأجابه ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمره الآخرة ما نرجوك له. ولا أنت في نعمة فنهنئك، ولا تراها نقمة فنعزيك بها، فما نصنع عندك؟).



    قال: فكتب إليه: تصحبنا لتنصحنا.



    فأجابه: من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك.



    فقال المنصور: (والله لقد ميز عندي منازل الناس، من يريد الدنيا ممن يريد الآخرة)(3).



    نعم إن الإمام الادق، بزهده في دنياهم، وبحذره ولباقته ومقدرته استطاع أداء تلك الرسالة العلمية الخالدة، وقُدّر للشيعة أن ينتسبوا من بينالأئمة الإثني عشر إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وأن يشتهروا بالجعفرية بفضل ما ترك الصادق (عليه السلام) من التراث العلمي.



    الهوامش:



    1 - يقول الشهرستاني انه (عليه السلام) ما تعرض للامامة قط. ولا نازع احد الخلافة، ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حظ.



    2 - بحار الأنوار 47: 185.



    3 - بحار الأنوار 47: 184.


    ................يتبع................
    اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد الطيبين المعصومين الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا

    عمار علي الأعجمي (الامازيغي)

  12. #12
    عضو في ذمة الله الصورة الرمزية عمار علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    الدولة
    نـومــيـديـــــا ( الجزائر )
    المشاركات
    1,559

    افتراضي مدرسة المدارس وجامع الجوامع الامام جعفر الصادق عليه السلام في منظور علماء الغرب


    موقف الإمام جعفر الصادق عليه السلام من الخلافة والخلفاء


    وقد تفرغ الإمام الصادق (عليه السلام) لأداء الرسالة العلمية، واستغنى عن طلب الرئاسة والسلطة السياسية(1)، في حين أنه كان يحمل على عاتقه عبء الحفاظ على مكانة بني هاشم وعلى دمائهم، لأن الإمام (عليه السلام) كان أكبرهم منزلة. وفي سنة (125 هـ 743 م) قتل همه يزيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) في حرب بني أمية، وكان لها وقع شديد في نفس الإمام (عليه السلام)، وزاد موقفه حرجاً. وزاد ثقل العبء على كاهله، غير أنه استطاع بمقدرته ولباقته اجتناب غضب بني أمية بزهده في دنياهم واعتزاله في بيته ومدرسته، حيناً في المدينة وحيناً في الكوفة، منصرفاً إلى افادة طلاب العلم والعبادة.


    ثمَّ جاءت الدولة العباسية، فظن البعض أن الغمة قد انجابت، فإذا ببني العباس أشدّ إلحاحاً في تعقب آل علي (عليه السلام) من بني أمية، فاستمر الإمام (عليه السلام) في عزلته وانصرافه إلى التعليم والافادة.

    وكانت أيام السفاح (أول الخلفاء العباسيين) أربع سنين، وهي مدة غير كافية للقضاء على بني أمية قضاءاً مبرماً، ولا لبناء أسس الملك وترسيخ دعائمه. ولكنه مع ذلك لم يدع الصادق (عليه السلام) وشأنه، بل بعث إليه من يتعقبه من المدينة المنورة إلى الحيرة ليفتك به، وكان دافعه في الإِقدام علىهذا العمل الشائن ضدَّ رجل اشتغل بالعبادة والتعليم والارشاد، فضلا عن كونه من أبناء عمومته، خوفه من أن يتجه القوم إلى الصادق (عليه السلام) ويعرفوا منزلته. وكانت الناس إلى ذلك العهد، ترى أن الخلافة جماع للسلطتين الروحية والزمنية، ولا تراها سلطاناً خالصاً مبتوت الصلة بالدين.

    وبسبب هذه الخشية ترصد المنصور للصادق (عليه السلام)، فرأى الإمام (عليه السلام) منه ضروباً من الآلام والمكاره. قال ابن طاووس: إن المنصور دعا الصادق (عليه السلام) سبع مرات كان بعضها في المدينة والربذة حين حج المنصور، وبعضها يرسل إليه إلى الكوفة، وبعضها إلى بغداد، وما كان يرسل عليه مرة إلا ويريد فيها قتله(2).

    وقال ابن حمدون: كتب المنصور إلى جعفر بن محمد (عليه السلام): (لم لا تغشانا كما يغشانا الناس؟ فأجابه ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمره الآخرة ما نرجوك له. ولا أنت في نعمة فنهنئك، ولا تراها نقمة فنعزيك بها، فما نصنع عندك؟).

    قال: فكتب إليه: تصحبنا لتنصحنا.

    فأجابه: من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك.

    فقال المنصور: (والله لقد ميز عندي منازل الناس، من يريد الدنيا ممن يريد الآخرة)(3).

    نعم إن الإمام الصادق عليه السلام، بزهده في دنياهم، وبحذره ولباقته ومقدرته استطاع أداء تلك الرسالة العلمية الخالدة، وقُدّر للشيعة أن ينتسبوا من بينالأئمة الإثني عشر إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وأن يشتهروا بالجعفرية بفضل ما ترك الصادق (عليه السلام) من التراث العلمي.


    الهوامش:


    1 - يقول الشهرستاني انه (عليه السلام) ما تعرض للامامة قط. ولا نازع احد الخلافة، ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حظ.

    2 - بحار الأنوار 47: 185.

    3 - بحار الأنوار 47: 184.
    ................يتبــــــــع................
    اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد الطيبين المعصومين الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا

    عمار علي الأعجمي (الامازيغي)

  13. #13
    عضو في ذمة الله الصورة الرمزية عمار علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    الدولة
    نـومــيـديـــــا ( الجزائر )
    المشاركات
    1,559

    افتراضي مدرسة المدارس وجامع الجوامع الامام جعفر الصادق عليه السلام في منظور علماء الغرب


    الامام جعفر الصادق عليه السلام ونظرته الاقتصادية إلى الحياة

    كان الإمام الصادق (عليه السلام) مهوى الأفئدة، ومرجعاً لكل طالب علم ومحب ومُوالٍ، هذا من شيعته بخراسان يهديه الملابس البيضاء، وهذا من محبيه من أمراء الصين يرسل إليه بجارية(1)، وهذا من شيعته بالعراق يرسل إليه بما فرضه الله عليه.


    ولكن هذا كله ما كان يمنعه من طلب الرزق والكسب الحلال بجهده وعرقه ليستغني عما في أيدي الناس، ويستقل بأمور نفسهن فضرب بذلك أروع مثل للعلماء العاملين. وكان حقاً قدوة لمن يريد الاقتداء بسيرته والسير على منهاجه.


    جاء في (الكافي): عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: استقبلت أبا عبد الله(عليه السلام) في بعض طرق المدينة في يوم طائف شديد الحر، فقلت: جُعلت فداك، حالك عند الله عز وجل، وقرابتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنت تجهد نفسك في مثل هذا اليوم؟ فقال: يا عبد الأعلى، خرجت في طلب الرزق لأستغني عن مثلك(2).


    أما العمل الشاق الذي كان يضطلع به في أحوال جوية عاتية وظروف شديدة الوطأة أحيانا، فهو العمل في التجارة حيناً وفي المضاربة أو الزراعة حيناً، يقوم به أما بنفسه وإما بالاستعانة بغيره، وهكذا يحتفظ بكبريائه واستقلاله.


    وجاء في (الكاف): عن اسماعيل بن جابر قال: أتيت أبا عبد الله (عليه السلام) وإذا هو في حائط له (أي مزرعة مسورة)، بيده مسحاة وهو يفتح بها الماء (أي يسقي الزراع)، وعليه قميص شبه الكرابيس، كأنه مخيط عليه من ضيقه(3).


    وفي حديث آخر: وبيده مسحاة وعليه أزرار غليظ يعمل في حائط له، والعرق يتصبب على ظهره، فقلت: جُعلت فداك، أعطني أكفك، فقال لي: (إني أحب أن يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة)(4).


    وكان عليه السلام يباشر بنفسه جميع أعمال الزراعة وجمع الثمار وكيلها وبيعها. جاء في (الكافي): عن داود بن سرحان قال: رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) يكيل تمراً بيده، فقلت: جعلت فداك، لو امرت بعض ولدك أو بعض مواليك، فيكفيك؟(5).


    وكان عليه السلام إذا استأجر أو استعان بأجير بادره بدفع حقه قبل مطالبته إياه.


    وجاء في (الكافي): عن حنان بن شعيب قال: تكارينا لأبي عبد الله (عليه السلام) قوماً يعملون في بستان له، وكان أجَّلهم إلى العصر، فلما فرغوا قال لمعتب: أعطهم أجورهم قبل ان يجف عرقهم(6).


    وكان الصادق (عليه السلام) يهتم بالتجارة إلى جانب الزراعة ويعطي ماله أحياناً بالمضاربة لمن يتجر به، ثمَّ يحاسبه ويستوفي حقه وربحه منه، لا حُبّاً


    في الأرباح واستزادة من المال والثروة، بل رغبة منه في العمل وفي دفع عجلة الاقتصاد في الجماعة الإسلامية إلى الإمام.


    عن محمد بن غذافر قال: أعطى أبو عبد الله (عليه السلام) أبي الفا وسبعمائة دينار فقال له: اتجر لي بها، ثمَّ قال: أما أنه ليس لي رغبة في ربحها، وإن كان الربح مرغوباً فيه، ولكني أحببت ان يراني الله عز وجل معترضاً لفوائده. قال أبي: فربحت له فيه مائة دينار، ثمَّ لقيته فقلت له: قد ربحت لك فيها مائة دينار، قال: ففرح أبو عبد الله (عليه السلام) بذلك فرحاً شديداً، ثمَّ قال لي: اثبتها في رأس مالي. قال: فمات أبي والمال عنده. فأرسل إلى أبو عبد الله (عليه السلام) وكتب: عافانا الله وإياك، إن لي عند أبي محمد ألفا وثماني مائة دينار أعطيته يتجر بها فأدفعها إلى عمر بن يزيد(7).


    وكان الإمام الصادق (عليه السلام) ينهي عن الاحتكار والاستغلال بمختلف أشكاله وصوره وخاصة في ما يتعلق بالأرزاق العامة، وما تشتد إليه حاجة الناس والمجتمع، فما كان يرضى أن يدخر حاجته على المدى البعيد ليريح نفسه ما دام أهله والناس في حاجة أو مشقة.


    عن جهم بن أبي جهم عن متعب(8) قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) وقد تزيد السعر بالمدينة، كم عندنا من طعام؟


    قال: قلت عندنا ما يكفينا أشهراً كثيرة.


    قال: أخرجه وبعه.


    قال وقلت له: وليس المدينة طعام


    قال: بعه.


    قلما بعته، قال: أشترِ مع الناس يوماً بيوم(9).


    ومما يدّل على عطف الإمام (عليه السلام) على الناس جميعاً سواء أكانوا من أهل مدينته أم من غيرها من المدن والأقاليم أنه (عليه السلام) دفع مبلغاً من المال لمولاه مصادف(10) ليتجر به. وعاد مصادف من رحلة تجارية قام بها إلى مصر مع ربح مضاعف، فاستكثر الصادق (عليه السلام) الربح، وأنكر على مولاه فعله، وعده حراماً، فأخذ الأصل وترك الربح.


    عن أبي جعفر الفزاري قال: دعا أبو عبد الله (عليه السلام) مولى له يقال له مصادف، فأعطاه ألف دينار وقال له: تجهز حتى تخرج إلى مصر، فإن عيالي قد كثروا.


    قال: فتجهز بمتاع، وخرج مع التجار إلى مصر. فلما دنوا من مصر، استقبلتهم قافلة خارجة من مصر فسألوهم عن المتاع الذي معهم، ما حاله في المدينة، وكان متاع العامة، فأخبروهم أنه ليس بمصر منه شيء، فتحالفوا وتعاقدوا على ألا ينقصوا متاعهم من ربح دينار ديناراً، فلما قبضوا أموالهم، انصرفوا إلى المدينة.


    فدخل مصادف على أبي عبد اله (عليه السلام) ومعه كيسان في كل منهما ألف دينار، فقال: جُعلت فداك، هذا رأس المال، وهذا الآخر ربح. فقال: إن هذا الربح كثير. ولكن ما صنعتم في المتاع.


    فحدّثه كيف صنعوا وكيف تحالفوا، فقال: سبحان الله، تحلفون على قوم مسلمين ألاّ تبيعوهــــم إلا بربـــح دينار ديناراً؟ ثـــمَّ أخذ الكيسين فقال: (هذا رأس مالي، ولا حاجة لنا في هذا الربح). ثمَّ قال: (يا مصادف مجالدة الســـيوف أهون من طلب الحلال)(11).


    وكان الإمام يتابع بنفسه أعمال وكلائه ومواليه في البيع والشراء والتجارة، ويحاسبهم حساباً دقيقاً.


    عن محمد بن مرازم عن أبيه قال: أشهدت أبا عبد الله (عليه السلام) وهو يحاسب وكيلاً له، والوكيل يكثر من قول: (والله ما خنت).


    فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا هذا، خيانتك وتضييعك عليّ مالي سواء، الا أن الخيانة شرها عليك(12).


    وهكذا كان الصادق (عليه السلام) يهتم بتنظيم أمر المعيشةن والتجارة ويعلق على الاقتصاد أهميّةً قصوى، فكان مثالاً يقتدى به في امر الدنيا والدين على السواء. دون أن يحرّم على نفسه وعلى أهله طيبات ما أحل الله له.


    فهذا سفيان بن عيينة يقول لأبي عبد الله (عليه السلام) أنه يروى أن علياً ابن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس الخشن من الثياب، وأنت تلبس القوهي المروي(13).


    قال: ويحك، إن عليّاً (عليه السلام) كان في زمان ضيق، فإذا اتسع الزمان، فأبرار الزمان أولى به(14). وفي حديث آخر: فخير لباس كل زمان لباس أهله(15).


    الهوامش:


    1 - الخرائج والجرائح: 232 وبحار الأنوار 47: 97.


    2 - الكافي 8: 87.


    3 - الكافي. 76.


    4 - المصدر السابق: 5: 76.


    5 - المصدر السابق 5: 87.


    6 - المصدر السابق 5: 289.


    7 - الكافي 5: 76.


    8 - (متعب) كان مولى لأبي عبد الله (عليه السلام)، وهو من أهل المعرفة والفضل ومن الموثوق بهم في الحديث، وقد عده الرجاليون في أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام، وعن الصادق (عليه السلام) أن مواليه عشرة وأن خيرهم وأفضلهم متعب.


    9 - الكافي 5: 166.


    10 - مصادف من موالي الصادق (عليه السلام) وعده أرباب الرجال في أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام، وكان عارفاً بالحديث، وثقه فيه.


    11 - الأصول من الكافي 5: 161.


    12 - الكافي: 5: 204.


    13 - القوهي: ضرب من الثياب البيض، يصنع في فوهستان أي بلاد الجبال (الديلم/جيلان الجالية). والمروي نسبة إلى مرو وهي في خراسان.


    14 - رجال الكشي 248.


    15 - الكافي 6: 444.


    ........................يتبــــــــــع........................
    اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد الطيبين المعصومين الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا

    عمار علي الأعجمي (الامازيغي)

  14. #14
    عضو في ذمة الله الصورة الرمزية عمار علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    الدولة
    نـومــيـديـــــا ( الجزائر )
    المشاركات
    1,559

    افتراضي مدرسة المدارس وجامع الجوامع الامام جعفر الصادق عليه السلام في منظور علماء الغرب


    مولد العبقري

    ولد للإمام محمد الباقر (عليه السلام) ـ في دار والده الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) بالمدينة المنورة يوم السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة 83 هجرية ولدٌ سمّي جعفر، ولُقِّب بالصادق.


    وكان ضعيف البنية عند الولادة بحيث ظنت القابلة ألاّ أمل في حياة هذا الطفل طويلاً، ولكن هذا لا يحول دون طلب الجائزة والعطيّة لأن المولود ذكر.


    بادرت القابلة بالخروج من الحجرة لاخبار الأهل والأسرة بأن المولود ذكر، وهو بُشرى تُدخل في قلب الآباء في شبه الجزيرة العربية، وتشجعهم على تقديم العطايا ونصب الموائد، مهما كانت ظروفهم المادية.


    ولم ينس العرب بعد مرور 82 سنة على ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية عاداتهم الجاهلية في إيثار الولد على البنت، ولم يكن أحد يخفي فرحته عند مولد الولد وتفضيله إياه.


    فبحثت القابلة عن الولد، فلم تجده في الدار. ولكن قيل لها أن جد الطفل في الدار. فاستأذنت في الدخول على الإمام زين العابدين(عليه السلام)، وزفت إليه البشرى. فسألها: هل أخبرت والده؟.


    قال: لا، لأنه غائب عن البيت. فأدرك زين العابدين (عليه السلام) رغبة القابلة في أن يشاهد المولود، وقال: لكنني لا احب أن تخرجوه من الحجرة خوفاً من البرد، ولكن أخبريني، هل الطفل يتمتع بصحة الجسم وكماله؟


    لم تجروء القابلة على إبلاغ الإمام بأن الطفل ضعيف جداً، ولكنها قال: أن له عيني زرقاوين جميلتين.


    فقال الإمام زين العابدين: فعيناه إذن تشبهان عيني والدتي، رحمة الله عليها.


    كانت للسيدة شهربانو بنت يزدجرد الثالث آخر ملوك الامبراطورية الساسانية، وهي والدة الإمام زين العابدين، عينان زرقاوان، وها هو جعفر الصادق يرث حسب قانون مندل(1) لون عينيه من جدّته.


    وهناك رواية تقول أن كيهان بانو، وهي شقيقة شهر بانو بنت يزدجرد. وقعت في الأسر في فتح عاصمة الأكاسرة (المدائن)، حيث أتوا بها مع بقية الأسرى إلى المدينةن وكانت لها بدورها عينان زرقاوان. فإن صحت هذه الرواية، فالإمام الصادق قد ورث عينيه من أميرتين فارسيتين، لأن كيهان بانو بنت يزدجرد كانت جدة الإمام الصادق من ناحية الأم أيضاً.


    وكان الإمام علي (عليه السلام) قد عطف على الأسرى من الأسرة المالكة، وزوج شهر بانو بنت يزدجرد لابنه الحسين (عليه السلام)، وكذلك زوج كيهان بانو لمحمد ابن أبي بكر (الخليفة الأول)، والذي كان يحبه ويرعاه كأحد أبنائه، وقد ولاّه في ما بعد مصر، ولكنه قُتل في أثناء ولايته بتواطوء من معاوية بن أبي سفيان.


    وقد ولد لمحمد بن أبي بكر وكيهان بانو ولد سمي (القاسم)، وولدت للقاسم بنت سميت (أم فروة) تزوجها الغام محمد الباقر (عليه السلام)، فأنجبت له جعفراً الصادق (عليه السلام)، وبهذا ارتبط جعفر الصادق (عليه السلام) من ناحيتي الأب والأم بأميرتين فارسيتين كما سلف ذكره كما ارتبط بالخليفة أبي بكر من ناحيتين أيضاً.


    وكانت العادة المرعيّة بين أهل المدينة المنورة الذين هاجروا إليها من مكة المكرمة جلب المرضعات من عرب البادية.


    وعند مولد الصادق (عليه السلام)، كان قد مضى على بدء الهجرة النبوية 83 سنة، وقد نسي الناس من هم المهاجرون ومن هم الأنصار. ولكن المكيين لم ينسوا عادة تسليم الرضيع إلى المرضعة، وحاول بيت الإمام زين العابدين (عليه السلام) الاهتداء إلى مرضعة للمولود الجديد، لولا أن أم فروة (أمه) قبلت أن تقوم بنفسها بإرضاع الطفل ورعايته، لا سيما وهو ضعيف واهن، ولا يسع أمه أن تدعه تحت رحمة المرضعة، مهما أبدت نحوه من العطف والحنان.


    وفي كتب الشيعة مجموعة من الروايات عن أيام رضاعة جعفر الصادق (عليه السلام) وطفولته، منها ما تواترت روايته منسوباً إلى الرواة المختلفين، ومنها ما ذكر دون إيراد سند. ومن جملة الأخبار التي روُيت دون سند أن جعفراً الصادق (عليه السلام) ولد مختوناً، ومكتمل الأسنان، أما أن يكون جعفر الصادق (عليه السلام) ولد مختوناً فهذا أمر جائز، وربما اثبته الطب. أما أن يكون مولوداً بكامل أسنانه، فهي رواية تحتاج إلى وقفة وتأمل، لأنها لا تتفق مع علم البيولوجيا، وتتعارض مع طبيعة الطفل والرضاعة. إذ ثبت أن الطفل يهجر ثدي أمه متى نبتت اسنانه، ناهيك عن الألم الذي تحدثه الأسنان للأم عند الرضاعة.


    ومن هذه الروايات أن جعفراً الصادق (عليه السلام) ولد ذرب اللسان، وخرج إلى الدنيا يتكلم. وروي عن أبي هريرة انه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: سيولد من ولدي من اسمه جعفر ولقبه الصادق، ينطق لسانه بالحديث من يوم ولادته.


    ولكن هناك أحاديث منسوبة إلى أبي هريرة ولم تثبت صحتها، وإن كان أبو هريرة عرف بالصلاح، ولم يكن يختلق الأحاديث، كما انه صحب الرسول (صلى الله عليه وآله) فترة طويلة، وكان يحبه حباً عظيماً، ويقضي ساعات طويلة من وقته في حضرة الرسول (صلى الله عليه وآله). لذلك كان واضعوا الحديث ومختلقوه ينسبون كل حديث موضوع إلى أبي هريرة ليصادف من الناس قبولاً. على أن بعض هؤلاء المزوّرين ندم على فعلته، وأقر بالإثم الذي اقترفه(2).


    وقد يتفق بعض هذه الروايات مع رأي الشيعة في الإمام بأنه الطاهر النقّي من الزلات، وأن الله اختار الأئمة من بين العباد، وخصهم بخصائص دون غيرهم، وأن للإمام من القدرة في الصغر ما له في الكبر إلا أن الباحث او المؤرخ(3) مضطر إلى التماس الحقائق التاريخية، لأنها أدعى إلى التعويل عليها من روايات تدور حول الكرامات والمعجزات.


    نعرف من طفولة الصادق (عليه السلام) أموراً توحي بأن الأقدار آثرته برعايتها، وخصته بها دون غيره من الصبيان، وأن الدنيا لم تتهجم له في حداثته.


    وأول هذه الأمور أن الصادق (عليه السلام) الذي ولد ضعيف البنية هزيلاً وعانى من أمراض الرضاعة والطفولة عناءً شديداً، قد استقوى على هذه المتاعب التي كانت تحصد الأطفال، واشتد عوده وهو يستقبل الثالثة من عمره.


    والأمر الثاني هو أن جعفراً الصادق (عليه السلام) ولد لأسرة عريقة تتمتع باحترام الجميع، وأفرادها من أواسط الناس ماديّاً.


    والأمر الثالث هو أن أم فروة والدة الصادق كانت كغيرها من نساء بيت الخليفة الأول أبي بكر امرأة متعلمة مثقفة، وأن محمداً الباقر (عليه السلام) والد الصادق كان أعلم أهل عصره بلا منازع.


    أما الأمر الرابع فهو أن والد الصادق وجده عليهما السلام اهتما برعايته وتعليمه وتربيته من السنة الثانية. ويعترف علماء التربية في هذا العصر بأن أفضل سني تعليم الطفل هي ما بين الثانية والخامسة، لأن قوة الذاكرة لدى الطفل تكون في هذه الفترة أقوى منها في غيرها.


    ومن آراء علماء التربية أن الطفل بين الثانية والسادسة يستطيع أن يتعلم لغتين أخريين إلى جانب لغة الأم.


    ومن مؤديات القاعدة العامة أن يكون نصيب الطفل من التعليم في الأسرة المتعلمة والمثقفة أكثر، وحظه في ارتقاء المدارج العلمية أوفى من حظ غيره.


    كان الإمام الباقر (عليه السلام) والد الصادق (عليه السلام) باعتراف الجميع، أعظم العلماء في عصره، وكان جدُّه زين العابدين(عليه السلام) أيضاً من أكابر العلماء والزّهاد، وقد ذكر ابن النديم في كتابه (الفهرست) بعض مؤلفاته التي لدينا جزء منها.


    وقد حظى جعفر الصادق باهتمام والده وجدّه ووالدته (أم فروة)، فعكفوا جميعاً على تعليمه دون غيره من إخوته، ولعل السبب في ذلك أن جعفراً (عليه السلام) كان قوّي الذاكرة وكان مقبلاً على العلم.


    وفي رأي الشيعة أن قوة الذاكرة لدى الصادق (عليه السلام) وعمق ادراكه كانا من الصفات والخصائص التي منحها الله إياه لإمامته، ولو بحثنا في الشرق او في الغرب، لوقعنا على أطفال آخرين يتمتعون بدورهم بقوة الذاكرة والإدراك، ولكن دون أن يكونوا أئمة، ومن هذا القبيل مثلاً ابن سينا، وأبو العلاء المعري من الشرق، وثاسيت(4) في الغرب، فقد كانوا يتمتعون بذاكرة قوية تسجل كل ما سمعوه او قرأوه مرة واحدة، فلا ينسونه.


    إن المقابلة التي زفت بشرى ميلاد جعفر الصادق (عليه السلام) إلى جدّه زين العابدين (عليه السلام) كانت سعيدة الحظ، لأن ميلاد الولد في أسرة من الأشراف كان يعتبر حدثاً هاماً.


    وقد نظمت الأراجيز فرحاً بالمولود، منها هذه الأرجوز:


    (أبشروا حبابا * قدّه طال نما * وجهه بدر السماء)


    وقد حفظها جعفر الصادق (عليه السلام) وهو في الثانية من عمره. وكان جعفر يلعب مع بقية الصبيان لعبة الأسياف مستعيناً بسيف صغير، وهي لعبة متداولة عند العرب صغاراً كانوا أم كباراً.


    وكانت دار الحسين بن علي (عليه السلام) جدّ جعفر الصادق (عليه السلام) التي ولد فيها الصادق (عليه السلام) تقع إلى جوار مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولكنها هدمت فيما بعد لتوسيع المسجد، واستخدم الذي دُفع فيها من بيت المال في شراء أرض في المسقى حيث بنيت دار أخرى بأيدي معماريين من الفرس شأنها شأن بيوت الأشراف في مكة والمدينة، وكان صحن الدار يتسع لجعفر الصادق (عليه السلام) وغيره من الصبيان حيث يلعبون ويمرحون.


    دراساته الأولى


    لدينا روايتان مختلفتان عن بدء دراسة جعفر الصادق (عليه السلام)، تقول الأولى إنه بدأ الدراسة برعاية والده وهو في الثالثة من عمره، في حين أن الرواية الثانية تشير إلى أن بداية الدراسة كانت من السنة الخامسة.


    يقول محمد بن أبي رندفة، وهو من مؤرخي المغرب الإسلامي (ولد 451هـ وتوفي 520هـ) في كتابه (الاختصار): أن جعفراً الصادق (عليه السلام) كان يحضر درس والده محمد الباقر وهو في سن العاشرة. وهذه رواية مقبولة معقولة.


    ولا ريب في أن محمداً الباقر (عليه السلام) كان يعلّم ابنه جعفراً أشياء كثيرة قبل هذا الموعد ولكن لعله وهو في العاشرة من عمره انضم إلى حلقات درس الوالد، الذي كان مجمعاً ومدرسة علمية للطلبة والباحثين.


    الدراسة في هذه الفترة


    مع كل ما ورد في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) وخطب الإمام علي (عليه السلام)


    من توصيات تدعو إلى طلب العلم ولو في الصين، كانت الرغبة في التعليم ضئيلة جداً آنذاك، وذلك بسبب الأسلوب المتبع في التعليم، فضلاً عن أن العرف المتبع في ذلك الوقت هو الاعتماد أساساً على الاستضهار والحفظ. فلّما جاء جعفر الصادق (عليه السلام)، وانبرى بنفسه للنهوض بمهمة التعليم والإفادة، غير الأسلوب الدارج في التعليم، وحوّله من الحفظ والاستظهار إلى البحث والاستقراء.


    وكانت دروس الإمام محمد الباقر (عليه السلام) تنعقد في رحاب المسجد الذي بناه الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) والذي اتسع فيما بعد في عهد الخلفاء.


    أما المواد التي كانت تدرس في مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام) فهي شيء من التاريخ، وعلم النحو، وعلم الرجال والسنة أو الفقه، الأدب المنظوم ولكن دون اهتمام بالنثر أو الخطب أو النصوص الأدبية، ولا بد من الإشارة إلى أن العرب، في عهد الإمام الباقر (عليه السلام)، كانوا يفتقرون إلى الأدب المنثور، ما عدا ما رُوي من خطب قصار العهد الجاهلي، وما روي عن الإمام علي (عليه السلام) من الخطب والرسائل.


    ولم يكن لدى الطلبة في مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام) كتاب معيّن مقرر، ولا كان لدى الإمام نفسه كتاب أو مؤلّف خاص للتدريس، فكانت الدروس تلقى على الطلبة ارتجالاً وسليقةً، فإن كان الطالب متميّزاً بذاكرة قوية، كان حظه من الاستفادة من درس الإمام أوفر، وإن كان غير ذلك، اقتصر على كتابة الدرس على لوحة تمكّنه من استعادة فحواه في المدرسة أو البيت، وربّما دوّن موجزاً له على الجلد أو الورق الذي كان نادراً عزيزاً ليبقى مسجلاً محفوظاً. وكان اللوح يهيئ للطالب الاحتفاظ بالدرس لفترة قصيرة معيّنة ولا يلبث أن يمحي، ليكتب عليه من جديد.


    والطلبة في عصرنا هذا يتصورون أن دراسة المواد العلمية من غير كتاب أو نص مكتوب أمر مستحيل، في حين ان الدراسة في الماضي البعيد سواء في الشرق أو في الغرب كانت مركزّة على المشافهة دون الكتاب، فكان الطالب يسعى إلى استظهار درس استاذه، فإن كان قليل الثقة في ذاكرته، استعان على ذلك بكتابة.


    الدرس في منزله


    ونلاحظ اليوم أيضاً أن من الأساتذة من يثق في ذاكرته ويلقي المحاضرة دون مراجعة مذكرات أوكتاب، فقد تمكن البعض من مادتهم وتعمقوا فيها وهان عليهم أن يرتجلوا الحديث دون لجلجة أو تلعثم أو توقف.


    ولم تتوسع مدرسة الإمام محمد الباقر (عليه السلام) في تدريس العلوم، ما عدا علوم الأدب. أما التاريخ، فاقتصر على ما ورد في القرآن الكريم والتوراة، ولم تكن الترجمة قد ازدهرت بعد، ولا كانت كتب اليونان وفارس قد نُقلت بعد إلى اللغة العربية، ولا كان المسلمون قد عرفوا بعد تاريخ أوربا والعالم.


    وكان الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يحضر مجالس والده، ويتابعها بذكائه الوقّاد، ويأخذ عنه الدروس ويحفظها في سهولة ويسر.


    وتقول الشيعة أن الإمام محمداً الباقر (عليه السلام) سُمّي باقراً لأنه كان يبقر العلم، أي يشقّه ويوسعه(5). وأظن انه سمّي باقراً لنه عمد في القرن الأول من الهجرة، وفي السنوات العشر الأخيرة منه على وجه التحديد إلى إدخال دراسة الجغرافيا وسائر العلوم الغربية عن ذلك المجتمع إلى مدرسته، إلى جانب دراسة الأدب والفقه، وكان جعفر الصادق (عليه السلام) وقتئذ في السابعة عشرة أو العشرين من عمره.


    ويعتقد البعض أن علم الجغرافيا دخل إلى شبه الجزيرة العربية عن طريق ترجمة الكتب السريانية، في حين أن العرب عرفوا هذا العلم عم طريق مصر، ووقفوا في رحلاتهم إلى مصر على جغرافيا بطليموس، وجاء جعفر الصادق (عليه السلام) فأدخل تدريس هذه المادة في مدرسته في وقت لاحق.


    ولبطليموس هذا دراسة في علم الهيئة (الفلك)، فضلاً عن دراسته عن الجغرافيا، وسنرى في ما بعد أن جعفراً الصادق (عليه السلام) كان ذا ضلع في علم النجوم، ولعله أخذ هذه العلوم جميعاً عن مدرسة أبيه الإمام الباقر (عليه السلام) وعن كتب بطليموس المصري(6).


    والحقيقة أن العرب عرفوا الصور الفلكية والنجوم، ووضعوا لها أسماء وتعاريف قبل أن يتصل بهم أمر بطليموس وجغرافيته وهيئته.


    ولكننا لا نعرف على وجه التحديد متى وضعت تلك الأسماء، ومن هو واضعها؟ وإن كان من المؤكد أن العرب كانوا قبل دخولهم مصر ومعاشرتهم للقبط ووقوفهم على كتب بطليموس، يعرفون المنظومة الفلكية، كما كانت لديهم أسماء عربية للنجوم.


    فليس صحيحاً إذن أن يكون جعفراً الصادق (عليه السلام) تعلم النجوم وأخذ علومها عم كتب بطليموس، ولكن الجائز إنه استعان بكتب بطليموس في دراسته للنجوم والفلك في مدرسة والده الإمام الباقر (عليه السلام) بجانب العلوم الأخرى.


    والمعروف أن الإمام الباقر (عليه السلام) أدخل في مدرسته دراسات عن الجغرافيا وغيرها من العلوم إلى جانب علوم زمانه. ولئن كنا نفتقر إلى سند تاريخي(7) يعزز هذا الرأي، فهناك من الشواهد والقرائن ما يؤكد هذا الرأي ويسانده. فمن المستبعد مثلاً أن يُلقّب الإمام محمد بن علي (عليه السلام) في عصره بالباقر لمجرد أنه أدخل دراسة علم الجغرافيا والهيئة في مدرسته آنذاك، ولكن الذي لا يكاد يعتوره شك، هو أن الباقر (عليه السلام) اكتشف بنفسه علوماً غريبة عن مجتمعه، أو لعله أحاط بها، ثمَّ قام بتدريسها والترويج لها في مدرسته، فكان ذلك سبباً في تلقيبه بالباقر(8).


    ومن القرائن أيضاً أن الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) عندما انبرى لمنصب التدريس والإفادة في مدرسة والده الإمام الباقر (عليه السلام) كان يدرّس بالاضافة إلى الجغرافيا والهيئة علوم الفيزياء والفلسفة الاغريقية، ومن الواضح بأن الفيزياء والفلسفة والعلوم الاغريقية الأخرى لم تكن في زمان الإمام الصادق قد نقلت بعد إلى اللغة العربية، وأن حركة النقل والترجمة بدأت ونشطت في وقتٍ تالٍ، وقام المترجمون بعد عصره (عليه السلام) بنقل تلك الكتب والمؤلفات من الفارسية والسريانية إلى اللغة العربية دون أن تكون لديهم في البداية معرفة دقيقة بالمصطلحات الفلسفية الاغريقية.


    فأقوى الظنون أنه تعلم هذه العلوم بمدرسة والده الإمام الباقر (عليه السلام) فتمكن منها بنبوغه وذكائه، وتعمق في مباحثها ودراساتها، وصارت له فيها نظرات صائبة، ولو لم يأخذ هذه العوم عن أبيه، لما كان مستطاعاً عقلاً أن يقوم بتدريسها في وقت لم تكن هذه العلوم قد نُقلت فيه بعد من لغاتها الأصلية إلى العربية.


    والشيعة ترى أن احاطة الإمام بهذه العلوم تنبع عن علم الهي لدني(9)، وتعتقد أن الشعور الداخلي في كل انسان هو على النقيض من الشعور الظاهري، كنز للمعرفة ومدخر للعلوم والمعارف البشرية في العالم.


    ولهذه النظرية في عصرنا الحاضر ما يعززها من مكتشفات العلوم، فقد انتهى علم البيولوجيا الحديث إلى أن مجموعات الخلايا التي يتكون منها جسم الانسان تدَّخر في داخلها من المعارف والمشاعر الخاصة بها ما قد تحصّل منذ بدء الخليقة وإلى هذا اليوم.


    وفي رأي الشيعة أنَّ من اختاره الله نبيّاً أو جعله إماماً، يزال الحائل أو الستار الموجود بين شعوره الظاهري وشعوره الباطني، ولأنَّ النبي أو الإمام متمكن من الشعور الباطني، فهو يستفيد من المعرفة والمعلومات التي تتعلّق بالانسان أو غير الانسان في دنياه هذه أو في العالم المحيط به.


    وفي ضوء هذا الرأي تفسِّر الشيعة بعثة النبي محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) رسول الاسلام بأنها كانت من هذا النمط.


    بمعنى أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وفي ليلة البعثة وفي غار حراء بجبل قرب مكة، نزل عليه جبريل (عليه السلام) وخاطبه بقوله: اقرأ، فرد عليه الرسول (صلى الله عليه وآله): ما أنا بقارئ، فقال له جبريل (عليه السلام) مرة ثانية جادّاً: اقرأ، فأزيل الحائل بين شعوره الظاهري وشعوره الباطني، وفي لحظة واحدة علم القراءة وأحاط بكل علوم الانسان.


    والشيعة ترى أن للشعور الباطني مرحلتين هما الشعور الباطني الاعتيادي والشعور الباطني النهائي أو العالي، وترى أن الانسان في منامه يرتبط بشعوره الباطني الاعتيادي، وأن ما يراه في المنام من الرؤيا هو عن طريق الشعور الباطني الاعتيادي، أما النبي أو الإمام فيحيط بكل معرفة وعلم عن طريق الشعور الباطني النهائي (العالي)، وفي ليلة البعثة، ارتبط الرسول (صلى الله عليه وآله) وفي لحظة واحدة بشعوره الباطني النهائي.


    وعلى أساس هذه العقيدة أو الرأي تذهب الشيعة إلى ان علم الصادق (عليه السلام) علم لدني، أي أنه نابع من ينبوع الشعور الباطني النهائي.


    والشيعة يسلمون بهذه العقيدة ولا يجادلون فيها أو يناقشون، أما الباحث أو المؤرخ فيبحث عن الدلائل المادية، والشواهد التاريخية التي تفسر له كيف أن رجلاً كجعفر الصادق، لم يخرج من شبه الجزيرة العربية طوال أيام دراسته وشبابه(10)، وقد درّس الفلسفة والفيزياء والكيمياء وعلّمها، وكلها علوم لم يعهد أحد بتدريسها في شبه الجزيرة العربية إلى ذلك التاريخ.


    وأغلب الظن أن هذه العلوم كغيرها من علوم الجغرافيا والهيئة انتقلت إلى العرب عن طريق القبط، وتدوول تدريسها في مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام)، وتوسع الإمام بنفسه مباحثها وفروعها.


    وفي سنة 86 للهجرة، وكان جعفر الصادق في الثالثة من عمره، توفي عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، وخلفه ابنه الوليد بن عبد الملك.


    وكان أول حكم صدر عنه عزل هشام بن اسماعيل والي المدينة المنورة، وتولية عمر بن عبد العزيز(11)، الذي كان يبلغ من العمر الرابعة والعشرين، وكان يتمتع بصباحة المنظر والوجه، حاكماً ووالياً على المدينة (المنورة) مكانه.


    وكان مقر الخليفة في ذلك الوقت مدينة دمشق في الشام، وكانت التشريفات والمراسيم الملكية البيزنطية تحكم القصر الأموي، وكان الوالي الوافد يقيم قصراً أو داراً في مقر ولايته (في أي من المدن الإسلامية يلي أمرها) ويطبق فيه مراسم دار الخلافة في الشام وتشريفاتها، وكان الحكام يعيشون بالتشريفات والمظاهر الملكية.


    وكان هشام بن اسماعيل (الوالي المعزول) في المدينة يقلّد حياة الخليفة الأموي في الترف والمظاهر، ولكن الوالي الجديد عمراً ابن عبد العزيز وصل إلى المدينة المنورة دون تشريفات، واتجه إلى مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) فور وصوله ليلتقي بالإمام الباقر (عليه السلام)، وكانت دروس الإمام تنعقد بالمسجد النبوي، فسلّم على الإمام الباقر(عليه السلام) قائلاً: كنت أعلم أنك في مثل هذا المكان في مثل هذا الوقت، وكان أجدر بي أن آتي إلى دارك، لولا حرصي وشوقي للقائك والاستماع إلى حديثك، وأود أن أقول أنني سأنفذ أوامرك وطلباتك، فَمُرْ بما تشاء تُجَبْ.


    ولا بد من الإشارة إلى أن العلويين (أولاد الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كانوا يعيشون في المدينة المنورة دون غيرها من المدن الإسلامية.


    والمدينة المنورة، وهي التي اشتهرت بأنها مدينة النبي (صلى الله عليه وآله)، كانت مسقط رأس الإمامين، وبها من أهلها ومحبيها الجمع الكثير، بحيث لم يجرؤ الوالي أو الحاكم الأموي على إيذائهما أو منعهما من الحديث أو التدريس، ذكرنا هذا حتى يعلم القارئ كيف كان الإمام الباقر (عليه السلام) يلقي دروسه بحرية وعلى مرأى من الناس، مع وجود حاكم أموي كهشام بن اسماعيل.


    وقد عزم الوليد بن عبد الملك في السنة الثالثة لحكمه، أي في سنة 88 هجرية، على أن يوسّع مسجد النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان هذا الجامع قد بُني على يد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وتاريخ بنائه معروف لا يحتاج إلى التكرار.


    وكان المسجد قد وُسِّع قبل هذا التاريخ مرة دون هدم بيوت زوجات الرسول(صلى الله عليه وآله) التي بقيت بمبانيها في المسجد. وكان بعض زوجات الرسول (صلى الله عليه وآله) قد ابتعن بيوتاً غيرها، وانتقلن إلى البيوت الحديثة بمساعدة الخلفاء الراشدين، بينما آثر البعض الآخر حياة التقشف، وبقين في البيوت الصغيرة بداخل الحرم النبوي الشريف.


    وفي سنة 88 هجرية، انتقلت آخر زوجات الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى رحمة الله، فخلا المسجد منهن نهائياً.


    وأمر الخليفة الأموي واليه في المدينة آنذاك (عمراً بن عبد العزيز) بأن يهدم بيوت زوجات الرسول (صلى الله عليه وآله)، ويضم إلى المسجد البيوت المجاورة حتى تتسع رقعة المسجد إلى مائتي ذراع طولاً ومائتين عرضاً (أي ما مساحته أربعون ألف ذراع).


    وقد أمر عمر بن عبد العزيز معمارياً فارسياً بأن يخطط لتوسيع المسجد، بحيث لا يحول البناء دون مواصلة الإمام الباقر (عليه السلام) إلقاء درسه وبحثه، وقال له: إنني أحب هذا الرجل، ولا أريد أن يلحقه أذى من عمّالك وصنايعك أثناء عملهم.


    وعندما بدأ العمل في توسيع المسجد النبوي، كان جعفر الصادق (عليه السلام) قد بلغ الثامنة، أو الخامسة (لاختلاف الرواية حول مولده، كما اسلفنا) فطلب من أبيه الإمام الباقر (عليه السلام) السماح له بالعمل والمشاركة مع الصناع في بناء المسجد.


    فقال له أبوه (عليه السلام): إنك طفل لا تُطيق مثل هذا العمل.


    فقال الصادق (عليه السلام): إنني أحب أن أشارك في بناء المسجد كجدي رسول الله (صلى الله عليه وآله).


    فلم يسعه إلا الموافقة على اشتراكه في العمل.


    ويرى البعض أن رغبة الصادق (عليه السلام) في المشاركة في بناء المسجد إنما انبعثت عن رغبة كل طفل في اللعب بالماء والطين، ولكن الواقع أن رغبته كانت تختلف عن رغبة الأطفال الآخرين في اللعب، بالنظر إلى ما كان يبذله من جهد كبير بالنسبة لجسمه الصغير، وكان يأبى تلبية دعوة الأطفال الذين هم في مثل سنّه للعب في شارع المسقى أثناء عمله في المسجد، وإن كان قد شارك أطفالاً في مثل عمره بعض اللعب المتداولة في المدينة المنورة آنذاك.


    ولعب الأطفال تتشابه في العالم كله، ولكن كانت في المدينة المنورة لعبتان متداولتان، تختلفان عن لعب الأطفال في العالم.


    أما اللعبة الأولى، فهي لعبة يراد منها شحذ الذهن وأعمال الفكر لحل اللغز واكتشاف المجهول. ومن مؤدى هذه اللعبة أن يجلس جعفر الصادق (عليه السلام) في مكان الأستاذ. والأطفال من حوله ملتفون، ثمَّ يلقي عليهم أسئلة عن خصائص شيء ما وأوصافه، ويطلب منهم الاستدلال بذكائهم على هذا الشيء، ومن ذلك مثلاً أنه كان يسألهم: ما اسم الفاكهة التي تنبت في منطقة كذا ولونها كذا وطعمها كذا وتقطف في فصل كذا؟


    (وبديهي أن الأمثلة التي نسوقها هنا تختلف عمّا كان يطرحه (عليه السلام) فعلاً من الأسئلة على الأطفال). وكان على الأطفال الجالسين كالتلامذة من حول الصادق (عليه السلام) أن يحلّوا اللغز، ومن سَبَقَ إلى حلّه، اتخذ مكان الأستاذ، وأخذ على عاتقه أن يطرح الأسئلة على الآخرين، ولكن الصادق لم يكن يطيل مجلسه في موضع التلاميذ، إذ أنه سرعان ما كان يحل اللغز مرةً وأخرى، ويعود بذلك إلى مكانه العتيد كاستاذ.


    وكان جعفر الصادق (عليه السلام) قد تلقى أدبه وتربيته في أسرة من أشراف المدينة، ولم يكن الأطفال الآخرون في شارع المسقى من نفس المستوى أو من نفس التربية والتعليم، ولم يكن أحد منهم ينعم برعاية والد وجد ووالدة كالرعاية التي نعم بها جعفر الصادق.


    ومعروف أن للأسرة تأثيراً عميقاً في تربية الأولاد وتوجيه الطفل. وبسبب اختلاف أساليب التربية، ينشأ الاطفال مختلفين في الطباع والعادات حتى وإن تجاوروا في المسكن أو كانوا من اسرتين متقاربتين.


    ومن آثار التربية في نفس جعفر الصادق أنه (عليه السلام) كان لا يقول إلا صدقاً، ولعله ورث هذا عن أسرته، أو تلقاه منها بفضل التنشئة والتربية. ولم يكن الصادق يجيز الكذب، حتى وإن أنجاه ذلك عن عواقب وخيمة.


    أما أترابه من الأطفال، فإن كثرتهم الكاثرة لم تكن على هذه الشاكلة من حيث التربية الأصلية، وما أكثر ما كانوا يكذبون إذا رأوا في ذلك مصلحة أو منفعة.


    وعندما كان أحد من هؤلاء الأطفال يقعد مقعد الأستاذ في هذه اللعبة، ثمَّ يشرع في طرح الأسئلة الملغزة على زملائه، كان الصادق يجيب إجابة صحيحة بعد سؤال أو اثنين، ولكن الطفل الجالس في مكان الأستاذ، حرصاً منه على الاحتفاظ بهذه الرئاسة، كان يزعم بأن رد الصادق بعيد عن الصواب، وهو أمر كان الصادق يتألم منه تألماً شديداً يحدوه اياناً إلى اعتزال اللعبة، وبغيابه تفقد اللعبة جديتها وطرافتها، فيوافيه الأطفال معتذرين طالبين عودته إليهم.وعندئذ يقبل عذرهم مشترطاً الا يكذب أحد منهم.


    أما اللعبة الثانية فهي لعبة خاصة بالمدينة المنورة، وإن عرفت في غيرها، ومن مؤادها أن الأطفال كانوا يختارون من بينهم أستاذ وعدداً من التلاميذ، ثمَّ يأخذون كلمة (معينة) على وزن معين، مثل كلمة (الشراعية)، وكان على التلميذ أن يُعيد هذه الكلمة ويكررها كلما سئل. ورغبة من الأستاذ في اختبار مقدرة التلميذ على الحفظ، كان يسوق على مسامعه الفاظاً على وزن الكلمة المنتقاة، مثل الدراعية والذراعية والصناعية والكفائية والزراعية وما إلى ذلك، فيردد الطالب الكلمة المنتقاة، أي (الشراعية) في كل مرة، ولم يشترط أن تكون للكلمات الجارية على وزن الشراعية أي دلالة أو معنى، لأن الهدف من هذه اللعبة هو محاولة إيقاع التلميذ في خطاً بذكره لفظة وزنها مخالف لوزن الكلمة (الشراعية)، وفي هذه الحال يخرج التلميذ من اللعبة، ويحل محله آخر.


    وهاتان اللعبتان كانتا تفرضان على الأطفال الجلوس والتحدث، بينما تتطلب الألعاب الصبيانية الأخرى حركات بدنية أو مسابقات في العدو، وكان جعفر الصادق يشارك في هذه الألعاب أيضاً.


    وفي سنة 60 هجرية، انتشر مرض الجدري في المدينة المنورة، فأصاب من أصاب من الأطفال، وكان الصادق في السابعة أو العاشرة من عمره (على اختلاف الرواية)، فقررت أم فروة الابتعاد عن المدينة المنورة بطفلها احترازاً من الأوبئة، وسافرت ومعها جعفر الصادق إلى الطنفسة(12) وهي من القرى الريفية القريبة من المدينة.


    ومعروف أن أسماء كثير من المدن والقرى مأخوذة من أسماء منتجاتها الصناعية أو غلّتها الزراعية، الظاهر أن قرية الطنفسة اشتهرت بصنع نوع من الحصير الجميل من الألياف النباتية، فاشتهر الموضع باسم هذا المنتج وهو (الطنفسة).


    وقد تغير اليوم اسم هذه المدينة أو استبدل به اسم آخر، كما هو الشأن بالنسبة لأسماء المدن الإسلامية في القرنين الأول والثاني، كيثرب مثلاً التي سميت بالمدينة المنورة.


    واستقرت أم فروة مع أبنائها في الطنفسة نأيا بهم عن اخطار هذا المرض الساري، ومع ذلك أصيبت هي به دون أن تشعر في بادئ الأمر إلى أن ظهرت أعراض المرض على جلدها. فتنبهت بذكائها وثقافتها إلى خطورة الموقف، وعوضاً عن الاهتمام بعلاج نفسها، طلبت إبعاد الأطفال عنها إلى مكان آخر بعيداً عن هذا الموضع، فأخذوهم إلى قرية أخرى والأم تصارع آلام المرض وسريانه في جسمها.


    فاضطر الإمام محمد الباقر (عليه السلام)، بعد وقوفه على النبأ، أن يكف عن درسه بعض الوقت ويقرر الذهاب إلى الطنفسة، وكعادة الهاشميين عند الملمات والأخطار، زار قبر جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسجد الشريف، داعياً الله لإنقاذ زوجته من هذا المرض.


    فلما رأت أم فروة زوجها الحنون، خافت عليه من العدوى وقالت له: أو ما تعلم أن هذا المرض مُعْدٍ، وأن السلامة تقضي بعد لقاء المصابين به؟


    فقال الإمام الباقر (عليه السلام): لقد دعوت الله عز وجل عند قبر جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ينجيك من هذا المرض، وإنني لواثق من أن جدي لا يردني، وهو سيقضي لي حاجتي ومطلبي، فثقي بأنك ستشفين من هذا المرض، وأنا أيضاً مصون منه إن شاء الله.


    وقد تحقق ما قاله الإمام الباقر (عليه السلام)، وشفيت أم فروة، وزال عنها المرض الوبيل، بل أن هذا المرض لم يخلّف فيها أي آثار سيئة، مع أن هذا نادر الحدوث، ومن خصائص هذا المرض أنه لا يصيب الكبار في السن إلا نادراً، فإن أصابهم، فقل من ينجو منه.


    وفي رأي الشيعة أن الإمام يتمتع بقدرة غيبية غير محدودة، وأن أم فروة شُفيت من المرض لزيارة الإمام ودعائه لها، أي أنها شفيت بقدرة الإمامة، وهذا رأي لا يسع المؤرخ تقبله على علاته خاصة وأن الأطباء كانوا آنذاك عاجزين عن معالجة هذا المرض، وشفاؤها منه هو حالة استثنائية.


    عادت أم فروة إلى المدينة المنورة بمفردها بعد شفائها، ولم تستصحب أولادها معها لأن المرض كان ما زال متفشياً هناك.


    الامام جعفر الصادق عليه السلام في مدرسة الإمام الباقر عليه السلام


    منذ سنة 90 هجرية وجعفر الصادق (عليه السلام) يحضر درس أبيه الإمام الباقر (عليه السلام)، والمؤرخون متفقون على أن جعفراً الصادق (عليه السلام) يحضر درس ابية (الدروس العامة) وهو في العاشرة من عمره.


    وكانت دروس الإمام الباقر (عليه السلام) في مدرسته تعتبر آخر مرحلة من مراحل الدراسة، أو هي قبيل الدراسات المتقدمة في مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله). وكان معظم طلابه من الفقهاء والعلماء أو الباحثين. فمن سديد الرأي أن نقول إن جعفراً الصادق (عليه السلام) بدأ دراساته العليا من العاشرة، وهو أمر غير مستبعد بالنسبة لمن كان كالصادق (عليه السلام) قوة ذاكرة وذكاء.


    والمعروف في الغرب أن كثيراً من مشاهير العلماء بدأوا دراساتهم الجامعية في سن المبكرة.


    وقد أشرنا في ما مر إلى المواد والدروس التي كان الإمام الباقر (عليه السلام) يدرسها في مدرسته، وعندما حضر جعفر الصادق (عليه السلام) درس والده لأول مرة، بدأ الإمام الباقر يدّرس جغرافية بطليموس، وفي هذه الجلسة سمع الصادق (عليه السلام) للمرة الأولى عن كتاب المجسطي لبطليموس، وعن رأي هذا العملاق الجغرافي في شأن كروية الأرض، وهو الرأي قال به بطليموس في القرن الثاني الميلادي.


    ويعتقد البعض أن كربرنيكوس المنجم البولوني الشهير الذي عاش في القرن الخامس عشر الميلادي هو الذي اكتشف نظرية كروية الأرض(13)، ولكن الواقع أن معظم المنجمين والعلماء في مصر القديمة أيام الفراعنة قد قالوا بكروية الأرض.


    وفي مكتبة الفاتيكان بروما مخطوطات علمية يرجع تاريخ تأليفها إلى أكثر من ألف سنة تناولت موضوع كروية الأرض، بالإضافة إلى أن كريستوف كولمبس(14) بدأ رحلته البحرية (استناداً إلى نظرية كروية الأرض) ووجهته الوصول إلى جزر الأعشاب الطبية في الشرق عن طريق الغرب، وذلك قبل أن يدعو كوبرنيكوس إلى نظرية كروية الأرض ودورانها حول الشمس، وقبل أن يدوّن هذه النظرية.


    وقبل ذلك أيضاً، بدأ ماجلاّن البرتغالي رحلته البحرية ليطوف حول العالم ويعود إلى إسبانيا بعد ثلاث سنين. وقد ضم في رحلته البحرية هذه عدداً من البّحارة بمساعدة ملك إسبانيا، الذي كان يعمل في خدمة بلاطه، ولكن الحظ لم يواته، وقتل في إحدى الجزر الفلبينية، بينما أتم زملاؤه الرحلة. وعادوا إلى إسبانيا بعد سفر طويل حققوا فيه نظرية كروية الأرض(15) بصورة عملية.


    فالقول بكروية الأرض كان سابقاً إذن على نظرية كوبرنيكوس، بل قد دعا إليه المصريون والأغريق القدماء، وأكده بطليموس في كتابه المجسطي(16)، ولكن بطليموس كان يقول بأن الأرض هي مركز العالم، وأن الشمس والقمر والنجوم الأخرى تدور حولها، في حين أن كوبر نيكرس يقول أن الأرض كروية، وإنها تدور حول الشمس وحول نفسها، وإن المشس هي مركز العالم.


    واتفق في سنة 91 هـ، وجعفر الصادق (عليه السلام) مازال طالباً في مدرسة أبيه، أن حدث حدثان كان لهما أثر كبير في الإبانه عن مواهبه وقدراته العلمية. أولهما أن محمداً بن فتى، هو من تلامذة الإمام الباقر (عليه السلام)، عاد من مصر حاملاً معه هدية إلى الإمام الباقر (عليه السلام) قوامها كرة أرضية مصغّرة مصنوعة من دقيق الخشب. وكان صنّاع مصر يستخدمون نشارة الخشب أو الخشب نفسه في صنع كثير من التماثيل والنماذج الزخرفيه التي تنقل إلى خارج مصر لتقدم كهدايا أو تذكارات. وكانت الكرة الأرضية المصغرة التي حملها محمد بن فتى من مصر، مركّبة على قاعدة مستديرة في سمائها مجموعة من النجوم كما تصورها بطليموس في كتابه (المجسطي) في القرن الثاني الميلادي.


    وكان بطليموس قد قسّم النجوم التي تُرى بالعين المجردة إلى ثمان وأربعين صورة، وكان هذاهو التقسيم الشائع لدى علماء الفلك قبل بطليموسن غير أنه أتّمه ووضحه.


    أما المجموعات الفلكية الثابتة ـ حسب رأي بطليموس ـ فهي ثمان وأربعون، ولكل منها صورتها الخاصة وشكلها المعيّن. وقد صور هذه المجموعات حول الكرة، ودوّن عليها اسماءها باللغة المصرية القديمة.


    وصوّر على الكرة نفسها اثنتي عشرة مجموعة من النجوم، من برج الحمل حتى برج الحوت، على هيئة حزام يطوّق الكرة. وكانت صورة الشمس تقع خلف الكرة بحيث تكشف عن دورانها حول الأرض، ومن على منطقة البروج مرة كل سنة.


    وصوّر على الكرة أيضاً القمر والسيّارات الأخرى وهي تدور حول الأرض.


    كانت هذه الكرة أول نموذج مصغّر للكرة الأرضية والسيّارات الخرى يراه جعفر الصادق (عليه السلام)، ومع أنه كان آنذاك في الحادية عشرة من عمره ليس إلا، فقد انتبه بذكائه الوقّاد إلى الخطأ الكبير الذي وقع فيه بطليموس. وفي هذا قال: إذا كانت الشمس تدور حول الأرض، وتنتقل من برج إلى آخر في ثلاثين يوماً لتتم دورتها مرة كل سنة، فما هو السر إذن في غياب الشمس كل ليلة لتظهر في اليوم الثاني؟.


    وإذا كانت الشمس تستقر في كل برج شهراً واحداً، فلابد إذن أن نراها بصورة مستمرة، فلا تغيب عنا كل مساء.


    كان نقد جعفر الصادق (عليه السلام) نقداً علمياً دقيقاً، فقام بتخطئة بطليموس في رأيه القائل بوجود حركتين للشمس، حركة في البروج الإثني عشر حول الأرض مرة كل سنة، وحركة حول الأرض مرة في كل يوم وليلة، ومن هنا نرى الشمس، حسب رأي بطليموس، تغيب عنا كل ليلة في المغرب لتظهر صباحاً من المشرق، وهي حركة يومية نسبها إلى الشمس.


    ورأى الصادق (عليه السلام) أن هناك استحالة في التقاء هاتين الحركتين في آن واحد، لأن الشمس إذ تسير في منطقة البروج لا يسعها أن تترك هذا المسار لتدور حول الأرض مرة في كل يوم.


    وفي ذلك الوقت، كان قد مرّ على وفاة بطليموس 560 سنة، ولم يكن احد قد تنبه في هذه الفترة الطويلة إلى هذا المشكل، ولا كان أحد ليجروء على انتقاد رأي بطليموس أو تخطئته.


    ولم يكن رأي بطليموس رأياً يمتنع على النقد أو المناقشة، كما كان شأن الآراء الفلسفية الدينية إذ ذاك، ولكننا نعتقد أنه كان هناك سببان أساسيان وراء انتشار هذا الرأي وذيوعه دون نقد أو اعتراض.


    الأول: ما كان يتمتع به الأستاذ في القديم من منزلة عليا واحترام كبير، مما كان يورث التلاميذ اعتقاداً بأن الأستاذ على حق دائماً في كل ما يذهب إليه ويقول به من آراء.


    والسبب الثاني هو قلة حفاوة الطلبة بالمسائل العلمية المعقدة التي تحتاج إلى إمعان الفكر وإجراء التجارب العملية.


    ومن الغريب أن جامعات الغرب لم تطرح بدورها رأي بطليموس على بساط البحث والنقد، شأنها شأن الجامعات والمدارس العلمية في الشرق. وكان جعفر الصادق أول من التفت إلى الخطأ أو الفساد في هذه النظرية وهو آنذاك في سن مبكرة يدرس في مدرسة الإمام محمد الباقر (عليه السلام).


    ومن هذا اليوم بدأ جعفر الصادق يفكر في مكمن الخطأ في نظرية بطليموسن وكيف أن الشمس تغيب في كل ليلة وفي نفس الوقت تقول أنها تدور حول الأرض في منطقة البروج لتكمل الرحلة في سنة كاملة.


    أشرنا قبلاً إلى أن مدرسة الإمام محمد الباقر (عليه السلام) كانت تدرس علوم الجغرافيا والهندسة إلى جانب الفقه والتفسير،وأن الإمام الباقر (عليه السلام) كان يقوم بنفسه بتدريس هذه المواد العلمية، ويبدو أن عملي الهندسة والهيئة وصلا إلى المدينة المنورة عن طريق أقباط مصر، وأن الإمام الباقر (عليه السلام) كان واقفاً على القواعد الهندسية التي وضعها اقليدس اليوناني، لأن اقليدس عاش في القرن الثالث قبل الميلاد وكان يقول بكرويّة الارض، ورغم براعة اقليدس في الهندسة، فقد أخفق في تحديد حجم الكرة الأرضية أو مساحتها.


    وكان الاعتقاد السائد وفقاً للأساطير اليونانية القديمة، وقبل تدوين تاريخ اليونان العتيقة لالقاء الضوء على التفكير الإغريقي حول توالي الليل والنهار، أن هناك آلافاً من الأجرام الشمسية، وأن الشمس التي تغيب ليلاً تغوص في وادٍ مجهول لتشرق في مكانها شمس أخرى في اليوم التالي، وأن شمس هذا اليوم تختلف عن الشمس التي غابت في الليلة الفائتة، ومن مؤدى رأي الإغريق القدماء ـ بذلك ـ أن لكل يوم شمساً مستقلة تشرق من المشرق، خلاف الشمس التي غربت في اليوم السابق، وأن زيوس (Zeus) رب الآلهة (ويقال له في اللاتينية جوبيتر(17)Jupiter ) يملك كثيراً من الأنوار والمصابيح التي يطلق منها في كل فجر مصباحاً يسبح في السماء ليضيء الأرض ويدفئها، ومتى استنفذ وقود المصباح، أو صارت النار رماداً، حل الغروب، أمات المصابيح والانوار المستهلكة، فتسقط في مكان مجهول لا سبيل إلى الاهتداء إليه.


    وثمة سؤال هو: هل كان زيوس (رب الآلهة) يُعيد تزويد المصابيح بالوقود ليطلقها من جديد إلى السماء مرة أخرى؟


    لم يكن الرد على هذا السؤال مؤكداً، إذ أن البعض كان يعتقد بأن لزيوس مثل هذه القدرة بل أكثر، في حين أن البعض الآخر كان يرى أن شمس كل يوم غير اليوم السابق.


    وكان الاغريق في القديم يفسّرون المسائل الفلكية في ضوء ما يقرره (زيوس) العالم، وما ينسبه إليه.


    وابتداء من مطلع القرن الخامس قبل الميلاد، الذي يعتبر عصر النهضة العلمية في اليونان، وتحت ايدينا التاريخ العلمي لهذه الفترة، اخذ اهتمام اليونان بمسائل الفلك يتضاءل، وظهرت الفلسفة وعلوم الاجتماع على المسرح، واستأثرنا باهتمام معظم علماء اليونان، فاهتم سقراط وأفلاطون وأرسطو، وهم من أشهر فلاسفة اليونان، بعلوم الاجتماع والفلسفة دون سواها مكن أبواب المعرفة، وإن كان أرسطو اهتم بالفيزياء والأرصاد الجوية والفلك، وألّف في هذه العلوم، ولكن معظم اهتمامه انصب على الفلسفة أيضاً، واشتهرت مدرسته بالفلسفة المشائية، وقد عالجت موضوعات علم الاجتماع ايضاً.


    في مثل هذا المجتمع، ظهرت محاولات أخرى من بعض علماء الفلك والنجوم، منهم اقليدس الذي كان رياضياً مهندساً أكثر منه منجماً أو فلكياً، وهو الذي فنَّد الرأي القائل بأن زيوس هو الذي يرسل في فجر كلّ يوم شمساً إلى السماء لتذوب ويخبو ضياؤها عند الغروب.


    وقد عاش اقليدس أربعة قرون ونصف قرن قبل بطليموس في الاسكندرية، وكان يرى أن الشمس التي تغرب عن أعيننا عند الغروب هي نفسها التي تشرق مرة أخرى في فجر اليوم التالي، وذلك لأنها تدور حول الأرض الكروية في كل يوم وليلة.


    وقد اكتشف هذا الرأي من مؤلفات اقليدس بعد موته بسنين، والغريب في الأمر، أن اقليدس لم يجرؤ على ابراز هذه النظرية طيلة حياته، مع أن عصره أي القرن الثال ث قبل الميلاد، كان عصر العلم وعصر انطلاقة حركة البحث العلمي والتحقيق. وكان (بيرون)(18)، المعاصر لإقليدس (في اليونان) يناقش آراء أرسطو وأفلاطون ويعارضها، بل ينفي وجود آلهة للإغريق قائلاً إن ذلك خرافة، مع العلم بأن هذا الموقف كان معارضة منه للمذهب الرسمي في اليونان.


    ولكن بيرون كان يعيش في مدينة (أليس). وقضى حياته في غير الاسكندرية، وتوفي سنة 270 ق.م. وكانت المدن اليونانية في ذلك الوقت شبه مستقلة، يحكمها حكام وامراء يختلفون من حيث منهج التفكير وأسلوب الحكم والنظرة إلى الحياة والكون وما إلى ذلك.


    عاش اقليدس في الاسكندرية أيام حكم بطليموس الأول، وهو مؤسس أسرة البطالسة ورأسها وكان ينادي بحرية الرأي ويحترم العلماء ما دامو لا يعترضون لموضوع الآلهة ونقد الدين، وهو الذي أسس مكتبة الاسكندرية الشهيرة التي ذاع صيتها فيما بعد.


    وكان من توجيهات بطليموس الأول ألا تتعرض المباحث العلمية للمسائل الدينية، فإن تعرضت نظرية علمية مع رأي ديني، وجب على العالم التراجع، فلا يتصدى للعقيدة والرأي الديني.


    لهذا فقد تعذر على اقليدس في حياته ان يعارض العقيدة الدينية القائلة بأن زيوس يرسل شمساً في اشراقة كل يوم إلى السماء، وأن يصحح هذه العقيدة بقوله بأن الشمس هي التي تدور حول الأرض، وقد عثر على هذا الرأي مدوّناً في مذكرات اقليدس ومؤلفاته بعد وفاته.


    ولمّا جاء العالم الجغرافي بطليموس بعد حوالي قرن من اقليدس، أخرج هذه النظرية إلى النور، ولا يستبعد أن يكون نقلها عن مؤلفات اقليدس ومذكراته الموجودة في مكتبة الاسكندرية، فقام بتدوينها واعلانها حتى اقترنت هذه النظرية باسمه.


    أما (بيرون) اليوناني، الذي كان ينفي وجود آلهة الاغريق، فلم يتحدث عن توالي الليل والنهار أبداً، ولكنه اشتهر في تاريخ العلوم الاغريقية بأنه (أبو الشكاكين) لمعارضته للعقائد الدينية وتفنيده لها، وكان من مذهبه أننا نفتقر إلى دليل علمي دقيق يهدينا إلى معرفة كنه الوجود، وكان يقول إن الآراء والنظريات الفلسفية المتعلقة بالوجود يتعارض بعضها مع البعض الآخر، أو يمكن الردّ عليها بآراء ونظريات أخرى(19).


    وللمثال ففي كل سنة تتساقط على الأرض ملايين من ثمرات التفاح الناضجة على مرأى من الآلاف ومسمع، ومع ذلك لم يخطر ببال أحد أن يسأل عن سبب سقوطها، ولِمَ لا تطير في الهواء. أو تنحرف شرقاً أو غرباً، أو تقع في مكان آخر خلاف الأرض. وظل هذا التساؤل غائباً، إلى أن جاء نيوتن في القرن السابع عشر الميلادي واكتشف قانون جاذبية الأرض عندما سقطت تفاحة على رأسه.


    صحيح أنه كان هناك الآلاف من العلماء والفلاسفة في الشرق والغرب، الذين اتيح لهم في مطلع القرن الثامن الميلادي أن يقفوا على نظرية بطليموس بشأن دوران الشمس حول الأرض، ولكن أحداً منهم لم يسأل عن الشمس، وكيف أنها تدور حول الأرض في منطقة البروج، ثمَّ تترك هذا المسار (في منطقة البروج) لتدور في نهار وليل حول الأرض أيضاً.


    وكانت مدينة الاسكندرية الواقعة شمال مصر مركزاً للفلسفة والعلوم منذ أن أسست فيها المكتبة الشهيرة على يدي رأس أسرة البطالسة (بطليموس الأول)، وظلت تتمتع بهذه المنزلة إلى يوم سقوطها في أيدي الجيش العربي عند الفتح الإسلامي وعند إحراق مكتبتها(20)، أي ما يقرب من تسعمائة عام. وقد اشتهر علماء مدرسة الاسكندرية بآرائهم الفلسفية، وكانوا على قدر وافر من النشاط والعمل العلمي الدائب، ومع ذلك فلم ينبر أحد من المفكرين والعلماء في هذه المدرسة العلمية لمناقشة نظرية بطليموس بشأن دوران الشمس في منطقة البروج. ودورانها في نفس الوقت حول الأرض مرة في كل يوم وليلة، كما لم يتنبه أحد إلى إفساد هذا الرأي، إلى أن جعفر الصادق (عليه السلام) وتنبه إلى استحالة اجتماع هاتين الحركتين معاً، مع أنه كان آنذاك في مطلع شبابه، وكان يعيش في مدينة بعيدة عن الاسكندرية وليست مركزاً علمياً مشهوراً مثلها، وما ذلك إلاّ لأن هذا الشاب اليافع كان ذا عقلية علمية تفوق بكثير العقليات التي وجدت في مدرسة الاسكندرية والتي عاشت في قرون متوالية بعد ذلك.


    ولم يكن لجعفر الصادق (عليه السلام) اهتمام في أيامه هذه بالشؤون الاقتصادية، ولا عقلية تجارية أو مالية، وهذا أمر طبيعي بالنسبة للصبية في مثل سنِّه، إذ أنهم لا يتحملون تبعة كسب القوت ولا يعولون أسرهم، ولكنه (عليه السلام) كان يملك القدرة على التفكير السليم، وكانت له عقلية علمية منظمة فذة تساعد على اكتناه الأمور والوصول إلى النتائج الصحيحة في أبحاث العلوم، ولا سيما أبحاث النجوم والفلك التي قصرت عن إدراكها عقليات غيره من معاصريه.


    وعندما أعلن جعفر الصادق (عليه السلام) عن رأيه في استحالة اجتماع حركتي الشمس (1ـ في منطقة البروج و 2ـ حول الأرض) لم تستطع العقلية العلمية لغيره من معاصريه أن تدرك أهمية هذا الرأي وتستوعب حقيقة مداه، لأن هذه العقلية كانت من الضعف بحيث استعصي عليها هذا الفهم، وتعذر عليها بالتالي ان تولي آراء الصادق ما هي أهل له وجديرة من الاهتمام والعناية.


    وهذا هو حال كل عبقري أو مفكر يرتفع بتفكيره الوسط الذي يعيش فيه، فهو يرى الأمور بعين ومنظار يختلفان عن مقاييس رؤية عامة الناس لها، وهي رؤية لا تتجاوز الأمور المحسوسة والحاجات اليومية الدارجة.


    فمثلاً هذا التقدم الذي أحرزه الطيران في عصرنا هذا، والرحلات الفضائية أو المكوكية التي يسرت على الانسان ان يضع قدميه لأول مرة على سطح القمر، لا ريب في أنه يعود الفضل فيها إلى نظرية نيوتن الخاصة بجاذبية الأرض. والغريب ان اكتشاف نيوتن لقانون جاذبية الأرض، الذي هو قطعاً من أهم القوانين الطبيعية التي اهتدى إليها الانسان، لم يصادف من عامة الناس في عصره اهتماماً يُذكر، بل ان جريدة (الديلي نيوز)، وهي أولى الصحف البريطانية في ذلك الوقت، وكانت تصدر اسبوعيا، لم تحفل بنشر نبأ هذا الكشف العلمي في حينه، وطبيعي أن الصحف الاْخرى لم تهتم بدورها بهذا الكشف، ولم تورد النباْ إلا بعد ثلاث سنين اْو أربع، هذا في الوقت الذي كانت فيه هذه الصحف مشغولة بانباء السرقات وجرائم النهب و السلب والقتل والاحداث اليومية، لاْن في عرفها أن لهذه الاخبار ـ دون غيرها ـ أهمية قصوى للقراء لارتباطها بحياة الناس.


    أما العلماء والباحثون الذين وقفوا على هذا الكشف العلمي، فلم يشروا اليه لكونهم لم يشتركوا في الاهتداء الى ناموس الجاذبية، ولأن الحسد هو من طبيعة البشر، ولكن العالم عرف هذه النظرية العلمية في ما بعد، واهتمت بها بريطانيا، وكرّمت صاحبها نيوتن بمنحة لقب سر (Sir).


    فإذا كان القوم في القرن السابع عشر لم يهتموا في الغرب باكتشاف نيوتن لناموس الجاذبية، فلا عجب أن يكون أهل المدينة المنورة في القرن الثامن قد نظروا بقلة اهتمام الى ما كشف عنه جعفر الصادق (عليه السلام)، ولكن الفرق بين عامة الناس في المجتمع البريطاني في القرن السابع عشر و بين الذين كانوا يحضرون مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام) في القرن الثامن، فرق شاسع، إذ أن رواد مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام) كانوا من العلماء و الباحثين، و لم يكون مقبولا منهم أن يمرّوا بالمسائل العلمية دون التفات و اهتمام، فإن كان قد فاتهم من قبل أن يهتدوا إلى ما اهتدى اليه جعفر الصادق (عليه السلام) من استحالة الجمع بين حركتي الشمس (في دائرة البروج ودورانها حول الأرض)، وهو الرأى الذى ذهب اليه بطليموس، فقد كان منتظرا منهم أن يستقبلوا رأى الصادق (عليه السلام) بالاهتمام و المدارسة، وأن يبحثوا عن سبب آخر لتعاقب الليل و النهار، ولكن تفكيرهم العلمي كان محدودا جدا، ولم يسعهم مناقشة هذه النظرية مع منشئها جعفر الصادق (عليه السلام) نفسه. ولعل من أسباب تقاعسهم أن جعفراً الصادق (عليه السلام) كان في ذلك الوقت طرى العود، و عمره لا يزيد على اثني عشر ربيعا، بينما أصحاب الامام الباقر (عليه السلام) و طلاب مدرسته كانوا في غالبيتهم رجالا متوسطي العمر أو متقدمين في السن، ولعل هؤلاء كانوا يرون في أقوال الصادق (عليه السلام) كلام صبية، ولو أنهم دققوا النظر فيها، لا ستبان لهم وجه الحقيقة ناصعا مجلوّا.


    لقد كان جعفر الصادق (عليه السلام) يرى حول الأرض دائرة واسعة مقسمة الى اثنى عشر برجا، وكان يرى صورة الشمس و هي تدور في هذه الدائرة من برج إلى برج، فسأل نفسه قائلا: إذا كان لا بد للشمس أن تدور في هذه الدائرة مرة واحدة كل سنة، فكيف لها أن تغادرهذه الدائرة لتدور حول الأرض مرة واحدة كل نهار و مساء؟ ان اجتماع هاتين الحركتين معا غير مستطاع عقلاً.


    و قد تكون هذه النظرية واضحة ومفهومة للناس جميعا في يومنا هذا ولكنها لم تكون واضحة أو مفهومة لطلاب مدرسة الباقر (عليه السلام) فكيف لعامة الناس آنذاك؟


    وفي القرن السابع عشر الميلادي وحين نادى كوبرنيكوس البولوني بنظرية دوران الأرض حول الشمس، لم تصادف هذه النظرية اهتماما أو قبول في مجتمعه بدوره، بل ان الموت كان يترصد له لدعوته الى رأي مخالف للعقيدة الدينية القائمة عندئذ ولم تنقذه منه إلا أنه كان يعيش في بولونيا، وليس في روما أو المانيا أو في اسبانيا مثلا حيث كانت محاكم التفتيش العقائديةInquisition تلاحق الخارجين على الدين والمعارضين والمناوئين للمسيحيين للمتشددين المسيحيين (التوركفادا) Turquevada، وتحكم عليهم في الأغلب بالسجن أو التعذيب حتى في أتفه مسائل الخلاف، وقد كانت نظرية كوبر نيكوس هذه دخيلة على التفكير المسيحي السائد، لقوله بأن الأرض وسيارات أخرى هي التي تدور حول الشمس، وهو ما يكون جزاء صاحبها الإعدام بلا ريب، ولقد سبق لهذه المحاكم أن عاقبت جاليليو Galillee وحرمته من مزاولة الطقوس الدينية وطردته من الكنيسة.


    ولكن بولونيا كانت خارجة عن دائرة نفوذ هذه المحاكم ولذلك أبدى كوبر نيكوس رأيه هذا في دوران الأرض حول الشمس، دون أن يمسه أذى هذه المحاكم وعقابها المنتظر، في حين أن جاليليو، الذي اخترع منظار المراصد (التلسكوب) وبرهن على رأي (كوبر نيكوس) علميا وعملياً، لم يستطع النجاة من سطوة هذه المحاكم القاسية، فألقي القبض عليه، وأودع السجن، وكان من المنتظر أن يحكم بإحراقه لولا تدخل بعض أصحاب


    النفوذ وحمايتهم له، مع أنه ورغم تدخل هؤلاء السياسيين أو أصحاب السلطة، فإن المحكمة لم تفرج عنه بل فرضت عليه أن يسحب قوله بأن الأرض تدور حول الشمس وأن يتوب عن هذه الهرطقات، ويتعهد بعدم تكرار مثل هذا القول من أقوال الكفار والملاحدة.


    وبين أيدينا رسالة جاليليو في التوبة وطلب العفو والاعتذار، وهي تثبت أن نظرية دوران الأرض حول الشمس لم تكن من ابتداع جاليليو بل نقلها عن كوبر نيكوس البولوني.


    الهوامش:


    1 - يوحنا مندل (MENDEL) ولد عام 1822 وتوفي عام 1884، وهو راهب وعالم نباتي نمسوي، قام بإجراء تجارب على الصفات المتوارثة في النيات والحيوان، واستنبط ناموس الوراثة المعروف باسمه (المترجم).


    2 - كان هذا الرأي المؤلف في أبي هريرة. وأما آراء المسلمين في الموضوع فيرجع إليها في كتاب (شيخ المضيرة أبو هريرة) للشيخ محمود أبو رية، طبع دار المعارف، القاهرة/ 1325هـ.


    3 - وخاصة إذا كان ممن لا يدينون بدين سماوي أو إيمان يتيح لهم الاعتراف بخوارق العادات هذه.


    4 - ثاسيت مؤرخ رومي ولد سنة 55 ميلادية وتوفي 118م، ولف ما لايقل عن مائتي كتاب، بقي منها ثلاثة:


    أ ـ جرمانيا: وهو تاريخ الشعوب الألمانية في مجلد واحد.


    ب ـ كتاب التاريخ في أربعة مجلدات.


    ج ـ تقويم الرزنامج في اثني عشر مجلداً.


    5 - عن الطالقاني، عن الجلودي عن المغيرة بن محمد عن رجاء بن سلمة عن عمرو بن شمر قال: سألت جابراً الجعفري فقلت له: ولمَ سمي باقراً؟ قال: لأنه بقر العلم بقراً، أي شقه شقاً، وأظهره اظهاراً.


    1 - علل الشرايع ج1 ص233.


    2 - معاني الأخبار ص 65.


    3 - عيون أخبار الرضا ج2 ص56.


    4 - بحار الأنوار ج48 ص 221 (المترجم).


    6 - عند الشيعة أن الأئمة (عليهم السلام) لا يأخذون العلوم عن أحد ولا يدرسون عند أحد لكون علمهم لديناً إلهياً في مصدره كما سبق.


    7 - عدا كتب الأحاديث والأخبار عن آل البيت (عليهم السلام).


    8 - ترى الشيعة ألقاب الأئمة (عليهم السلام) من عند الرسول (صلى الله عليه وآله) بالوحي الالهي وقد مرّ بك أن أبا هريرة روى عن الرسول (صلى الله عليه وآله) حديثاً.


    9 - كما وردنا في حاشية سابقة.


    10 - ولكنه خرج إلى العراق بعد ما تولى الامامة، عدة مرات (المترجم).


    وأيضاً إلى الشام مع أبيه (عليه السلام) زمن الوليد بن عبد الملك حين طلب الامام الباقر (عليه السلام) من المدينة امنورة، وقصة ذهاب الامامين الباقر والصادق (عليه السلام) إلى الشام والمناظرات بينهما وبين العاقب أو الجاثليق (رئيس النصارى) مشهورة ومذكورة في عدد من كتب الروايات والأخبار...


    11 - عمر بن عبد العزيز بن مروان (61 ـ 101هـ) ابن عم الوليد بن الملك وواليه على المدينة. تولى الخلافة بعد ذلك (99هـ) واشتهر بتقواه وتمسكه بالسنة. انصرف إلى الإصلاح الداخلي والمالي، وأظهر تسامحاً مع العلويين، فنهى عن سب علي (عليه السلام) على المنابر. كما كان متسامحاً مع النصارى والموالي. (المترجم).


    12 - الطنفسة، ج طنافس: البساط، الحصير، الثوب (فارسية)، القاموس.


    13 - كربرنيكس (Copernic) فلكي بولوني ولد عام 1472م وتوفي 1543م. وقد أقام البرهان على دوران الكرة الأرضية حول نفسها وحول الشمس.


    14 ـ كريستوف كولمبوس (C. Colombos) 1451م ـ 1506م بحار رائد، ولد في جنوب إيطاليا وتوفي باسبانيا وهو مكتشف أمريكا.


    أبحر من بالوس في 3 آب 1492 ووجهته بلاد الهند عن طريق الغرب، وفصل إلى شواطئ سان سالفادور (أمريكا الجنوبية) في 12 تشرين الأول 1492 (المترجم).


    15 - فردنان دي ماجلان (Magellan) (1480 ـ 1521م) رائد برتغالي، اكتشف المضيق المعروف باسمه في عام 1520م وقام بأول رحلة حول العالم، ولكنه قتل في إحدى جزر الفلبين (المترجم).


    16 - بطليموس القلوذي (بطولوميوس كلوذيوس) صاحب (المجسطي) أشهر كتب الفلك في العصور الأولى، ثمَّ أقليدس صاحب كتاب الهندسة المشهور (المترجم).


    17 - يقابلها بالعربية لفظ (المشتري) Jupiter... .


    18 - هو رئيس الشكاكين من الفلاسفة.


    19 - وعليه فيعين الشك في هذه الآراء والنظريات كلها جملة واحدة...


    20 - قضية احراق مكتبة الاسكندرية أو مكتبة جنديسابور بأيدي جيوش الفتح الاسلامي هي: من القضايا الملفقة ضد المسلمين، ولا دليل عليها في أي مرجع تاريخي يعتد به، وأما ما قيل من أن الخليفة عمر بن الخطاب قال لقائد جيوش المسلمين في أرض فارس عندما سأله عما ينبغي عمله بالنسبة للمكتبة: (احرقوها، كفانا كتاب الله)، فرواية ضعيفة. (المترجم).


    اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد الطيبين المعصومين الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا

    عمار علي الأعجمي (الامازيغي)

  15. #15
    عضو في ذمة الله الصورة الرمزية عمار علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    الدولة
    نـومــيـديـــــا ( الجزائر )
    المشاركات
    1,559

    افتراضي مدرسة المدارس وجامع الجوامع الامام جعفر الصادق عليه السلام في منظور علماء الغرب


    حرية البحث العلمي في الإسلام
    لا ريب في أن المدينة المنورة في عام 91 للهجرة ومدرسة الإمام الباقر (عليه السلام) بها كانتا تتمتعان بحرية لم تتمتع بها معظم المدارس والجامعات الأوروبية في القرون الوسطى، بل في القرنين الأول والثاني من عصر النهضة أيضاً(1).
    وقد رأينا كيف أن جعفراً الصادق (عليه السلام) انتقد وفنّد نظرية بطليموس في دوران الشمس حول الأرض في يوم وليلة، بعدما وقعت في يده الكرة الأرضية التي جيء بها من مصر، في حين أن العلماء والباحثين في بداية عصر النهضة لم يتمكنوا من المجاهرة بالاعتراض على هذه النظرية.
    وفي الوسع القول بأن المسلمين عامة كانوا أكثر حرية في دراسة المسائل العلمية ومناقشتها، حتى لو تعارضت مع مذهب أو رأي ديني، وحتى في أحلك فترات الحكم في التاريخ الإسلامي، كأيام بعض الخلفاءالعباسيين، وأن الباحث المسلم كان أكثر حرية من الباحث الأوربي في الإتيان بالنظريات العلمية.
    وأما الفترات العصبية التي مرت بالتاريخ الإسلامي في أيام بعض الخلفاء العباسيين، والتي حُجر فيها على البحث في بعض الموضوعات الفلسفية أو المذهبية، كالبحث مثلاً في موضوع خلق القرآن وهل هو قديم أم حادث، فقد كانت دواعيها هي خوف الخليفة من أن يفقد احترام الناس له ولمنزلته التي تقترب من القداسة، وبالتالي نفوذه وسلطانه.
    ولو أن النقد الذي وجهه جعفر الصادق (عليه السلام) إلى نظرية بطليموس ساق مثله باحث في أوربا، لأصابه على أقل تقدير جزاء التكفير والطرد من المجتمع الديني. ولو أن باحثاً أبدى هذا الرأي في أوربا في القرن الثالث عشر الميلادي والقرن الذي بعده، لكانت عقباه الإعدام والإحراق بالنار، وقد نص القانون الصادر عن المجمع الديني المنعقد عام 1183 ميلادية في مدينة (ورون) على أن جزاء الخارج على الدين الإعدام بالمقصلة (La Guillotine) ثمَّ جاء البابا جورجيس التاسع، ووضع قواعد محاكم التفتيش العقائدية (Inquisition) في سنة 1233 للميلاد. ومنذ ذلك التاريخ، نفذت الأحكام الصادرة عن هذه المحاكم بإحراق كل من يدان بالاعتقاد بعقيدة تخالف المسيحية واعتباره خارجاً عن الدين.
    وكانت لهذه المحاكم سلطة واسعة في التحري والتفتيش، حتى في حرم المدارس والجامعات، وكانت عقوباتها الصارمة في انتظار أي طالب يجرؤ على توجيه سؤال غير مألوف أو خارج عن قواعد ادين إلى الاستاذ، حتى ولو كان ذلك في قاعة الدرس وفي حرم الجامعة.
    واستمرت هذه المحاكم تزاول نشاطها إلى سنة 1808 ميلادية عندماتولى نابليون الأول السلطة، كامبراطور لفرنسا، فأمر بحلها وإلغائها، ولكن هذا الإلغاء لم يستمر طويلاً، إذ أنها أعيدت. في اسبانيا اعتباراً من سنة 1814 ميلادية، وظلت تزاول نشاطها إلى ما بعد عام 1834 للميلاد.
    وتكمن أسباب الجمود والتأخر وما يسمى بظلمة القرون الوسطى في أوربا في انعدام حرية الرأي والبحث، بينما تقدمت الحركة العلمية وتوسعت في العالم الإسلامي في هذه الفترة، فقد كان محظوراً على الباحث أو العالم الأوربي أن يدلي بأي رأي أو نظرية الكنائس المسيحية، وكانت العقوبة شديدة لم تسوّل له نفسه معارضة الآراء الدينية النصرانية، في حين أن الحرية في البحث وفي العكوف على نفس العلوم والنظريات العلمية(2)، وقبولها أو مناقشتها أو ردها، كانت سائدة في المجتمع الإسلامي في القرون الوسطى.
    ومع أن اشعاعاً من العلوم والفنون الشرقية كان يصل إلى الغرب، إلا أن الجو الحاكم المهيمن على ذلك المجتمع كان غارقاً في ظلام حالك، ولم تتمكن علوم الشرق وثقافته من النفاذ إلى الوسط العلمي هناك، اللهم إلا بالنسبة لبعض فروعها كالطب والصيدلة.
    فقد انتقلت إلى العرب أرجوزة ابن سينا في الطب، ووضعت لها ترجمة باللاتينية، وقل من لم يحفظ أو يقرأ الترجمة اللاتينية بهذا المرجع بين اطباء الغرب في تلك الفترة، أما علوم الهيئة والنجوم فلم يكن يسمح بنقلها إلى الغرب.
    الهوامش:
    1 - عصر النهضة أو التجديد (Renaissance) عند الأوربيين هو عصر العلم والصنعة واكتشاف البخار، وهو يبدأ من سنة 1453 ميلادية أي من تاريخ سقوط القسطنطينية وفتحها على يدي السلطان محمد الفاتح. (المترجم).
    2 - بما فيها تلك النظريات المخالفة للآراء الدينية والمذهبية.
    اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد الطيبين المعصومين الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا

    عمار علي الأعجمي (الامازيغي)


صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. سلسلة حياة اهل البيت عليهم السلام ( الامام جعفر الصادق)عليه السلام
    بواسطة هدى الزهراء في المنتدى منبر الثقلين [ كتاب الله والعترة الطاهرة عليهم السلام ]
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 22-01-2009, 02:34 PM
  2. بمناسبة شهادة الامام جعفر الصادق عليه السلام
    بواسطة Ali Hassan في المنتدى منبر الشعر والأدب
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 05-11-2008, 03:54 AM
  3. الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام
    بواسطة سيد حسن سيد عباس في المنتدى منبر الثقلين [ كتاب الله والعترة الطاهرة عليهم السلام ]
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 09-04-2008, 09:49 PM
  4. تصميم لوفاة الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام
    بواسطة عشق الجنان في المنتدى منبر التصاميم الفنية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 22-12-2004, 10:10 PM
  5. عظم الله لكم الاجر بوفاة الامام جعفر الصادق عليه السلام
    بواسطة محب الدرازي في المنتدى منبر الصوتيات والمرئيات
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 09-12-2004, 01:16 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
الساعة الآن 08:52 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.0
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.